واشنطن حرصت على تجنب أي انقسامات في مجلس الأمن

وحدت العالم ضد بيونغ يانغ... والحظر لا يسمح باللجوء للقوة في تفتيش السفن

كوريون جنوبيون في سيول يرفعون يافطات أمس تشجب الاستفزازات الكورية الشمالية بعد التصويت في مجلس الأمن لتجديد العقوبات (أ.ب)
كوريون جنوبيون في سيول يرفعون يافطات أمس تشجب الاستفزازات الكورية الشمالية بعد التصويت في مجلس الأمن لتجديد العقوبات (أ.ب)
TT

واشنطن حرصت على تجنب أي انقسامات في مجلس الأمن

كوريون جنوبيون في سيول يرفعون يافطات أمس تشجب الاستفزازات الكورية الشمالية بعد التصويت في مجلس الأمن لتجديد العقوبات (أ.ب)
كوريون جنوبيون في سيول يرفعون يافطات أمس تشجب الاستفزازات الكورية الشمالية بعد التصويت في مجلس الأمن لتجديد العقوبات (أ.ب)

جاء قرار مجلس الأمن الدولي بفرض حظر على بيونغ يانغ بعد أسبوع شاق من المحادثات والمفاوضات، ليخرج تصويت مجلس الأمن بالإجماع ضد كوريا الشمالية. وقد حرصت الولايات المتحدة على تجنب أي انقسامات داخل مجلس الأمن، وأن يظهر المجلس متحداً من الناحية السياسية.
ورحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، باتخاذ مجلس الأمن قراراً جديداً رداً على التجربة النووية السادسة التي أجرتها بيونغ يانغ، مؤكداً على أن «الحفاظ على الوحدة في مجلس الأمن أمر حاسم في التصدي للتحديات الأمنية في شبه الجزيرة الكورية، وما وراءها». وقال غوتيريش، في بيان صدر باسمه، إن هذا الإجراء الثابت من جانب مجلس الأمن يبعث برسالة واضحة، مفادها أنه يجب على جمهورية كوريا الشمالية أن تمتثل امتثالاً تاماً لالتزاماتها الدولية، وحث كوريا الشمالية على الامتثال لقرارات المجلس، وإتاحة المجال لاستئناف الحوار، مهيباً بجميع الدول الأعضاء أن تكفل التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. كما قال إنه أحيط علماً برغبة مجلس الأمن في إيجاد حل سلمي ودبلوماسي وسياسي للحالة، فضلاً عن حثه على مواصلة العمل للحد من التوترات، وأن يعيد تأكيد التزامه بالعمل مع جميع الأطراف تحقيقاً لهذه الغاية، ولتعزيز قنوات الاتصال.
ويفرض القرار الجديد ضد بيونغ يانغ حظراً على جميع تجارة المنسوجات من كوريا الشمالية، ويحد من واردات النفط الخام، ويفرض تفتيشاً على السفن البحرية لكوريا الشمالية، ورصدها من قبل الدول الأعضاء بالمجلس، لمنع تهريب المنسوجات، لكن القرار لا ينص على استخدام القوة العسكرية للوصول وتفتيش السفن. وقد تمت صياغة القرار بحيث لا يحظر العمل بشكل كامل، ويسمح بتوظيف عمال من كوريا الشمالية لأسباب إنسانية، كما لا يطبق الحظر على العمال الذين يملكون عقوداً سارية المفعول قبل اتخاذ القرار.
ووصفت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، القرار بأنه أعمق وأقسي قرار ضد كوريا الشمالية، مشيرة إلى أن الجهود السابقة لجلب كوريا الشمالية إلى مائدة الحوار قد فشلت، وأن قرار مجلس الأمن يستهدف وقف أي قدرات لكوريا الشمالية على بناء سلاح نووي. وأضافت هالي: «اليوم نرسل رسالة واضحة، مفادها أن العالم لن يقبل أبداً بكوريا شمالية نووية. وإذا لم يوقف النظام خطواته، فإن المجتمع الدولي سيوقف ذلك بيده».
وخفض القرار من التدابير الرامية لحظر شامل لتوريد النفط والبترول لكوريا الشمالية، الذي كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها تعتبره ملاذاً أخيراً للضغط على بيونغ يانغ اقتصادياً. ويفرض القرار الجديد حظراً على جميع واردات كوريا الشمالية من سوائل الغاز الطبيعي، ويسمح بسقف قدره مليونا برميل سنوياً على المنتجات النفطية المكررة، مع وضع حد لصادرات النفط المسموح بها عند المستويات الحالية. وتورد الصين معظم نفط كوريا الشمالية. وأشارت بعض البيانات إلى أن كوريا الشمالية تستورد نحو 4.5 مليون برميل من المنتجات النفطية المكررة و4 ملايين برميل من النفط الخام.
وقالت هالي، في كلمتها أمام مجلس الأمن: «إن القرار الجديد لمجلس الأمن سيقلل الوقود المتاح لكوريا الشمالية بنسبة 30 في المائة، ويقطع 50 في المائة من الغاز والديزل. ومع كل العقوبات السابقة، يصبح الحظر على ما مجموعه 90 في المائة من الصادرات لنظام كوريا الشمالية، ويوقف أي محاولات لتهريب الفحم، ويمنع النظام من الحصول على استثمارات أجنبية أو معرفية».
وكانت الدول الأعضاء الخمسة عشر بمجلس الأمن الدولي قد تبنت بالإجماع، مساء أول من أمس (الاثنين)، قراراً يحمل رقم 2357، ويفرض جولة عقوبات جديدة وغير مسبوقة على كوريا الشمالية، تقضي بفرض حظر شامل على صادرات بيونغ يانغ من المنسوجات، ويحد من واردات النفط الخام. وجاء القرار بعد أن خفف الجانب الأميركي بعض المطالب في مسودته الأولى للحصول على موافقة كل من روسيا والصين. وكانت المسودة الأولى التي وزعتها الولايات المتحدة قد تضمنت أقسى عقوبات بفرض حظر كامل على واردات النفط إلى كوريا الشمالية، وتجميد الأصول الخاصة بزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
وتعد المنسوجات ثاني أكبر صادرات كوريا الشمالية، بعد الفحم والمعادن الأخرى، وبلغت صادرات كوريا الشمالية من المنسوجات في عام 2016 نحو 752 مليون دولار، وتذهب 80 في المائة من صادرات المنسوجات إلى الصين.
وتبنى النص الجديد للقرار إعادة صياغة، فيما يتعلق بالحظر على توظيف عمال من كوريا الشمالية، الذي يعد مصدراً للدخل لكوريا الشمالية، بما يقرب من مليار دولار من الإيرادات السنوية لنظام بيونغ يانغ.
وأشادت سفيرة الولايات المتحدة بموقف الصين، والعلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني، وقالت: «كوريا الشمالية لن تتحرك لوقف برنامجها، ولا بد من قطع التمويل الذي يساند البرنامج، ونحن لا نبحث عن حرب، وسنرحب إذا وافقت كوريا الشمالية على وقف البرنامج والعيش في سلام، ولكن إذا استمرت في طريقها الخطر، فإننا سنستمر في الضغط».
ودعا السفير الفرنسي فرنسوا ديلانز إلى التمسك بثلاثة مبادئ أساسية: الأول هو توضيح مدى تطور الصواريخ الباليستية والنووية لدى بيونغ يانغ، والثاني إرسال رسالة حاسمة من المجتمع الدولي لزيادة الضغط على كوريا الشمالية، والتصدي لسلوك بيونغ يانغ، وضمان عدم إفلاتها من العقاب، والثالث هو تمهيد السبل للمسار الدبلوماسي، للتوصل إلى حل سياسي يستند إلى نزع السلاح النووي بشكل كامل، ويمكن التحقق منه.
وأبدى سفير الصين لدى الأمم المتحدة التزام بلاده بالسبل السلمية لحل الأزمة، واستئناف المحادثات السداسية، وأشار إلى البيان الروسي الصيني، الصادر في الرابع من يوليو (تموز) الماضي، الذي طالب بوقف بيونغ يانغ للأنشطة النووية والباليستية مقابل إنهاء التدريبات الأميركية مع كوريا الجنوبية، ووضع خريطة طريق للأزمة، مشيراً إلى أن الطرح الروسي الصيني ما زال مطروحاً على المائدة، وقال: «نأمل في أن يحظى البيان بدعم جميع الأطراف، وألا تسعى الولايات المتحدة إلى تغيير النظام في كوريا الشمالية، أو توحيد الكوريتين»، وطالب السفير الصيني بإزالة منظومة صواريخ ثاد، باعتبارها تقوض المصالح القومية، بما فيها مصالح الصين.
واتفق السفير الروسي لدى الأمم المتحدة في تفضيل الحلول الدبلوماسية السياسية، محذراً من أن تؤدي القيود المفروضة إلى حصار كامل يفضي إلى أزمة إنسانية كبرى، وإجراءات ضارة على المدنيين، وطالب المجتمع الدولي بالنظر إلى البيان الروسي الصيني، والتفكير في البعد الإنساني ومصالح المدنيين في كوريا الشمالية.
وأشار دبلوماسيون إلى أن كلاً من الصين وروسيا (من الأعضاء الخمسة الدائمين، ويملكان حق الفيتو) أعربتا عن معارضتهما لفرض عقوبات قاسية، وهددتا بوقف التصويت إذا ما أصرت الولايات المتحدة على أقصى العقوبات والحظر الكامل على واردات النفط.
وأبدت الصين مخاوفها من فرض عقوبات قاسية تدفع النظام الكوري الشمالي إلى حافة الانهيار، بما يؤدي إلى تدفق ونزوح اللاجئين، مع احتمالات تزايد الوجود الأميركي. وأبدت كل من الصين وروسيا الاهتمام بالدفع تجاه إجراء المحادثات المباشرة أكثر من فرض العقوبات. وتعد الصين المورد الرئيسي للنفط إلى كوريا الشمالية.
ويعد هذا القرار هو القرار التاسع للعقوبات التي فرضها مجلس الأمن ضد كوريا الشمالية منذ عام 2006، بعد أول تجربة للصواريخ الباليستية والنووية لبيونغ يانغ. وقد أجرت كوريا الشمالية تجربتها السادسة للأسلحة النووية في الثالث من الشهر الحالي، وأكدت أنها تمكنت من تجربة قنبلة هيدروجينية، ولديها القدرة على وضعها على صاروخ عابر للقارات. وقد صرحت نيكي هالي، سفيرة الولايات المتحدة، في جلسة مجلس الأمن التي تلت التجربة بأن بيونغ يانع تستجدي الحرب، وقد قادت مشاورات ومحادثات دبلوماسية لدفع أعضاء مجلس الأمن للالتزام بجدول زمني مدته أسبوع لتبني قرار العقوبات الجديدة ضد كوريا الشمالية.
وقد استبقت كوريا الشمالية قرار مجلس الأمن بإصدار بيان، أشارت فيه إلى أن أي قرار يصدره المجلس، ويتبني جزاءات وعقوبات، هو قرار غير شرعي وغير قانوني، وهددت بيونغ يانغ بأنها ستخلق المعاناة في حال قيام الولايات المتحدة بتصعيد القرار غير الشرعي وغير القانوني.



الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).


رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)

قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اليوم (الأربعاء)، إنه لا يعدّ أمنه أمراً مفروغاً منه، بعد أن أُجلي من مقر إقامته لعدة ساعات، عقب تهديد بوجود قنبلة.

وأُجلي ألبانيزي من مقر إقامته في كانبرا خلال وقت متأخر من أمس الثلاثاء بعد تهديد أمني، وعاد بعد بضع ساعات، بعدما لم تعثر الشرطة على أي شيء مريب.

رئيس الوزراء الأسترالي (د.ب.أ)

وقالت الشرطة إنه لم يعد هناك أي تهديد.

وذكر ألبانيزي في فعالية بملبورن، اليوم (الأربعاء): «أعتقد أن هذا مجرد تذكير. اغتنموا كل فرصة لإخبار الناس، تحلوا بالهدوء رجاء».

وأضاف: «لا يمكننا أن نعدّ هذه الأشياء أمراً مفروغاً منها».

أعمدة منصوبة خارج «ذا لودج» المقر الرسمي لرئيس الوزراء الأسترالي في كانبرا بأستراليا (رويترز)

وأوضحت محطة «إيه بي سي» الحكومية، اليوم (الأربعاء)، أن التهديد مرتبط بفرقة «شين يون»، وهي فرقة رقص صينية كلاسيكية محظورة في الصين، ومن المقرر أن تقدم عروضاً في أستراليا هذا الشهر.

وذكرت المحطة أن الرسالة التي أُرسلت إلى المنظمين المحليين للفرقة زعمت أنه جرى زرع متفجرات حول مقر إقامة ألبانيزي، وأنها ستنفجر إذا قدمت الفرقة عرضاً في البلاد. ورفضت الشرطة التعليق على مصدر التهديد. ولم ترد «شين يون»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، على الفور على طلب للتعليق.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended