حسن النعمي: الرواية السعودية اخترقت التحصينات المحافظة

يرى أن مشكلة بعض الروائيات في أنهن {مأسورات بأزمة المرأة مع الرجل}

حسن النعمي
حسن النعمي
TT

حسن النعمي: الرواية السعودية اخترقت التحصينات المحافظة

حسن النعمي
حسن النعمي

منذ ثلاثة عقود، والدكتور حسن النعمي، الأكاديمي والناقد والقاص السعودي المعروف يواصل دراسة الرواية، تاريخها وتطورها، وعلاقتها بالمجتمع. حصل النعمي على ماجستير في الأدب العربي من جامعة إنديانا الأميركية عام 1989م، والدكتوراه في «الفن القصصي» من الجامعة نفسها عام 1995م، وكان موضوع رسالته «روايات نجيب محفوظ في السينما».
ويعمل حالياً أستاذاً للسردية المعاصرة والمسرح بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
أصدر ثلاث مجموعات قصصية: «زمن العشق الصاخب» 1984، و«آخر ما جاء في التأويل القروي»، 1987، و«حدَّث كثيب قال»، 1999. وله أيضاً عدد من الكتب النقدية منها «رجع البصر: قراءات في الرواية السعودية»، 2004، و«الرواية السعودية واقعها وتحولاتها» 2009، و«بعض التأويل: مقاربات في خطابات السرد»، 2013، كما قدَّم وحرَّر «خطاب السرد: الرواية النسائية السعودية»، 2007.
عن مسيرة الرواية السعودية، والتحولات التي مرّت بها، كان هذا الحوار معه:

> كيف تولَد الرواية؟ هل هي حصيلة وعي اللحظة الإبداعية، أم هي استجابة لمخاض التحولات العامة في المجتمع؟
- تجربة الرواية تجربة التقاطع مع العالم، فهي ترى العالم رؤية ناقدة، رؤية باحثة عن الأجمل حتى لو كان عبر تقديم «القبحيات». فتقديمها له ليس لذاته إنما لما ينبغي أن يكون. فإذا كان الواقع كائناً، فالرواية والفنون عامة تبحث عما ينبغي أن يكون، وهو ما يقلق الإنسان دائماً.
وولادة الرواية لا يمكن تشخيصها، فكل رواية لها ولادتها في الزمان والمكان تماماً كالبشر. لكنها أيضاً لحظة فارقة في حياة كاتبها. لحظة الكتابة لحظة نمو التجربة وفيها يتداخل الخاص بالعام في حياة الكاتب. فتتماس ذاته مع السياقات من حوله. غير أنه من الضروري معرفة أن الرواية ليست سوى وجهة نظر كاتبها. فليست نصاً يعبر عن المجتمع، ولا تعكس الواقع ولا تشوهه، ولا تصلحه. فليس من ضرورات الفن الروائي سوى إخلاص الكاتب لتجربته دون الوقوع في أسر الآيديولوجيات المسبقة.
> لماذا إذن مرت الرواية السعودية بفترات خامدة وضعيفة منذ ظهورها الأول عبر رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري عام 1930؟
- الرواية صنعة تتغذى على روافد خارجية، تؤثر فيها، وتحتاج الرواية ومعها كل الفنون إلى الحرية التي تسمح بنمو التجارب. هذا لا يعني غياب الفنون والآداب هي تحضر لكنها تجد في طريقها مصدات تحد من تدفقها. الثقافة المحافظة لها اشتراطاتها التي توجه الفنون وفقاً لاحتياجاتها، بمعنى آخر تفرض آيديولوجية مسبقة فيما تسمح به من فنون. من هنا كل الفنون التي تنمو تحت سلطة الآيديولوجيا أيَّاً كان وصفها تعد معادية لحرية الإنسان بطريقة أو بأخرى.
ما بين رواية «التوأمان» و«بنات الرياض» مسافة من التحولات الاجتماعية الكبيرة. وهذا يفسر اختلاف مستوى الروايتين ليس من حيث المستوى الفني، بل من حيث الأفكار والجرأة والابتكار. وهذه صورة التحولات الاجتماعية، وما صاحبها من تغيرات جذرية، مست العلاقات الإنسانية في الصميم، فمن مجتمع كان يعيش حد الكفاية في كل شيء اقتصادياً واجتماعياً إلى حد الطفرة والبنى الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. بنظرة شمولية نجد أن رحلة الرواية هي ذاتها رحلة المجتمع، من حيث بدايتها المتواضعة - ما يشبه الحد الأدنى من شروط الفن - إلى رواية متفوقة نافست على الجوائز وحصدت ما تستحق في أكثر من مسابقة. يضاف إلى ذلك أن الرواية السعودية الآن مطلوبة من القارئ العربي ومن سوق الترجمات العالمية.

تحولات الرواية

> درستَ تاريخ الرواية السعودية وتحولاتها عبر كتاب «الرواية السعودية واقعها وتحولاتها»، ما أبرز هذه التحولات، هل هي داخلية مجتمعية أم خارجية؟
- التحولات متعددة منها السياسي وهو بطيء، ومنها الاجتماعي وهو أكثر تسارعاً، وهناك تحولات تاريخية خارجية مثل حركة الجهاد الأفغاني، وحرب الخليج الأولى والثانية. هذه الأحداث تركت آثارها على البنية الاجتماعية بشكل كبير نتيجة لما صاحبها من تغيرات، فضلاً عن استقطاب التيار الصحوي لفئات المجتمع المختلفة. وهذه التغيرات مسَّت التعليم، وحدَّت من النمو الثقافي التنويري، واحتدم الصراع في حقبة الثمانينات الميلادية بشكل غير مسبوق.
وهذه التحولات تركت ظلالها على الثيمات الروائية بشكل كبير. لكن هذا لا يعني التأثير المباشر، بل إنها تصل لذهنية الكاتب وتتفاعل مع تجربته بطريقة إبداعية.
2- نتيجة لتصاعد التغير الاجتماعي، واتساع تأثير العوامل الخارجية، إضافة لانفتاح المجتمع على الآخر بفعل دواعي السفر للدراسة أو السياحة على نحو غير مسبوق، وظهور البث الفضائي، هذه العوامل وغيرها أسهمت في إيجاد هوامش تعبيرية لم تكن متوفرة من قبل. كما تهيأ لهذه المرحلة رواد كانوا من الشجاعة الأدبية بمكان. فغازي القصيبي وتركي الحمد وعبده خال كانوا في الموعد. كتبوا روايات مختلفة المستوى الفني، لكنها حققت اختراقات اجتماعية كبيرة، إذ وسعت هوامش التعبير، ولامست القضايا ذات الحساسية الاجتماعية كالعنصرية، وهمشت فكرة الخصوصية الاجتماعية التي أسهمت في ضعف المجتمع وانكساره، وسعت لإعادة المجتمع لإنسانيته بعد أن كان قد وصل مع التيار الصحوى إلى يوتوبيا غير منطقية.
> منذ عام 2001 الذي شهد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) ولمدة خمس سنوات تالية أصدر السعوديون تقريباً نصف ما أنتجوه في تاريخهم منذ صدور «التوأمان». ما خصوصية هذه الفترة تحديداً؟
- الروايات التي صدرت في حقبة التسعينات مهدت هذه الطفرة الروائية، إضافة إلى تعرض المجتمع إلى الضغط نتيجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهذان العاملان جعلا التيار الديني الصحوي يتراجع خوفاً على مكاسبه، من هنا جاءت اشتغالات الرواية على المهمل والهامشي لبناء صورة ذهنية جديدة. هل الكتاب والكاتبات كانوا على وعي بهذه التحولات أم أنها ظروف المرحلة؟ في الحقيقة إن معظم من كتب ساير المرحلة، لذلك جاء الكثير من الكتابات الروائية كمية لا نوعية. لكن على مستوى التجربة حصل أمران في غاية الأهمية لمستقبل الرواية في السعودية: الأول تزايد التراكم الروائي، والثاني اتساع هوامش التعبير حيث لامست الرواية الكثير من الموضوعات ذات الحساسية الاجتماعية.
> هل كُتبت الرواية السعودية؟ من ترشح من الروائيين أن يكتب هذا العمل؟
- بالمقاييس الفنية العليا لا، ومن يكتبها ليس من هذا الجيل.
> هناك توظيف للتراث في الرواية السعودية لكن الكثير من الروايات مشدودة إلى الماضي حتى وإن حاولت الانفكاك من الماضوية أو التمرد عليها. هي لا تخاطب الحاضر ولا المستقبل. ما رأيك؟
- التوظيف جزء من جماليات الرواية وهو مستويات متعددة منه الديني والتاريخي والمعاصر للتجربة. المهم في التوظيف أن يكون ذا قيمة فنية تضاف إلى الرواية. ومن الضروري أن يكون التوظيف من أجل استشراف المستقبل. وليس مجرد استدعاء سطحي للماضي الديني والتاريخي.

الرواية والتنوير

> كنتَ تقول إن «الرواية السعودية من أجرأ الخطابات التي ناهضت أشكال التمييز والتصنيفات القبلية والمذهبية الموجودة في المجتمع». هل نجحت الرواية في أداء دور تنويري فعلاً في المجتمع؟
- نعم، يُحسَب للرواية السعودية أنها اخترقت التحصينات المحافظة ذات النزعة الاستحواذية على المجتمع، ونافست بيئة الجمود بتقديم بنية اللامثالية. فأظهرت إنسانية المجتمع واحتياجه للحياة دون وصاية مسبقة.
> ما تأثير المكان في تجربتك القصصية؟ نعلم أن عدداً من الكتاب الذين أثروا القصة ينتمون لهذه المنطقة بينهم أنت ومحمد علون وإبراهيم شحبي.
- تجربة المكان لا تخلو من صيغتين: الأولى أن يكون المكان حاضناً للأحداث. وهذا النوع من الأمكنة الروائية غالباً محايد الوجود لا تأثير له في صياغة الأحداث. والصيغة الثانية للمكان، أن يكون منتجاً للأحداث. وهنا نبحث عن جمالية المكان في القصة أو الرواية، لأن المكان بهذه الصيغة هو الذي يسهم في صناعة الحدث. فالحدث مرتبط عضوياً بحضور المكان، ولا يمكن تصور الحدث خارجه. ومن الأمثلة على ذلك رواية «ميمونة» لمحمود تراوري، وأحداثها المرتبطة بمجاورة البيت العتيق، ولو غاب المكان لغابت الرواية بالكامل. ورواية «الحفائر تتنفس» لعبد الله التعزي. ورواية «الموت يمر من هنا» لعبده خال.
وفي تجربة القصة في الجنوب نلامس تجربة المكان المنتج بشكل كبير عند محمد علوان وإبراهيم شحبي وتركي العسيري وغيرهم، لكن ليس في كل قصصهم.
وبالنسبة إلى تجربتي القصصية هناك بعض القصص، خصوصاً في المجموعتين الأولى والثانية ينطبق عليها قانون المكان المنتج.
> لديك تجربة شعرية ناضجة مع مشروع إلقاء وتسجيل صوتي يلاقي ترحيباً في وسائل التواصل، لكن لم تجمعها إلى الآن في مجموعة شعرية. متى يصدر ديوانك الأول؟
- تجربتي مع الشعر قديمة، بل أسبق من تجربتي القصصية، وكان في داخلي عالم الشعر وعالم القصة، وفي المجموعتين الأولى «زمن العشق الصاخب» والثانية «آخر ما جاء في التأويل القروي» تمازج بين الشعر والسرد بطريقة غير مقصودة. مجرد أسلوب وجدت نفسي فيه. وهذا يعتمد على القدرات الإبداعية المحركة لهذا الأسلوب. وفي مرحلة متأخرة فصلت بين اللونين. وبدأت أكتب الشعر منفصلاً عن السرد. وأحس الآن أن الشعر قد تحرَّر من السرد في تجربتي الأدبية. ومن هنا جاءت فكرة إصدار ديوان انتصاراً للشعر في داخلي، ورأيت أن يكون صوتياً للاستفادة من وسائل التواصل العصرية.

الرواية النسائية

> قدَّمت ورقة نقدية عام 2003 طرحت فيها فرضية أن الرواية النسائية تقوم على إقصاء الرجل من خلال دراسة 15 رواية نسائية. كيف يصبح الرجل عبئاً في الرواية النسائية؟
- مشكلة بعض الروائيات أنهن مأسورات بأزمة المرأة مع الرجل. فالإرث الاجتماعي يؤكد حرمان المرأة من حقها في العيش بأمان، ومن الاستفادة من حق الاختيار. من هنا ترى الروائية أنها وهبت هذه الموهبة للدفاع عن حقوق المرأة في رواياتها. والأصل في الرواية أنها نص يعبر عن وجهة نظر كاتبها في الناس والكون والحياة. فلا يحصر الكاتب نفسه في موضوع معين. وإن فعل فقد أدلج أدبه ورهنه لتفسيرات اجتماعية لا تخدم جماليات الأدب.
> ألا ترى أن الروائيات السعوديات حققن نجاحاً ملحوظاً أذكر منهن رجاء عالم وليلى الجهني ومها الفيصل ونداء أبو علي وبدرية البشر وأميمة الخميس وأخريات. ألا يكفي أن الطفرة النسائية افتتحتها فتاة هي رجاء الصانع عبر «بنات الرياض»؟
- نعم، من حيث التطور الفني لهن دور كبير وقد وصلت أسماؤهن إلى قوائم الجوائز، وفازت رجاء عالم وسيفوز غيرها قريباً. النقطة التي أجادل فيها - وقد أكون على خطأ - أن معظمهن مشغولات بالأزمة مع الرجل، مع أن في الحياة من الموضوعات ما يستحق التناول. تكريس هذه النمطية يؤثر على إنتاج الكاتبة، ويحد من قدرتها على الوصول إلى جوهر التجربة الإنسانية من إذ إنها صراع مستديم نحو الأفضل.
> لماذا ما زالت بعض النساء تكتب بأسماء مستعارة كطيف الحلاج وصبا الحرز وغيرهما؟
- الأمر لا يخلو من أمرين، إما لحساسية الأعمال التي تقدمها الكاتبة، أو هي حيلة فنية تستثير حساسية القارئ.
> ألا تلاحظ أن تجارب الروائيين والقاصين السعوديين لا تتواصل عبر الأجيال؟ تبدو كل حلقة معزولة عن سياق التجربة التي أسسها أدباء سابقون. أليس كذلك؟
- انقطاع تواصل الأجيال سمة بارزة في السرد والشعر على حد سواء، لكنه ظهر في فترة الحداثة الأدبية على نحو واضح، لاختلاف منهجية التفكير التي غيَّرت مفاهيم النخبة الأدبية، إضافة لحالة الخصام بين تيار الحداثة والتيار المحافظ التقليدي التي زادت من المباعدة بين الأجيال، إذ تبنى التيار المحافظ كل إنتاج أدبي قبل فترة الثمانينات، ودافع عنه بوصفه الأصفى والأنقى. فصار البحث - من خارج السياق الثقافي - مطلباً لجيل الثمانينات وما بعده عن روافد خارجية مختلفة. من هنا انقطعت الصلات الأدبية.
> هناك أيضاً انقطاع بين الإنتاج الإبداعي وحركة النقد التي لا تبدو مواكبة له بل إنها قد تنظر (باستعلاء) إلى ما يفيض به المشهد الأدبي من أعمال سردية؟
- مفهوم العلاقة بين الأدب والنقد مفهوم ملتبس. والعلاقة تكاملية وليست متضادة كما يشيع في الذهنية العامة. الكاتب منتج والناقد قارئ له منهجه ورؤيته. ومن هنا فليس دور الناقد المتابعة لكل ما ينشر، الناقد له منهجه ومشروعه الذي يبحث فيه عما يلبي احتياجه. وأي دور آخر للناقد يخرجه من دور الناقد إلى الصحافي المتابع.
> كيف تقرأ المشهد الثقافي السعودي؟
- المشهد الثقافي مرتبك، وسيظل كذلك، لأن أسس العمل الثقافي غائبة. موضوع لائحة الأندية الأدبية لها سنوات طوال بين الأخذ والرد. وأشعر أن الجدية غائبة. وكل اللوائح الحالية لم تنجز المطلوب في وضع آلية تحدد من هو المشتغل بالأدب والثقافة من غيره.



بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.


«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)

تستعيد فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح بمصر نمط المسرحية الغنائية من خلال العرض المسرحي «ساعة حظ» الذي تقدمه على مسرح أوبرا ملك برمسيس (وسط القاهرة) لتحكي من خلاله قصة مجموعة أشخاص يجمعهم مخبأ يحتمون به من القصف الذي تتعرض له المدينة.

يأتي العرض في إطار كوميدي اجتماعي، مستلهماً أحداثه من قصة «المخبأ رقم 13» للأديب محمود تيمور، في معالجة مسرحية تعتمد على الاستعراضات والغناء.

ويقوم ببطولة العرض ياسر أبو العينين، وهالة محمد، وعادل الحسيني، ومحمد مجدي كامبا، وعلي الباهي، ونادين عامر، ويسري إبراهيم، وليلى عبد القادر، ومحمد عيسى، ومحمد أسامة الهادي، ومحمد بغدادي، وأحمد جيمي. الدراماتورج والأشعار: أحمد زيدان، والتأليف الموسيقي والألحان: زياد هجرس، ومن إخراج حسام التوني.

العرض مأخوذ عن قصة «المخبأ رقم 13» (وزارة الثقافة المصرية)

ويستعيد العرض الذي انطلق ضمن موسم عيد الأضحى فكرة المسرح الغنائي، الذي اشتهر في بدايات القرن العشرين وكان من أبرز نجومه ورواده سيد درويش صاحب مسرحيات «العشرة الطيبة» و«ولو» و«الباروكة» و«الطاحونة الحمرا» و«الهلال» و«إش» وغيرها من الأوبريتات الشهيرة للموسيقار الذي لَقّب بـ«فنان الشعب».

ويصف الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين مسرحية «ساعة حظ» بأنها من «الأعمال الجيدة المأخوذة من رواية للأديب الكبير الراحل محمود تيمور في الأربعينات، وهي فترة لها خصوصيتها حيث كانت مصر جزءاً من الحرب العالمية الثانية، وكان الطليان في العلمين والإنجليز محتلين مصر، فيما كان الفرنسيون موجودين بشكل أو بآخر».

«ساعة حظ» يتناول قصة منذ الأربعينات (وزارة الثقافة المصرية)

ويضيف سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن «تيمور كتب هذا النص في هذه الفترة بشكل سوداوي بعض الشيء ليرصد الحالة الاجتماعية للناس والمشاكل والقضايا السائدة في المجتمع والمسيطرة عليه، من خلال تفاصيل حياة الشخصيات، لكن المختلف أن عرض (ساعة حظ) يقدم هذه الفكرة في قالب غنائي، ويقدمه في (أوبرا ملك)، وهو مكان كان كازينو بالأصل، كأننا نعود لأجواء تاريخية في الأربعينات؛ فهو عمل جيد جداً يستند لرواية تعود أحداثها لزمن الأربعينات لكنه يقدمها برؤية عصرية».

ولفت الناقد الفني إلى أن «عصر الأربعينات من القرن الماضي في مصر كان يمثل عصر الاستعراض الموجود في المسرح الغنائي والسينما المصرية، حيث كنا نشاهد استعراضات ضخمة فيها 20 راقصة وأكثر من راقص لجذب جمهور الكازينو، فهذا العرض يعيدنا لتلك الحالة من خلال تجربة شبابية أتمنى أن تستمر».

وتشهد المسارح التابعة لوزارة الثقافة المصرية العديد من العروض التي حظيت باهتمام وحضور جماهيري واسع، خصوصاً خلال فترة عيد الأضحى، وتتنوع موضوعاتها بين التراجيديا والكوميديا والغناء الاستعراضي، ومن بين الأعمال التي تعرض حالياً «الملك لير» على المسرح القومي، من تأليف ويليام شكسبير وبطولة يحيى الفخراني وإخراج شادي سرور، وعرض «تياترو» على مسرح السلام من بطولة نور محمود، وعبد المنعم رياض، وأحمد السلكاوي، وأشعار طارق علي، وتأليف أحمد الملواني، وإخراج أحمد فؤاد. وعرض «زائد واحد» على مسرح الهناجر الذي يشارك في بطولته عزت زين، ونغم صالح، وأحمد عباس. وهو من تأليف محمد عادل النجار، وأشعار يسري حسان، وألحان زياد هجرس، وإخراج محمود فؤاد صدقي.


أمين درة لـ«الشرق الأوسط»: أميلُ إلى القصص الدرامية المتّصلة بالإنسانية

مسلسل «ممكن» يُعرض على منصة «شاهد» (أمين درة)
مسلسل «ممكن» يُعرض على منصة «شاهد» (أمين درة)
TT

أمين درة لـ«الشرق الأوسط»: أميلُ إلى القصص الدرامية المتّصلة بالإنسانية

مسلسل «ممكن» يُعرض على منصة «شاهد» (أمين درة)
مسلسل «ممكن» يُعرض على منصة «شاهد» (أمين درة)

إذا ما اطَّلعت على مسيرة أمين درة الإخراجية منذ بداياته حتى اليوم، فلا بدّ أن يلفتك أسلوبه السهل الممتنع. فكاميرته لا تتحرّك بدافع الدهشة والإبهار، بل بصدق المشاعر الإنسانية، فتخلق مع المشاهد ألفةً فورية تجعله جزءاً من الحكاية لا مجرد متلقٍّ لها. وبعد تجارب درامية وسينمائية خاضها كما في «براندو الشرق»، و«باب الجحيم»، و«شنكبوت»، وفيلم «غدي»، يطلّ اليوم بمسلسل «ممكن» من إنتاج شركة «الصبّاح».

يتفاعل متابع العمل سريعاً مع كاميرا أمين درّة، إذ إنّ تركيزه على شخصيات القصة يُشكّل حلقة الوصل المباشرة بينهما. ومع الأبطال ظافر العابدين، ونادين نسيب نجيم، وزينة مكي، وإيلي سعادة وغيرهم، ينجح في رفع منسوب هذا التفاعل وتعزيزه.

وعمّا إذا كانت كاميرته تشبه شخصيته الحقيقية بوضوحها وانسيابيتها، يوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أحاول دائماً في عملي أن أكون صادقاً مع نفسي، فلا أغوص في فلسفات لا تشبهني. وهذا التجاذب المتبادل بين الناس وكاميرتي هو نتيجة طبيعية لطريقة إدارتي لفريق العمل. فأنا أميل إلى القصص الإنسانية، وأحبّ بناء هذا التواصل مع الجمهور بعيداً عن عنصري الدهشة والإبهار».

يُضفي المخرج اللبناني من شغفه طابعاً خاصاً على أجواء العمل (أمين درة)

المعروف أنّ مسلسل «ممكن» مقتبس عن فيلم «بريتي وومن» الأميركي. فشكّل في تسعينات القرن الماضي أيقونة سينمائية لا تزال راسخة في ذاكرة عشاق الشاشة الذهبية. فهل تأثَّر أمين درة بأسلوب مخرج الفيلم الأميركي غاري مارشال؟ يُجيب: «آخر مرة شاهدت فيها الفيلم كانت في التسعينات. لم أشأ العودة إليه كي لا أتأثر بنسخته السينمائية. صحيح أن القصة تنطلق من الفكرة نفسها، لكن حيثياتها الدرامية مختلفة تماماً. كما أنّ شغف المخرج هو الذي يقوده إلى الأجواء التي تطبع العمل. لذلك تركت كاميرتي تُعبّر عن رؤيتي الخاصة، ولم أرغب في إحداث أي شبه بين الفيلم والمسلسل».

تمكَّن درة على مدى مسيرته من ترك بصمة إخراجية خاصة تميّزه عن غيره. وهو ما بدا واضحاً في فيلم «غدي» ومسلسل «شنكبوت» الرقمي. فأي العملين أقرب بطابعه الإخراجي إلى «ممكن»؟ يوضح: «ربما (شنكبوت) هو الأقرب، لأنّ محوره الأساسي يقوم على الشخصيات. كما لا يمكن مقارنة الإخراج السينمائي بالتلفزيوني، فلكلّ منهما لغته وأدواته الخاصة. وعندما تكون الشخصيات هي المحرّك الأساسي للحكاية، فإن الإيقاع يتشكّل انطلاقاً من عمقها وتطورها».

نادين نسيب نجيم في كواليس مسلسل «ممكن» (أمين درة)

ويتحدَّث المخرج اللبناني عن أبطال العمل، فيصف ظافر العابدين بأنه ممثل راقٍ ومجتهد، ويقول: «إنه شخص حقيقي إلى درجة يصعب معها التفريق بين حضوره أمام الكاميرا وخلفها. يدرس شخصيته بعناية ويناقش تفاصيلها بشغف. ويتمتّع بحسّ عالٍ من المسؤولية المهنية، كما يغار على عمله بشكل لافت».

أما عن نادين نسيب نجيم، التي يتعاون معها للمرة الأولى أيضاً، فيقول: «تتمتّع بعفوية في الأداء لا تُشبه أحداً. وهذه الصفة نعمة بالنسبة إلى الممثل، ولا سيما أن الشخصية التي تؤدّيها في (ممكن) تتطلَّب ذلك. لا أحتاج إلى شرح المشهد لها أكثر من مرة. تعرف تماماً كيف تتعامل مع الكاميرا، مُحافظةً على عفويتها وعلاقتها الطبيعية معها. وهو أمر نادراً ما نصادفه في الدراما».

من ناحية ثانية، يلقى أداء زينة مكي تفاعلاً واسعاً بين المشاهدين، حتى إنّ كثيرين هاجموا الشخصية التي تؤدّيها في المسلسل. ويُعلّق درة: «أدرك تماماً أن الجمهور يكنّ الكراهية للشخصية بسبب ما تمثّله في الأحداث. وهذا دليل على أنها نجحت في استفزاز المُشاهد بأدائها المقنع حتى صدّقها. لذلك لا بد من الإشادة بها ممثلةً محترفةً». ويضيف: «الأمر نفسه ينطبق على أنجو ريحان التي قدَّمت في (ممكن) أحد أجمل أدوارها. فقد سكنتها الشخصية إلى حدّ كبير وكانت مُلمّة بكل تفاصيلها». أما إيلي سعادة، فيؤكد أنه كان «الممثل المناسب في المكان المناسب»، مشيراً إلى أنّ الدور الذي أداه لم يكن سهلاً، وأنه أضفى عليه بُعداً إنسانياً مؤثراً.

ويشرح درة أنّ نقل قصة غربية إلى البيئة العربية ينطوي على قدر كبير من الحساسية، موضحاً: «لا يجوز مقارنة النسختين بعضهما ببعض. الأهم هو اختيار ما يناسب العمل العربي. وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية، أي في نقل القصة من سياقها الغربي إلى العربي من دون الإضرار بهوية أيٍّ من النسختين أو تشويهها».

عادةً ما يُشارك المخرج اللبناني في اختيار فريق التمثيل الذي يعمل معه، ويقول: «هناك مسؤولية كبيرة تقع على المخرج في حال فشل العمل، ولذلك ينبغي أن يكون مُطّلعاً على جميع عناصره. كما أنّ إدارة الممثل لا تقلّ أهمية عن لغة الصورة. ومن هنا تأتي أهمية اختبارات الأداء التي لا تهدف إلى تقييم الممثل، بل إلى التأكد من وجود الكيمياء المطلوبة بينه وبين الدور. وقد لمست هذه الكيمياء بوضوح لدى نادين وظافر، وإلا لكنت اعتذرت عن عدم إخراج المسلسل».

يصف ظافر العابدين بالمجتهد (أمين درة)

وهل سبق أن اعتذر عن مشاريع مشابهة؟ يُجيب: «أعتذر عندما لا أجد في العمل ما يمكن أن يُضيف إلى مسيرتي المهنية. فكما يدقّق الممثل في اختياراته، على المخرج أيضاً أن يدرس طبيعة المشروع. وقد يجد مخرج آخر في العمل نفسه ما يتناسب مع رؤيته الذاتية، فيوافق على تنفيذه».

وعن الذكاء الاصطناعي ودوره في الإخراج، يقول: «يتطوّر هذا المجال بوتيرة متسارعة، ويوفّر لنا إمكانات تُسهّل كثيراً من المَهمّات. في السابق كانت بعض الأمور شديدة الصعوبة أو شبه مستحيلة التنفيذ، أما اليوم فيفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة أمام صنّاع الدراما. وقد استخدمتُه في مراحل التحضير والتنفيذ، ولكن بصورة غير ملحوظة، بما يخدم الإيقاع الدرامي المطلوب».

ويتألّف مسلسل «ممكن» من 21 حلقة. وعندما نسأله عمّا إذا كانت خاتمته تُشبه النهاية السعيدة لفيلم «بريتي وومن»، يكتفي بالقول: «صحيح أن المسلسل مقتبس من الفيلم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يسير في الاتجاه نفسه، خصوصاً أننا أجرينا تعديلات كثيرة عليه. ما عليكم سوى انتظار الحلقة الأخيرة لاكتشاف ذلك».

وعن الإضافة التي حقّقها له هذا العمل، يختم: «استمتعتُ كثيراً بإخراجه، فهو أول تجربة درامية رمضانية أخوضها. صحيح أنّ عرضه تأجَّل إلى ما بعد رمضان، لكننا أنجزنا تصويره وفق إيقاع الدراما الرمضانية ومتطلّباتها. وأعتقد أنّ قرار التأجيل كان صائباً، وأنا سعيد بالتفاعل الذي يُحقّقه حالياً لدى المشاهدين».