رغم تحمله بجدارة ما يمكن أن يطلق عليه «الصدمة الأولى»، فإن الاقتصاد البريطاني حاليا يعاني بشكل كبير جراء المخاوف التي تزداد يوما بعد الآخر، من نتائج الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تزايد المؤشرات التي تدلل بشكل واضح على أن ذلك الانفصال لن يكون سهلا بأي حال من الأحوال.
وكان الاقتصاد البريطاني قد نجح في تفادي هبوط حاد عقب التصويت على الانفصال في شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي، وظل متماسكا لأكثر من 6 أشهر، ولكن منذ بداية العام الجاري بدأ منحنى الهبوط بشكل كبير مع اتضاح الصورة الكاملة للخسائر المتوقعة جراء «بريكست»، والتي ستفقد بريطانيا جوانب مهمة من أركان اقتصادها، وعلى رأسها مكانة العاصمة لندن كمركز مالي أوروبي، وكذلك ستفتقد الصناعات البريطانية لجوانب مهمة من التنافسية، في ظل الخروج المتوقع لبريطانيا من الاتفاقات الأوروبية الجمركية.
وبالأمس، أظهر مسح أن الاقتصاد البريطاني يفقد زخمه مع تصاعد المخاوف بشأن «بريكست»، وأن النمو في قطاع الخدمات المهيمن على اقتصاد البلاد سجل في أغسطس (آب) أضعف وتيرة في نحو عام.
وانخفض المؤشر «آي إتش إس ماركت – سي آي بي إس» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات، إلى 53.2 في أغسطس، هبوطا من مستوى 53.8 في يوليو (تموز)، بل ودون حتى متوسط التوقعات البالغ 53.5 في استطلاع لآراء خبراء اقتصاد أجرته «رويترز». وهذه أدنى قراءة للمؤشر منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، بعد تصويت الناخبين البريطانيين في استفتاء لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
وقال كريس ويليامسون الخبير الاقتصادي لدى «آي إتش إس ماركت»، إن من المرجح أن يعزز تباطؤ النمو في قطاع الخدمات مبررات بنك إنجلترا المركزي، الذي يجتمع صناع السياسات به الأسبوع المقبل، للإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات قياسية منخفضة.
وأشار ويليامسون إلى أن التفاؤل زاد بين مديري الشركات؛ لكنه يظل قريبا من مستويات متدنية أشارت إلى توقف الاقتصاد عن النمو أو حتى انكماشه في الماضي، في حين يمثل الخروج من الاتحاد الأوروبي مصدر القلق الرئيسي.
وقالت «آي إتش إس» إن ضعف الأداء في قطاعي الخدمات والبناء ذوي الحجم الأكبر، يعني أن الاقتصاد البريطاني يمضي على مسار النمو بواقع 0.3 في المائة على أساس فصلي في الربع الثالث، بنفس المعدل البطيء الذي سجله في الربع الثاني، مشيرة إلى أن الاقتصاد «يفقد الزخم تدريجيا».
وفي نقطة مضيئة، أظهر مسح أمس، أن توفير فرص العمل سجل أعلى مستوى في 19 شهرا، حيث سعت الشركات إلى إنجاز الأعمال المتراكمة؛ لكن في الوقت ذاته فإن الطلبيات الجديدة زادت بأبطأ وتيرة منذ سبتمبر من العام الماضي. وبحسب محللين، فإن زيادة فرص العمل ربما تعود إلى بدء هروب العمالة الأوروبية من بريطانيا.
وتأتي تلك النتائج لتكمل الصورة المخيبة للآمال في الاقتصاد البريطاني، حيث أظهرت بيانات أخرى أول من أمس تراجع نشاط البناء في بريطانيا، بعكس توقعات المحللين خلال الشهر الماضي، مسجلاً أبطأ مستوى نمو منذ 12 شهراً.
وكشفت البيانات الصادرة عن مؤشر «ماركت» لمديري المشتريات التصنيعي يوم الاثنين، أن نشاط البناء في المملكة المتحدة نما عند مستوى 51.1 نقطة في أغسطس، وهي أبطأ وتيرة نمو منذ يوليو عام 2016. ومقابل مستوى 51.9 في يوليو الماضي. وكانت توقعات المحللين قد أشارت إلى أن نشاط البناء البريطاني سيرتفع عند 52.1 نقطة.
وأوضحت البيانات أنه رغم الارتفاع القوي في بناء المنازل، فإن هناك انخفاضا ملحوظا في الأعمال التجارية.
ويعود التباطؤ بشكل أساسي إلى انخفاض مستوى العمل في المشروعات التجارية، مما بدد تأثير النمو في نشاط قطاع المباني السكنية. واقترب قطاع المنشآت الهندسية المدنية من الركود، وتراجع قطاع المشروعات التجارية بأسرع وتيرة له منذ يوليو 2016، كما تراجع حجم الطلبيات الجديدة لقطاع التشييد للشهر الثاني على التوالي، وإن كان بوتيرة أبطأ.
ويرى دونكان بروك، مدير علاقات العملاء في «المعهد القانوني للتموين والإمداد» أن «القطاع تعثر خلال الشهر الماضي مع تباطؤ نشاط المشتريات للشهر الثالث على التوالي، وأصبح الفوز بمشروعات جديدة صعبا. وجاء ذلك نتيجة تراجع الإنفاق الحكومي والغموض الاقتصادي، وتأجيل اتخاذ العملاء للقرارات، انتظارا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».
وفي شأن ذي صلة، يظهر أيضا تراجع القوى الشرائية والدوافع الاستهلاكية، قالت جمعية مصنعي وتجار السيارات في بريطانيا، أمس الثلاثاء، إن تسجيل السيارات الجديدة انخفض للشهر الخامس على التوالي في أغسطس، في أطول موجة انخفاضات منذ عام 2011.
وانخفضت المبيعات 6.4 في المائة، إلى 76 ألفا و433 سيارة، بحسب الجمعية، مع تراجع الطلب على السيارات التي تعمل بوقود الديزل أكثر من 20 في المائة.
ودشنت عدة شركات لصناعة السيارات، تمثل نحو ثلاثة أرباع السوق، برامج لتشجيع المستهلكين على استبدال السيارات القديمة وشراء سيارات جديدة في الأسابيع الماضية، مما يساهم في دعم الطلب في شهر سبتمبر، الذي يمثل نحو 15 في المائة من المبيعات السنوية، مع إصدار سلسلة من اللوحات المعدنية الجديدة.
وتتوقع جمعية مصنعي وتجار السيارات في بريطانيا أن ينخفض تسجيل السيارات بالبلاد في العام الحالي بأكمله، نحو 4 في المائة، إلى 2.59 مليون وحدة، من مستوى سابق بلغ 2.69 مليون وحدة في عام 2016.
الاقتصاد البريطاني يواصل التراجع المقلق في أغسطس
مخاوف الانفصال تهبط بالخدمات والبناء والمبيعات
(رويترز)
الاقتصاد البريطاني يواصل التراجع المقلق في أغسطس
(رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
