حجازي لـ {الشرق الأوسط}: عانيت كثيرا لكني أرفض انعزال المثقف عن مجتمعه

يرى أنه بصفته شاعرا وإنسانا مسؤول عن كل شرور العالم ومن واجبه أن يتصدى لها ويهزمها

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي
TT

حجازي لـ {الشرق الأوسط}: عانيت كثيرا لكني أرفض انعزال المثقف عن مجتمعه

أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي

في هذا الحوار، يرى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أنه في ظل غياب الديمقراطية غابت ثقافة العقل والعلم، واضطهد الفكر الحر، وانتشرت المتاجرة بالدين، فعانى المثقفون كثيرا ويلات ذلك، ومنهم هو شخصيا. وهو يتهم جماعة الإخوان المسلمين بأنها «اختطفت الثورة في مصر ودول الربيع العربي، واخترقت مؤسسات الدولة لممارسة فاشيتها». وحول علاقة المثقف بالسلطة، يقول حجازي إن المثقف لا ينفصل عن العالم المحيط به ولا يعيش في برج عاجي، بل ينبغي أن يقود المجتمع نحو التنوير. وشعريا، يرى حجازي أن «الشعر تراجع وأصابه الركود، وأن قصيدة النثر، لا يمكن أن تكون بديلا للكتابة الشعرية التي نعرفها».
والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي غني عن التعريف، فهو واحد من رواد الشعر الحديث، وله تجربة مبكرة في كتابة القصيدة الحديثة، وخاض من أجلها واحدة من أشهر المعارك الشعرية وهو في مقتبل العمر مع عباس محمود العقاد المعروف باستهجانه الشعر الحديث.
ولم يكن تمرد حجازي في الشعر فقط، وإنما في الفكر والثقافة والرؤية التي تبناها حول القضايا السياسية والثقافية المعاصرة، وهو ما جلب عليه متاعب كثيرة وصدامات مع بعض أنصار تيار الإسلام السياسي وصلت إلى صدور أحكام قضائية ضده. هنا نص الحوار معه:

* بداية، ما انطباعك عن لقائكم المشير السيسي أخيرا؟
- هو انطباع طيب. وقد تحدثنا معه في السياسة والثقافة... عن الديمقراطية، والحريات العامة، ودور مصر الثقافي، وكيفية النهوض بالتعليم والثقافة، ومكافحة الأمية، وضرورة تجديد الخطاب الديني. وقد استمع إلينا بكل اهتمام وشاركنا الرأي. وأذكر أنه كان لي رأي مختلف في وقت سابق عندما بدأ الحديث عن ترشح السيسي للرئاسة بعد ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران)، وقلت وقتها إنني أفضل أن يظل السيسي بعيدا عن الحكم بصفته صاحب الشعبية الجارفة، لأنه وقف إلى جانب المصريين وحقق ما أرادوه بإسقاط حكم «الإخوان»، وعندما يصبح حاكما ربما يكون له شأن آخر. كما أنني رأيت أن رئيس مصر القادم يجب أن يكون مدنيا، لأن مصر عانت كثيرا مساوئ الحكم العسكري لعدة عقود منذ ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 وحتى عهد مبارك وما بعده خلال فترة حكم المجلس العسكري بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، حيث خسرت مصر الكثير وتراجع دورها بشكل كبير.
* إذن، لماذا تغير موقفك؟
- تغير موقفي الآن، لأنني رأيت التفافا كبيرا من الشعب المصري حول المشير السيسي، وتزايد الإلحاح عليه بترشيح نفسه فأصبح المطلب شعبيا على ما يبدو لنا. كما أنني كنت أتوقع أن ينتهي الإرهاب في وقت سريع، لكنه ما زال يطل علينا بوجهه القبيح على يد الإرهابيين الفاشيين، مما يعني أن المشير السيسي يرشح نفسه ضد الإرهاب، ومن ثم صار الإرهاب هو منافسه. ومع ذلك، فقد قلت له خلال اللقاء الذي جمعنا به: «لا نريد حكومة دينية ولا عسكرية».
* في رأيك، ما سبب انتشار تيار الإسلام السياسي في دول الربيع العربي؟
- إذا نظرنا إلى تلك الدول التي هبت عليها رياح التغيير؛ بداية من تونس ومرورا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، نجد أنها جميعا كانت تعاني الطغيان الذي يتناسخ فيها بصور مختلفة. وفي ظل غياب الديمقراطية، غابت ثقافة العقل والعلم، واضطهد الفكر الحر، وانتشرت المتاجرة بالدين، وسيطرت على العقول جماعات الإسلام السياسي، التي لم تكتف بالسلطة التي اختطفتها وإنما أرادت الدولة كلها. ولكي يختطفوا الدولة أصبح عليهم أن يغيروا طبيعتها ويعودوا بها إلى ما كانت عليه في عصور الظلام، كسلطة دينية يتحدثون فيها وحدهم باسم الله فلا يعارضهم أحد. وللأسف، ساعدهم على ذلك سوء الأوضاع السائدة في هذه البلدان من أمية وفقر وتخلف، ونجحوا بمساعدة طغيان الحكام بهذه البلدان في تقييد الحريات والفكر. وقد عانى المثقفون كثيرا ويلات هذه القيود، وعانيت شخصيا ذلك ورفعت ضدي قضايا من تجار بالدين. وفي فترة ما بعد إسقاط الأنظمة الفاسدة، نجح هؤلاء المتطرفون في اختطاف الثورات وتسللوا إلى سدة الحكم كما فعل «الإخوان» في مصر، واستخدموا مؤسسات الدولة التي اخترقوها لممارسة فاشيتهم، وهو ما دفع المصريين إلى توحيد الصفوف والقيام بموجة ثورية ثانية بعد ثورة يناير لإسقاط حكم «الإخوان» الإرهابي.
* كيف أثر هذا المناخ في حركة الإبداع بدول الربيع العربي؟
- بداية، لا إبداع من دون حرية. وهذه الحرية إما أن تكون دائما حرية ذاتية يتحكم فيها المبدع نفسه بقدر ما يوفر لنفسه من شروط لهذه القدرة، على أن يكون صادقا وأن يكون شجاعا في مواجهته الحقيقة، وهو ما يتطلب أن يكون المبدع مثقفا ثقافة خاصة. ثم هناك أيضا الشرط الخارجي، وهو أنه عندما أنظم القصيدة وفقا للشروط السابقة فلا بد أيضا أن تصل القصيدة للناس، ولذلك ارتبطت دائما حرية التفكير بحرية التعبير، لأنه لا جدوى من هذه الحرية الذاتية إذا لم تجد طريقا لتوصيل الحقيقة للآخر. ولكن المخاوف أثيرت مع ظهور الإسلام السياسي، الذي يتصور أصحابه أنهم لا يحكمون فقط بقانون نتفق على وضعه، وإنما بقانون سماوي لا نستطيع مناقشته، كما يعتقد أصحاب الإسلام السياسي أن فهمهم هذه القوانين الإلهية هو الفهم الوحيد، فتجد هناك من يفتش في الضمائر ويفسر العمل على طريقته وفق تفكيره، ومن ثم فلا مجال للحرية التي يتطلبها الإبداع.
* من المعروف أن الثورات كانت دائما عبر التاريخ ملهمة للشعراء ولكل المبدعين، فهل تشعر بالرضا عن مستوى الأعمال المعبرة عن ثورات الربيع العربي أو المستلهمة منها؟
- فكرة الرضا الكامل غير واردة، فدائما هناك بحث عن الأفضل، لكن هناك إسهامات طيبة من البعض، وإن كان يجب علينا ألا نتعجل، لأن المسألة تستغرق وقتا طويلا لتكتمل الرؤية وتتجسد في تجربة إبداعية، خاصة أن الأحداث متسارعة بعد أن عشنا موجتين ثوريتين في فترة زمنية قصيرة.
* هناك من يقول إن دولة الشعر قد سقطت مع هبوب رياح الربيع العربي، حيث توارى الشعر خلف الحدث الثوري. فما رأيك؟
- الشعر لم يسقط، لكنه تراجع. وهناك أسباب لهذا التراجع؛ أهمها تدني مستوى التعليم، فقد كنا نكتب بالفصحى ونتعلم الشعر جيدا في الكتاتيب. وعن نفسي، فقد التحقت بالكتاب في سن الرابعة، وعندما بلغت السابعة من عمري كنت قد حفظت القرآن، وفي السابعة عشرة ختمت حفظه ولا أزال أحفظ منه حتى اليوم، وكان أساتذتي في المدارس الأولية يتعلمون اللغة العربية في الأزهر ويحفظون أشعارا ومقالات. لكن الملاحظ أن وضع اللغة العربية لمن يستخدمها في الإبداع اليوم ليس كما نحب، ويمكن وصف الوضع العام بالركود.
* هل ما زلت على رأيك أن الثقافة في مصر ليست بخير؟ وهل كان للسياسة تأثير في ضعف الدور الثقافي، أم أن الثقافة صاحبة التأثير الأقوى على السياسة؟
- لا شك في أن مصر شهدت حركات تنوير رائدة وكبرى، تمثلت في ظهور رموز وأعلام في الفكر والثقافة عبر التاريخ، وهو ما أسهم بشكل إيجابي في الفكر العربي كله. ولكن الطغيان ومصادرة الحريات أثرا سلبا في هذه الحركة، وهو ما أسهم في تراجع الثقافة المصرية خلال العقود الماضية، فمصر التي كان بها أكثر من 25 مجلة أدبية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات لم يعد بها الآن سوى عدة مجلات أدبية متعثرة، وهو أمر يتعلق بطبيعة المرحلة السياسية التي أثرت بالسلب في الدور الثقافي المصري خلال العقود الستة الماضية. وفي ثورتي يناير و30 يونيو، صنعت الفطرة المصرية معجزة كبيرة في موجتين ثوريتين متتابعتين. لكن الثقافة السائدة الآن ليست هذه الفطرة، فنحن أمام ثقافة ظلامية ظلت تنمو لتزيح ثقافة النهضة والتنوير، لتظهر بشكل مأسوي في الشارع، وقد انتشرت هذه الثقافة في أنحاء مصر متأثرة كلها بأفكار حسن البنا وسيد قطب، وبدت بكل وضوح في أعمال العنف والتفجير والإرهاب بالجامعات وفي كل مكان.
* في ظل اهتمامك الشديد بالسياسة، كيف ترى العلاقة المثلى للمبدع أو المثقف مع السياسة والسلطة؟ بمعنى: هل يقترب منها أم ينأى عنها وينجو بنفسه منها؟
- الاهتمام بالسياسة لا يعني الانخراط في ممارسة العمل السياسي، والمثقف لا ينفصل عن العالم المحيط به ولا يعيش في برج عاجي، بل يقود الرأي والمجتمع نحو التنوير. كما أن هناك علاقة وثيقة بين الثقافة والديمقراطية، فحينما تغيب الثقافة تغيب الديمقراطية. ومن ثم، فاهتمامي بالسياسة أمر طبيعي وجزء مهم من رسالتي بصفتي مفكرا ومشاركا الرأي، وهذا لا يعني أن أعمل بالسياسة أو أمارسها، فلها أهلها ونأسها. ولكني أرى أن المثقف لا يقف معزولا عما يحدث حوله، وعليه أن يدافع عن حماية حقه الكامل في التفكير والتعبير بحرية، لأن الحرية هي الشرط الجوهري للتفكير والإبداع. وفي ظل عصور الطغيان والديكتاتوريات وكبت الحريات الماضية، جرى إهمال دور الثقافة والمثقفين، فكان المثقف خادما للسلطة، وهو ما نجني ثماره الآن؛ من ظهور أجيال من المتطرفين وممارسي العنف والقتل من أنصار الجماعة الفاشية. ومن ثم، لا بد للمثقفين والمبدعين أن يقوموا بدورهم في التوعية والتنوير.
* لماذا قلت في كتابك عن قصيدة النثر التي سميتها «القصيدة الخرساء»، إنها تتغذى من ذراعين مسمومتين؛ هما انهيار اللغة وتراجع الشعور بالانتماء؟ وهل ما زلت ترى أنها فشلت في إقناعنا بأنها شعر؟
- أولا، أنا عندما أتحدث عن قصيدة النثر، فإنني أتحدث عن ظاهرة ولا أتحدث عن أشخاص بالذات. فلا شك في أن هناك شعراء مجيدين كتبوا في هذا الشكل، لكنهم ورود نادرة في شوك كثير. ولا شك في أن هناك شعرا حقيقيا في قصيدة النثر، لكنه محدود، والجانب الأكبر من هذا الإنتاج يحتاج لأن نقف أمامه ونسأل: ما الذي أضافه؟! فأنا أعتقد، من الناحية النظرية، أن الوزن ضروري للشعر، وأن الموسيقى ركن أساسي في القصيدة ولا يمكن لها أن تتحرر من لغة الحياة اليومية إلى لغتها الشعرية إلا بهذين الركنين: المجاز والموسيقى. وعندما نتحدث عن الموسيقى، فلا بد أن نتحدث عن الإيقاع، والإيقاع يتحقق أكثر ما يتحقق في الوزن. ورغم طول زمن تجربة قصيدة النثر، فإنها لم تستطع حتى اللحظة أن تتوطن لأني أسأل القراء من الجمهور العادي، فلا أجدهم يشعرون بهذا الشعور الذي يحدثنا عنه من يتلقون الشعر الموزون، كما أنني أقرأ ما يكتبه النقاد عن قصيدة النثر، فلا أجدهم يضيفون شيئا. وإذا قبلناها نقبلها فقط كصورة من صور الكتابة الشعرية، لا أن تكون بديلا للكتابة الشعرية التي نعرفها.
* ما سر نزوعك إلى التمرد في أعمالك الشعرية منذ ديوانك الأول «مدينة بلا قلب»؟
- عندما يكتب الشاعر فإنه يبحث عن اليوتوبيا أو مدينته الفاضلة التي يتمناها على أرض الواقع، ومن ثم فإنه يكتب انطلاقا من نقطة تمرده على الأمر الحال، مبشرا بالأفضل من وجهة نظره. لقد بنى الإنسان مدنا ضخمة وصنع حضارة شامخة، فيها علم كبير وليس فيها حب. فيها عقل وليس فيها قلب.
* «سفر».. «العودة من المنفى».. «غربة».. عناوين لبعض أعمالك. فإلى أي مدى تأثرت بصفتك شاعرا بالغربة، وهل كان تأثيرها بالسلب أم الإيجاب؟
- لا أنكر فضل السفر على رحلتي الشعرية والحياتية، خاصة أنني عشت في الغربة سنوات طويلة، لكنها لم تكن غربة بمعنى المنفى، لأني صاحب اختيار مكان السفر، فصار مرشحا لأن يكون وطنا، فحدث التناغم الذي فجر كل طاقات الإبداع الشعري الداخلية، كما أنني لم أجد في العالم كله مدينة تنافس باريس في الثقافة، وهي مدينة لكل البشر تزخر بالمبدعين من مختلف الأنحاء. وأذكر أني حين قررت السفر لفرنسا لم يكن ببالي أن أقضي 17 سنة من عمري فيها، فقد سافرت في البداية على أساس الإقامة لمدة ستة أشهر فقط، لكني فوجئت بأن إقامتي قد امتدت لهذا العمر بعد أن تسبب مقال عني بجريدة الـ«لوموند» الشهيرة للكاتب المغربي الطاهر بن جلون في قلب حياتي رأسا على عقب، حيث لفت الأنظار لي، وقمت بعدها مباشرة بالتدريس بجامعة باريس.
* «الشعر رفيقي».. عنوان لأحد كتبك الشهيرة. فهل حقا ما زال الشعر رفيق الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي أم خطفته السياسة من عالم الشعر؟
- أولا الشعر دائما رفيقي، سواء كان شعري أو أشعار غيري، فأنا أقرأ الشعر باستمرار، وهو صرختنا الأخيرة في وجه الظلم والوحشة والطغيان والإرهاب. ولكنك محقة في أن اهتمامي، بصفتي مفكرا، بالسياسة خطفني من الشعر، وربما يحتاج الشعر لتفرغ أكبر، خاصة بعد أن أصبح لدي التزام بالكتابة الصحافية في جريدة «الأهرام» منذ رحيل توفيق الحكيم، حيث أصبح مقالي ينشر في نفس مكان مقالته قبل رحيله. وأذكر أنني كنت أكتب في الماضي كهاو وسط مجموعة من العمالقة في «روز اليوسف» مع التفرغ للشعر بشكل أساسي، ولكن هناك مراحل بالذات لا يستطيع الإنسان فيها أن ينعم بهذه العزلة مع كتابة الشعر، وهي المراحل التي يحس بها الإنسان الشاعر بأنه لا أحد يحل محله للأسف، وأنه مطالب أخلاقيا بالكتابة في الشؤون العامة. وأنا الآن أكتب مقالي الأسبوعي لجريدة «الأهرام» القاهرية يوم الأربعاء، وأعتقد أني أؤدي واجبا في هذه المقالة.
* حصلت على جوائز أدبية رفيعة مصرية ودولية. ماذا تعني الجائزة للمبدع؟ وما رأيك فيما يثار حول شبهة المجاملة في منح هذه الجوائز في بعض الأحيان؟
- بالفعل، هناك مجاملات في منح بعض الجوائز لمن لا يستحق وحرمان من يستحقها منها، وتلعب السياسة والمجاملة والعلاقات الشخصية والمصالح المادية دورا كبيرا في دفع الشخص الذي يعطي صوته لمن لا يستحق في بعض الأحيان، لكنه في النهاية يخسر نفسه. ومن حسن حظي أني كنت أول من حصل على جائزة «كفافيس»، كما كنت خامس أفريقي وأول شاعر عربي يفوز بجائزة «شعر القارة الأفريقية». وحصلت أخيرا على أرفع جائزة مصرية وهي «جائزة النيل» التي تمثل لي قيمة كبيرة، خاصة أنني حصلت عليها بعد الثورة المصرية.
* «لم يبق لي إلا الاعتراف».. كان أحد دواوينك الشعرية الشهيرة. فبماذا تعترف؟ ولمن بعد هذه التجربة الشعرية الطويلة؟
- أعترف أمام نفسي؛ أولا، بأني مسؤول عن كل الشرور التي تقع في العالم وعلي أن أتصدى لها وأن أهزمها.



قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»