عبد المقصود خوجه: ماذا تفعل الثقافة إزاء مجتمع يعشق الفن والرياضة؟

مؤسس «الاثنينية» يأمل احتضانها من الجامعة العربية بعيدا عن السياسة والطائفية والعنصرية

مؤسس الاثنينية (يمين) مع وزير الثقافة والإعلام  د. عبد المقصود خوجه
مؤسس الاثنينية (يمين) مع وزير الثقافة والإعلام د. عبد المقصود خوجه
TT

عبد المقصود خوجه: ماذا تفعل الثقافة إزاء مجتمع يعشق الفن والرياضة؟

مؤسس الاثنينية (يمين) مع وزير الثقافة والإعلام  د. عبد المقصود خوجه
مؤسس الاثنينية (يمين) مع وزير الثقافة والإعلام د. عبد المقصود خوجه

عند الثامنة من مساء الاثنين، في موسم ثقافي يتكرر كل عام، تصل الشخصية المكرمة لدارة الوجيه المكي الذي امتزج بالثقافة وحمل همّها؛ الشيخ عبد المقصود محمد سعيد خوجه بحي الروضة في جدة غرب السعودية، تستقبلها نخبة من أهل العلم والأدب والمجتمع في مجلس فسيح، قبل أن ينتقلوا عند التاسعة مساء، مسافة خطوات، إلى المنصة الرئيسة في ساحة تلتحف السماء مطلة على حديقة خضراء. يجلس المحتفى به على صدر المنصة وعن شماله خوجه وخلفهما لوحة الإهداء، مصنوعة من قماشة سوداء من الصوف الفاخر مشابهة لكسوة الكعبة ومطرزة بالقصب المذهب بعبارة «الحمد لله رب العالمين»، عليها اسم الضيف والمضيف.
ينظر خوجه أمامه في الطاولات المستديرة المصطفة تباعا أمام المنصة فلا يجد ذلك الجمهور الغفير الذي يتمناه، ما دفعه إلى وصف مرّ «نجد أنفسنا مهزومين خاصة عندما يأتينا الضيف من خارج الحدود ويرى أمامه حضورا باهتا» ثم يضيف مفسرا «ماذا تفعل (الاثنينية) والمنتديات والأندية الثقافية عموما إزاء مجتمع يعشق معظمه الفن والرياضة!»، ويأمل خوجه، كما يقول في هذا الحوار معه، في «غرس (الاثنينية) في مختلف الدول العربية تحت مظلة الجامعة العربية وتوأمتها مع نظيراتها أو إنشاء وحدات مستقلة في كل بلد تعمل على ذات النهج في إطار التكريم والاحتفاء والتوثيق الأدبي والثقافي والفكري، بعيدا عن السياسة والخلافات الدينية والمذهبية أو العنصرية أو تصفية الحسابات بين التيارات المختلفة». هنا نص الحوار:

* هل تشعر أنكم حققتم في «الاثنينية» ما تتمنون؟
- لا ندعي أننا وصلنا بـ«الاثنينية» إلى ما تصبو إليه من طموحات، إلا أن ما يقلقنا إحجام بعض الأوساط الثقافية عن حضور فعالياتها، فنجد أنفسنا مهزومين خاصة عندما يأتينا الضيف من خارج الحدود ويرى أمامه حضورا باهتا، بالإضافة إلى أن الإعلام لم يقم بدوره تجاهها كما هو مأمول منه، باستثناء بعض الصحف، رغم تواصلنا المكثف مع جميع ألوان الطيف الثقافي والأدبي عبر مختلف وسائط الاتصال الحديثة المتنوعة.
* بماذا تفسر «الإحجام» الإعلامي والثقافي، كما وصفته؟
- ماذا تفعل «الاثنينية» والمنتديات والأندية الثقافية عموما إزاء مجتمع يعشق معظمه الفن والرياضة! وتفرد الصحافة المحلية صفحات مقدرة، وتحجب فعاليات ثقافية مميزة، أو تنشرها على استحياء لرفع العتب أحيانا رغم أنها شرفت بتكريم الكثير من المبدعين في مختلف مجالات العطاء الإنساني داخل المملكة وخارجها!
* هل تنوي «الاثنينية» الامتداد إلى دول عربية كمحاولة لزيادة الانتشار؟
- وددت غرس «الاثنينية» في مختلف الدول العربية تحت مظلة الجامعة العربية بدعم ومؤازرة وزيارات متبادلة في البدء، ثم توأمة «الاثنينية» مع نظيراتها أو إنشاء وحدات مستقلة في كل بلد تعمل على ذات النهج في إطار التكريم والاحتفاء والتوثيق الأدبي والثقافي والفكري، بعيدا عن السياسة والخلافات الدينية والمذهبية أو العنصرية أو تصفية الحسابات بين التيارات المختلفة، ومن ثم نترك لمثقفيها إدارتها وتحريك فعالياتها وفق مرئياتهم ومكوناتهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم، وبطبيعة الحال نسعى قدر الإمكان بمدهم بخبراتنا التراكمية وشيء من الدعم الأساسي، إلا أننا لا نزال نصطدم بكثير من العوائق التي تحتاج إلى تذليل، وبعزيمة كثير من الإخوان أعتقد سنتمكن من النجاح ولكن الدرب طويل.
* بتنا نلاحظ أخيرا انفتاح «الاثنينية» على تكريم شخصيات من خارج السعودية، هل هي استراتيجية جديدة؟
- هي ذات الاستراتيجية منذ اثنين وثلاثين عاما في تكريم المبدعين الذين بلغ عددهم حتى اليوم 483 شخصية محلية وإقليمية وعالمية منذ تأسيسها عام 1982. ففي العام 1985 كرمت «الاثنينية» زكي قنصل من الأرجنتين، ومن الهند الشيخ أبو الحسن الندوي، وفي 1988 الشيخ أحمد ديدات من جنوب أفريقيا، ووصلت شرقا حتى روسيا بتكريمها ألكسي فاسيليف في 2005. وأوليق بريسيسلين في 2008، والسفير بنيامين بوبوف في 2010. هذا على سبيل المثال لا الحصر.
* الاستمرار في ذلك يقتضي نوعا من «المأسسة»، ما هي الخطوات التي اتخذتموها للحفاظ على استمراريتها ثقافيا وماديا؟
- صحيح، وإيمانا منا بأن المنظومة المؤسساتية باتت من الضروريات لضمان الاستمرارية فقد سعيت منذ وقت مبكر للخروج بها من عباءة العمل الفردي إلى آفاق العمل المؤسسي في عالم اليوم الذي يعيش ثقافة المؤسسات التي تقدم الطرح المستدام وتضمن تواصل المسيرة. وللأسف لم أتمكن إلا من تشكيل مجلس رعاة ضم كوكبة من أصحاب الفضل توزعت مسؤولياتهم بين التخطيط قصير المدى وبعيد المدى، وخطت خطوات واسعة في هذا المجال، إلا أنها اصطدمت بعوائق لا بد من تذليلها والعمل عليها. ويتكون المجلس من الدكاترة: عبد الوهاب أبو سليمان، ومحمد عبده يماني، ومدني علاقي، ومحمود سفر، ورضا عبيد، وسهيل قاضي، وناصر الصالح، وعبد الله مناع، وعبد المحسن القحطاني، والأساتذة عبد الفتاح أبو مدين وأنور عشقي، ومحمد سعيد طيب.
* نشرتم الكثير من كتب الرواد.. ما هي الصعوبات التي تواجهها «الاثنينية» للحصول على النسخ القديمة أو موافقة أصحاب الحقوق؟
- استطاعت «الاثنينية» التغلب على كثير من الصعوبات والتحديات التي واجهتها، منها عدم تعاون بعض أبناء الأدباء، أو ضياع الإرث الثقافي الإبداعي بسبب عدم الاهتمام بقيمته العلمية، وأحيانا يصل الأمر ببعض الأبناء ببيع المكتبات الخاصة بآبائهم بثمن بخس! وبإصرارنا على النجاح، استطعنا التغلب عليها بالتواصل المستمر والإلحاح، لأن هدف «الاثنينية» جمع وتوثيق الأعمال الأدبية للرعيل الأول من الأدباء السعوديين الذين تناثرت أعمالهم مما صعب على المهتمين والباحثين الحصول عليها، وهو هاجس ظللنا نعاني منه بشدة ولكن كان التوفيق يحالفنا لأننا لا نبتغي من وراء ذلك منفعة مادية أو معنوية.
* لماذا لا يكون هناك توأمة بين «الاثنينية» ودور نشر محلية أو عربية تشرف على توزيع هذه الإصدارات؟
- من الأركان الثابتة التي قامت عليها «الاثنينية» أن إصداراتها غير مخصصة للبيع إنما تهدى مجانا «من الباب للباب» لكثير من المهتمين بها داخليا وخارجيا وعلى نطاق واسع. وبالتجربة فإن قنوات التوزيع المباشرة الملحقة بجهاز «الاثنينية» تظل أفضل طريقة لإيصال الإصدارات للمهتمين بها.
* ولكن ألا ترى أن التوزيع المجاني لإصدارات «الاثنينية»، يقلل من قيمتها؟
- أعتقد أن القارئ الحصيف لا يفرق بين كتاب مجاني وآخر، وتبقى الفائدة الثقافية سيدة الموقف، كما أن توزيع إصداراتها مجانا فيه تيسير وتبسيط للباحثين والدارسين الذين كثيرا ما يلجأون لـ«الاثنينية» لتزويدهم بالأعمال الكاملة للرعيل الأول.
* اعتادت «الاثنينية» تكريم الأدباء والشخصيات العامة البارزة، البعض يطالب أيضا بتكريم المنجز الثقافي ممثلا في «الكتاب» المهم والذائع؟
- المتتبع لفعاليات «الاثنينية» يجد اهتماما نوعيا بهذا الجانب منذ وقت مبكر وتحديدا منذ العام 1986. حين احتفت بكتاب الدكتور عبد الله الغذامي «الخطيئة والتكفير»، كما احتفت بكتاب الدكتور محمد عبده يماني وقراءة في كتابه «أبو هريرة الصحابي الجليل»، وأخيرا كتاب الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان «باب السلام» وكتاب عبد الفتاح أبو مدين «حياتي في النادي» وكتاب الدكتور عبد الله مناع «بعض الأيام بعض الليالي» وكتاب الدكتور محمود سفر «أحداث سبتمبر» والقائمة تطول.
* وماذا عن الشباب المميز في المجال الثقافي والإبداعي، الذين يمثلون الشريحة الاجتماعية الأعظم من نسبة السكان؟
- لـ«الاثنينية» دورها المؤطر وأهدافها المعلنة. فهي لتكريم العلماء والأدباء والمفكرين والاحتفاء بأعمالهم وإنجازاتهم. لقد سعدنا خلالها بإقامة جسر يربط بين روادها الأفاضل والشباب المتطلعين للاستفادة من خبرات وتجارب الرعيل الأول الذين وهبوا شطرا من حياتهم لخدمة الثقافة والفكر والأدب والعلم، فكم جمع هذا المنتدى الأدبي الثقافي بين قامات سامقات أمثال أساتذتنا الكبار: عبد القدوس الأنصاري، طاهر زمخشري، عبد الله بلخير، محمد حسين زيدان، عزيز ضياء، عبد العزيز الرفاعي، عمر أبو ريشة، أحمد السباعي، أبو تراب الظاهري، وغيرهم من أساطين الكلمة، وما زال التيار قويا لجمع الشباب مع كوكبة من العلماء الأفذاذ الذين أثروا أمسياتنا بكل مفيد في مختلف حقول العطاء والإبداع. وتشجيعا لهؤلاء الشباب فقد كرمت بعضهم مثل الشاب عصام مرزا باعتباره أصغر شاعر عندما كان في المرحلة الثانوية، في العام 1995، والشاب وائل أمان الله لنبوغه في مجال الحاسب الآلي في 2005، وتظل «الاثنينية» على ذات المنهج بتكريم المبدعين بغض النظر عن الجنس واللون والعمر والنوع.

* عبد المقصود خوجه و«الاثنينية»: 32 عاما من العطاء الثقافي
* يطوي عبد المقصود محمد سعيد خوجه 32 عاما من عمر منتدى «الاثنينية» الأدبي الذي ولد على يده في جدة عام 1982، كتقليد استمد جذوره من حفلات التكريم التي كان يقيمها والده محمد سعيد خوجه على ضفاف مواسم الحج لكبار الأدباء والشعراء والعلماء الذين يأتون ضمن وفود بلادهم لأداء مناسك الحج، واستمر حتى اليوم. وبلغ عدد الشخصيات التي كرمتها «الاثنينية» من الجنسين حتى الآن 283 شخصية محلية وإقليمية وعالمية، كما أصدرت 62 عنوانا في 183 مجلدا، جمعت فيها نتاج الرواد من المفكرين والأدباء والشعراء في السعودية.
ولد عبد المقصود خوجه وتلقى تعليمه الأساسي في مكة المكرمة بمدارس الفلاح، ثم أكمل تعليمه بالمعهد العربي الإسلامي بدمشق. عمل بعدها مندوبا من الديوان الملكي إلى المفوضية السعودية ببيروت وبعدها بالمكتب الصحافي بالسفارة السعودية، ثم مديرا للإدارة العامة للصحافة والإذاعة والنشر بجدة قبل تأسيس وزارة الإعلام. استقال من العمل الحكومي عام 1964. واتجه إلى الأعمال الحرة حيث أسس عدة شركات في مجال أعمال البناء والمقاولات والصناعة، جعلته يغدق بسخاء كبير على المنتدى الثلاثيني.
في المقابل حصلت «الاثنينية» على نصيبها من التكريم، سواء على الصعيد الاجتماعي في منتديات ثقافية وأدبية مثل اثنينية الشيخ عثمان الصالح بالرياض، ومنتدى الشيخ علي حسن أبو العلا بمكة المكرمة، ومنتدى بوخمسين في الأحساء. وكذلك على المستوى الرسمي إذ حصلت «الاثنينية» على جائزة مكة للتميز، تسلمها خوجه في 2010 من الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم الحالي أمير منطقة مكة المكرمة آنذاك، ثم تقليده وسام الثقافة من الدكتور عبد العزيز خوجه وزير الثقافة والإعلام ضمن فعاليات معرض الكتاب بالرياض في 2010.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».