السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

أمن الخليج من أمن مصر ولن نسمح بالمساس به * ليبيا بحاجة إلى خريطة طريق

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
TT

السيسي لـ«الشرق الأوسط»: لن ننسى مواقف خادم الحرمين.. والسعودية أولى محطاتي

المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي
المشير عبد الفتاح السيسي لدى استقباله رئيس تحرير {الشرق الأوسط} د. عادل الطريفي

في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، خلال زيارتي للقاهرة، كان الوضع المصري يومها، يعرض نفسه بكل تفاصيله وتعقيداته السياسية، ومشاكله الاجتماعية، ومخاطره الأمنية على ملامح المارة في الشوارع، وعلى وجوه كل من يمكن أن تلتقيه وتحاوره، أو حتى يهمس لك بكلام عابر.
في الفندق الذي أقمت فيه، لم تكن الأحاديث والحوارات المتداولة في قاعاته، تختلف عمّا يمكن جمعه عن ملامح الناس في الشوارع من قلق واضطراب وتشاؤم أغلق حتى النوافذ، التي يمكن أن تتسرّب عبرها أحلام المصريين بانفراج ما قريب. كان أي شيء وكل شيء، يكفي لأن يرسم صورة لمصر لم تعرفها في أحلك عصورها.
اليوم بدت القاهرة خارجة من تلك التفاصيل، تتنفس الأمل برئتين واسعتين، وهي تتمتع بقدر معقول من الاطمئنان. كانت الساعة تقترب من الرابعة والربع فجرا، حين وصلت إلى مطار القاهرة. الانتقال من هناك سهل، وحركة السير بدت مريحة إلى حد كبير، في ظل استقرار نسبي، اشتاقت له القاهرة كثيرا. وحين دخلت بنا السيارة أطراف العاصمة المصرية، كانت الطرقات مشرعة أمام حركة الناس والسيارات، حتى في مثل هذا الوقت المبكر من النهار. القاهرة (مصر) كما يطلق عليها المصريون، كانت طبيعية إلى حد مريح.
تغيرت مشاعر الناس. ملامحهم بدت أكثر ارتياحا. حتى الكلام الذي كان يشغل الناس تغير نسبيا، ربما لأن تعابير الناس أخذت تعكس قدرا كبيرا من الأمل بالمرحلة المقبلة. أما الأحاديث المباشرة، فتبدأ كلها بالاستقرار وتنتهي عنده، خصوصا بعد ما شهدته مصر من تفجيرات وأعمال إرهابية في الفترة السابقة.
من يتحدث إلى رجال الأعمال، يدرك عمق الأزمة الاقتصادية التي تخنق مصر، على الرغم من تماسك العملة المصرية وثباتها في وجه عواصف التدهور المتعاقبة. لكنها أحاديث تمر في طريقها إليك بتطلعات صادقة إلى انتعاش اقتصادي في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، والجميع يأمل أن تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة انعطافة ديمقراطية حقيقية، تغلق الأبواب على العديد من المشكلات، وتحقق الاستقرار الأمني الذي لم يزل يعاني من ثغرات تنفذ منها أعمال إرهابية، آخرها ما وقع أول من أمس، في القاهرة وشمال سيناء، وأودى بحياة ثلاثة مواطنين وجرح تسعة آخرين، بينهم مجندون.
التقيت المرشح الرئاسي، المشير عبد الفتاح السيسي، قبل يوم من موعد الصمت الانتخابي. كان محاطا بالعديد من الزوار، وكاميرات التلفزة التي كانت تسجل مواقفه الأخيرة قبل بدء السباق الرئاسي. كان جدول أعماله كثيفا ومزدحما. لكننا التقينا وأعطاني من وقته الكثير.
أجرينا الحوار في استراحة بضاحية مدينة نصر، تطل على النصب التذكاري للجندي المجهول، الهرمي الشكل. وهو من تصميم الفنان المصري، سامي رافع، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، الحاصل على الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة في فيينا. صمّمه فور فوزه في مسابقة فنية لعمل نصب تذكاري، شارك فيها عدد كبير من الفنانين المصريين. وكان الرئيس المصري الراحل، أنور السادات، هو من أمر بتشييد النصب التذكاري، أو «قبر الجندي المجهول»، تخليدا للمصريين الذين فقدوا أرواحهم في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، وافتتح بعد الحرب بعامين. وقد اختير الموقع مكانا لدفن الرئيس السادات عقب اغتياله في أكتوبر 1981.
بني النصب التذكاري على شكل هرم، رمزاً لفكرة الخلود في حضارة المصريين القدماء. وهو عبارة عن هرم مجوف من الداخل. ويبلغ ارتفاعه 33.64 متر، في حين يبلغ عرض حيطانه عند القاعدة 14.30 متر. وتبلغ سماكة حوائطه الأربعة 1.9 متر، وقد سُجّل عليها واحد وسبعون اسما رمزيا.
اللقاء مع المشير، ترك لديَّ انطباعا قويا حول ثلاث مزايا يتحلى بها السيسي:
أولا: تواضعه على المستوى الشخصي، الذي ينعكس في بساطة تعامله مع الآخرين، ويكسبه احتراما مضاعفا.
ثانيا: طرحه المباشر وأفكاره المحددة والواضحة. فالرجل يعرف ما عليه، وما ينبغي القيام به.
ثالثا: صراحته المتناهية في تناول العديد من الملفات الساخنة والحرجة والحساسة، وحتى الأكثر تعقيدا مما يشهده واقع مصر راهنا. حتى في تناوله وتعليقاته على نظام حكم حسني مبارك ومحمد مرسي، كان المشير هادئا، صريحا في اختيار تعابيره. وفي ما يلي نص الحوار:

* شهدت المنطقة انتفاضات شعبية خلال السنوات الثلاث الماضية. هل كان ذلك نتيجة تحولات اجتماعية أم تحول في ميزان القوى الإقليمية؟
- لا شك أن هناك تحولات اجتماعية حدثت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية في أكثر من بلد، نتج عنها ما نتج كما نرى - بيد أنه يجب ألا نغفل وجود تحولات إقليمية - حدثت نتيجة لتلك الثورات والتغييرات. هناك فعلا من يحاول أن يغيّر ميزان القوى لصالحه والمساس بمصالح الآخرين. لقد شهدنا في مصر تحولات كبيرة، وكان هناك من يحاول الإضرار بالمصلحة القومية لمصر، لكننا استطعنا تجاوز كل ذلك بإرادة الشعب، وإن كنا بحاجة حقيقية للعمل والجهد وكثير من الأمل حتى تعود مصر إلى وضعها الطبيعي.
الجميع لديه الثقة بالمستقبل، لكننا لن نحقق ما نصبو إليه إلا من خلال العمل الجاد على كل المستويات. إن التحسن الحقيقي لن يكون إلا بوجود تعاون إقليمي جاد وواع.
أما في ما يخص موازين القوى فأرى أن المعالجة الحقيقية تكون في وجود قوة حية، قوية وحاكمة في المنطقة، وهنا في مصر أيضا ومحيطها العربي.

* تشهد ليبيا مواجهات مسلحة ما بين عناصر من القوات الليبية السابقة والميليشيات الإسلامية، ما تقييمكم لما يحدث في بلد الجوار؟
- للأسف تحولت ليبيا خلال العامين الماضيين إلى بؤرة لتجمع الميليشيات المسلحة والمتطرفة. خرج الليبيون لتغيير النظام السابق وللمشاركة في صنع المستقبل وصياغته، وإنشاء دولة المؤسسات، دولة مدنية يشترك فيها الجميع، ولكن بوجود الميليشيات تحولت الغلبة للسلاح والعنف، وأصبحت ليبيا نقطة تجمع للعناصر الإرهابية.
كان يجب على الأوروبيين بعد إسقاط النظام السابق أن يكملوا ما بدأوه، فيقومون بجمع السلاح للحفاظ على الأمن والسلم، ولا أعتقد أن أحدا كان ليعترض على ذلك.. أما في مصر فكان هناك قرار حاسم ورسالة واضحة مفادها أننا لن نسمح بانطلاق أي عمل إرهابي من داخل ليبيا ضد بلادنا.

* إذاً المهمة لم تنتهِ في ليبيا بعد؟
- بعد ما حدث في ليبيا كان ينبغي القضاء على ظاهرة السلاح المنتشر، التي لا تعكس ما يطمح إليه الشعب الليبي الذي يصبو إلى الحرية وفرض الإرادة الشعبية التي تريد بناء دولة تستوعب الجميع، وهذا بكل تأكيد لن يحدث في ظل وجود السلاح، وإنما من خلال خريطة طريق تعبر عن إرادة الليبيين لا الميليشيات، وسيجد هذا دعما من الجميع.

* هل يعني ذلك ضرورة دعم الأطراف التي تقاتل الميليشيات الإسلامية؟
- لا يعني ذلك تدخل مصر، أو حتى الدول العربية في ليبيا، إنما من الواجب دعم الاعتدال، وتقوية الليبيين في مواجهة التطرف.

* هذا يقودني إلى السؤال عن الحرب السورية.. هل ترون أن هناك تغييرا في المواقف العربية نتيجة طول الأزمة؟
- كان هناك موقف عربي مما يحدث في سوريا، لكن الواقع الميداني تطور، وأعتقد أننا نحتاج إلى مراجعة هذا الواقع الجديد، لأننا نريد حلولا سياسية مع تجنب الحل العسكري. في الوقت نفسه نحرص على سوريا دولة موحدة، لا تقسّم أو تجزأ، لأن تقسيمها سيسبب مشكلات، ويخلق واقعا جديدا معقدا. نحن أيضا أمام معادلة الحفاظ على الواقع السوري ووجوب تصفية الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي ظهرت على ساحته.

* ولكن، ماذا بشأن بقاء الرئيس الأسد، خصوصا ونحن مقبلون على انتخابات رئاسية؟
- معالجة الأزمة السورية يجب أن تنطلق من نقاط ثلاث هي الأساس الذي يمكن البناء عليه، وهي كيفية الوصول إلى حل من دون تصعيد الموقف في سوريا أو تقسيمها ومن دون أن يكون هناك دور للجماعات التكفيرية. وحتى يتحقق هذا كله، لا بد أن يعمل الجميع على إيجاد حلول تحقق هذا الهدف.

* ولكن الجماعات المسلحة التي تتدخل في سوريا تشمل أيضا حزب الله؟
- التحالف بين سوريا وحزب الله معلوم ومعروف، وأي دعم من هذا الطرف للطرف الآخر مفهوم. وحده حل المشكلة السورية سوف ينهي العلاقة العضوية بين الطرفين، وبالتالي يمكن بعد ذلك حل بقية الملفات المرتبطة بالواقع المرير الذي يعاني منه الشعب السوري لأكثر من ثلاث سنوات.

* وماذا بشأن حركة حماس التي ترتبط بصلات عقائدية وتنظيمية مع الإخوان المسلمين؟
- ارتباطات حماس أوعقيدتها ليست مهمة بالنسبة لنا. المهم عندنا أن لا يؤثر كل ذلك في أمن مصر، وألا تستخدم العقيدة في الإضرار بأحد.
بالتأكيد، لا أحد يتصور أنه يستطيع أن يضر بأمن مصر أو العبث بمقدرات شعبها. هذا الملعب غير متاح. وللناس حرية اعتقاد ما يرونه، فنحن لا نتدخل في اختيارات أحد، ولكن لن نسمح في الوقت ذاته بالمساس بالأمن القومي لمصر.
يعرف الجميع أن المصريين لا يقبلون بكل ما يهدد أو يمس أمنهم، كما أن (حماس) موجودة منذ 2005، وخلال تلك الفترة ازدهرت تجارة الأنفاق وتهريب السلاح، وكانت لها أضرار كبيرة، ولم تتعرض لهم الدولة المصرية، لكن منذ بداية الأحداث الإرهابية في سيناء، كان هناك قرار حاسم بأن يتوقف كل ذلك. وأؤكد هنا بأننا لن نسمح بعودة الوضع كما كان، حماية للأمن القومي في مصر.

* ذكرتم أنه لن يكون هناك وجود لجماعة الإخوان المسلمين حال فوزكم بالانتخابات الرئاسية؟
- الشعب المصري لديه موقف منهم، هم وحدهم يتحملون مسؤولية هذه الحالة. الشعب المصري كان على استعداد في 3 يوليو أن يقبل بوجود الجميع، لكن تأييد الجماعة انتهى اليوم بشكل كامل.

* وماذا بشأن التنظيم الدولي؟ خصوصا أن بعض دول المنطقة أدرجت التنظيم على قوائم الإرهاب؟
- لقد بدا واضحا خلال الآونة الأخيرة التعاون الكامل بين الكتلة العربية الحية والقادرة على التأثير لاتخاذ هذا القرار المهم، الذي سيكون من بين نتائجه إنهاء وجود هذه الجماعة وطنيا ودوليا. أي بقايا تنظيم سيكون تأثيره محدودا. لكن علينا، في مصر ودول الخليج أن ننتبه لذلك.
نرى أيضا أن الواقع الجديد في المنطقة العربية يعيد تشكيل رؤية الغرب للإخوان وأمثالهم، ولدينا أمثلة لما يحدث في ليبيا وسوريا.

* شهدنا انكفاء مصر للداخل خلال الأعوام الماضية بسبب الأوضاع الداخلية. ما هو شكل السياسة الخارجية التي تسعون لتطبيقها في حال فوزكم؟
- لدينا سياسة منفتحة على الجميع، نحن نريد أن نتعاون ولا نرغب في الصدام مع أحد، شرط الاحترام المتبادل وابتعاد الآخر عن الصدام معنا. نهتم كثيرا بوحدة أمن مصر والخليج وكل الدول العربية، وهو أمر غير قابل للتجزئة. سنعمل على تعميق التعاون مع دول حوض النيل كعمق استرتيجي متبادل، ونرسخ التعاون مع كل دول العالم على أساس الندية والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشأن الداخلي.
أؤكد أيضا على توسيع خيارات التعاون لتحقيق المصالح القومية، فالعلاقات الاستراتيجية مع أميركا لا تتعارض أبدا مع القوى الدولية الأخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.
نحن ملتزمون بقضية فلسطين حتى تقام الدولة وعاصمتها القدس الشرقية، ومهتمون بالقارة الأفريقية والعلاقات مع الدول الإسلامية، وسنعمل على إدارة العلاقات الخارجية وفق رؤية ومنظور استراتيجيين يحققان المصالح المتبادلة للجميع.

* ما قراءتكم للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+ 1) هل أنتم مؤيدون أم معارضون؟
- نحن مع أي ترتيبات أمنية لا تمس أمن الخليج، باعتباره أمنا مصريا، ولا نسمح بالمساس به.

* ماذا بشأنكم أنتم في ما يتعلق بملف التكنولوجيا النووية؟
- الاستخدام السلمي للقدرات النووية تكفله المعاهدات الدولية، فهناك دول لديها تكنولوجيا متقدمة تمكنها من تصنيع قنبلة، ولكنها لم تفعل ذلك، والسؤال هنا هو: هل يمكن أن نصل إلى مستوى امتلاك المعرفة والقدرة النووية ونستخدمهما بشكل سلمي؟

* صرحتم بأن السعودية ستكون أول دولة تقوم بزيارتها رئيسا لمصر، ما الرسالة التي ستحملونها؟
- أولا، كل التقدير والاحترام لخادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فهو ملك عربي حكيم وأصيل، ولهذا ذكرت بأن أول دولة أنوي زيارتها ستكون المملكة العربية السعودية. نريد أن نذهب لنقدّر رجل العرب وحكيمهم حق قدره، فلن ننسى مواقفه معنا وبيان دعمه لشعب مصر، الذي أحدث تغييرا في المعادلة وغيّر الكثير منها.
الشكر والتحية لحكيم العرب، وأؤكد على ضرورة تكامل مواقف البلدين في أوقات الشدة، وأن نكون معا دائماً، ولا نسمح بأن تتأثرعلاقتنا مرة أخرى.
ثانيا، إن خدمة أهداف الأمن القومي المصري والسعودي هي أن نتكامل.
إن الحس القومي العربي استدعانا لأن نكون متشابكين ونشد على أيدي بعضنا بعضا. نحن نحتاج لهذا دائما.
ذكرت في وقت سابق أن مصر لن تقف متفرجة أمام أي تهديد لأي دولة خليجية، وما بيننا «مسافة السكة»، وهذا يعني أنه في حالة أي عمل يهدد أي دولة وتم استدعاء مصر.. فورا نلبي - وأكرر «مسافة السكة».

* التحقت بالعمل ملحقا عسكريا لدى السعودية، ما ذكرياتكم خلال تلك المرحلة؟
.- ذكريات كثيرة ومؤثرة، منها زيارتي للفيصلية بعد افتتاحها. كما أتذكر الكرم السعودي والأكل المتميز والشخصية السعودية، التي أكن لها كل احترام.

* تزامنت زيارتكم لدولة الإمارات مع إجراء مناورات عسكرية مشتركة.. ما دلالة ذلك؟
- أريد التأكيد على أن هناك تعاونا عسكريا دائما منذ فترة طويلة، وتدريبات سنوية متبادلة، وسوف نستمر في المزيد من التدريبات، بحيث نعرف المسارح المختلفة للعمليات.

* منذ أكثر من عام وهناك عمليات تتعلق بمكافحة الإرهاب في سيناء ومناطق أخرى، هل تكتفون بالمعالجة الأمنية؟
- الأمر واضح ويجب أن ننتبه لخطورة الخريطة التي نراها الآن.
لا ننتظر أن يصل الإرهاب إلى بلادنا، ولا بد من المواجهة. من المهم وضع استراتيجية شاملة لتحصين عقول وقلوب أهالينا، كما سنعمل على تغيير الخطاب الديني الذي يسيء للإسلام، وذلك من خلال رؤية واستراتيجية عربية مشتركة لحل هذه المسائل.

* حلول مثل ماذا؟
– نهتم بمدارس علوم الدين، ونعيد الاعتبار للمدرسة التي تستدعي وسطية الإسلام، وتحصن العقول من التطرف.

* يظهر من تصريحاتكم أنكم مطلعون على أدبيات الإسلام السياسي؟
– لا أريد أن أسمى لك كتبا بعينها، هذا الموضوع محل بحث وقراءة سنين طويلة، وأنا أسأل «ليه كده»؟ منذ اغتيال الزعيم الراحل أنور السادات وأنا اشعر أن هناك شيئا خطأ، ومن يريد أن يتأكد عليه أن يقرأ الخريطة، ولذا وجب علينا كمسلمين أن نفكر لماذا حدث كل هذا، ولم نصحح الخطأ.

* ولكن كما تعرف حدثت مراجعات في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك – هل يعني ذلك عدم اقتناعكم بمنهج احتواء الإسلامين؟
- هناك فرق بين الذين يتخلون عن العنف ويلتزمون بالدستور والقانون، وبين الذين يتخلون فقط عن القيام بأعمال إرهابية من دون تغير في تفكيرهم، وبالتالي فالأمر يتطلب وضع استراتيجية شاملة، ومراجعة مستمرة حتى يتوقف التهديد.
نرى أن دور الأزهر مهم، وسوف يستمر قبل وبعد ما حدث وفي المستقبل، وأنه علينا أن نعمل على تحصين الشباب بالإسلام الوسطي الحقيقي، الذي يمنع انتشار التطرف، لأنه بغير ذلك سيظل التطرف والتشدد فكرا قائما، ولكن في حجمه الطبيعي.
للأسف ما يحدث يعطي انطباعا بأن هذا هو الواقع، وأن الدين هو التطرف. وفي ذلك خطأ وظلم كبيران.

* شهد الاقتصاد المصري تراجعا كبيرا، ما خطتكم في الإصلاح؟
- في البداية نحن درسنا نماذج مشابهة لمصر مثل البرازيل وغيرها من حيث الكتلة السكانية لاستخلاص بعض الدروس، ولكني في الوقت ذاته دائما أسأل الذين من حولي والعارفين بالشأن الاقتصادي: هل كانت لتلك الدول الظروف نفسها التي تشهدها مصر اليوم من ناحية الانتقال السياسي؟ لدينا تحديات كثيرة وسلبيات تحتاج إلى استراتيجية شاملة وطموحة، لتخرج مصر من دائرة الفقر ويخف العبء، وهذا يتطلب تفهما من الجميع.
لك أن تستحضر ما حدث في اليونان أخيرا، وقفت كل أوروبا معها ومرت من الأزمة، وكذلك الحال في البرتغال وإسبانيا.

* ماذا بشأن الدعم الحكومي؟
- هناك أغنياء وحتى سفارات أجنبية يحصلون على دعم، المواطن المصري المحتاج حقيقة أولى به.. أمور كثيرة يجب إعادة تنظيمها عبر ما أسميه الدعم الذكي.
يوجد هناك خطط كثيرة ومبادرات وأمثلة.. بلد مثل البرازيل هل كان لديها ثورات؟
هناك فعلا خطة، ولكن نتمنى أن يسمح المجال العام والمناخ بذلك.

* هل لديكم خطة للمائة يوم الأولى؟
- فكرة المائة يوم هي استدعاء لفكرة خارجية.
والمائة يوم الأولى تصلح كمعيار في الدول التي لديها استقرار سياسي ومؤسسات دولة قوية، ولم تشهد تهديدا كما جرى في مصر. يجب أن يشعر المصري بأن الوضع يتحسن في شهور قليلة وفي المجالات المختلفة.

* خلال ثورة 25 يناير واقتحام مبنى أمن الدولة. هل تسربت وثائق الدول المصرية وأسرارها؟
- لم يتم تسريب أسرار الدولة. نعم حدثت بعض السلبيات بسبب حالة الفوضى التي عمت آنذاك، لكن بعض المؤسسات مثل المخابرات والخارجية وغيرهما من مؤسسات الدولة لديها أسرارها، وهذه الظروف انتهت، ولن يُسمح أبدا بتهديد منشآت أمنية مرة أخرى، والاعتداء عليها مهما كان الثمن.

* في حال انتخابكم سيكون لديكم صلاحية العفو، فهل تنوي استخدامها مع الإخوان الذين صدرت بحقهم أحكام؟
- المشكلة أنهم يحتاجون إلى أن يصالحوا المصريين.. انزل إلى الشارع واسأل الناس.

* هل كنت تنوي الترشح للانتخابات الرئاسية وقت إعلان بيان 3 يوليو الذي أنهى حكم الجماعة؟
- لا، كان هناك ضغط شعبي كبير من أغلب المصريين. الإحساس بالخطر والتخوف من وقوع المواجهة دفعا الناس للمطالبة بانتهاء عهدهم، ولو كانت الأمور تسير بشكل سلس لما دفعت الناس لاستدعائي.

* ما الدول التي تنوي زيارتها بعد انتخابكم؟
- لا شك أن الأولوية ستكون للدول العربية، وسبق أن ذكرت المملكة العربية السعودية، وأنوي أيضا زيارة كل من الإمارات والكويت، ولا بد من زيارة الدول الأفريقية القريبة، لدينا أميال كثيرة لنقطعها.

* وماذا لو قدمت لك دعوة لزيارة البيت الأبيض؟
- سوف أقبل بالزيارة التي تفيد المصلحة القومية المصرية، ومصالح الشعب المصري، لا شك أن لدينا فهما مختلفا، ولدى البعض فهم مختلف، ولدينا فهم لما جرى للمرحلة الماضية، ولكن بوسعا القول إن الشهور الأولى التي تلت 30 يونيو، كان من الصعب على البعض في أميركا وأوروبا استيعاب ما جرى فيها أو تفهم الأسباب الموضوعية للتحرك الذي قام به الشعب المصري. ولكن شهدنا بعد ذلك بداية استيعاب تدريجي، ولا أقول إن ذلك الاستيعاب تحقق بالكامل، لأن خريطة الطريق لم تنتهِ بعد.

* ما تصوركم للبرلمان المقبل بعد الانتخابات؟
- آمل أن يكون البرلمان استمرارا للتجربة التي بدأت، ولديّ أمل كبير أن يخلق البرلمان المقبل، القواعد الأساسية للعمل وللتجربة التي تمكن الشعب من تحقيق تطلعاته.

* في السياسة العربية، تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم وعلاقته بنظرائه في سياسة الدول. هل ستطرح نموذجا مختلفا؟
- المفروض ألا تؤثر شخصية الرئيس أو الزعيم أو القائد أو أي شخصية منتخبة وخياراتها الشخصية على خيارات الدولة، فالأصل أن المصلحة القومية هي الأساس.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.