سعود بن هذلول... مؤرخ آل سعود

أضواء على شخصيته بمناسبة اليوم الوطني السعودي

سعود بن هذلول... مؤرخ آل سعود
TT

سعود بن هذلول... مؤرخ آل سعود

سعود بن هذلول... مؤرخ آل سعود

من منظور هاوٍ للتاريخ لا متخصّص فيه، يُكتب هذا المقال بمناسبة اليوم الوطني السعودي، الذي تحل ذكراه في الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول)، للحديث عن هذا العَلَم المخضرم، الذي يجمع بين كونه أميراً ومؤلّفاً لكتاب لعله الوحيد في موضوعه التاريخي لأحد أفراد الأسرة المالكة صار يُطلق عليه «مؤرِخ آل سعود» واستمرّ المؤرّخون يقتبسون منه مما زاد من أهميّته مع مرور السنوات، وتمكّن مؤلّفه قُبيل وفاته عام 1983 من إعادة إصداره وإضافة الأحداث التي جدّت عليه منذ طبعته الأولى، كاعتداء جهيمان على المسجد الحرام (20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979)، والكتاب في 425 صفحة، من تقديم الموسوعي محمد ناصر العبودي.
فضلاً عمّا يُعرف عنه من البساطة في عرض محتوى كتابه، ومن رغبته كما ذكر في المقدمة بتسجيل التاريخ دون زيادة أو نقصان، فإنه لم يتبع المنهج التقليدي السردي الذي سار عليه المؤرّخون الأوائل، واعتمد على أبرز المراجع المتاحة في حينه، وعلى السماع من المعمِرين الذين أدركهم في حياته، وقد عاصر وشارك في بعض الأحداث المتأخّرة التي يُعدّ مرجعاً أوّليّاً فيها، وكان مما انفرد بإيراده مثلاً في طبعته الأولى تفاصيل حادثة اعتداء ثلاثة يمنيين في الحرم المكّي الشريف على الملك عبد العزيز، وولي العهد الأمير سعود (حج عام 1935) وكان المؤلّف شاهد عيان للحادثة.
أدرك من خلال الإطار الزمني الذي عاشه، معظم جيل التأسيس الأول الذي صنع الأحداث أو شارك فيها، أو روى أخبارها عن قرب، وزعماء القبائل وشخصيّات المجتمع، ورجالات الأسرة الحاكمة ومنهم الإمام عبد الرحمن والد الملك المؤسّس عبد العزيز وإخوانه وأنجالهم، وناصر بن سعود بن فرحان (ت 1930 تقريباً) وعبد الله بن جلوي (ت 1935) وعبد العزيز بن عبد الله بن تركي (ت 1936) وسعود بن عبد العزيز (الملقّب بسعود الكبير ت 1959) وسلمان بن محمد (ت 1974) وعبد العزيز بن مساعد بن جلوي (ت1977).
كان شخصيّة اجتماعيّة، ودوداً محبّاً لمجالسة الناس ومعرفة أحوالهم، ملمّاً بقبائل الجزيرة العربيّة وجغرافيّتها وتاريخها المعاصر، والتقى المؤرّخين السعوديين والأجانب الزائرين من جيله، ولم ينفرد بما كتب فاتّخذ من العارفين بالتاريخ الشفوي والمكتوب من استشارهم من أمثال محمد العبودي وعبد الرحمن الرويشد (ت 2016) ممن لهم إحاطة مشهودة بالتاريخ الوطني والاجتماعي السعودي الحديث، وهي جميعاً عوامل رغّبته مجتمعة بالاهتمام بكتابة التاريخ.
في تقديمه للكتاب، استعاد العبودي مقولة للعلّامة حمد الجاسر بأن «أكثر الذين كتبوا في تاريخ الجزيرة العربيّة وفِي التاريخ السعودي على وجه الخصوص، هم من الأجانب» ولذلك احتفى العبودي بتصدّي المؤلّف لمهمّة التأريخ لبلاده، مستفيداً من معرفته بمجريات الأمور وبظروف المجتمع وأسماء المواقع والقبائل والزعامات السياسيّة المجاورة، وأثنى على نهجه في رصد الحوادث وتحليل أسبابها ونتائجها وفق الأسلوب الحديث في تدوين التاريخ.
وَمما امتاز به جهده، الجمع بين ميدانين رئيسيين في دراسات التاريخ هما؛ سرد الأحداث وروايتها، وسيَر الشخصيّات التي صنعتها، حيث أرّخ لأبرز مفاصل الدولة منذ قيامها قبل ثلاثة قرون، في حين خصّ حكّامها كما يدلّ عليه عنوان الكتاب، بنُبذٍ مرجعيّة من تراجمهم.
كان فيلبي من المؤرخين الغربيين الذين التقوا به، واستفاد من وثائق يقتنيها، وأثنى عليه في كتابه (الذكرى العربيّة Arabian Jubilee 1951) وقال «إنه كنز ثمين للمعلومات النافعة، وبخاصة بالنسبة للغموض الذي يتعلق بفروع الأسرة التي ينتمي هو نفسه إلى أحدها» وكان العلّامة حمد الجاسر، ممن اطلع على الكتاب بعد صدور طبعتيه، واستشهد به في بعض قراءاته التاريخيّة ومطالعاته لكتب الباحثين، وكان مما قاله عنه «والأمير سعود (1906 - 1983) له مؤلَّف دعاه (تاريخ ملوك آل سعود) نُشر سنة 1960 في طبعته الأولى، انتهى فيها إلى ذِكْر وفاة الملك المؤسس عبد العزيز صباح يوم الاثنين، التاسع من نوفمبر 1953 وأشار إلى تولّي الملك سعود وانتهى، ثم أصدر طبعته الثانية عام 1982 بإضافاتٍ كثيرة، انتهى فيها إلى ذِكْر حوادث سنة 1980 ومع أن المؤلِّف اعتمد كثيراً على مَن تَقَدَّمَه، إلا أنَّ لإضافاته المتعلِّقة بحياة الملك المؤسس محلَّها لدى المعنيين بالتاريخ، لكونه من أسرته ولمعاصرته له ولأنه من مرافقيه ورجال دولته».
التقاه كاتب المقال مرّات عدة، كانت أولاها عام 1964 حينما كان أميراً لمنطقة القصيم، وسجل معه حديثاً إذاعياً عُرض
في حينه وتلقّى منه يومذاك الطبعة الأولى من كتابه، وأجرى معه عام 1977 لقاءً تلفزيونيّاً مطوّلاً (ما زال محفوظاً) وكان في تلك الأيام قد أنهى إضافات كتابه، وروى في اللقاء الكثير من الذكريات عن سيرة الملك عبد العزيز، وعن جملة من الحوادث التي شهدها أو شارك فيها، والتحدّيات التي واجهها تأسيس السعودية من القوى الإقليميّة المناوئة، وذكر أسماء عدد ممن أسهموا في تأسيس الدولة، وأثبت ما تأكّد لاحقاً من أن إجمالي من اعتلى سور الرياض مع الملك عبد العزيز أربعون فارساً، توفّي آخرهم وهو الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي عام إجراء المقابلة (1977) ومعهم عشرون مرافقاً.
واستعرض جزءاً من سيرة الملوك الثلاثة سعود وفيصل، وخالد الذي حصل التسجيل في عهده، وكشف الحديث اطّلاعه على كتب المؤرخين، وبخاصة خير الدين الزركلي (شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، أربعة أجزاء) ومنير العجلاني (تاريخ البلاد العربيّة السعودية، خمسة أجزاء) وعبد الله محمد البسّام (تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق) ومحمد أمين التميمي واضع نواة مشجّرة العائلة المالكة وتحدّث عن مخطوط التميمي في التاريخ، ربما قصد بها مذكّراته الشخصية التي دوّنها بعنوان (لماذا أحببت ابن سعود؟) وأهداها إلى الملك عبد العزيز أثناء زيارته لمصر (1946) ونشرتها دارة الملك عبد العزيز (1999) وتحدّث عن شاعريّة الإمام تركي بن عبد الله آل سعود مؤسّس الدولة السعودية الثانية (ت 1843) مُستشهداً بقصيدته المعروفة:
طار الكرى من موق عيني وفرا وفزيت من نومي، طرا لي طواري
كما أشاد بقريحة الشاعر الشعبي محمد عبد الله العوني (ت1923) صاحب الملحمة (المطوّلة) الشعريّة التي وثّق بها توحيد السعودية ووصفه بـ«متنبّي زمانه» بالنسبة للشعر النبطي، واستشهد بالأُهزوجة المشهورة التي نظمها قُبيل وقعة الشنانة (قرب الرسّ 1904) وما تزال تُستعاد في العرضات الوطنيّة:
منّي عليكم ياهل العوجا سلام واختصّ أبو تركي عمى عين الحريب
وتعبير «العوجا» يُقصد به الدرعيّة (العاصمة الأولى للدولة السعودية) يَرِد كثيراً في الشعر النبطي وفي بعض الفصيح، و«أبو تركي» كُنية الملك عبد العزيز، فتركي أكبر أبنائه (شقيق الملك سعود) ولد عام 1900 يسمى تركي الأول، ولّاه إمارة القصيم وعمره سبعة عشر عاماً، وهو أول حاكم إداري من أبناء الملك المؤسّس يتولّى إمارة إقليم، وتوفي سنة 1919 في وباء الحمّى الإسبانيّة التي أصابت شبه الجزيرة العربيّة، وسُميت «سنة الرحمة».
وقال إنه يتذكّر في طفولته زيارة الكابتن الإنجليزي ويليام شكسبير عام 1915 قادماً من مقر عمله السياسي في الكويت، في عام معركة «جراب» التي رغب أن يحضرها فقُتل فيها (وجراب موقع شمال العاصمة على مقربة من المجمعة والزلفي) وتطرّق في المقابلة إلى علاقة نجد مع الأتراك، وإلى تأسيس السعودية في مرحلتها الثالثة المعاصرة ورجالاتها، وقصة تجريد الأحساء والقطيف من الترك، واستخلاص شمال القصيم من موالاة أمير حائل ابن رشيد،
وأتى في حديثه على ذكر بعض من عمل في معيّة الملك من أمثال عبد الله السليمان الحمدان وأخيه حمد السليمان وعبد الله المحمد الحمدان (أبو عليوي) ومحمد بن دغيثر وعبد الرحمن بن زيد ومحمد بن شلهوب وعبد الله بن نفيسة (عمعوم) وعبد الرحمن الطبيشي وإبراهيم بن جميعة وفهد بن معمّر وفيصل بن حشر ومحمد بن سحمي بن حشر (وهما من آل عاصم من قحطان) ومشاري بن بصيّص (من برية من مطير) ومهدي بيك المصلح (أول مدير للأمن العام). ومن بين من خصَهم بالذكر والإشادة بتاريخهم من القادة؛ الشريف خالد بن منصور بن لؤي العبدلي أمير الخرمة قديماً (ت 1932) ومحمد بن هندي شيخ قبيلة عتيبة آنذاك (ت 1933) والمقابلة ثريّة بمعلومات ضيفها واطّلاعه، أُتيحت قبل أسابيع على قناة اليوتيوب بعد مرور أربعين عاماً على إجرائها وحظيت بكثافة المشاهدة.
شخصيّة المقال، هو سعود بن هذلول (من فرع آل الثنيان) يتّصل مع فروع الأسرة الحاكمة في جدّها الأول سعود بن محمد بن مقرن والد مؤسس إمارة الدرعيّة (الدولة السعودية الأولى) ووالده هو هذلول بن ناصر بن ثنيان، المقتول عام 1906 في «روضة مهنّا» في منطقة القصيم، وهي معركة مبكّرة فاصلة وقعت بين أمير نجد آنذاك (الملك) عبد العزيز وأمير حائل حينئذ عبد العزيز بن متعب بن رشيد الذي تُوفّي فيها.
وُلد عام 1906 (تاريخ ولادة الملك فيصل، شريكه في الرضاعة) بُعيد مقتل والده، حضر الأواخر من غزوات حقبة التأسيس، ومنها معركتا «السبلة والدبدبة 1929» والمناوشات مع اليمن عام 1934 في عهدي الملك عبد العزيز والإمام يحيى حميد الدين، وتولّى إمارة المنطقة الشماليّة الغربيّة (تبوك ثم ينبع) في عهد الملك عبد العزيز، وإمارة منطقة القصيم في عهد الملك سعود، وتوفي عن ثمانية وسبعين عاماً ميلادياً، مخلّفاً - بحسب المؤرّخ الرويشد - ثلاثة عشر ولداً من الأبناء وعشراً من البنات.
*إعلامي وباحث سعودي


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.