حجازي لـ {الشرق الأوسط}: عانيت كثيرا لكني أرفض انعزال المثقف عن مجتمعه

يرى أنه بصفته شاعرا وإنسانا مسؤول عن كل شرور العالم ومن واجبه أن يتصدى لها ويهزمها

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي
TT

حجازي لـ {الشرق الأوسط}: عانيت كثيرا لكني أرفض انعزال المثقف عن مجتمعه

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي

في هذا الحوار، يرى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أنه في ظل غياب الديمقراطية غابت ثقافة العقل والعلم، واضطهد الفكر الحر، وانتشرت المتاجرة بالدين، فعانى المثقفون كثيرا ويلات ذلك، ومنهم هو شخصيا. وهو يتهم جماعة الإخوان المسلمين بأنها «اختطفت الثورة في مصر ودول الربيع العربي، واخترقت مؤسسات الدولة لممارسة فاشيتها». وحول علاقة المثقف بالسلطة، يقول حجازي إن المثقف لا ينفصل عن العالم المحيط به ولا يعيش في برج عاجي، بل ينبغي أن يقود المجتمع نحو التنوير. وشعريا، يرى حجازي أن «الشعر تراجع وأصابه الركود، وأن قصيدة النثر، لا يمكن أن تكون بديلا للكتابة الشعرية التي نعرفها».
والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي غني عن التعريف، فهو واحد من رواد الشعر الحديث، وله تجربة مبكرة في كتابة القصيدة الحديثة، وخاض من أجلها واحدة من أشهر المعارك الشعرية وهو في مقتبل العمر مع عباس محمود العقاد المعروف باستهجانه الشعر الحديث.
ولم يكن تمرد حجازي في الشعر فقط، وإنما في الفكر والثقافة والرؤية التي تبناها حول القضايا السياسية والثقافية المعاصرة، وهو ما جلب عليه متاعب كثيرة وصدامات مع بعض أنصار تيار الإسلام السياسي وصلت إلى صدور أحكام قضائية ضده. هنا نص الحوار معه:

* بداية، ما انطباعك عن لقائكم المشير السيسي أخيرا؟
- هو انطباع طيب. وقد تحدثنا معه في السياسة والثقافة... عن الديمقراطية، والحريات العامة، ودور مصر الثقافي، وكيفية النهوض بالتعليم والثقافة، ومكافحة الأمية، وضرورة تجديد الخطاب الديني. وقد استمع إلينا بكل اهتمام وشاركنا الرأي. وأذكر أنه كان لي رأي مختلف في وقت سابق عندما بدأ الحديث عن ترشح السيسي للرئاسة بعد ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران)، وقلت وقتها إنني أفضل أن يظل السيسي بعيدا عن الحكم بصفته صاحب الشعبية الجارفة، لأنه وقف إلى جانب المصريين وحقق ما أرادوه بإسقاط حكم «الإخوان»، وعندما يصبح حاكما ربما يكون له شأن آخر. كما أنني رأيت أن رئيس مصر القادم يجب أن يكون مدنيا، لأن مصر عانت كثيرا مساوئ الحكم العسكري لعدة عقود منذ ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 وحتى عهد مبارك وما بعده خلال فترة حكم المجلس العسكري بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، حيث خسرت مصر الكثير وتراجع دورها بشكل كبير.
* إذن، لماذا تغير موقفك؟
- تغير موقفي الآن، لأنني رأيت التفافا كبيرا من الشعب المصري حول المشير السيسي، وتزايد الإلحاح عليه بترشيح نفسه فأصبح المطلب شعبيا على ما يبدو لنا. كما أنني كنت أتوقع أن ينتهي الإرهاب في وقت سريع، لكنه ما زال يطل علينا بوجهه القبيح على يد الإرهابيين الفاشيين، مما يعني أن المشير السيسي يرشح نفسه ضد الإرهاب، ومن ثم صار الإرهاب هو منافسه. ومع ذلك، فقد قلت له خلال اللقاء الذي جمعنا به: «لا نريد حكومة دينية ولا عسكرية».
* في رأيك، ما سبب انتشار تيار الإسلام السياسي في دول الربيع العربي؟
- إذا نظرنا إلى تلك الدول التي هبت عليها رياح التغيير؛ بداية من تونس ومرورا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، نجد أنها جميعا كانت تعاني الطغيان الذي يتناسخ فيها بصور مختلفة. وفي ظل غياب الديمقراطية، غابت ثقافة العقل والعلم، واضطهد الفكر الحر، وانتشرت المتاجرة بالدين، وسيطرت على العقول جماعات الإسلام السياسي، التي لم تكتف بالسلطة التي اختطفتها وإنما أرادت الدولة كلها. ولكي يختطفوا الدولة أصبح عليهم أن يغيروا طبيعتها ويعودوا بها إلى ما كانت عليه في عصور الظلام، كسلطة دينية يتحدثون فيها وحدهم باسم الله فلا يعارضهم أحد. وللأسف، ساعدهم على ذلك سوء الأوضاع السائدة في هذه البلدان من أمية وفقر وتخلف، ونجحوا بمساعدة طغيان الحكام بهذه البلدان في تقييد الحريات والفكر. وقد عانى المثقفون كثيرا ويلات هذه القيود، وعانيت شخصيا ذلك ورفعت ضدي قضايا من تجار بالدين. وفي فترة ما بعد إسقاط الأنظمة الفاسدة، نجح هؤلاء المتطرفون في اختطاف الثورات وتسللوا إلى سدة الحكم كما فعل «الإخوان» في مصر، واستخدموا مؤسسات الدولة التي اخترقوها لممارسة فاشيتهم، وهو ما دفع المصريين إلى توحيد الصفوف والقيام بموجة ثورية ثانية بعد ثورة يناير لإسقاط حكم «الإخوان» الإرهابي.
* كيف أثر هذا المناخ في حركة الإبداع بدول الربيع العربي؟
- بداية، لا إبداع من دون حرية. وهذه الحرية إما أن تكون دائما حرية ذاتية يتحكم فيها المبدع نفسه بقدر ما يوفر لنفسه من شروط لهذه القدرة، على أن يكون صادقا وأن يكون شجاعا في مواجهته الحقيقة، وهو ما يتطلب أن يكون المبدع مثقفا ثقافة خاصة. ثم هناك أيضا الشرط الخارجي، وهو أنه عندما أنظم القصيدة وفقا للشروط السابقة فلا بد أيضا أن تصل القصيدة للناس، ولذلك ارتبطت دائما حرية التفكير بحرية التعبير، لأنه لا جدوى من هذه الحرية الذاتية إذا لم تجد طريقا لتوصيل الحقيقة للآخر. ولكن المخاوف أثيرت مع ظهور الإسلام السياسي، الذي يتصور أصحابه أنهم لا يحكمون فقط بقانون نتفق على وضعه، وإنما بقانون سماوي لا نستطيع مناقشته، كما يعتقد أصحاب الإسلام السياسي أن فهمهم هذه القوانين الإلهية هو الفهم الوحيد، فتجد هناك من يفتش في الضمائر ويفسر العمل على طريقته وفق تفكيره، ومن ثم فلا مجال للحرية التي يتطلبها الإبداع.
* من المعروف أن الثورات كانت دائما عبر التاريخ ملهمة للشعراء ولكل المبدعين، فهل تشعر بالرضا عن مستوى الأعمال المعبرة عن ثورات الربيع العربي أو المستلهمة منها؟
- فكرة الرضا الكامل غير واردة، فدائما هناك بحث عن الأفضل، لكن هناك إسهامات طيبة من البعض، وإن كان يجب علينا ألا نتعجل، لأن المسألة تستغرق وقتا طويلا لتكتمل الرؤية وتتجسد في تجربة إبداعية، خاصة أن الأحداث متسارعة بعد أن عشنا موجتين ثوريتين في فترة زمنية قصيرة.
* هناك من يقول إن دولة الشعر قد سقطت مع هبوب رياح الربيع العربي، حيث توارى الشعر خلف الحدث الثوري. فما رأيك؟
- الشعر لم يسقط، لكنه تراجع. وهناك أسباب لهذا التراجع؛ أهمها تدني مستوى التعليم، فقد كنا نكتب بالفصحى ونتعلم الشعر جيدا في الكتاتيب. وعن نفسي، فقد التحقت بالكتاب في سن الرابعة، وعندما بلغت السابعة من عمري كنت قد حفظت القرآن، وفي السابعة عشرة ختمت حفظه ولا أزال أحفظ منه حتى اليوم، وكان أساتذتي في المدارس الأولية يتعلمون اللغة العربية في الأزهر ويحفظون أشعارا ومقالات. لكن الملاحظ أن وضع اللغة العربية لمن يستخدمها في الإبداع اليوم ليس كما نحب، ويمكن وصف الوضع العام بالركود.
* هل ما زلت على رأيك أن الثقافة في مصر ليست بخير؟ وهل كان للسياسة تأثير في ضعف الدور الثقافي، أم أن الثقافة صاحبة التأثير الأقوى على السياسة؟
- لا شك في أن مصر شهدت حركات تنوير رائدة وكبرى، تمثلت في ظهور رموز وأعلام في الفكر والثقافة عبر التاريخ، وهو ما أسهم بشكل إيجابي في الفكر العربي كله. ولكن الطغيان ومصادرة الحريات أثرا سلبا في هذه الحركة، وهو ما أسهم في تراجع الثقافة المصرية خلال العقود الماضية، فمصر التي كان بها أكثر من 25 مجلة أدبية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات لم يعد بها الآن سوى عدة مجلات أدبية متعثرة، وهو أمر يتعلق بطبيعة المرحلة السياسية التي أثرت بالسلب في الدور الثقافي المصري خلال العقود الستة الماضية. وفي ثورتي يناير و30 يونيو، صنعت الفطرة المصرية معجزة كبيرة في موجتين ثوريتين متتابعتين. لكن الثقافة السائدة الآن ليست هذه الفطرة، فنحن أمام ثقافة ظلامية ظلت تنمو لتزيح ثقافة النهضة والتنوير، لتظهر بشكل مأسوي في الشارع، وقد انتشرت هذه الثقافة في أنحاء مصر متأثرة كلها بأفكار حسن البنا وسيد قطب، وبدت بكل وضوح في أعمال العنف والتفجير والإرهاب بالجامعات وفي كل مكان.
* في ظل اهتمامك الشديد بالسياسة، كيف ترى العلاقة المثلى للمبدع أو المثقف مع السياسة والسلطة؟ بمعنى: هل يقترب منها أم ينأى عنها وينجو بنفسه منها؟
- الاهتمام بالسياسة لا يعني الانخراط في ممارسة العمل السياسي، والمثقف لا ينفصل عن العالم المحيط به ولا يعيش في برج عاجي، بل يقود الرأي والمجتمع نحو التنوير. كما أن هناك علاقة وثيقة بين الثقافة والديمقراطية، فحينما تغيب الثقافة تغيب الديمقراطية. ومن ثم، فاهتمامي بالسياسة أمر طبيعي وجزء مهم من رسالتي بصفتي مفكرا ومشاركا الرأي، وهذا لا يعني أن أعمل بالسياسة أو أمارسها، فلها أهلها ونأسها. ولكني أرى أن المثقف لا يقف معزولا عما يحدث حوله، وعليه أن يدافع عن حماية حقه الكامل في التفكير والتعبير بحرية، لأن الحرية هي الشرط الجوهري للتفكير والإبداع. وفي ظل عصور الطغيان والديكتاتوريات وكبت الحريات الماضية، جرى إهمال دور الثقافة والمثقفين، فكان المثقف خادما للسلطة، وهو ما نجني ثماره الآن؛ من ظهور أجيال من المتطرفين وممارسي العنف والقتل من أنصار الجماعة الفاشية. ومن ثم، لا بد للمثقفين والمبدعين أن يقوموا بدورهم في التوعية والتنوير.
* لماذا قلت في كتابك عن قصيدة النثر التي سميتها «القصيدة الخرساء»، إنها تتغذى من ذراعين مسمومتين؛ هما انهيار اللغة وتراجع الشعور بالانتماء؟ وهل ما زلت ترى أنها فشلت في إقناعنا بأنها شعر؟
- أولا، أنا عندما أتحدث عن قصيدة النثر، فإنني أتحدث عن ظاهرة ولا أتحدث عن أشخاص بالذات. فلا شك في أن هناك شعراء مجيدين كتبوا في هذا الشكل، لكنهم ورود نادرة في شوك كثير. ولا شك في أن هناك شعرا حقيقيا في قصيدة النثر، لكنه محدود، والجانب الأكبر من هذا الإنتاج يحتاج لأن نقف أمامه ونسأل: ما الذي أضافه؟! فأنا أعتقد، من الناحية النظرية، أن الوزن ضروري للشعر، وأن الموسيقى ركن أساسي في القصيدة ولا يمكن لها أن تتحرر من لغة الحياة اليومية إلى لغتها الشعرية إلا بهذين الركنين: المجاز والموسيقى. وعندما نتحدث عن الموسيقى، فلا بد أن نتحدث عن الإيقاع، والإيقاع يتحقق أكثر ما يتحقق في الوزن. ورغم طول زمن تجربة قصيدة النثر، فإنها لم تستطع حتى اللحظة أن تتوطن لأني أسأل القراء من الجمهور العادي، فلا أجدهم يشعرون بهذا الشعور الذي يحدثنا عنه من يتلقون الشعر الموزون، كما أنني أقرأ ما يكتبه النقاد عن قصيدة النثر، فلا أجدهم يضيفون شيئا. وإذا قبلناها نقبلها فقط كصورة من صور الكتابة الشعرية، لا أن تكون بديلا للكتابة الشعرية التي نعرفها.
* ما سر نزوعك إلى التمرد في أعمالك الشعرية منذ ديوانك الأول «مدينة بلا قلب»؟
- عندما يكتب الشاعر فإنه يبحث عن اليوتوبيا أو مدينته الفاضلة التي يتمناها على أرض الواقع، ومن ثم فإنه يكتب انطلاقا من نقطة تمرده على الأمر الحال، مبشرا بالأفضل من وجهة نظره. لقد بنى الإنسان مدنا ضخمة وصنع حضارة شامخة، فيها علم كبير وليس فيها حب. فيها عقل وليس فيها قلب.
* «سفر».. «العودة من المنفى».. «غربة».. عناوين لبعض أعمالك. فإلى أي مدى تأثرت بصفتك شاعرا بالغربة، وهل كان تأثيرها بالسلب أم الإيجاب؟
- لا أنكر فضل السفر على رحلتي الشعرية والحياتية، خاصة أنني عشت في الغربة سنوات طويلة، لكنها لم تكن غربة بمعنى المنفى، لأني صاحب اختيار مكان السفر، فصار مرشحا لأن يكون وطنا، فحدث التناغم الذي فجر كل طاقات الإبداع الشعري الداخلية، كما أنني لم أجد في العالم كله مدينة تنافس باريس في الثقافة، وهي مدينة لكل البشر تزخر بالمبدعين من مختلف الأنحاء. وأذكر أني حين قررت السفر لفرنسا لم يكن ببالي أن أقضي 17 سنة من عمري فيها، فقد سافرت في البداية على أساس الإقامة لمدة ستة أشهر فقط، لكني فوجئت بأن إقامتي قد امتدت لهذا العمر بعد أن تسبب مقال عني بجريدة الـ«لوموند» الشهيرة للكاتب المغربي الطاهر بن جلون في قلب حياتي رأسا على عقب، حيث لفت الأنظار لي، وقمت بعدها مباشرة بالتدريس بجامعة باريس.
* «الشعر رفيقي».. عنوان لأحد كتبك الشهيرة. فهل حقا ما زال الشعر رفيق الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أم خطفته السياسة من عالم الشعر؟
- أولا الشعر دائما رفيقي، سواء كان شعري أو أشعار غيري، فأنا أقرأ الشعر باستمرار، وهو صرختنا الأخيرة في وجه الظلم والوحشة والطغيان والإرهاب. ولكنك محقة في أن اهتمامي، بصفتي مفكرا، بالسياسة خطفني من الشعر، وربما يحتاج الشعر لتفرغ أكبر، خاصة بعد أن أصبح لدي التزام بالكتابة الصحافية في جريدة «الأهرام» منذ رحيل توفيق الحكيم، حيث أصبح مقالي ينشر في نفس مكان مقالته قبل رحيله. وأذكر أنني كنت أكتب في الماضي كهاو وسط مجموعة من العمالقة في «روز اليوسف» مع التفرغ للشعر بشكل أساسي، ولكن هناك مراحل بالذات لا يستطيع الإنسان فيها أن ينعم بهذه العزلة مع كتابة الشعر، وهي المراحل التي يحس بها الإنسان الشاعر بأنه لا أحد يحل محله للأسف، وأنه مطالب أخلاقيا بالكتابة في الشؤون العامة. وأنا الآن أكتب مقالي الأسبوعي لجريدة «الأهرام» القاهرية يوم الأربعاء، وأعتقد أني أؤدي واجبا في هذه المقالة.
* حصلت على جوائز أدبية رفيعة مصرية ودولية. ماذا تعني الجائزة للمبدع؟ وما رأيك فيما يثار حول شبهة المجاملة في منح هذه الجوائز في بعض الأحيان؟
- بالفعل، هناك مجاملات في منح بعض الجوائز لمن لا يستحق وحرمان من يستحقها منها، وتلعب السياسة والمجاملة والعلاقات الشخصية والمصالح المادية دورا كبيرا في دفع الشخص الذي يعطي صوته لمن لا يستحق في بعض الأحيان، لكنه في النهاية يخسر نفسه. ومن حسن حظي أني كنت أول من حصل على جائزة «كفافيس»، كما كنت خامس أفريقي وأول شاعر عربي يفوز بجائزة «شعر القارة الأفريقية». وحصلت أخيرا على أرفع جائزة مصرية وهي «جائزة النيل» التي تمثل لي قيمة كبيرة، خاصة أنني حصلت عليها بعد الثورة المصرية.
* «لم يبق لي إلا الاعتراف».. كان أحد دواوينك الشعرية الشهيرة. فبماذا تعترف؟ ولمن بعد هذه التجربة الشعرية الطويلة؟
- أعترف أمام نفسي؛ أولا، بأني مسؤول عن كل الشرور التي تقع في العالم وعلي أن أتصدى لها وأن أهزمها.



على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.