«عائلة جادو»... عنف العالم

أحمد الفخراني يمزج بين الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا

«عائلة جادو»... عنف العالم
TT

«عائلة جادو»... عنف العالم

«عائلة جادو»... عنف العالم

أخشى الروايات كبيرة الحجم، وأخشى على مؤلفيها. بمجرد أن أمسك برواية طويلة تحاصرني أسئلة من قبيل: هل هناك حكاية لا تمكن روايتها إلا في هذا العدد من الصفحات؟ هل هناك فكرة لا يمكن الإمساك بها في كتاب رحيم بمعاصم الضعفاء والمسنين؟ ألم يكن من الممكن قسمة الحكاية أو الفكرة على كتابين أو أكثر؟
ربما تنبع هذه الأسئلة من انحياز مضمر لرف من الروايات القصيرة الفاتنة، مثل «الجميلات النائمات» لكاواباتا: «المسخ» لكافكا: «الموت في فينيسيا» لتوماس مان: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» لماركيز، و«امتداح الخالة» لماريو فارغاس يوسا، ومن روايات العرب يمكن أن نضع على الرف نفسه عدداً لا بأس به من الروايات، بينها «صخب البحيرة» لمحمد البساطي، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، ويمكن لقراء آخرين بالطبع أن ينحازوا إلى روايات أخرى من تلك الصغيرة المحكمة التي تتمتع بما يسميه يوسا: «فتنة الحبكة».
ربما، هذا ما يجعل كاتب الرواية الطويلة محل إشفاقي. ينزل إلى الميدان، متنازلا عن «فتنة الحبكة» قبل أن يبدأ؛ فحتى لو نجح في تحقيق هذه الفتنة، ستكون غير مرئية، مثلما لا يمكننا أن نرى كروية الأرض عندما نقطعها في سيارة من أدناها إلى أقصاها، لهذا فإن تقديري لدأب وجدية أحمد الفخراني، الذي عرفت خطواته المبكرة جداً، لم يمنعني من البدء في قراءة روايته الجديدة «عائلة جادو» بالإشفاق والشكوك والأسئلة ذاتها، خاصة أن الكتاب الذي يقع في 440 صفحة يحمل عنواناً فرعياً «نص النصوص» وسيعرف القارئ، عندما يتوغل في النص، أن هذا الوصف التقريظي سيرد في المتن، كأمنية للراوي البطل.
- الفكرة وضدها
أول ما يواجهه القارئ، في نص النصوص، مفتتح: «بدأ كل شيء سريعاً كطيف، ثقيلاً وضاغطاً ككابوس، تحررت من بطء الوقت، لأسير وفي يدي رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفي قلبي مهمة: اقتله». يبدو هذا الاستهلال كما لو كان صوت الكاتب، ولن يتركنا نعرف بدقة هل هو مع ماركس والماركسية أم ضدهما، ولن يتركنا للتخمين، إذ يصرح في المفتتح نفسه بهذا المعنى: «تعلمت شيئا أو شيئين من رحلة العثور على ماركس، أن الاتجاهات كالموت محض خدعة؛ فكل شيء يحيط بكل شيء». وهذه العبارة تقريباً هي سر الرواية، الآيديولوجيا محض خدعة، الديمقراطية محض خدعة. الخوف هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم!
مع بداية الفصل الأول يستمر ضمير المتكلم، ولكن على لسان راو بطل مما يضع احتمال أن يكون ضمير المتكلم في المفتتح هو صوت البطل نفسه؛ «رزق» الذي أكلت القراءة عينيه فاستخدم النظارة الطبية، ومع ذلك فهو بلطجي، ابن غير شرعي لزعيم العصابة «نخنوخ الهواري» يعمل قواداً لديه على أمل أن يرضى عنه ويعترف يوماً بنسبه.
يشير الراوي إلى الأب نخنوخ بلقب «مولانا» وهو مثل قادة المافيا، لا يظهر إلا مروياً عنه، وعن قصره الأسطوري، عن عشقه للقاصرات، وعن علاقاته الوثيقة بالسلطة.
عالم عنيف، وحشي ولا يخلو من نسمات حنان، من شأنه أن يعجب جان جينيه لو كان حياً. وربما لن يكون العنف وحده محل إعجابه؛ لأن الرواية تلبي شرطاً فنياً يحبه جينيه، وهو أن تضرب كل فكرة سابقتها وتمحوها.
وتقوم السخرية بدور كبير في المسعى الهدام الذي تنتهجه الرواية، جنباً إلى جنب مع تطور السرد الذي يتسع لكل شيء ونقيضه، وحيث يتجاور الشعر مع سوقية العالم التحتي. كل شيء يحيط بكل شيء، والاتجاهات محض خدعة. البحث عن كارل ماركس وأفكاره خدعة وسخرية أخرى، لا يخلو أتباعه المجانين من العنف، وهم ينشدون الخير مخلصين، وغير أكفاء.
عالم محكوم باللاجدوى، تسخر فيه الرأسمالية المتمكنة من البشر والأفكار، بينما تنفتح سراديب التعذيب الشرطية على مثيلتها لدى مولانا نخنوخ، حيث القهر سلعة متداولة ورائجة لا يسلم منه حتى رزق البلطجي، الذي يدير دفة السرد، وابن المافياوي المخيف؛ إذ يعاني آلام حب مجهض مع زوجته ابنة عائلة جادو التي انتزعها منه حماه وأجبرها على فراقه، حتى بعد أن يموت جادو يظل حكمه بالتفريق بين الزوجين الحبيبين قائماً.
- إقناع المباغتة
في عالم مخيف وقاتم يمكن لجريجور سامسا أن يستيقظ فيجد نفسه صرصاراً. هذه المباغتة التي أقدم عليها فرانز كافكا وصدقها القارئ في واحدة من الروايات الصغيرة «فاتنة الحبكة» نجدها كذلك في النص الطويل «ألف ليلة وليلة» ولم نتوقف أمام سؤال المعقولية في مواجهة مسخ كافكا أو عفاريت ومسوخ ألف ليلة، وكذلك ليس لنا أن نسائل «عائلة جادو»؟
يباغت الفخراني قارئه بعالمه المخيف القاتم والعجيب في الوقت ذاته. نرى صخب الجماهير التي تهتف «هركليز... هركليز» حماسة لعبد المولى؛ المصارع المعجزة الذي يقول رزق إنه أوجده من العدم، ويدعي أنه جلبه من موريتانيا عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة، بينما هو في الحقيقة جلبه من المطرية (حي عشوائي شمال شرقي القاهرة). ليس من الضروري الذهاب بعيداً من أجل اختراع أسطورة، وليس لدى القارئ الوقت ليسأل عن سر تميز عبد المولى، فالمصارعة مثيرة ووحشية لا تنتهي بهزيمة المنافس بل بموته الذي يطلق نشوة الجمهور، النشوة التي رفعت القاتل غرونوي بطل العطر إلى مستوى القداسة، هي نفسها التي تجعل بطولات هركليز حقيقية.
المخيف هو المسلي، هذه هي حقيقتنا قبل أن يلبسنا العيش في المجتمعات قشرة الحضارة التي يبدو التخلي عنها أسهل مما نتصور. غريزة الموت تسيطر في «عائلة جادو» بما يلائم ما يجري في الواقع العربي الآن، حيث تنهزم الأفكار والأشعار، ولا شيء يردع أو يكبح جماح عنف الفاعلين والمتفرجين على السواء. حياة عبد المولى هي جائزته التي يحصل عليها كل مباراة، وهو مجبر على ذلك مثل الكثيرين من المنخرطين في لعبة العنف الدائرية: عليه أن يقتل أحدهم كل ليلة لكي يعيش، أما رزق الابن غير المعترف به والحبيب المحروم من حبيبته لأسباب واهية، فجائزته هي العثور على ماركس، وسيمضي في حضرته كمريد في حضرة شيخه، يجتازان معاً مدناً وقلاعاً مسحورة، ونطلع على ماركس آخر، يصف البروليتاريا بالقذارة، يؤدي التحية النازية، ويهتف مستنهضاً عديمي الموهبة: يا مديوكرز العالم اتحدوا!
- تواريخ ليست أقل دموية
تخترع الرواية تواريخ بديلة لما عاشه العالم. في تاريخ مختلف فر ستالين، واستطاع التسلط على غابة يقطنها جهاديون إسلاميون، وعاونه تروتسكي، ثم سرعان ما انقلب عليه وذبحه، وعلق رأسه في الغابة كي يصير عبرة، وأعلن نفسه خليفة!
لكن الفنتازيا لا تخلو من علامات طريق واقعية. الأب الغامض «نخنوخ» يحيل إلى اسم يعرفه المصريون جيداً، فلم تزل قضية «صبري نخنوخ» ماثلة في الأذهان، الذي نسبت الصحف إليه بعد سقوطه فظاعات ترقى لمستوى الفنتازيا، كما كتبت عن علاقاته بالأمن على مدى سنوات طويلة، كما تأتي إشارة إلى باحث أجنبي يموت في صندوق عربة القواد ويلقى به على جانب الطريق، كإحالة واضحة إلى مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
علامات الطريق الواقعية تجعل فنتازيا الرواية مقبولة ومقنعة، ليتفرغ الكاتب لاقتراف مكره الفني في المزاوجة بين غرائبية الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا، بعد أن صارت المسافة بين الخرافة والعلم الحديث متناهية القصر، وكلاهما: الأسطورة والعلم في خمة العنف والتفنن في اقترافه. عنف له تاريخ، في الأحداث التي تصفها الرواية، والأفكار العنيفة، حيث تلتقي أفكار النازية والمستقبلية والداعشية مع أشعار الكتائب المسلحة.
ثقل المصير تقابله خفة فنتازية تذكرنا بالحيل اللطيفة في ألف ليلة: العفريتة تتطوع بنقل الحبيب من بغداد إلى القاهرة، وحبة الرمان تتحول إلى وحش. في «عائلة جادو» سنرى كيف تتحول «زاوية النجار» إلى روما، ونرى تروتسكي جالساً على عرش من ذهب، يرتدي جلباباً أسود وعمامة مزينة بريشة ذهبية، وسيشترك عبد المولى في قتال تروتسكي، ويصعد ماركس ورزق إلى قلعة الحشاشين، وعندما يهم بعناق حسن الصباح، يكتشف أنه ليس سوى صديقه إنجلز، وقد بنى قلعة تحاكي قلعة الحشاشين.
وعبر رحلة يكابدان فيها الأخطار ومصارعة أعداء يتحولون في لحظة إلى وحوش تنبت أطرافها المبتورة في لحظة، يصلان أخيراً إلى الفردوس، وعند اجتياز البوابة يدرك رزق أنه لم يذهب إلى أي مكان، ولم يكن ما عبره إلا حديقة قصر مولانا «نخنوخ».
يمكن أن تكون «عائلة جادو» حلماً طويلاً، كابوسا إن شئنا الدقة؛ فالرعب هو الشعور الذي يمكن أن يخرج منه قارئ الرواية، وبرغبة في إيذاء الذات، أو بأمل في ألا يكون الواقع هكذا، يمكن أن يعاود القراءة مجدداً.



إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

إجراءات مصرية لحماية الأطفال من مخاطر منصات «التواصل»

الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بمصر عن اتخاذ إجراءات لحماية الأطفال والنشء من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي.

وأصدر المجلس والجهاز قراراً مشتركاً يُلزم منصات التواصل الاجتماعي باتخاذ الإجراءات التي من شأنها تعزيز حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية، في ضوء حرص الدولة المصرية على توفير بيئة رقمية آمنة لأطفالها ونشئها، وحمايتهم من المحتوى والممارسات التي قد تمثل مخاطر على سلامتهم النفسية والاجتماعية والرقمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حقهم في الاستفادة الآمنة والمسؤولة من التكنولوجيا، وفق بيان مشترك أصدراه الجمعة.

ويستهدف القرار حماية الأطفال والنشء دون سن الخامسة عشرة، من خلال تقسيم الفئات العمرية إلى فئتين رئيسيتين، وتشمل الفئة الأولى، الأطفال دون سن الثالثة عشرة عاماً، حيث تلتزم المنصات بعدم إنشاء أو تفعيل أو إتاحة حسابات شخصية مستقلة للأطفال المنتمين لهذه الفئة. أما الفئة الثانية، فهي خاصة بالأطفال من سن 13 إلى أقل من 15 عاماً، حيث يجوز للمنصات إتاحة الحسابات للمستخدمين لهذه الفئة، مع تفعيل نمط الاستخدام الآمن (Safe Mode) بصورة تلقائية وإلزامية، وألا يكون من الممكن للطفل تعطيله بصورة منفردة طوال فترة وجوده ضمن هذه الفئة العمرية.

وشدّد البيان على ضرورة أن «تلتزم المنصات باتخاذ وسائل فعالة ومتناسبة للتحقق من العمر ومنع التحايل على الحد العمري والالتزام بمبادئ حماية البيانات الشخصية وتقليل البيانات التي يتم جمعها لأغراض التحقق».

ويشمل القرار «مراجعة الحسابات القائمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق أوضاع الحسابات التي يثبت أو يرجح، وفق آليات موثوقة، أنها تخص مستخدمين دون الخامسة عشرة، مع توفير آلية واضحة للتظلم وتصحيح العمر في حالات الخطأ».

وقال رئيس المجلس الأعلى للإعلام، خالد عبد العزيز، إن حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية أصبحت مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع والمنصات الرقمية. وأضاف في البيان أن «الهدف من الإجراءات الجديدة لا يتمثل في حرمان الأطفال من التكنولوجيا أو عزلهم عن التطور الرقمي، وإنما ضمان أن يكون استخدامهم لهذه التكنولوجيا في إطار آمن ومسؤول يتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على التعامل مع المخاطر الرقمية».

وأوضح أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يولي أهمية خاصة بحماية الأطفال من المحتوى الضار، ومن صور الاستغلال والتنمر والتحرش والابتزاز وغيرها من المخاطر التي قد يتعرضون لها عبر المنصات الرقمية.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقرارات جديدة لحماية الأطفال من المخاطر الرقمية (فيسبوك)

وأشار الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، محمد شمروخ، إلى أن القرار الجديد يعتمد على مبدأ الحماية المتناسبة مع العمر والمخاطر، بحيث لا يتم التعامل مع جميع المستخدمين من خلال نموذج واحد، وإنما يتم تطبيق مستويات حماية مختلفة، وفقاً للفئة العمرية وطبيعة المخاطر المرتبطة باستخدام المنصة.

وأكد أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي منظومة متكاملة تتطلب تعاون الدولة والمنصات الرقمية وأولياء الأمور والمجتمع، مع استمرار التطوير الفني والتنظيمي لمواكبة التغير السريع في طبيعة المخاطر الرقمية.

الدولة تستطيع تنظيم المنصات وفرض أدوات حماية، لكن من الصعب عملياً ضمان منع الطفل من الوصول إلى كل محتوى ضار في بيئة رقمية مفتوحة.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلامي الرقمي، محمد فتحي، أن «الدولة لديها أدوات مهمة مثل التشريعات، وإلزام المنصات بإعدادات أمان، وآليات التحقق من العمر، وحجب محتوى أو تطبيقات بعينها، والتعاون مع شركات التكنولوجيا، ومصر لديها بالفعل خدمات من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مثل (اطمِّن) و(اطمِّن على الآخر) للمساعدة في الحد من وصول الأطفال إلى المحتوى غير الملائم وإدارة استخدامهم للإنترنت، لكن المنع الكامل شبه مستحيل تقنياً واجتماعياً؛ فالطفل قد يستخدم حساباً آخر، أو جهازاً مختلفاً، أو يصل إلى المحتوى من خلال منصات متعددة، لذلك فالأكثر واقعية هو الانتقال من فكرة (منع الطفل من الإنترنت) إلى (إنترنت أكثر أماناً للطفل)، عبر مسؤولية مشتركة بين الدولة والمنصات والأسرة والمدرسة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «التحرك الحالي بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يتجه بالفعل إلى إلزام منصات التواصل بإجراءات لتعزيز حماية الأطفال والنشء في البيئة الرقمية».

وألزم القرار الصادر منصات التواصل الاجتماعي بتوفيق أوضاعها وتنفيذ المتطلبات الواردة خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر من تاريخ العمل بالقرار، على أن تقدم خلال 30 يوماً من تاريخ نشره وإخطارهم به خطة تنفيذية وجدولاً زمنياً يوضحان الإجراءات الفنية والتشغيلية اللازمة للامتثال.

ووفق صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي، فإن «القرارات التنظيمية مثل القرار المشترك بين الأعلى للإعلام وجهاز الاتصالات خطوة تأسيسية مهمة، لأنها تضع خطوطاً حمراء تلزم المنصات بالتطوير». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن هذه الإجراءات غير كافية، لأن الطفل نفسه يمكنه التحايل عليها، كما أن خوارزميات المنصات مصممة لزيادة وقت البقاء بصرف النظر عن المخاطر».

وتؤكد إيمان أن «حماية الأطفال والنشء في الفضاء الرقمي لم تعد خياراً أو رفاهية، ولكنها أمر أساسي يتطلب جهوداً متداخلة ومتوافقة بين الذكاء الاصطناعي والتشريعات ودور الأسرة». ولفتت إلى أن «الطريقة المثلى والآمنة تعتمد على مبدأ الحماية المناسبة للسن والتدرج الرقمي والنمط الآمن لتصفية المحتوى من أي شيء ضار، ومنع التتبع الإعلاني وتقييد الرسائل من الغرباء».


سفينة تمتص ثاني أكسيد الكربون... كشف تفاصيل عن تابوت ملك النرويج الراحل

تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
TT

سفينة تمتص ثاني أكسيد الكربون... كشف تفاصيل عن تابوت ملك النرويج الراحل

تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)
تابوت ملك النرويج الراحل هارالد الخامس (أ.ف.ب)

كشف القصر الملكي النرويجي، الجمعة، تفاصيل عن تابوت الملك هارالد الخامس الذي توفّي في الثامن والعشرين من أغسطس (آب) والذي يرقد في نعش مصنوع من صخرة على شكل سفينة قادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون (CO₂).

وأقيمت مراسم جنازة العاهل النرويجي الذي فارق الحياة عن 89 عاماً في التاسع من سبتمبر (أيلول) في أوسلو، لكن لم ترشح أيّ معلومات عن مثواه الأخير.

وصُنع التابوت المقسّم إلى قسمين والموضوع في الضريح الملكي في قلعة أكرشوس من معدن الأوليفين (الزبرجد الزيتوني) وهي صخرة زيتونية اللون تعود إلى نحو 400 مليون سنة من غرب النرويج، بحسب ما كشف القصر الملكي في بيان.

وأشار البيان الذي نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أن «حجر الأوليفين الزيتوني قادر على امتصاص وتثبيت ثاني أكسيد الكربون، وهي ميزة لجأ إليها مصمّمو التابوت كرمز إلى حرص الملك هارالد والملكة صونيا على الطبيعة والأجيال المقبلة».

ويتّخذ التابوت الزيتوني اللون شكل سفينة قاعها مستدير، ما يرمز إلى شغف هارالد بالبحر والمعالم القديمة لا سيّما تلك التابعة لحقبة الفايكينغ.

وكان الملك هارالد قد قال مازحاً بشأن تابوته خلال تصميمه «آمل أن يكون مريحاً... لأن الإقامة ستدوم بعض الوقت».

وقد وضع النعش الذي بلغت كلفته 20 مليون كرونة نرويجية (نحو 2.12 مليون دولار) إلى جانب تابوت الملك هاكون السابع جدّ هارالد ومؤسس السلالة الملكية الحالية وزوجته مود، وذلك العائد لوالده الملك أولاف الخامس ووالدته مارتا.


«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
TT

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)
نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام». كل عام يكتسب المهرجان «المواظب»، الذي لا تدحره حرب ولا تقلل من عزيمته مخاوف، مزيداً من الشجاعة والنضج، والقدرة على إقناع جمهوره والممولين أنه ضرورة جميلة. فثماره لا تتوقف عند العروض التي تستمر لأيام بالمجان، بل إن ورش العمل واللقاءات بين المنتجين والفنانين التي ينظمها، وكذلك الشبكات التي يعمل عليها، تؤتي أكلها طوال العام، ليس بالنسبة للبنانيين فحسب، بل لسينمائيات عرب أيضاً، وهو ما ذكّرت به في كلمة الافتتاح المخرجة الشابة فاطمة شحادة.

هوية بصرية

من كل المناطق اللبنانية جاء الحضور، ومن دول عدة، منها سوريا ولبنان ومصر والأردن، للمشاركة الفاعلة. الافتتاح الاحتفالي في مركز «بيت الفن» التراثي المعمار في الميناء، بدا مناسباً للعنوان الذي تحته انعقدت هذه الدورة: «التراث الحديث». ثم جاءت الهوية البصرية للمهرجان محاولة جعل السنين المائة الماضية وحدة ثقافية تحكي قصة المدينة، وأحلامها، ونضال أبنائها. عروض الأفلام من تاريخ 18، أي يوم الافتتاح، إلى 23 من الشهر الحالي، تحاول الإجابة على سؤال الأمكنة، الذي يتعقد بسبب جولات عنف متوالية، تعصف بمدن في المنطقة ودول وشعوب بأكملها.

سؤال الهوية العمرانية الذي يطرحه المهرجان في طرابلس، العاصمة اللبنانية الثانية، له ما يبرره. الأماكن الثلاثة التي تم اختيارها للإضاءة عليها، هي اليوم تحت اختبار وإعادة إحياء جادة، تحتاج دعماً لها وتشجيعاً. على أحد بوسترات المهرجان «معرض رشيد كرامي»، الهائل المساحة الفريد البنيان الذي صممه العبقري البرازيلي أوسكار نيماير، يعاد العمل عليه لترميمه بعد أن صنّفته اليونسكو على لائحة التراث العالمي. بوستر آخر يصور محطة القطار التي أهملت وأوقفت منذ الحرب الأهلية، ويتم العمل بعد عشرات السنوات من النسيان على إعادة تشغيلها لربط لبنان بسوريا. والبوستر الثالث لـ«قصر نوفل» القائم في وسط المدينة ببنيانه الأنيق وحديقته التي تحولت إلى منتزه عام، ويبقى شاهداً على أناقة المعمار الطرابلسي المنفتح على المدارس الفنية، وهو في الوقت الحالي مركز ثقافي ومكتبة عامة.

رمزية قوية لزمن ذهبي

عن كل هذا تحدثت مروة ملقي في بداية الاحتفال، مذكرة بما للمهرجان من دور إيجابي على المدينة وشبابها. ومن ثم كانت كلمة المديرة التنفيذية للمهرجان ميرنا البني، التي حيّت بكلمتها المدينة التي ضمّت إلى أحضانها في القرن الماضي عشرات دور السينما الناشطة التي لعبت دوراً حيوياً، وخصّت بالذكر سينما «كولورادو». هذه الدار التي لعبت دوراً مشهوداً بفضل تضافر جهود 3 شخصيات. بناها الدكتور الجراح وهيب نيني، وصمم معمارها المهندس جورج دوماني، وجاء المخرج جورج نصر بفيلمه الذي نال جائزة مهرجان كان، ليعرضها فيلمه الفائز إلى «أين فيها؟».

رمزية قوية لزمن ذهبي في مدينة السينمات طرابلس، حيث أقيم لسينما «كولورادو» في باحة «بيت الفن» تجهيز، نرى فيه اثنين من مقاعد الصالة الرئيسية، يمكن للزوار أن يجلسوا عليهما وينظروا إلى فتحة مقابلة، هي الشاشة التي كان ينظر إليها الجمهور. وأمام التجهيز شباك التذاكر، وتذكير بالشخصيات الثلاث على يسار المقعدين الأخضرين.

المكرم الصامت

ومن جميل تقاليد هذا المهرجان تكريم إحدى الشخصيات السينمائية. هذه السنة جاء الخيار موفقاً أيضاً. إذ تم تكريم ابن المدينة الذي لعب دوراً كبيراً، وبقي متخفياً وراء تواضعه الجمّ. بكلمة مؤثرة تحدث مؤسس المهرجان وصاحب الفضل الأول والكبير في استمراره إلياس خلاط، عن دور المكرم الصامت في المساعدة أثناء التأسيس الأول للمهرجان، والدفع به إلى الأمام.

إذن، جميل أن تذهب جائزة إنجاز الحياة لهذا العام إلى المسرحي والسينمائي والكاتب والمعلم جان رطل، مستحقاً لها عن عقود من الإبداع في مجالات مختلفة، منها أيضاً النقد وإنتاج الأفلام الوثائقية التي عنيت بالذاكرة، وتحديداً تلك الزوايا التي نادراً ما تنبه لها الآخرون.

جان رطل مكرماً بجائزة إنجاز الحياة (المهرجان)

فيلم الافتتاح

واختتم الافتتاح باختيار موفق، لعرض شريط بقدر بساطته يكمن عمقه. وهو الفيلم المصري «ولنا في الخيال... حب» للمخرجة المصرية سارة رزيق.

هو حكاية حب مستمرة منذ 10 سنوات، بين الشاب نوح (عمر رزيق) ووردة (مايان السيد) زميلته على مقاعد الدراسة في معهد السينما. العلاقة تصطدم باكتشاف نوح أن أستاذهما الجامعي الدكتور يوسف مراد (أحمد السعدني)، الآتي حديثاً من ألمانيا، يسكن مقابله وأن له ابنة جميلة تستمع إلى الموسيقى ويراها باستمرار جالسة مقابل شباكه.

مشهد من فيلم الافتتاح «ولنا في الخيال... حب»

حسّه الفني، حبه للصور الفوتوغرافية التي يحاول أن يلتقطها للفتاة من نافذته، أحلامه المجنونة، وهو الراقص المتمرس، كل ذلك يجعل خياله يجنح نحوها ويترك وردة. تتداخل قصة حبهما المكسورة، بحياة الأستاذ الذي نكتشف أنه لا ابنة له ولا عائلة، وهو يسكن وحيداً، وما يراه نوح مجرد تمثال أخرس. في الفيلم، تتداخل قصة الأستاذ المعذب الذي ماتت زوجته، والطالبين الهائمين ضياعاً وعشقاً وشكاً، ونرى إلى أي حد يمكن للوهم أن يذهب بالإنسان إلى أماكن لم يكن يتصورها، خاصة حين يكون في لحظات ضعف، وما أكثرها!

تستمر عروض الأفلام للجمهور بالمجان حتى 23 من الشهر الحالي، وتعلن في اليوم الأخير أسماء الأفلام الفائزة في المسابقة، حيث يتنافس 43 فيلماً من مختلف الفئات الطويلة والتحريك والقصيرة والوثائقية. وهناك لجنتا تحكيم؛ إحداهما للأفلام الطويلة، وتضم نادين خان (مصر)، جورج شقير (لبنان)، طلال الجردي (لبنان)، وعن الأفلام القصيرة؛ أدريانا راكاسان (رومانيا)، راشيل عون (لبنان)، سارة عطا الله (لبنان).

المهرجان يشارك في تمويله الاتحاد الأوروبي، الذي حضرت حفل الافتتاح عنه سارة دومونيني، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية، ومثلها في المهرجان مديرها العام الدكتور علي الصمد.