«عائلة جادو»... عنف العالم

أحمد الفخراني يمزج بين الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا

«عائلة جادو»... عنف العالم
TT

«عائلة جادو»... عنف العالم

«عائلة جادو»... عنف العالم

أخشى الروايات كبيرة الحجم، وأخشى على مؤلفيها. بمجرد أن أمسك برواية طويلة تحاصرني أسئلة من قبيل: هل هناك حكاية لا تمكن روايتها إلا في هذا العدد من الصفحات؟ هل هناك فكرة لا يمكن الإمساك بها في كتاب رحيم بمعاصم الضعفاء والمسنين؟ ألم يكن من الممكن قسمة الحكاية أو الفكرة على كتابين أو أكثر؟
ربما تنبع هذه الأسئلة من انحياز مضمر لرف من الروايات القصيرة الفاتنة، مثل «الجميلات النائمات» لكاواباتا: «المسخ» لكافكا: «الموت في فينيسيا» لتوماس مان: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» لماركيز، و«امتداح الخالة» لماريو فارغاس يوسا، ومن روايات العرب يمكن أن نضع على الرف نفسه عدداً لا بأس به من الروايات، بينها «صخب البحيرة» لمحمد البساطي، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، ويمكن لقراء آخرين بالطبع أن ينحازوا إلى روايات أخرى من تلك الصغيرة المحكمة التي تتمتع بما يسميه يوسا: «فتنة الحبكة».
ربما، هذا ما يجعل كاتب الرواية الطويلة محل إشفاقي. ينزل إلى الميدان، متنازلا عن «فتنة الحبكة» قبل أن يبدأ؛ فحتى لو نجح في تحقيق هذه الفتنة، ستكون غير مرئية، مثلما لا يمكننا أن نرى كروية الأرض عندما نقطعها في سيارة من أدناها إلى أقصاها، لهذا فإن تقديري لدأب وجدية أحمد الفخراني، الذي عرفت خطواته المبكرة جداً، لم يمنعني من البدء في قراءة روايته الجديدة «عائلة جادو» بالإشفاق والشكوك والأسئلة ذاتها، خاصة أن الكتاب الذي يقع في 440 صفحة يحمل عنواناً فرعياً «نص النصوص» وسيعرف القارئ، عندما يتوغل في النص، أن هذا الوصف التقريظي سيرد في المتن، كأمنية للراوي البطل.
- الفكرة وضدها
أول ما يواجهه القارئ، في نص النصوص، مفتتح: «بدأ كل شيء سريعاً كطيف، ثقيلاً وضاغطاً ككابوس، تحررت من بطء الوقت، لأسير وفي يدي رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفي قلبي مهمة: اقتله». يبدو هذا الاستهلال كما لو كان صوت الكاتب، ولن يتركنا نعرف بدقة هل هو مع ماركس والماركسية أم ضدهما، ولن يتركنا للتخمين، إذ يصرح في المفتتح نفسه بهذا المعنى: «تعلمت شيئا أو شيئين من رحلة العثور على ماركس، أن الاتجاهات كالموت محض خدعة؛ فكل شيء يحيط بكل شيء». وهذه العبارة تقريباً هي سر الرواية، الآيديولوجيا محض خدعة، الديمقراطية محض خدعة. الخوف هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم!
مع بداية الفصل الأول يستمر ضمير المتكلم، ولكن على لسان راو بطل مما يضع احتمال أن يكون ضمير المتكلم في المفتتح هو صوت البطل نفسه؛ «رزق» الذي أكلت القراءة عينيه فاستخدم النظارة الطبية، ومع ذلك فهو بلطجي، ابن غير شرعي لزعيم العصابة «نخنوخ الهواري» يعمل قواداً لديه على أمل أن يرضى عنه ويعترف يوماً بنسبه.
يشير الراوي إلى الأب نخنوخ بلقب «مولانا» وهو مثل قادة المافيا، لا يظهر إلا مروياً عنه، وعن قصره الأسطوري، عن عشقه للقاصرات، وعن علاقاته الوثيقة بالسلطة.
عالم عنيف، وحشي ولا يخلو من نسمات حنان، من شأنه أن يعجب جان جينيه لو كان حياً. وربما لن يكون العنف وحده محل إعجابه؛ لأن الرواية تلبي شرطاً فنياً يحبه جينيه، وهو أن تضرب كل فكرة سابقتها وتمحوها.
وتقوم السخرية بدور كبير في المسعى الهدام الذي تنتهجه الرواية، جنباً إلى جنب مع تطور السرد الذي يتسع لكل شيء ونقيضه، وحيث يتجاور الشعر مع سوقية العالم التحتي. كل شيء يحيط بكل شيء، والاتجاهات محض خدعة. البحث عن كارل ماركس وأفكاره خدعة وسخرية أخرى، لا يخلو أتباعه المجانين من العنف، وهم ينشدون الخير مخلصين، وغير أكفاء.
عالم محكوم باللاجدوى، تسخر فيه الرأسمالية المتمكنة من البشر والأفكار، بينما تنفتح سراديب التعذيب الشرطية على مثيلتها لدى مولانا نخنوخ، حيث القهر سلعة متداولة ورائجة لا يسلم منه حتى رزق البلطجي، الذي يدير دفة السرد، وابن المافياوي المخيف؛ إذ يعاني آلام حب مجهض مع زوجته ابنة عائلة جادو التي انتزعها منه حماه وأجبرها على فراقه، حتى بعد أن يموت جادو يظل حكمه بالتفريق بين الزوجين الحبيبين قائماً.
- إقناع المباغتة
في عالم مخيف وقاتم يمكن لجريجور سامسا أن يستيقظ فيجد نفسه صرصاراً. هذه المباغتة التي أقدم عليها فرانز كافكا وصدقها القارئ في واحدة من الروايات الصغيرة «فاتنة الحبكة» نجدها كذلك في النص الطويل «ألف ليلة وليلة» ولم نتوقف أمام سؤال المعقولية في مواجهة مسخ كافكا أو عفاريت ومسوخ ألف ليلة، وكذلك ليس لنا أن نسائل «عائلة جادو»؟
يباغت الفخراني قارئه بعالمه المخيف القاتم والعجيب في الوقت ذاته. نرى صخب الجماهير التي تهتف «هركليز... هركليز» حماسة لعبد المولى؛ المصارع المعجزة الذي يقول رزق إنه أوجده من العدم، ويدعي أنه جلبه من موريتانيا عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة، بينما هو في الحقيقة جلبه من المطرية (حي عشوائي شمال شرقي القاهرة). ليس من الضروري الذهاب بعيداً من أجل اختراع أسطورة، وليس لدى القارئ الوقت ليسأل عن سر تميز عبد المولى، فالمصارعة مثيرة ووحشية لا تنتهي بهزيمة المنافس بل بموته الذي يطلق نشوة الجمهور، النشوة التي رفعت القاتل غرونوي بطل العطر إلى مستوى القداسة، هي نفسها التي تجعل بطولات هركليز حقيقية.
المخيف هو المسلي، هذه هي حقيقتنا قبل أن يلبسنا العيش في المجتمعات قشرة الحضارة التي يبدو التخلي عنها أسهل مما نتصور. غريزة الموت تسيطر في «عائلة جادو» بما يلائم ما يجري في الواقع العربي الآن، حيث تنهزم الأفكار والأشعار، ولا شيء يردع أو يكبح جماح عنف الفاعلين والمتفرجين على السواء. حياة عبد المولى هي جائزته التي يحصل عليها كل مباراة، وهو مجبر على ذلك مثل الكثيرين من المنخرطين في لعبة العنف الدائرية: عليه أن يقتل أحدهم كل ليلة لكي يعيش، أما رزق الابن غير المعترف به والحبيب المحروم من حبيبته لأسباب واهية، فجائزته هي العثور على ماركس، وسيمضي في حضرته كمريد في حضرة شيخه، يجتازان معاً مدناً وقلاعاً مسحورة، ونطلع على ماركس آخر، يصف البروليتاريا بالقذارة، يؤدي التحية النازية، ويهتف مستنهضاً عديمي الموهبة: يا مديوكرز العالم اتحدوا!
- تواريخ ليست أقل دموية
تخترع الرواية تواريخ بديلة لما عاشه العالم. في تاريخ مختلف فر ستالين، واستطاع التسلط على غابة يقطنها جهاديون إسلاميون، وعاونه تروتسكي، ثم سرعان ما انقلب عليه وذبحه، وعلق رأسه في الغابة كي يصير عبرة، وأعلن نفسه خليفة!
لكن الفنتازيا لا تخلو من علامات طريق واقعية. الأب الغامض «نخنوخ» يحيل إلى اسم يعرفه المصريون جيداً، فلم تزل قضية «صبري نخنوخ» ماثلة في الأذهان، الذي نسبت الصحف إليه بعد سقوطه فظاعات ترقى لمستوى الفنتازيا، كما كتبت عن علاقاته بالأمن على مدى سنوات طويلة، كما تأتي إشارة إلى باحث أجنبي يموت في صندوق عربة القواد ويلقى به على جانب الطريق، كإحالة واضحة إلى مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
علامات الطريق الواقعية تجعل فنتازيا الرواية مقبولة ومقنعة، ليتفرغ الكاتب لاقتراف مكره الفني في المزاوجة بين غرائبية الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا، بعد أن صارت المسافة بين الخرافة والعلم الحديث متناهية القصر، وكلاهما: الأسطورة والعلم في خمة العنف والتفنن في اقترافه. عنف له تاريخ، في الأحداث التي تصفها الرواية، والأفكار العنيفة، حيث تلتقي أفكار النازية والمستقبلية والداعشية مع أشعار الكتائب المسلحة.
ثقل المصير تقابله خفة فنتازية تذكرنا بالحيل اللطيفة في ألف ليلة: العفريتة تتطوع بنقل الحبيب من بغداد إلى القاهرة، وحبة الرمان تتحول إلى وحش. في «عائلة جادو» سنرى كيف تتحول «زاوية النجار» إلى روما، ونرى تروتسكي جالساً على عرش من ذهب، يرتدي جلباباً أسود وعمامة مزينة بريشة ذهبية، وسيشترك عبد المولى في قتال تروتسكي، ويصعد ماركس ورزق إلى قلعة الحشاشين، وعندما يهم بعناق حسن الصباح، يكتشف أنه ليس سوى صديقه إنجلز، وقد بنى قلعة تحاكي قلعة الحشاشين.
وعبر رحلة يكابدان فيها الأخطار ومصارعة أعداء يتحولون في لحظة إلى وحوش تنبت أطرافها المبتورة في لحظة، يصلان أخيراً إلى الفردوس، وعند اجتياز البوابة يدرك رزق أنه لم يذهب إلى أي مكان، ولم يكن ما عبره إلا حديقة قصر مولانا «نخنوخ».
يمكن أن تكون «عائلة جادو» حلماً طويلاً، كابوسا إن شئنا الدقة؛ فالرعب هو الشعور الذي يمكن أن يخرج منه قارئ الرواية، وبرغبة في إيذاء الذات، أو بأمل في ألا يكون الواقع هكذا، يمكن أن يعاود القراءة مجدداً.



جوانا خلف لـ«الشرق الأوسط»: مسرحيتي الجديدة… صرخة من أجل حقوق المرأة اللبنانية

جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
TT

جوانا خلف لـ«الشرق الأوسط»: مسرحيتي الجديدة… صرخة من أجل حقوق المرأة اللبنانية

جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)
جسّدت دور ممرضة فرنسية في «كذبة بيضا» (إليان الحاج)

عندما شاركت جوانا خلف في مسرحية «كذبة بيضا» للمخرجة لينا أبيض، لفتت انتباه الحضور بإتقانها تجسيد دور الممرضة الفرنسية. قدّمت الشخصية بعفوية، وتحدّثت الفرنسية بطلاقة؛ مما أقنع مشاهدي العمل بأنها فرنسية أباً عن جدّ. لكن تبيّن لاحقاً أن جوانا لبنانية تقيم في فرنسا، حيث تشارك في أعمال فنية عدة.

وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن إقامتها في فرنسا لم تُضعف ارتباطها بلبنان. لذلك زارت بيروت العام الماضي خصيصاً لتقديم مسرحية «24 ساعة» على مسرح «مونو». وتتابع: «خلال تقديمي هذا العمل، تعرّفت إلى جوزيان بولس، مديرة المسرح، وبعدها شاءت الصدف أن تتواصل معي للمشاركة في مسرحية (كذبة بيضا) من خلال شخصية الممرضة (فلورانس)».

تستعد لتقديم مسرحية «أما عن ستّ» في باريس (إليان الحاج)

وتؤكد جوانا أنها شعرت في البداية بالخوف من خوض التجربة، قائلة: «كانت تحدّياً جديداً في مسيرتي التمثيلية. فتجسيد شخصية ممرضة فرنسية تطوّعت لمساعدة جرحى الحرب لم يكن أمراً سهلاً». وتضيف: «عندما أقدّم أي شخصية، أحرص على صدقيتي التمثيلية، ومن الضروري أن أقنع المشاهد بأدائي كي أستمتع بالدور. وبالفعل، جاءت ردود الفعل إيجابية جداً، حتى إن البعض صدّق أنني فرنسية، وراح يكلّمني بالفرنسية ويسألني عن سبب مشاركتي في عمل مسرحي لبناني».

وتشير جوانا إلى أن مسرحية «كذبة بيضا» دفعت بها إلى التعرّف بشكل أعمق إلى حقبة الحرب اللبنانية في السبعينات، وتقول: «كنت أستمع إلى أفراد عائلتي يروون ذكرياتهم عن تلك المرحلة، لكن تقديم العمل بشكل صادق تطلّب منا، نحن الفريق، الغوص أكثر في تفاصيل تلك الحقبة. تعرّفنا إلى أشخاص خاضوا الحرب وكانوا على الجبهات في شوارع بيروت». وتستطرد: «تأثّرت كثيراً بهذه الشهادات. ومن المؤلم ألا يتعلّم اللبناني من ماضيه؛ إذ لا نزال، منذ تلك الحقبة حتى اليوم، ندور في الحلقة المفرغة نفسها. كانت تجربة موجعة، لكنني أعتزّ بخوضها، فالمسرحية شكّلت بالنسبة إليّ فعل مقاومة ثقافياً دفع بي إلى البقاء في لبنان، رغم الحرب التي اندلعت مؤخراً».

مع أنطوني توما في مسرحية «كذبة بيضا» (إليان الحاج)

ومنذ نحو 3 سنوات، تسعى جوانا خلف إلى بناء شبكة تواصل فني بينها وبين لبنان، وتعدّ مسرحية «كذبة بيضا» أولى الخطوات التي ترجمت هذا الهدف على أرض الواقع. وتعلّق: «حقّقت المسرحية انتشاراً واسعاً رغم الحرب التي يشهدها لبنان، حتى إن أصداءها وصلت إلى فرنسا، وصارت مشاهد منها تُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن تعاوني مع المخرجة لينا أبيض ومشاركتي أنطوني توما التمثيل انعكسا إيجاباً عليّ».

وكانت جوانا قد عملت في السينما والمسرح بعد أن تابعت دراسات عليا في إحدى جامعات فرنسا. وانتقلت للإقامة هناك منذ انفجار بيروت عام 2020، الذي تصفه بـ«الصفعة» التي أصابتها بالإحباط. ومن بين الأفلام القصيرة التي شاركت فيها «زنّانة» للمخرج علي ترتري، الذي يروي قصة ثنائي ينتظر موعد القصف في حرب تدور في بلد غير محدد. وتقول: «شريكي في العمل كان سورياً، والمخرج عراقياً، وأنا لبنانية، وجميعنا نعيش الحالة نفسها في أوطاننا، وهي التي يعانيها بطلا الفيلم». وقد شارك الفيلم في «مهرجان مرسيليا السينمائي».

وعن مسرحيتها الجديدة «أما عن ستّ»، التي ستُعرض على أحد مسارح باريس، تقول: «إنها أول مرة أؤدي فيها دوراً في نص من تأليفي»، مشيرة إلى أن العمل من إخراج الصينية جي تشن، التي سبق أن أخرجت مسرحية «24 ساعة».

وتتناول المسرحية حقوق المرأة اللبنانية، لا سيما حقها في منح أولادها جنسيتها. وتوضح: «إنها حالة أعيشها شخصياً؛ إذ لا أستطيع منح الجنسية اللبنانية لابني».

وفي العمل، تؤدي جوانا دور الفتاة «كلوي»، المولودة لأم لبنانية وأب فرنسي، التي تقرر الانتقال إلى لبنان بعد وفاة والدها، لتكتشف أنها محرومة من الجنسية اللبنانية؛ مما يضعها أمام تحديات ومشكلات لم تكن تتوقعها. وتختم: «المسرحية ذات طابع كوميدي، لكنها تحمل رسالة اجتماعية وإنسانية تهم شريحة واسعة من اللبنانيين».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
TT

خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)
تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)

كشف فريق دولي عن توزيع أكثر دقة للجليد على سطح القمر، ممّا قد يساعد روّاد الفضاء مستقبلاً على تحديد أفضل الأماكن للحصول على المياه.

وأوضح الباحثون، بمشاركة مختبر الفيزياء الجوّية والفضائية في جامعة كولورادو بولدر الأميركية، أنّ المياه على القمر تراكمت تدريجياً على مدى مليارات السنوات، ولم تصل نتيجة حدث واحد ضخم كما كان يُعتقد سابقاً، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية علمية متخصّصة.

ولطالما حيَّر العلماء وجود المياه على القمر، خصوصاً في صورة الجليد المحفوظ داخل الفوهات العميقة والمظلمة قرب القطب الجنوبي. وأشارت بيانات بعثات وكالة «ناسا» إلى احتمال وجود كميات كبيرة من الجليد في هذه المناطق، حيث لا تصل أشعة الشمس إليها أبداً، ممّا يجعلها بيئة مثالية لحفظ الجليد لمليارات السنوات. ومع ذلك، ظلَّ الغموض يكتنف مصدر هذا الجليد، وكيفية وصوله إلى بعض الحُفر دون غيرها.

وباستخدام بيانات من مركبة مستكشف القمر المداري التابعة لـ«ناسا»، إلى جانب محاكاة حاسوبية متقدّمة، توصَّل الفريق إلى نتائج دقيقة تعيد تشكيل فهم العلماء لوجود المياه على القمر.

وأظهرت النتائج أنّ الجليد القمري يتجمَّع بشكل أساسي داخل الحفر العميقة والمظلمة بالقرب من القطب الجنوبي، حيث لم تصل أشعة الشمس إليها منذ مليارات السنوات.

وأوضح الباحثون أنّ أقدم الحفر على القمر تحتوي على أكبر كميات من الجليد، ممّا يدل على أن القمر ظلَّ يجمع المياه بشكل مستمر على مدى نحو 3 إلى 3.5 مليار سنة.

الجليد... حكاية امتدَّت مليارات السنوات (ناسا)

كما استبعدت الدراسة فرضية وصول المياه دفعة واحدة نتيجة اصطدام مذنب ضخم بسطح القمر، مرجحةً بدلاً من ذلك مصادر عدّة مُحتَملة، من بينها النشاط البركاني القديم الذي قد يكون نقل المياه من باطن القمر إلى سطحه، واصطدامات المذنبات والكويكبات، والرياح الشمسية التي تحمل ذرات الهيدروجين، والتي يمكن أن تتحوَّل إلى ماء عند تفاعلها مع سطح القمر.

توزيع غير متساوٍ

ورغم وجود دلائل قوية على الجليد، لاحظ العلماء أنّ توزيعه غير متساوٍ بين الحُفر، وهو ما ظلَّ لغزاً طويلاً.

وكشفت المحاكاة الحديثة عن أنّ بعض الحُفر لم تكن دائماً مظلمة، بل تغيَّرت ظروفها مع تغيُّر ميل القمر عبر الزمن، ممّا أثر على قدرتها على الاحتفاظ بالجليد.

وحدَّدت الدراسة عدداً من المواقع التي تُعد مرشَّحة بقوة لاحتواء كميات كبيرة من الجليد، من أبرزها فوهة «هاوورث»، التي يُعتقد أنها بقيت في الظلّ لأكثر من 3 مليارات سنة.

وتشير النتائج إلى أنّ هذه المواقع ستكون مفيدة بشكل خاص لرواد الفضاء في المستقبل، سواء للشرب أو لإنتاج وقود الصواريخ عبر فصل الهيدروجين والأكسجين.

ويُعد وجود المياه على القمر «كنزاً استراتيجياً» لبعثات الفضاء المستقبلية، إذ يمكن أن يدعم إقامة قواعد بشرية دائمة ويقلّل الحاجة إلى نقل الموارد من الأرض.

ويعمل الباحثون على تطوير جهاز جديد لرصد الجليد بدقة أكبر، ومن المقرَّر إرساله إلى القطب الجنوبي للقمر بحلول 2027.

ويؤكد العلماء أنّ الحسم النهائي لمصدر المياه على القمر يتطلَّب تحليل عيّنات مباشرة من هذه الحفر، سواء عبر دراستها في الموقع أو إعادتها إلى الأرض، ليتمكنوا من حلّ هذا اللغز بشكل نهائي.


طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
TT

طفلة تُحوّل الأشجار إلى شخصيات «ناطقة» تحكي قصصها

لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)
لكلّ شجرة حكاية... إذا أصغى إليها الخيال (مجلس هاكني)

ربما تلفت أنظار الزوار المتنزّهين على ضفاف نهر ليا، في هاكني مارشز ببريطانيا، سلسلة من اللافتات المُثبتة على الأشجار، تحمل كلّ منها حكاية طريفة وغريبة. وخلف هذه اللافتات فتاة لم يتجاوز عمرها 11 عاماً، وقد أمضت العام الماضي في نزهاتها العائلية، بينما ينسج خيالها قصصاً لكلّ شجرة.

ويضمّ المشروع المُسمّى «مجموعة الأشجار الناطقة» شخصيات مميّزة، من بينها هامبل ديك، الذي تقول قصته: «في حرب عام 1952 بين مجموعة من نبات القراص ومجموعة من الشتلات الصغيرة على رقعة من الأراضي الشجرية، كان البروفسور هامبل ديك الرابع الشجاع آخر مَن صمدوا».

وهناك شخصية أخرى تُدعى برنارد، الشجرة التي تجمع القمامة، والتي وُصفت بأنها «تنتمي إلى سلالة من عائلة أسطورية من دعاة حماية البيئة»، مستوحاة من الأفلام الوثائقية عن الطبيعة.

وقالت الصغيرة نيوفي لـ«بي بي سي لندن»: «بدأ الأمر قبل نحو عام، عندما كنا نتجوَّل في المستنقعات ورأينا أشجاراً غريبة الشكل. وانطلقنا في تأليف قصص، ثم منحناها شخصيات وأسماءً».

اللافت أنَّ كل شجرة تستمد قصتها من مظهرها؛ على سبيل المثال، إذا كانت الشجرة بها انبعاج، تتخيَّل نيوفي كيف حدث ذلك.

والمثير أنَّ ما بدأ مثل لعبة بسيطة خلال نزهات عائلية مع كلبتهم «كوكو»، تطوَّر منذ ذلك الحين إلى مسار صغير غير رسمي لتعليم القراءة والكتابة. وتُنسب اللافتات مجهولة المصدر فقط إلى «مجموعة الأشجار المُتكلّمة»، ممّا جعل هوية مؤلّفها لغزاً حتى كشفت نيوفي عن هويتها. وقد ساعدها والدها، دوغ، على صنع اللافتات، لكنه حرص على ترك معظم العمل الإبداعي لنيوفي.

وعن ذلك، قال: «اقتصر عملي في الغالب على التغليف والطباعة، في حين تركت الإبداع لنيوفي»، مضيفاً: «أعتقد أنَّ الأخبار صعبة جداً في الوقت الراهن، لذا من الجميل القيام بشيء أكثر بهجة».

ومن المتوقَّع أن تبقى اللافتات معروضة لأسابيع، لتمنح المارّة لمحةً سريعةً عن عالم نيوفي.