السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

أمن الخليج من أمن مصر ولن نسمح بالمساس به * ليبيا بحاجة إلى خريطة طريق

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
TT

السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي

في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، خلال زيارتي للقاهرة، كان الوضع المصري يومها، يعرض نفسه بكل تفاصيله وتعقيداته السياسية، ومشاكله الاجتماعية، ومخاطره الأمنية على ملامح المارة في الشوارع، وعلى وجوه كل من يمكن أن تلتقيه وتحاوره، أو حتى يهمس لك بكلام عابر.
في الفندق الذي أقمت فيه، لم تكن الأحاديث والحوارات المتداولة في قاعاته، تختلف عمّا يمكن جمعه عن ملامح الناس في الشوارع من قلق واضطراب وتشاؤم أغلق حتى النوافذ، التي يمكن أن تتسرّب عبرها أحلام المصريين بانفراج ما قريب. كان أي شيء وكل شيء، يكفي لأن يرسم صورة لمصر لم تعرفها في أحلك عصورها.
اليوم بدت القاهرة خارجة من تلك التفاصيل، تتنفس الأمل برئتين واسعتين، وهي تتمتع بقدر معقول من الاطمئنان. كانت الساعة تقترب من الرابعة والربع فجرا، حين وصلت إلى مطار القاهرة. الانتقال من هناك سهل، وحركة السير بدت مريحة إلى حد كبير، في ظل استقرار نسبي، اشتاقت له القاهرة كثيرا. وحين دخلت بنا السيارة أطراف العاصمة المصرية، كانت الطرقات مشرعة أمام حركة الناس والسيارات، حتى في مثل هذا الوقت المبكر من النهار. القاهرة (مصر) كما يطلق عليها المصريون، كانت طبيعية إلى حد مريح.
تغيرت مشاعر الناس. ملامحهم بدت أكثر ارتياحا. حتى الكلام الذي كان يشغل الناس تغير نسبيا، ربما لأن تعابير الناس أخذت تعكس قدرا كبيرا من الأمل بالمرحلة المقبلة. أما الأحاديث المباشرة، فتبدأ كلها بالاستقرار وتنتهي عنده، خصوصا بعد ما شهدته مصر من تفجيرات وأعمال إرهابية في الفترة السابقة.
من يتحدث إلى رجال الأعمال، يدرك عمق الأزمة الاقتصادية التي تخنق مصر، على الرغم من تماسك العملة المصرية وثباتها في وجه عواصف التدهور المتعاقبة. لكنها أحاديث تمر في طريقها إليك بتطلعات صادقة إلى انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، والجميع يأمل أن تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة انعطافة ديمقراطية حقيقية، تغلق الأبواب على العديد من المشكلات، وتحقق الاستقرار الأمني الذي لم يزل يعاني من ثغرات تنفذ منها أعمال إرهابية، آخرها ما وقع أول من أمس، في القاهرة وشمال سيناء، وأودى بحياة ثلاثة مواطنين وجرح تسعة آخرين، بينهم مجندون.
التقيت المرشح الرئاسي، المشير عبد الفتاح السيسي، قبل يوم من موعد الصمت الانتخابي. كان محاطا بالعديد من الزوار، وكاميرات التلفزة التي كانت تسجل مواقفه الأخيرة قبل بدء السباق الرئاسي. كان جدول أعماله كثيفا ومزدحما. لكننا التقينا وأعطاني من وقته الكثير.
أجرينا الحوار في استراحة بضاحية مدينة نصر، تطل على النصب التذكاري للجندي المجهول، الهرمي الشكل. وهو من تصميم الفنان المصري، سامي رافع، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، الحاصل على الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة في فيينا. صمّمه فور فوزه في مسابقة فنية لعمل نصب تذكاري، شارك فيها عدد كبير من الفنانين المصريين. وكان الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، هو من أمر بتشييد النصب التذكاري، أو «قبر الجندي المجهول»، تخليدا للمصريين الذين فقدوا أرواحهم في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، وافتتح بعد الحرب بعامين. وقد اختير الموقع مكانا لدفن الرئيس السادات عقب اغتياله في أكتوبر 1981.
بني النصب التذكاري على شكل هرم، رمزاً لفكرة الخلود في حضارة المصريين القدماء. وهو عبارة عن هرم مجوف من الداخل. ويبلغ ارتفاعه 33.64 متر، في حين يبلغ عرض حيطانه عند القاعدة 14.30 متر. وتبلغ سماكة حوائطه الأربعة 1.9 متر، وقد سُجّل عليها واحد وسبعون اسما رمزيا.
اللقاء مع المشير، ترك لديَّ انطباعا قويا حول ثلاث مزايا يتحلى بها السيسي:
أولا: تواضعه على المستوى الشخصي، الذي ينعكس في بساطة تعامله مع الآخرين، ويكسبه احتراما مضاعفا.
ثانيا: طرحه المباشر وأفكاره المحددة والواضحة. فالرجل يعرف ما عليه، وما ينبغي القيام به.
ثالثا: صراحته المتناهية في تناول العديد من الملفات الساخنة والحرجة والحساسة، وحتى الأكثر تعقيدا مما يشهده واقع مصر راهنا. حتى في تناوله وتعليقاته على نظام حكم حسني مبارك ومحمد مرسي، كان المشير هادئا، صريحا في اختيار تعابيره. وفي ما يلي نص الحوار:

* شهدت المنطقة انتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث الماضية. هل كان ذلك نتيجة تحولات اجتماعية أم تحول في ميزان القوى الإقليمية؟
- لا شك أن هناك تحولات اجتماعية حدثت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية في أكثر من بلد، نتج عنها ما نتج كما نرى - بيد أنه يجب ألا نغفل وجود تحولات إقليمية - حدثت نتيجة لتلك الثورات والتغييرات. هناك فعلا من يحاول أن يغيّر ميزان القوى لصالحه والمساس بمصالح الآخرين. لقد شهدنا في مصر تحولات كبيرة، وكان هناك من يحاول الإضرار بالمصلحة القومية لمصر، لكننا استطعنا تجاوز كل ذلك بإرادة الشعب، وإن كنا بحاجة حقيقية للعمل والجهد وكثير من الأمل حتى تعود مصر إلى وضعها الطبيعي.
الجميع لديه الثقة بالمستقبل، لكننا لن نحقق ما نصبو إليه إلا من خلال العمل الجاد على كل المستويات. إن التحسن الحقيقي لن يكون إلا بوجود تعاون إقليمي جاد وواع.
أما في ما يخص موازين القوى فأرى أن المعالجة الحقيقية تكون في وجود قوة حية، قوية وحاكمة في المنطقة، وهنا في مصر أيضا ومحيطها العربي.

* تشهد ليبيا مواجهات مسلحة ما بين عناصر من القوات الليبية السابقة والميليشيات الإسلامية، ما تقييمكم لما يحدث في بلد الجوار؟
- للأسف تحولت ليبيا خلال العامين الماضيين إلى بؤرة لتجمع الميليشيات المسلحة والمتطرفة. خرج الليبيون لتغيير النظام السابق وللمشاركة في صنع المستقبل وصياغته، وإنشاء دولة المؤسسات، دولة مدنية يشترك فيها الجميع، ولكن بوجود الميليشيات تحولت الغلبة للسلاح والعنف، وأصبحت ليبيا نقطة تجمع للعناصر الإرهابية.
كان يجب على الأوروبيين بعد إسقاط النظام السابق أن يكملوا ما بدأوه، فيقومون بجمع السلاح للحفاظ على الأمن والسلم، ولا أعتقد أن أحدا كان ليعترض على ذلك.. أما في مصر فكان هناك قرار حاسم ورسالة واضحة مفادها أننا لن نسمح بانطلاق أي عمل إرهابي من داخل ليبيا ضد بلادنا.

* إذاً المهمة لم تنتهِ في ليبيا بعد؟
- بعد ما حدث في ليبيا كان ينبغي القضاء على ظاهرة السلاح المنتشر، التي لا تعكس ما يطمح إليه الشعب الليبي الذي يصبو إلى الحرية وفرض الإرادة الشعبية التي تريد بناء دولة تستوعب الجميع، وهذا بكل تأكيد لن يحدث في ظل وجود السلاح، وإنما من خلال خريطة طريق تعبر عن إرادة الليبيين لا الميليشيات، وسيجد هذا دعما من الجميع.

* هل يعني ذلك ضرورة دعم الأطراف التي تقاتل الميليشيات الإسلامية؟
- لا يعني ذلك تدخل مصر، أو حتى الدول العربية في ليبيا، إنما من الواجب دعم الاعتدال، وتقوية الليبيين في مواجهة التطرف.

* هذا يقودني إلى السؤال عن الحرب السورية.. هل ترون أن هناك تغييرا في المواقف العربية نتيجة طول الأزمة؟
- كان هناك موقف عربي مما يحدث في سوريا، لكن الواقع الميداني تطور، وأعتقد أننا نحتاج إلى مراجعة هذا الواقع الجديد، لأننا نريد حلولا سياسية مع تجنب الحل العسكري. في الوقت نفسه نحرص على سوريا دولة موحدة، لا تقسّم أو تجزأ، لأن تقسيمها سيسبب مشكلات، ويخلق واقعا جديدا معقدا. نحن أيضا أمام معادلة الحفاظ على الواقع السوري ووجوب تصفية الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي ظهرت على ساحته.

* ولكن، ماذا بشأن بقاء الرئيس الأسد، خصوصا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية؟
- معالجة الأزمة السورية يجب أن تنطلق من نقاط ثلاث هي الأساس الذي يمكن البناء عليه، وهي كيفية الوصول إلى حل من دون تصعيد الموقف في سوريا أو تقسيمها ومن دون أن يكون هناك دور للجماعات التكفيرية. وحتى يتحقق هذا كله، لا بد أن يعمل الجميع على إيجاد حلول تحقق هذا الهدف.

* ولكن الجماعات المسلحة التي تتدخل في سوريا تشمل أيضا حزب الله؟
- التحالف بين سوريا وحزب الله معلوم ومعروف، وأي دعم من هذا الطرف للطرف الآخر مفهوم. وحده حل المشكلة السورية سوف ينهي العلاقة العضوية بين الطرفين، وبالتالي يمكن بعد ذلك حل بقية الملفات المرتبطة بالواقع المرير الذي يعاني منه الشعب السوري لأكثر من ثلاث سنوات.

* وماذا بشأن حركة حماس التي ترتبط بصلات عقائدية وتنظيمية مع الإخوان المسلمين؟
- ارتباطات حماس أوعقيدتها ليست مهمة بالنسبة لنا. المهم عندنا أن لا يؤثر كل ذلك في أمن مصر، وألا تستخدم العقيدة في الإضرار بأحد.
بالتأكيد، لا أحد يتصور أنه يستطيع أن يضر بأمن مصر أو العبث بمقدرات شعبها. هذا الملعب غير متاح. وللناس حرية اعتقاد ما يرونه، فنحن لا نتدخل في اختيارات أحد، ولكن لن نسمح في الوقت ذاته بالمساس بالأمن القومي لمصر.
يعرف الجميع أن المصريين لا يقبلون بكل ما يهدد أو يمس أمنهم، كما أن (حماس) موجودة منذ 2005، وخلال تلك الفترة ازدهرت تجارة الأنفاق وتهريب السلاح، وكانت لها أضرار كبيرة، ولم تتعرض لهم الدولة المصرية، لكن منذ بداية الأحداث الإرهابية في سيناء، كان هناك قرار حاسم بأن يتوقف كل ذلك. وأؤكد هنا بأننا لن نسمح بعودة الوضع كما كان، حماية للأمن القومي في مصر.

* ذكرتم أنه لن يكون هناك وجود لجماعة الإخوان المسلمين حال فوزكم بالانتخابات الرئاسية؟
- الشعب المصري لديه موقف منهم، هم وحدهم يتحملون مسؤولية هذه الحالة. الشعب المصري كان على استعداد في 3 يوليو أن يقبل بوجود الجميع، لكن تأييد الجماعة انتهى اليوم بشكل كامل.

* وماذا بشأن التنظيم الدولي؟ خصوصا أن بعض دول المنطقة أدرجت التنظيم على قوائم الإرهاب؟
- لقد بدا واضحا خلال الآونة الأخيرة التعاون الكامل بين الكتلة العربية الحية والقادرة على التأثير لاتخاذ هذا القرار المهم، الذي سيكون من بين نتائجه إنهاء وجود هذه الجماعة وطنيا ودوليا. أي بقايا تنظيم سيكون تأثيره محدودا. لكن علينا، في مصر ودول الخليج أن ننتبه لذلك.
نرى أيضا أن الواقع الجديد في المنطقة العربية يعيد تشكيل رؤية الغرب للإخوان وأمثالهم، ولدينا أمثلة لما يحدث في ليبيا وسوريا.

* شهدنا انكفاء مصر للداخل خلال الأعوام الماضية بسبب الأوضاع الداخلية. ما هو شكل السياسة الخارجية التي تسعون لتطبيقها في حال فوزكم؟
- لدينا سياسة منفتحة على الجميع، نحن نريد أن نتعاون ولا نرغب في الصدام مع أحد، شرط الاحترام المتبادل وابتعاد الآخر عن الصدام معنا. نهتم كثيرا بوحدة أمن مصر والخليج وكل الدول العربية، وهو أمر غير قابل للتجزئة. سنعمل على تعميق التعاون مع دول حوض النيل كعمق استرتيجي متبادل، ونرسخ التعاون مع كل دول العالم على أساس الندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشأن الداخلي.
أؤكد أيضا على توسيع خيارات التعاون لتحقيق المصالح القومية، فالعلاقات الاستراتيجية مع أميركا لا تتعارض أبدا مع القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
نحن ملتزمون بقضية فلسطين حتى تقام الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، ومهتمون بالقارة الأفريقية والعلاقات مع الدول الإسلامية، وسنعمل على إدارة العلاقات الخارجية وفق رؤية ومنظور استراتيجيين يحققان المصالح المتبادلة للجميع.

* ما قراءتكم للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+ 1) هل أنتم مؤيدون أم معارضون؟
- نحن مع أي ترتيبات أمنية لا تمس أمن الخليج، باعتباره أمنا مصريا، ولا نسمح بالمساس به.

* ماذا بشأنكم أنتم في ما يتعلق بملف التكنولوجيا النووية؟
- الاستخدام السلمي للقدرات النووية تكفله المعاهدات الدولية، فهناك دول لديها تكنولوجيا متقدمة تمكنها من تصنيع قنبلة، ولكنها لم تفعل ذلك، والسؤال هنا هو: هل يمكن أن نصل إلى مستوى امتلاك المعرفة والقدرة النووية ونستخدمهما بشكل سلمي؟

* صرحتم بأن السعودية ستكون أول دولة تقوم بزيارتها رئيسا لمصر، ما الرسالة التي ستحملونها؟
- أولا، كل التقدير والاحترام لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فهو ملك عربي حكيم وأصيل، ولهذا ذكرت بأن أول دولة أنوي زيارتها ستكون المملكة العربية السعودية. نريد أن نذهب لنقدّر رجل العرب وحكيمهم حق قدره، فلن ننسى مواقفه معنا وبيان دعمه لشعب مصر، الذي أحدث تغييرا في المعادلة وغيّر الكثير منها.
الشكر والتحية لحكيم العرب، وأؤكد على ضرورة تكامل مواقف البلدين في أوقات الشدة، وأن نكون معا دائماً، ولا نسمح بأن تتأثرعلاقتنا مرة أخرى.
ثانيا، إن خدمة أهداف الأمن القومي المصري والسعودي هي أن نتكامل.
إن الحس القومي العربي استدعانا لأن نكون متشابكين ونشد على أيدي بعضنا بعضا. نحن نحتاج لهذا دائما.
ذكرت في وقت سابق أن مصر لن تقف متفرجة أمام أي تهديد لأي دولة خليجية، وما بيننا «مسافة السكة»، وهذا يعني أنه في حالة أي عمل يهدد أي دولة وتم استدعاء مصر.. فورا نلبي - وأكرر «مسافة السكة».

* التحقت بالعمل ملحقا عسكريا لدى السعودية، ما ذكرياتكم خلال تلك المرحلة؟
.- ذكريات كثيرة ومؤثرة، منها زيارتي للفيصلية بعد افتتاحها. كما أتذكر الكرم السعودي والأكل المتميز والشخصية السعودية، التي أكن لها كل احترام.

* تزامنت زيارتكم لدولة الإمارات مع إجراء مناورات عسكرية مشتركة.. ما دلالة ذلك؟
- أريد التأكيد على أن هناك تعاونا عسكريا دائما منذ فترة طويلة، وتدريبات سنوية متبادلة، وسوف نستمر في المزيد من التدريبات، بحيث نعرف المسارح المختلفة للعمليات.

* منذ أكثر من عام وهناك عمليات تتعلق بمكافحة الإرهاب في سيناء ومناطق أخرى، هل تكتفون بالمعالجة الأمنية؟
- الأمر واضح ويجب أن ننتبه لخطورة الخريطة التي نراها الآن.
لا ننتظر أن يصل الإرهاب إلى بلادنا، ولا بد من المواجهة. من المهم وضع استراتيجية شاملة لتحصين عقول وقلوب أهالينا، كما سنعمل على تغيير الخطاب الديني الذي يسيء للإسلام، وذلك من خلال رؤية واستراتيجية عربية مشتركة لحل هذه المسائل.

* حلول مثل ماذا؟
– نهتم بمدارس علوم الدين، ونعيد الاعتبار للمدرسة التي تستدعي وسطية الإسلام، وتحصن العقول من التطرف.

* يظهر من تصريحاتكم أنكم مطلعون على أدبيات الإسلام السياسي؟
– لا أريد أن أسمى لك كتبا بعينها، هذا الموضوع محل بحث وقراءة سنين طويلة، وأنا أسأل «ليه كده»؟ منذ اغتيال الزعيم الراحل أنور السادات وأنا اشعر أن هناك شيئا خطأ، ومن يريد أن يتأكد عليه أن يقرأ الخريطة، ولذا وجب علينا كمسلمين أن نفكر لماذا حدث كل هذا، ولم نصحح الخطأ.

* ولكن كما تعرف حدثت مراجعات في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك – هل يعني ذلك عدم اقتناعكم بمنهج احتواء الإسلامين؟
- هناك فرق بين الذين يتخلون عن العنف ويلتزمون بالدستور والقانون، وبين الذين يتخلون فقط عن القيام بأعمال إرهابية من دون تغير في تفكيرهم، وبالتالي فالأمر يتطلب وضع استراتيجية شاملة، ومراجعة مستمرة حتى يتوقف التهديد.
نرى أن دور الأزهر مهم، وسوف يستمر قبل وبعد ما حدث وفي المستقبل، وأنه علينا أن نعمل على تحصين الشباب بالإسلام الوسطي الحقيقي، الذي يمنع انتشار التطرف، لأنه بغير ذلك سيظل التطرف والتشدد فكرا قائما، ولكن في حجمه الطبيعي.
للأسف ما يحدث يعطي انطباعا بأن هذا هو الواقع، وأن الدين هو التطرف. وفي ذلك خطأ وظلم كبيران.

* شهد الاقتصاد المصري تراجعا كبيرا، ما خطتكم في الإصلاح؟
- في البداية نحن درسنا نماذج مشابهة لمصر مثل البرازيل وغيرها من حيث الكتلة السكانية لاستخلاص بعض الدروس، ولكني في الوقت ذاته دائما أسأل الذين من حولي والعارفين بالشأن الاقتصادي: هل كانت لتلك الدول الظروف نفسها التي تشهدها مصر اليوم من ناحية الانتقال السياسي؟ لدينا تحديات كثيرة وسلبيات تحتاج إلى استراتيجية شاملة وطموحة، لتخرج مصر من دائرة الفقر ويخف العبء، وهذا يتطلب تفهما من الجميع.
لك أن تستحضر ما حدث في اليونان أخيرا، وقفت كل أوروبا معها ومرت من الأزمة، وكذلك الحال في البرتغال وإسبانيا.

* ماذا بشأن الدعم الحكومي؟
- هناك أغنياء وحتى سفارات أجنبية يحصلون على دعم، المواطن المصري المحتاج حقيقة أولى به.. أمور كثيرة يجب إعادة تنظيمها عبر ما أسميه الدعم الذكي.
يوجد هناك خطط كثيرة ومبادرات وأمثلة.. بلد مثل البرازيل هل كان لديها ثورات؟
هناك فعلا خطة، ولكن نتمنى أن يسمح المجال العام والمناخ بذلك.

* هل لديكم خطة للمائة يوم الأولى؟
- فكرة المائة يوم هي استدعاء لفكرة خارجية.
والمائة يوم الأولى تصلح كمعيار في الدول التي لديها استقرار سياسي ومؤسسات دولة قوية، ولم تشهد تهديدا كما جرى في مصر. يجب أن يشعر المصري بأن الوضع يتحسن في شهور قليلة وفي المجالات المختلفة.

* خلال ثورة 25 يناير واقتحام مبنى أمن الدولة. هل تسربت وثائق الدول المصرية وأسرارها؟
- لم يتم تسريب أسرار الدولة. نعم حدثت بعض السلبيات بسبب حالة الفوضى التي عمت آنذاك، لكن بعض المؤسسات مثل المخابرات والخارجية وغيرهما من مؤسسات الدولة لديها أسرارها، وهذه الظروف انتهت، ولن يُسمح أبدا بتهديد منشآت أمنية مرة أخرى، والاعتداء عليها مهما كان الثمن.

* في حال انتخابكم سيكون لديكم صلاحية العفو، فهل تنوي استخدامها مع الإخوان الذين صدرت بحقهم أحكام؟
- المشكلة أنهم يحتاجون إلى أن يصالحوا المصريين.. انزل إلى الشارع واسأل الناس.

* هل كنت تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية وقت إعلان بيان 3 يوليو الذي أنهى حكم الجماعة؟
- لا، كان هناك ضغط شعبي كبير من أغلب المصريين. الإحساس بالخطر والتخوف من وقوع المواجهة دفعا الناس للمطالبة بانتهاء عهدهم، ولو كانت الأمور تسير بشكل سلس لما دفعت الناس لاستدعائي.

* ما الدول التي تنوي زيارتها بعد انتخابكم؟
- لا شك أن الأولوية ستكون للدول العربية، وسبق أن ذكرت المملكة العربية السعودية، وأنوي أيضا زيارة كل من الإمارات والكويت، ولا بد من زيارة الدول الأفريقية القريبة، لدينا أميال كثيرة لنقطعها.

* وماذا لو قدمت لك دعوة لزيارة البيت الأبيض؟
- سوف أقبل بالزيارة التي تفيد المصلحة القومية المصرية، ومصالح الشعب المصري، لا شك أن لدينا فهما مختلفا، ولدى البعض فهم مختلف، ولدينا فهم لما جرى للمرحلة الماضية، ولكن بوسعا القول إن الشهور الأولى التي تلت 30 يونيو، كان من الصعب على البعض في أميركا وأوروبا استيعاب ما جرى فيها أو تفهم الأسباب الموضوعية للتحرك الذي قام به الشعب المصري. ولكن شهدنا بعد ذلك بداية استيعاب تدريجي، ولا أقول إن ذلك الاستيعاب تحقق بالكامل، لأن خريطة الطريق لم تنتهِ بعد.

* ما تصوركم للبرلمان المقبل بعد الانتخابات؟
- آمل أن يكون البرلمان استمرارا للتجربة التي بدأت، ولديّ أمل كبير أن يخلق البرلمان المقبل، القواعد الأساسية للعمل وللتجربة التي تمكن الشعب من تحقيق تطلعاته.

* في السياسة العربية، تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم وعلاقته بنظرائه في سياسة الدول. هل ستطرح نموذجا مختلفا؟
- المفروض ألا تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم أو القائد أو أي شخصية منتخبة وخياراتها الشخصية على خيارات الدولة، فالأصل أن المصلحة القومية هي الأساس.



مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها العاشر، الأربعاء، وسط استمرار المواجهات الأعنف في جبهات محافظة تعز (جنوب غرب)، إضافة إلى جبهات مأرب، والجوف، مع اشتداد الضربات الجوية والبرية التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين المدعومين من إيران، وقطع خطوط إمدادهم، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية، وموجات النزوح، وتتفاقم الضغوط على المستشفيات، والأسواق، والخدمات الأساسية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2200 عملية استهداف دقيقة، بمشاركة الطيران الحربي، والمسيّر، ومدفعية الميدان، والراجمات، ووحدات القناصة خلال 24 ساعة، وقالت إن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد نحو 1200 عنصر حوثي، وتدمير وإعطاب أكثر من 440 آلية وعربة ووسيلة عسكرية في مختلف محاور القتال.

وأوضح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات ركزت على مراكز القيادة والسيطرة، والتحصينات، ومصادر النيران، ونقاط المراقبة والاستطلاع، إضافة إلى مناطق الحشد، ومستودعات الأسلحة، والذخائر، ووسائط النقل، والإمداد، والأهداف العسكرية التي وصفها بأنها عالية القيمة.

وأضاف أن القوات الحكومية واصلت تطوير عملياتها الهجومية في الجبهتين الشرقية، والجنوبية، محققة تقدماً ميدانياً تحت إسناد نيراني مكثف، فيما استهدفت الضربات في تعز تجمعات المقاتلين، والتعزيزات الحوثية، بهدف تعطيل قدرتها على إسناد مواقعها، وإعادة تنظيم صفوفها.

وتقول مصادر ميدانية إن الجماعة تتكبد يومياً خسائر بشرية تشمل قتلى، وجرحى، وأسرى، بينهم قيادات ميدانية، حيث تشير التقديرات إلى خسارة الجماعة نحو 15 ألف عنصر بين قتيل وجريح خلال 10 أيام، بينما لا تعلن الجماعة حصيلة شاملة لخسائرها.

معارك متعددة الجبهات

في تعز، تركزت المواجهات خلال الساعات الأخيرة في جبهات جنوب المدينة، وشرقها، وغربها، مع تجدد الاشتباكات في الأقروض، حيث أفادت مصادر عسكرية باندلاع معارك في مناطق الصراري، وذي البرح، وضحيح، عقب محاولات حوثية لمهاجمة مواقع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن القوات الحكومية أجبرت المقاتلين الحوثيين على التراجع من منطقة الصراري في مديرية صبر الموادم، فيما استهدفت غارات جوية تجمعاً ومقراً تابعاً للجماعة في منطقة الحوبان شرقي المدينة.

صورة ليلية لمدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (فيسبوك)

وفي الجبهة الغربية، استمرت المواجهات في محيط جبل هان، والصياحي، وجبل حذران، ضمن نطاق جبهة الضباب المطلة على الطريق الرئيس المؤدي إلى المدينة. وامتدت الاشتباكات إلى جبهتي الشقب، والأقروض جنوب شرقي تعز، وذلك بالتزامن مع احتدام القتال في مناطق المحاولة، والأغابرة ضمن محور الوازعية، جنوب غربي المحافظة، واستمرار المواجهات في جبهة المضاربة بمحافظة لحج المجاورة.

وتعمل وحدات الهندسة العسكرية، وفق البيان الحكومي، على إزالة الألغام والعبوات الناسفة من المواقع المستعادة في الجبهة الغربية، وتأمين الطرق، والممرات، في مسعى لحماية المدنيين، وتسهيل عودتهم إلى المناطق التي غادروها.

قرار مواصلة العملية

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو هدفها المعلن المتمثل في إنهاء انقلاب الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية.

وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، إن القوات المسلحة حققت أداءً جيداً منذ انطلاق العملية، وإن التغيرات المؤقتة على الأرض لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها، بدعم من الأشقاء، والأصدقاء.

مدير شرطة تعز يتفقد الأوضاع الأمنية في المدينة (إعلام حكومي)

وأضاف أن التهديد الحوثي لا يقتصر على محافظة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى أمن اليمنيين، ومستقبلهم في الشمال، والجنوب، مشدداً على أن ما يجري في تعز ومأرب يرتبط بأمن عدن، وحضرموت، وسائر المحافظات.

وبرر العليمي إطلاق العملية باستنفاد فرص التهدئة، واستمرار الهجمات الحوثية على المدن، والقرى، ودول الجوار، والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قرار استعادة مؤسسات الدولة نافذ، ولا رجعة عنه.

تحذيرات إنسانية

تزامن اتساع العمليات العسكرية مع تحذيرات دولية من تداعياتها على المدنيين، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد الجرحى، والنازحين، وتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأربعاء، إن المستشفيات في أنحاء اليمن تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن بعض المرافق الصحية الواقعة على خطوط المواجهة في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر استقبلت أكثر من 700 مصاب خلال أسبوع واحد.

أشخاص يركبون دراجة نارية ينظرون إلى الدخان الأسود بعد ضرب موقع للحوثيين في الحديدة (رويترز)

وقال فراس أبو سمرة، منسق قسم الصحة في اللجنة، إن أطقم الرعاية الطبية تتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تستطيع فيه سوى نسبة ضئيلة من المرافق الصحية العاملة توفير رعاية متكاملة للمصابين.

وحذرت المنظمة من نقص المستلزمات الجراحية، والتخدير، والأكسجين، والأدوية، ومن محدودية قدرة النظام الصحي المنهك على استيعاب موجة جديدة من الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.

وفي ملف النزوح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها رصدت 217 ألفاً و303 نازحين، يمثلون 36 ألفاً و216 أسرة، حتى 12 أكتوبر الحالي. ويتركز نحو 55 في المائة من النازحين في محافظة تعز، فيما سجلت لحج أكثر من 45 ألف متضرر، وعدن أكثر من 26 ألفاً.

ولا تقتصر التداعيات على النزوح، والإصابات؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من تراجع الإمدادات الأساسية في مدينة تعز، مع احتمال نفاد مخزونات القمح والدقيق خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وفق إفادات شركائها في المجال الإنساني.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في مدنية تعز جراء حصار الحوثيين (رويترز)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50 في المائة، فيما بلغت أسعار البنزين ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، وأصبح غاز الطهي غير متاح إلى حد كبير. كما أدى نقص الوقود إلى تهديد إمدادات المياه، وسط اكتظاظ مواقع النزوح، ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، وضعف الخدمات الصحية.

وتزيد هذه الظروف من مخاطر تدهور الأمن الغذائي والصحي في مدينة يقطنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعاني منذ سنوات قيوداً حوثية على الحركة، والإمدادات، بسبب الحصار المفروض على منافذها.


تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

اتسعت تداعيات المواجهات العسكرية والحصار الحوثي لمدينة تعز (جنوب غربي اليمن) لتشمل الأوضاع المعيشية والخدمية، مع تجدد التحذيرات من تفاقم الاحتياجات الإنسانية، وتعثر وصول إمدادات الغاز المنزلي، في وقت تتحرك فيه الحكومة والسلطة المحلية لحماية استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن».

وفيما دعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المنظمات الإنسانية والجهات الدولية والمحلية إلى تكثيف تدخلاتها لتلبية احتياجات السكان، حذّر مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز من تداعيات منع وصول الإمدادات إلى المدينة، معتبراً أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط على المواطنين يفاقم الأعباء المعيشية في محافظة تعاني، وفق السلطات المحلية، من سنوات الحرب والحصار وتدهور الخدمات.

وأدان مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز منع الجماعة الحوثية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى المدينة، محذراً من انعكاس ذلك على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

المدخل الغربي لمدينة تعز حيث يضغط الحوثيين للتوغل في المدينة (فيسبوك)

وأكد المكتب، في بيان، أن الغاز من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مطالباً برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصوله بصورة منتظمة وآمنة، وداعياً المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل والضغط لإنهاء الأزمة وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية.

وفي سياق متصل، وجهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مناشدة عاجلة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية والجمعيات والمؤسسات المحلية والخارجية، وشركائها من القطاع الخاص، للتحرك لتخفيف معاناة السكان والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

وقالت الوزارة إن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهوراً متسارعاً، وإن الاحتياجات الأساسية تتفاقم، خصوصاً بين الفئات الأشد ضعفاً، في ظل الحصار الذي تتهم الجماعة الحوثية بفرضه على المدينة.

ودعت إلى توفير المساعدات الغذائية والإيوائية والصحية والمياه والإمدادات الأساسية، وتكثيف برامج الحماية الاجتماعية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأشد فقراً وتضرراً.

وشددت على ضرورة تنسيق التدخلات بين المنظمات والجهات الحكومية والسلطات المحلية والقطاع الخاص، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وتجنب ازدواجية توزيعها، والاستفادة من الموارد المتاحة في تلبية الاحتياجات العاجلة.

الحكومة تتحرك اقتصادياً

في العاصمة المؤقتة عدن، شدد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني على أن التطورات المتسارعة لعملية «فجر اليمن» تستدعي توحيد الجهود لحماية الجبهة الاقتصادية وضمان تدفق السلع الأساسية واستمرار النشاط التجاري وتأمين احتياجات المواطنين.

وقال الزنداني، خلال لقائه ممثلين عن القطاع الخاص برئاسة نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية ورئيس غرفة تجارة عدن أبو بكر باعبيد، إن مسؤولية استعادة مؤسسات الدولة لا تنفصل عن حماية معيشة السكان واستقرار الأسواق.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني خلال اجتماع في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وأوضح أن الحكومة تعمل بالتوازي على إسناد جهود استعادة مؤسسات الدولة ومواصلة الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والخدمية والمعيشية، مؤكداً أهمية توفير الغذاء والدواء والوقود بأسعار عادلة، وعدم استغلال ظروف المواجهات للاحتكار أو رفع الأسعار.

ودعا رئيس الوزراء القطاع الخاص إلى الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري والإسهام في استقرار الأسواق والالتزام بالشفافية في التعاملات والأسعار، محذراً من ممارسات من شأنها زيادة الأعباء على المواطنين.

وفي المقابل، أقرّ الزنداني بحجم الضغوط التي تواجه الأنشطة التجارية نتيجة التطورات العسكرية والأمنية، وما تفرضه من تحديات على النقل والإمداد وتكاليف الاستيراد، مجدداً التزام الحكومة بالتواصل مع ممثلي القطاع الخاص والعمل مع الوزارات والجهات المختصة لمعالجة الصعوبات.

واستعرض ممثلو القطاع الخاص التحديات التي تواجه الأنشطة التجارية، إلى جانب مقترحات لتسهيل الإمدادات وتحسين الشراكة مع الحكومة، مؤكدين أهمية استمرار التشاور لتخفيف الأعباء عن القطاعين الإنتاجي والتجاري وحماية مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني.

الخدمات تحت الضغط

على المستوى المحلي، عقد محافظ تعز نبيل شمسان اجتماعاً موسعاً مع قيادات السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية ومديري المديريات، لمناقشة المستجدات العسكرية والخدمية والإنسانية، مؤكداً أن صمود أبناء المحافظة يمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشاد شمسان بتضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية فاقمت معاناة السكان، في وقت تتواصل فيه الهجمات على الأحياء السكنية، وفق ما ذكره.

ووجّه المحافظ برفع مستوى الأداء المؤسسي والانضباط الوظيفي، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنفيذية، ومحاسبة المقصرين وفقاً للقانون، مع إعطاء الأولوية لقطاعات المياه والصحة والنظافة والتعليم والكهرباء والطرق.

جانب من اجتماع للسلطة المحلية في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

كما دعا إلى تكثيف الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وحصر أضرار القصف، ومتابعة أوضاع الجرحى وأسر القتلى والضحايا المدنيين، وضمان توجيه المساعدات المتاحة إلى مستحقيها بعدالة وشفافية.

وأكد ضرورة توثيق الانتهاكات ومتابعة أوضاع المتضررين وإيصال معاناتهم إلى الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلى جانب تعزيز حضور مؤسسات الدولة والاستماع إلى شكاوى المواطنين.

من جانبه، قال وكيل المحافظة لشؤون الخدمات رشاد الأكحلي إن النزول الميداني والرقابة على التجار مستمران، مشيراً إلى استقرار الوضع التمويني وتوافر الدقيق بكميات كافية، مع استمرار التواصل مع الجهات المعنية لتأمين المشتقات النفطية والمواد الأساسية.

بدورها، أوضحت وكيلة المحافظة للشؤون الصحية إيلان عبدالحق أن الجهود تتواصل لدعم المستشفيات وتأمين المحاليل الطبية ومحاليل الغسيل الكلوي والأدوية الضرورية، في ظل الحصار وتزايد الحالات الحرجة.