«مُعجم طنجة»... سيرة مدينة تحتفي بالثقافة المُضادّة

تستنطق عدداً كبيراً من الشخصيات الأدبية والفنية

غلاف «معجم طنجة»
غلاف «معجم طنجة»
TT

«مُعجم طنجة»... سيرة مدينة تحتفي بالثقافة المُضادّة

غلاف «معجم طنجة»
غلاف «معجم طنجة»

صدرت عن «منشورات المتوسط» بميلانو الرواية الثالثة للشاعر والروائي المغربي محمود عبد الغني الذي سبق له أن أصدر روايتين وهما «الهدية الأخيرة» و«أكتب إليكِ من دمشق» وقد فازت الأولى بجائزة السرد في المغرب عام 2013. ولو وضعنا الفوز، على أهميته، جانباً فإنّ بنية هذه الرواية المتفردة تقوم على تقنية السيرة الذاتية لسعاد حُمّان التي غيّرت اسمها إلى راضية محجوب، بعد أن بدأت حياتها كعارضة أزياء لكنها سرعان ما تحوّلت إلى التصوير الفوتوغرافي وتدرّجت به من الهواية إلى الاحتراف حتى بلغت مشارف الجنون بهذا الفن الساحر.
ورواية «مُعجم طنجة» تقوم على السيرة الذاتية أيضاً لكنها تتخطى سِير الأشخاص والأجيال إلى سيرة مدينة طنجة بالذات التي غزاها الأدباء الأميركيون والأوروبيون تحديداً وبعض الأدباء المغاربة وعلى رأسهم الروائي محمد شكري، الذي أغرته هذه المدينة الغامضة التي تتوسد ساحلي المتوسط والأطلسي في آنٍ معاً.
لنعترف سلفاً بأن الثيمة الرئيسة وغالبية الثيمات الفرعية لهذه الرواية جريئة ولا يستطيع الكاتب العربي أن يُعبِّر عنها بسلاسة وأريحية ويُسر، لأن رقيبهُ الذهني يقظ ويعترض على انتهاكات الثالوث المقدّس، وإذا كانت قبضة الرقيب الرسمي في الوقت الحاضر قد ارتخت قليلاً عن السياسة وسمحت للكُتّاب والأدباء والفنانين أن ينفِّسوا عن احتقاناتهم وهواجسهم الفكرية. وهذا ما فعله الروائي المغربي محمود عبد الغني الذي لامسَ بعض شطحات الشخصيات السيروية، وصخبها الاجتماعي، والنفسي، والأخلاقي، ولو توفر الكاتب على مساحة أكبر من الحرية لارتفع نصّهُ الروائي إلى مستوى «الخبز الحافي» لمحمد شكري في مكاشفته، وجرأته، وتسميته للأشياء بمسمياتها حتى وإن تأخر صدوره عقداً من الزمان.
تستنطق الرواية عدداً كبيراً من الشخصيات الأدبية والفنية، وتنبش في سِيرهم الذاتية التي تحمل قدراً كبيراً من التمرّد والفوضى والاحتجاج، ولعل أبرزهم من الأدباء والفنانين الأميركيين الذين انتظموا في حركة الـBeat Generation ألِن غينسبيرغ، ويليام بوروز، جاك كيرواك، نيل كاسِدي، غريغوري كورسو إضافة إلى بول بولز وزوجته جين بولز، الشخصيتين الرئيستين اللتين يتمحور عليهما النص الروائي من دون أن ننسى تنيسي ويليامز ومرافقه المصور باكسه، وترومان كابوت، وفرانسيس بيكون، وجان جينيه، وكريستيان توني، وكريستوفر وانكلين، وخوان غويتيسولو، وغيرترود ستاين، وبرايَن جيسِن، وهاري دنهام. أما الشخصيات المغربية فهي محمد شكري، ومحمد زفزاف، والرسّام أحمد اليعقوبي، والحكواتي محمد المرابط، ومحمد العربي الجيلالي، وعبد السلام وزوجته عشّوشة وغيرها من الشخصيات التي ظهرت في متن النص وتوارت في أزقة طنجة وحاراتها، وسواحلها، وقراها الجبلية.
وجد الأدباء والفنانون الأميركيون ضالتهم في طنجة كمدينة بدائية عذراء، وفضاء متحرر يسمح للمغتربين، والهامشيين، والثائرين على كل أشكال القمع الاجتماعي والثقافي والإيروسي بممارسة رغباتهم، وتطلعاتهم، وحياتهم الخاصة. فعلى الرغم من انحرافات بول بولز فإنه قدّم خدمات جليلة للثقافة المغربية حينما سجّل الألحان والأهازيج والإيقاعات الموسيقية الأمازيغية، حيث قام برحلات طويلة ومضنية إلى القرى والبلدات النائية تاركاً زوجته المريضة «وحيدة داخل سجن الزمن» من أجل جمع وتسجيل أكبر قدر ممكن من المقطوعات الموسيقية المغربية بشقيها الأمازيغي والعربي.
يعترف الروائي محمود عبد الغني بفضل بول بولز وزوجته جين على عدد من الكُتّاب والفنانين المغاربة حيث يقول: «بول وجين شخصان خاليان من التفاهة وبفضلهما أصبح شكري كاتباً، واليعقوبي رساماً، والمُرابط كاتباً شفوياً مشهوراً» (ص17). وفيما يتعلق بشكري فقد ترجم له «الخبز الحافي» و«جان جينيه في طنجة» إلى الإنجليزية، كما ساهم في إقامة معارض فنية للرسام أحمد اليعقوبي في عدة عواصم أوروبية نقلته من المحلية إلى العالمية. أما محمد المرابط فقد ترجم له ستة عشر كتاباً شفهياً إلى الإنجليزية، وهي تجمع بين القصة القصيرة والرواية والسيرة الذاتية. لم يكن يول بولز هو أول من انتبه إلى موهبة محمد شكري فقد أخبره وليم بوروز ذات مرة:: «إنّ شكري كاتب استثنائي بفضل صفائه النادر، وذكائه الخارق» (ص35) لكن وشاية المرابط بشكري أوغرت صدر بولز وخلقت هوّة بينهما، فشكري لا يريد أن يخسر بول بولز وزوجته جين لأن منزلهما أشبه بالدائرة الممغنطة التي تجذب إلى مركزها كل الأسماء الإبداعية الأميركية والأوروبية التي بدأت تشكِّل ضغطاً نفسياً على زوجته العليلة وعليه أن يمنع تدفقهم إلى منزله لأن طنجة لم تخلُ من الفنادق والشقق السكنية الفارهة. لم يرتح بولز إلى غيرترود ستاين وكان يراها امرأة غامضة، مليئة بالنشاز، تستغل الفنانين، وتسعى جاهدة للفصل بينهم وبين صديقاتهم، وتقتني أعمالهم الفنية بأثمان زهيدة. أنجز بول بولز فضلاً عن تراجمه، وموسيقاه التي جمعها وألّفها، الكثير من الروايات، والقصص القصيرة، والمجموعات الشعرية نذكر منها «السماء الواقية»، «بيت العنكبوت»، «أهلاً بالكلمات»، «ساعات ما بعد الظهيرة» وسواها من الأعمال الإبداعية المهمة التي يُشار إليها بالبنان. أما زوجته الروائية والكاتبة المسرحية جين بولز فقد كانت مُقلّة بسبب مرضها الدائم حيث أنجزت رواية «سيدتان جادّتان» التي نالت استحسان النقاد فوصفها بعضهم بأنها من أكبر كُتّاب النثر في العالم وقد جذبت انتباه تينسي ويليامز طريقتها في تعشيق الفلسفة بالأدب حيث قال: «لها قدرة على وضع الفلسفة في النثر. وهي قدرة غريبة داخلية لا يمتلكها غيرها» (ص63). ومع ذلك فقد تلقّت رسالة من الكاتبة أناييس نين جمعت فيها كل الأخطاء التي عثرت عليها في رواية «سيدتان جادّتان» فكادت تنفجر من الغضب وبما أنها تعرف بعض مواصفاتها البدنية فأخذت تقهقه وتقول في نفسها: «قامة قصيرة، ولسان طويل»! كانت جين، خلافاً لزوجها، تحب صحبة المغاربة لأنهم يتوفرون على خفّة الدم، ويمتلكون حسّ الفكاهة والمرح لذلك كانت تستلطف المرابط لأناقته، ولطفه، وقدرته على التخيّل والسرد الحكائي، وأكثر من ذلك فإن كل أصدقائه يؤكدون «بأنه يتمتع بذكاء خارق، وبذاكرة تشبه الثلاجة، تحتفظ بداخلها بكل شيء طازج» (ص95).
لم ينظر الأدباء الأميركيون والأوروبيون إلى طنجة كمدينة نظيفة، متحضرة، فبولز «ينعتُ الطنجاويين بالجياع والمتسولين، والوطنيين بالإرهابيين» (ص23). لا يختلف رأي والدة بولز بالمدينة، فحينما زارته ذات مرة سألته سؤالاً ينطوي على كثير من القسوة والفجاجة مفاده: «كيف هي طنجة؟ هل لا تزال على تلك الطبيعة الهجينة والقذرة، فهي مطعّمة بالكثير من التفاصيل الإسبانية؟ (ص107) صحيح أن والدة بولز واحدة من أرقّ عازفات البيانو في العالم لكن تلك الرِقة لا تخوّلها أبداً أن تصف المغرب «بالبلد المتخلف» وأن تنعت موسيقاه الفطرية بموسيقى المتوحشين! وفي ذروة هذا التحامل اللامبرر على المغرب وطنجته المضيئة التي سحرت الرسامين، والمصوِّرين، والقصاصين، والروائيين، والشعراء، والموسيقيين كانت جين بولز تنزلق إلى عالَم ضبابي كثيف أفقدها حواسها الخمس على حين غرة وتركها تحدّق بعينيها المفتوحتين في الفراغ الأبدي المفزع.
وفي الختام لا بد من الإشادة بالبنية المعمارية المتماسكة لهذا النص الروائي وبلغته المتوهجة التي حاولت في كثير من الأحيان أن تكون صريحة ودالة كي ترتقي إلى مستوى الثيمات التي وردت في المتن السردي الذي لا يجد حرجاً في مغامرة النزول إلى الأرض الحرام.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended