قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج
TT

قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج

انتهى عملي في السّاعة الحادية عشرة والنّصف ليلاً. كنت أنظر من الشّباك الكبير إلى شارع كدزي العريض، أراقب بين الحين والحين هطول الثّلج، فلأوّل مرّة أراه ينزل نديفاً متناهي الصّغر، كرأس دبوس، ثم أكبر، وأكبر حتى يصل في بعض الأحيان إلى حجم الحمّصة، وأحياناً البندقة الصّغيرة من غير مبالغة. لا شكّ أن تلك النّدفة التي تبدأ متناهية الضآلة تصطدم بغيرها، تتجمّع مع بعضها، ثم تعاود النّزول، فتزداد في الحجم، حتى تصبح كتلة كبيرة تفاجئ من يراها، ثم أنظر إلى الأرض التي اختفى إسفلتها الأسود، واكتست طبقة من البياض، لكنّي لم أراقب ارتفاعها، ولم يخطر لي أنّ تكاثفها سيكلّفني ذلك التعب الشّديد، بعدئذ. لم أتصوّر بأي حال أنّ ارتفاع الثّلج سيصل إلى سبعين سنتمتراً في نحو ثماني ساعات، مفاجأة لا تصدّق. مقرّ العمل دافئ، مريح، يغري المرء بعدم التفكير بالجو المكفهّر في الخارج. فوجئت قبل أن أخرج بنشرة الأخبار، تذكر أن مستوى الحرارة هبط تحت الصفر المئوي بـ15 درجة. أوّل شيء واجهته ما إن خرجت من باب المقرّ، هو ارتفاع الثّلج الهائل، تردّدت قبل أن أغامر بمدّ رجلي. أنا مصاب بكسر في قدمي اليسرى، منذ عهد طويل، لكنّ الألم يظهر عندما أخوض بالماء البارد، فكيف بها وهي تغطس بهذا الثّلج؟ لم يكن من الأمر بدّ، غامرت، أنزلت قدمي، إن تأثّرتْ فسيظهر ذلك بعد ساعات، لأنّ الثّلج لا يخترق «البسطال» الثّخين، ولا جوارب الصّوف حالاً. هناك ملح كثيف بنفسجي رمته شاحنات البلديّة في وسط شارع كدزي. عليّ أن أكون حذراً وإلا سقطت وكسرت إحدى عظامي. وصلت التل الأبيض الذي كان قبل ثماني ساعات سيارتي. لا أستطيع أن أزيل الثّلج المتلّل فوقها، بكفيّ، نسيت أن أرتدي قفّازي، خشيت أن تعود آلام الروماتيزم في كفي اليمنى، فتمنعني من النّوم، ولا سيما وإنّي لم أفكّر بالحصول على حبّات الدّواء قبل هذا اليوم. كنت أؤجل شراءها دائماً. لذلك رجعت إلى مقرّ العمل، بحثت عن شيء أزيل به الثّلج من فوق سيارتي وجوانبها. وجدت لحسن الحظّ، قطعة خشب بعرض نصف قدم، وطول قدمين. فرحت جداً، اعتبرت نفسي محظوظاً. فكّرت أن أشغل السّيارة قبل أن أزيل الثّلج، سأتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. تدفئة جوّها أولّا، وإحماء الماكنة الضّروري لعملية التشغيل ثانياً، أدرت مفتاح التحريك. السّيارة وشوشت، عطست، ثم توقّفت. انتظرت ثانيتين، ثم شغلته ثانية، فعطست عطستين، ثم وشوشت وسكتت. عندئذ انتظرت دقيقة كاملة، وشغّلته ثالثة فعطست بضع عطسات، ثم سكتتْ، ثم توقّفت عن العطاس، ماتت مرّة واحدة. ما العمل في هذا الليل السّاكن، الشّارع خالٍ، الزّمهرير شديد، إن بقيت هنا تجمّدت ومتّ مثل سيارتي. سيعثرون عليّ غداً تمثالاً بائساً جامداً من الجليد، لا حسّ ولا نفس؟ يصعدون إلى القمر لكنّهم ينسون واقعهم، لا يخترعون جهازاً بسيطاً يوضع في السّيارة يتوقّع المشاكل قبل حدوثها؟ لكن لماذا أعلّق أخطائي على شمّاعة الغير؟ أنا متخلّف، أعيش في أميركا ولا أقتني هاتفاً نقالاً، لأسباب أتفه من التفاهة نفسها. لماذا؟ لأني لا أحبّ من يسوق وهو يتكلّم، لا أحبّ من يتكلّم وهو جالس في الحافلة أو القطار، كأنّي مسؤول عن تصرّف الخلق. أخذت أفكّر أين أجد أقرب محطة وقود؟ أين؟ أين؟ هه، لقيتها. على مسافة نصف ميل، على كدزي ووسترن. لكن هل أستطيع ترك السّيارة في الشّارع؟ بخاصة بعد الثانية عشرة ليلاً؟ بعد هذا الوقت تنتشر شاحنات تسحب ما يبقى في الشّوارع من سيّارات كالقطط الجائعة تبحث عن ضحاياها، تصطاد السيّارات كما تصطاد القطط الفئران. ستسحب سيّارتي وأغرّم ثلثي ما أتلقاه في أسبوع كامل. إذن عليّ أن أركض قبل فوات الوقت لأتصل بشركة التصليح، ولعل سائق الشّركة يحنّ عليّ فيوصلني إلى أقرب نقطة مترو، الحافلات في هذه المنطقة تتوقّف بعد منتصف الليل، لا يبقى سوى المترو، وإلّا فلا سبيل آخر للرّجوع إلى البيت، فأنجو من قسوة الصّقيع وأنعم بالدّفء. لا أستطيع أن أركض على الرّصيف، والثّلج بمثل هذا الارتفاع الخياليّ. عليّ أن استعمل الشّارع، الشّارع زلق بوجود الثّلج، لكن لا بدّ مما ليس له بدّ. أنا مضطر، لا سبيل لغير ذلك. الحمد لله وصلت. عندي خمس عشرة دقيقة إلى منتصف الليل. كافية للاتّصال. وضعت وأنا ألهث نصف دولار في الهاتف العموميّ، في محطة تعبئة الوقود، جاءني صوت التسجيل الأنثوي: «إن كنت تعرف القسم التي تريده، اضغط على رقمه، وإن لم تعرفه، وتتكلّم الإنجليزيّة فاضغط على الرّقم واحد، وأن كنت تتكلّم الإسبانيّة فـ…». نقرت على الرّقم واحد. إن كانت السّيارة تحتاج إلى سمكرة، فاضغط على الرّقم واحد، أما إذا كان العطل ميكانيكيّاً، فاضغط على الرّقم 2». فعلت كما قالت. استمرت: إن كانت تستعمل «الدّيزل» فاضغط على الرّقم 1. وإن كانت تستعمل «الكاز» فاضغط على الرّقم 2. ضغطت على 2… انتهى نصف الدّولار. وضعت ثلاثة أرباع الدّولار وهو كلّ ما عندي من عملة معدنيّة، كي لا ينقطع الصّوت مرّة أخرى. كنت أنقر الأرقام وعيني على الطّريق. لا أستطيع رؤية سيارتي بالطّبع، لكنّ المنطقة مشبوهة، تكثر فيها الحوادث. قد أقتل ولا يفاجأ «العصابجي» حينما لا يجد في محفظتي سوى 20 دولاراً فقط. الثّلج يداعب سيارتي باستمرار، وكأنه يلعب معها، يتكدّس فوقها غير آبه لمأساتي، وسيارات الملح وحدها سيدة الموقف، تنثر الملح البنفسجي على الشّارع من دون انقطاع. أخيراً بلغ الصّوت النّقطة التي انقطع منها: «إن كانت السّيّارة شاحنة كبيرة فاضغط على 1، وإن كانت شاحنة عاديّة فاضغط على 2، وإن كانت سيّارة عائليّة ذات دفع رباعي فاضغط على الرّقم 3. وإن كانت السّيّارة صغيرة فاضغط على 4…». ضغطت على الرّقم 4. انتهت الفلوس، هرعت في سرعة إلى داخل المحطة. فتح عينيه هندي شيخ ذو لحية مصبوغة بحنّة باهتة، تساءل: ماذا تريد؟
طلبت منه «فكّة» معدنيّة لخمسة دولارات. سأضعها كلّها في معدة التلفون الجهنميّة التي لا تشبع قط، تذكّرت الآية القرآنيّة: «.. هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». لعنت التلفونات ومن اخترعها. تحرّك الشيخ في بطء، وأخذ يعدّ ما عنده، وأنا أهدئ أعصابي، عنده أربعة دولارات خردة فقط. هتفت: هات، أسرعْ.
أخذت القطع المعدنيّة وركضت، وقفت قرب التلفون، وضعتها كلّها في جوف الجهاز، بدأت أضغط على النّتوءات، وأنا أتلهف لسماع الصّوت، فإذا بأصوات هائلة تسيطر على سكون الشّوارع الخالية، فتعلّقت عيناي على جهة الصّوت، فإذ هي سيارات السّحب تهزّ الكون بحركاتها المجلجلة، تندفع في جنون. اتجهت واحدة شمالاً نحو شارع لورنس، اتجهت الأخرى غرباً نحو شارع كاليفورنيا. تنفست نفساً عميقاً بارتياح، حمداً للمصادفات، سيارتي في الجنوب. ثم جاءت المصيبة أسرع من لمح البصر، لاحت شاحنة سحب ثالثة، اتجهت نحو شارع كدزي، حيث ترقد سيارتي ميتة بلا حراك. تركت سماعة التلفون، وهي تصيح «اضغط..».. ركضت، فلعلي أصل إليها قبل أن ترى سيارتي وتسحبها. ركضت، ركضت، ركضت. خارت قواي، أخذت أمشي متعباً وأنا ألهث، ثم توقّفتُ، لا فائدة، رأيت سيارتي بعد بضع دقائق، يجلّلها الثّلج الأبيض، والهواء ينثره في الأعلى وعلى الجانبين، وهي مثبتة فوق ظهر شاحنة السّحب.
- روائي وقاص عراقي



هل تساعد الكلاب أصحابها على العيش لفترة أطول؟

الممثلة الفرنسية والناشطة في مجال حقوق الحيوان بريجيت باردو تلهو مع كلب لدى وصولها إلى ملاجئ الكلاب في كابري بجنوب فرنسا يوم 17 يناير 1989 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية والناشطة في مجال حقوق الحيوان بريجيت باردو تلهو مع كلب لدى وصولها إلى ملاجئ الكلاب في كابري بجنوب فرنسا يوم 17 يناير 1989 (أ.ف.ب)
TT

هل تساعد الكلاب أصحابها على العيش لفترة أطول؟

الممثلة الفرنسية والناشطة في مجال حقوق الحيوان بريجيت باردو تلهو مع كلب لدى وصولها إلى ملاجئ الكلاب في كابري بجنوب فرنسا يوم 17 يناير 1989 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية والناشطة في مجال حقوق الحيوان بريجيت باردو تلهو مع كلب لدى وصولها إلى ملاجئ الكلاب في كابري بجنوب فرنسا يوم 17 يناير 1989 (أ.ف.ب)

لم تعد الكلاب مجرد حيوانات أليفة تؤدي دور الرفيق داخل المنازل، بل باتت محور اهتمام متزايد لدى الباحثين والأطباء، مع تزايد الدراسات التي تربط بين اقتنائها وتحسن الصحة العامة، بل وربما إطالة العمر أيضاً.

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت أبحاث علمية متعددة فهم العلاقة بين امتلاك الكلاب وصحة الإنسان، خصوصاً في ما يتعلق بأمراض القلب والصحة النفسية والشعور بالوحدة. وبينما لا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كانت الكلاب تساهم بشكل مباشر في إطالة العمر، فإن كثيراً من النتائج العلمية تشير إلى فوائد يصعب تجاهلها. وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

انخفاض خطر الوفاة وأمراض القلب

في واحدة من أبرز الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، نشر باحثون عام 2019 تحليلاً علمياً في مجلة «Circulation: Population Health and Outcomes» شمل نحو أربعة ملايين شخص، وتوصلوا إلى أن امتلاك كلب ارتبط بانخفاض خطر الوفاة من مختلف الأسباب بنسبة بلغت 24 في المائة مقارنة بالأشخاص الذين لا يمتلكون كلاباً.

كما أظهرت الدراسة أن التأثير بدا أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين سبق أن تعرضوا لنوبات قلبية أو أمراض في الشرايين التاجية، إذ ارتبط اقتناء الكلاب بانخفاض مخاطر الوفاة الناتجة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.

ورغم ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة، إذ قد يكون أصحاب الكلاب أكثر نشاطاً بدنياً أو يتمتعون بأنماط حياة صحية ومستقرة مقارنة بغيرهم.

النشاط البدني... العامل الأبرز

ويرى متخصصون أن الفوائد الصحية المرتبطة بالكلاب تعود بدرجة كبيرة إلى زيادة النشاط البدني، نتيجة الحاجة اليومية للمشي والتنزه معها.

وتشير دراسات عدة إلى أن أصحاب الكلاب أكثر التزاماً بتحقيق الحد الموصى به من النشاط البدني، والمقدر بـ150 دقيقة أسبوعياً من التمارين المتوسطة إلى القوية.

وتوضح الدكتورة بيث فريتس، الأستاذة المساعدة في كلية الطب بجامعة هارفارد والمتخصصة في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل، أن الانتظام في المشي يساعد على خفض ضغط الدم والكوليسترول والدهون الثلاثية، وهي مؤشرات ترتبط مباشرة بصحة القلب.

لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الفائدة لا تتحقق بمجرد اقتناء الكلب، بل تعتمد على مدى التزام صاحبه بالخروج والمشي المنتظم معه.

أما البروفسور أدريان باومان، أستاذ الصحة العامة الفخري في جامعة سيدني، فيرى أن العلاقة بين اقتناء الكلاب وطول العمر «لم تُثبت علمياً بشكل نهائي بعد»، موضحاً أن بعض الأسر تمتلك كلاباً دون أن يشارك جميع أفرادها في رعايتها أو التنزه معها.

كما يشير إلى أن المشي مع الكلاب غالباً ما يكون منخفض الشدة بسبب التوقف المتكرر أثناء النزهات، لكنه يظل أفضل من قلة الحركة أو الجلوس لفترات طويلة.

دور مهم في تقليل الوحدة والعزلة

ولا تقتصر فوائد الكلاب على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الصحة النفسية والاجتماعية.

فبحسب باحثين، تساعد الكلاب أصحابها على بناء تفاعلات اجتماعية يومية، إذ غالباً ما تتحول نزهات الكلاب إلى فرصة للتعارف والحديث مع الآخرين، وهو ما يخفف الشعور بالعزلة والوحدة.

وفي استطلاع أجراه معهد سياسات الرعاية الصحية والابتكار بجامعة ميشيغان، قال 70 في المائة من أصحاب الحيوانات الأليفة ممن تجاوزوا الخمسين إن حيواناتهم تساعدهم على التواصل الاجتماعي وتحسين علاقاتهم مع الآخرين.

كما أظهرت تحليلات علمية حديثة أن الوحدة والعزلة الاجتماعية ترتبطان بارتفاع معدلات الوفاة، لا سيما لدى كبار السن، ما يعزز الفرضية القائلة إن الرفقة التي توفرها الحيوانات الأليفة قد تحمل فوائد صحية غير مباشرة.

شعور بالهدف وتحسين الحالة النفسية

وتشير دراسات أخرى إلى أن الكلاب قد تمنح أصحابها شعوراً بالهدف والمعنى، نتيجة المسؤولية اليومية المرتبطة برعايتها.

وفي استطلاع لجامعة ميشيغان، قال أكثر من 80 في المائة من أصحاب الحيوانات الأليفة فوق سن الخمسين إن حيواناتهم تمنحهم هدفاً في الحياة، فيما أكد كثيرون أنها تساعدهم في تقليل التوتر وتحسين المزاج.

كما خلصت دراسة استقصائية أُجريت عام 2022 بعنوان «الكلاب والحياة الجيدة» إلى أن اقتناء الكلاب يرتبط بتحسن الرفاه النفسي، وتعزيز الشعور بالرفقة وتقبل الذات، إضافة إلى الحد من الضغوط النفسية.

فوائد محتملة... وحسم علمي غائب

ورغم النتائج الإيجابية المتكررة، لا يزال الباحثون يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الدراسات طويلة المدى لإثبات وجود علاقة سببية واضحة بين اقتناء الكلاب وإطالة العمر.

لكن في المقابل، يتفق كثير من المختصين على أن الكلاب تساهم في تشجيع أصحابها على الحركة، وتخفيف العزلة، وتحسين جودة الحياة اليومية، وهي عوامل ترتبط جميعها بصحة أفضل على المدى الطويل.

ومع استمرار الاهتمام العلمي بهذا المجال، يبدو أن العلاقة بين الإنسان وكلبه تتجاوز حدود الرفقة التقليدية، لتتحول تدريجياً إلى موضوع صحي ونفسي يستحق مزيداً من البحث والدراسة.


منى خوري تخوض تحدياً جديداً في الإذاعة المتلفزة

«حزار بعد حزار» يشكّل محطة مختلفة في مسيرتها الإعلامية (منى خوري)
«حزار بعد حزار» يشكّل محطة مختلفة في مسيرتها الإعلامية (منى خوري)
TT

منى خوري تخوض تحدياً جديداً في الإذاعة المتلفزة

«حزار بعد حزار» يشكّل محطة مختلفة في مسيرتها الإعلامية (منى خوري)
«حزار بعد حزار» يشكّل محطة مختلفة في مسيرتها الإعلامية (منى خوري)

تنقّلت الإعلامية اللبنانية منى خوري بين مجالات إعلامية عدَّة، من الثقافة والفن إلى السياسة، قبل أن تتجه أخيراً إلى مسار مختلف مع دخولها عالم الإذاعة المتلفزة. عبر إذاعة وتلفزيون «وان تي في» و«وان إف إم»، تقدّم برنامجها الجديد «حزار بعد حزار»، وهو برنامج منوّع يجمع بين الألعاب والجوائز واستضافة نجوم من عالم الغناء والتمثيل والإعلام.

دخلت منى هذا النوع من البرامج مع حلول شهر رمضان الماضي، عندما وقع عليها الاختيار لتقديم برنامج ترفيهي يعتمد على العفوية والتفاعل المباشر مع الناس.

الإعلامية اللبنانية منى خوري (منى خوري)

تقول منى إنها شعرت في البداية بأن المهمة ستكون صعبة، كونها تخوض تجربة جديدة بالكامل، لكنها سرعان ما لمست النجاح والتفاعل من مشاهدي القناة ومستمعي الإذاعة. وتضيف: «أدركت سريعاً أن هذا النوع من البرامج يحتاج إلى عفوية مطلقة، وأن يكون المقدم على سجيته تماماً، من دون أي تصنّع. حتى ردود فعلي لا بدَّ أن تكون طبيعية لتتكوّن علاقة مريحة بيني وبين المتصل».

وتوضح أن أفكار الألعاب والفقرات الترفيهية تولد معها بشكل تلقائي، فتقول: «أحياناً تخطر الفكرة قبل وقت قصير من الحلقة، وأحياناً أخرى أستوحيها من الضيف الذي يشاركني ساعة ونصف ساعة من البثّ المباشر».

وتشير إلى أنها تنفصل تماماً عن ضغوط الواقع أثناء تقديم البرنامج، وتخلق لنفسها مساحة من الخيال لتقديم محتوى خفيف وممتع. وتضيف: «الناس متعبة وتحتاج إلى فسحة راحة وابتسامة، وهذه مهمة أحملها على عاتقي. أتلقى اتصالات من مختلف المناطق اللبنانية، حتى إنني فوجئت خلال الحرب باتصالات من منطقة الضاحية».

وترى منى أن «حزار بعد حزار» يشكّل محطة مختلفة في مسيرتها الإعلامية، تستمتع بها كثيراً، قائلة: «إنها مساحة تجمع بين المقابلات الفنية والألعاب المسلية والجوائز القيّمة، إلى جانب التفاعل المباشر مع المشاهدين والمستمعين. كما أن استضافة وجوه معروفة من مجالات مختلفة أضافت نكهة خاصة إلى البرنامج، إذ نُظهر جانباً آخر من شخصية الضيف المحبوب».

وعن الإذاعة المتلفزة، وما إذا كانت قد أزالت سحر الإذاعة التقليدية القائم على الصوت فقط، ترد: «للأثير سحره الخاص، لكن الصورة لم تنتزع هذا التميّز منه، بل أضافت إليه مزيداً من التوهج والإثارة».

وتؤكد أن هذه التجربة زادت من شغفها بالمهنة، وتختصر الأمر بالقول: «الإذاعة المتلفزة تحدٍ جديد في مسيرتي أستمتع بخوضه».

تؤكد منى أنها تحرص على احترام خصوصيات ضيوفها (منى خوري)

عرف الجمهور منى خوري من عملها مراسلة فنية، حيث برزت لقاءاتها العفوية مع نجوم الفن على شاشتي «إم تي في» و«وان تي في». وهي ترى أن التقديم الإذاعي والتلفزيوني يمنحها مساحة من الراحة، بينما العمل الميداني يمثل اختباراً مستمراً لسرعة البديهة وقدرة المراسل على اقتناص الخبر، ويضيف بعداً من التحدي والحيوية لمسيرتها الإعلامية.

وفي رحيل الفنان هاني شاكر خصصت منى خوري له حلقة كاملة، فهو من الفنانين الذين تركوا أثرهم على مسيرتها. وتستعيد ذكرياتها معه قائلة: «كان استثنائياً بشخصية محببة جداً، متواضعاً وإنسانياً إلى أبعد الحدود، ويحب الأجواء المرحة. بيننا ذكريات جميلة، وكنت أخبره أن أغانيه الرومانسية كانت سبباً في قصة حبي وزواجي، وكان يضحك كلما استعدنا هذه الحكاية. لا أبالغ حين أقول إن هاني شاكر لن يتكرر».

وعن أسرار الفنانين التي قد تُكشف في الكواليس، تؤكد منى أنها تحرص على احترام خصوصيات ضيوفها، وقد اؤتُمنت على كثير من الحكايات الخاصة. وتتذكر موقفاً جمعها بالفنانة سميرة توفيق عندما أبلغتها بسرّ زواجها قبل أن تعلنه بنفسها لاحقاً. وتختم: «أحرص دائماً على وضع حدود من اللياقة بيني وبين ضيوفي. لكن بعضهم يمنحني ثقته الكاملة، وهو ما يحمّلني مسؤولية أكبر بصفتي إعلامية تحترم المهنة وأخلاقياتها».


هوليوود مبتعدة بقرار... وفيلم الافتتاح سقط

من اليسار: جيل ليلوش وأناييس ديموستييه وبيير سلفادوري وبيو مارماي وفيمالا بونس في المؤتمر الصحافي لفيلم الافتتاح (أ.ف.ب)
من اليسار: جيل ليلوش وأناييس ديموستييه وبيير سلفادوري وبيو مارماي وفيمالا بونس في المؤتمر الصحافي لفيلم الافتتاح (أ.ف.ب)
TT

هوليوود مبتعدة بقرار... وفيلم الافتتاح سقط

من اليسار: جيل ليلوش وأناييس ديموستييه وبيير سلفادوري وبيو مارماي وفيمالا بونس في المؤتمر الصحافي لفيلم الافتتاح (أ.ف.ب)
من اليسار: جيل ليلوش وأناييس ديموستييه وبيير سلفادوري وبيو مارماي وفيمالا بونس في المؤتمر الصحافي لفيلم الافتتاح (أ.ف.ب)

سوزان (أناييس ديموستييه) في فيلم الافتتاح «القبلة الكهربائية» (أو، حسب عنوانه الفرنسي La Vénus électrique) تعمل في سيرك، حيث يمكنها لقاء 30 سنتيماً أن تُقبِّل أي رجل من الجمهور، فتسري الكهرباء في جسده عبر القبلة. للأسف، لم يخطر في بال أحد أن تقبِّل المخرج بيير سلفادوري، لعله يستطيع شحن فيلمه ببعض تلك الكهرباء وجعله أكثر حيوية.

المخرج بيير سلفادوري في مهرجان «كان» 79 (أ.ب)

إنها باريس في أواخر العشرينات؛ المدينة مكتظة بالناس كعادتها، وسوزان تعمل في ذلك السيرك الذي يديره رجل لا يقدِّر قدراتها ولا يدفع لها ما تستحقه. وفي يوم من الأيام تلتقي أنطوان (بيو مارماي)، الذي جاء يبحث عن طريقة للتواصل مع روح زوجته الراحلة إيرين (فيمالا بونس)، التي تركت وراءها ندماً وعذاباً في قلبه لأنه يشعر بالمسؤولية عن وفاتها لأنه لم يكن مخلصاً لها.

ما يريده توني من سوزان هو أن توصله بروح زوجته. مدير أعماله، أرمان (جيل ليلوش)، يعترض في البداية ويظن أنها عملية نصب، لكنه سرعان ما يُدرك أنها فرصة مثالية ليستعيد توني فن الرسم الذي أهمله بسبب حالته النفسية.

هذا الخط القصصي الأساسي كان يمكن أن يكون كافياً، لو أن عمق شخصياته تجاوز سنتيمتراً واحداً، أو لو لم يحشد الفيلم عدداً كبيراً من المشاهد الاسترجاعية (فلاش باك) التي تنقلنا إلى ما قبل وفاة الزوجة ونجاح الرسام في مهنته، وكيف انهارت قدراته بعد رحيل إيرين. تعدُّد هذه المشاهد يشبه إعلانات «يوتيوب»؛ فهي تشغلك بلا جدوى وتقطع انسيابية الفيلم.

أناييس ديموستييه في «القبلة الكهربائية» (Les Films Pelléas)

بالطبع، ستقع سوزان في حب توني، وتوني في حب سوزان، لكن هذا التطور يحدث بعد مشاهد غير مكتوبة أو منفّذة بسرد مُتَّصل فعلياً.

سؤال مُستحق

لم يُخب الفيلم توقعات النقاد الذين سبقوه، فجاء تماماً كحال أفلام افتتاح سابقة لمهرجان «كان»، حيث كانت أقرب إلى حركة لامعة تخبو تدريجياً بعد بداية واعدة، وتستمر حالة الخبو حتى النهاية؛ ما يترك علامة استفهام مُرَّة: «لماذا اختير هذا الفيلم الشاحب ليفتتح المهرجان؟ وما هي المواصفات التي يُستند إليها في اختيار أفلام الافتتاح؟».

إنه سؤال مُستحق، خصوصاً أن افتتاحات «كان» في السنوات العشر الأخيرة على الأقل عانت مشكلة واضحة: «لم تكن معظمها ذات أهمية أو جودة عالية، ولم تكن مختلفة كثيراً عن أفلام أخرى من المستوى نفسه». في عام 2019، اختار المهرجان الفيلم الأميركي «الموتى لا يموتون» (The Dead Don’t Die) لافتتاح الدورة. العنوان كان يعكس مضمون الفيلم نفسه، لدرجة أنه لو عُرض ضمن مسابقة الأفلام لكان حقق نجاحاً نقدياً أكبر مما حققه كفيلم افتتاح.

مثال آخر على فشل الاختيارات يكمن في «النسخة الأخيرة» (The Final Cut)، فيلم فرنسي من إخراج ميشيل هزانافيشيوس (2022). قبل عامين، قدمت المخرجة والممثلة مايوَن فيلماً تاريخياً فضفاضاً بعنوان «جان دو باري» (Jeanne du Barry)، وقتها هُوجم الفيلم من قِبل النقاد وأثيرت التساؤلات نفسها حول سبب اختياره، في حين يُفترض أن يكون فيلم الافتتاح متميزاً في كل عناصره: فناً، وبصريات، ومضامين.

«بلاك ليستد»

الممثلة ديمي مور خلال افتتاح وعرض فيلم «القبلة الكهربائية» في «كان» (أ.ف.ب)

إلى جانب بداية منخفضة لمهرجان حافل بالأفلام المنتظرة والمخرجين المثيرين للاهتمام، هناك قضايا أخرى مهمة. بدايةً، يحمل ملصق الدورة الحالية صورة من فيلم «ثيلما ولويز» (Thelma & Louise) إنتاج وإخراج ريدلي سكوت (1991)، وبطولة سوزان ساراندون وجينا ديفيز. هو فيلم نسوي عن امرأتين تطمحان إلى الحرية من مجتمع ذكوري، بعد قتلهما رجلاً حاول اغتصاب ثيلما (ديفيز)، تهربان من المدينة إلى رحاب أميركا المفتوحة بكل أبعادها. يُقارن هذا الفيلم بمثل «أريد حلاً» لسعيد مرزوق (1975)، و«أحلام هند وكاميليا» لمحمد خان (1988).

ما يهم هنا هو أن اختياره جاء وسط عاصفة مُثارة ضد قرارات خفية تمنع سوزان ساراندون من العمل منذ إعلانها تأييدها لفلسطين في تظاهرة نيويوركية قبل عامين. أشار إلى ذلك عضو لجنة التحكيم، كاتب السيناريو البريطاني بول لافرتي، الذي قال إنه من المعيب أن تضع هوليوود سوزان ساراندون، والإسباني خافيير باردم على قائمتها السوداء بسبب موقفهما السياسي، مضيفاً: «احترامي وتضامني المطلق لهما. إنهما الأفضل بيننا وأتمنى لهما حظاً طيباً».

جين فوندا وبارك تشان - ووك وديمي مور وآي هايدارا في افتتاح وعرض فيلم «القبلة الكهربائية» (رويترز)

بدوره، أدلى رئيس لجنة التحكيم، المخرج الكوري بارك تشان-ووك، برأيه بالنسبة لمسألة أثارها المخرج الألماني فيم فيندرز في الدورة الأخيرة من مهرجان «برلين»، عندما ترأس لجنة تحكيمها. آنذاك صرَّح فندرز بأنه يجب الفصل بين السينما والسياسة، تبع تصريحه انتقادات بأنه وفريقه يحاولون التهرب من مسؤوليات دأب المهرجان الألماني على تحمُّلها في هذا المنوال؛ إذ كان دوماً شاشة تعرض الآراء المختلفة والمناوئة حتى من قبل انهيار المنظومة الشيوعية في أوروبا.

بالنسبة لبارك تشان-ووك، لا يجب الفصل بين الفن والسياسة، وقال: «إنه مفهوم غريب أن نعتقد أن هناك تضارباً بينهما فقط لأن عملاً فنياً يملك وجهة نظر سياسية».

أيَّدته عضو لجنة التحكيم، الممثلة ديمي مور، قائلة: «جانب من الفن هو التعبير؛ لذا إذا بدأنا بمراقبة أنفسنا، فسنغلق جوهر إبداعنا، حيث يمكن اكتشاف حقائق وإجابات».

أناييس ديموستييه خلال حفل الافتتاح والعرض الأول لفيلم «القبلة الكهربائية» في مهرجان «كان» 79 (أ.ب)

أكملت حديثها بالتطرّق إلى الذكاء الاصطناعي، داعية إلى حماية الفن منه، بعد أن ظهرت في فيلم يعتمد على مفهوم الذكاء الاصطناعي بعنوان «المادة» (The Substance). هذا يأتي بعد إعلان المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، أن المهرجان لن يقبل أي فيلم لا يُحقِّقه بشر.

هوليوود المتمنعة

المواقف السياسية ليست بالكلمات وحدها، ففي الوقت الذي ما زالت غزة المحاصرة تدفع فاتورة حياة أبنائها ضد العدوان الإسرائيلي، يعرض المخرج راكان مياسي فيلمه حول القضية بعنوان «يوم أمس العين لم تنم» (Yesterday the Eye Didn’t Sleep) ضمن مسابقة «نظرة ما».

لا يوجد فيلم عن الحرب في الخليج، لكن هناك سينمائيين إيرانيين مشاركين في تظاهرات المهرجان، يتقدمهم أصغر فرهادي الذي سيعرض فيلمه الجديد «حكايات متوازية» (Histoires Parallèles) ضمن المسابقة، وهو دراما حول كاتبة روائية (إيزابل أوبير) تتجسَّس على جيرانها لاستلهام أحداث روايتها المقبلة، وليس فيلماً سياسياً.

المخرج الإيراني أصغر فرهادي مع إيزابل أوبير خلال تصوير «حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)

على ذلك، لن ينجُ فرهادي من أسئلة الصحافيين خلال المؤتمر الصحافي بعد عرض الفيلم، عن رأيه في العدوان الإيراني على دول الخليج. موقفه حرج؛ كونه، على عكس جعفر بناهي أو محمد رسولوف، محسوب على الحكومة وليس ضدها.

وضعُ كل ما سبق في مربَّع واحد قد يجيب عن سؤال سبب تمنُّع هوليوود إرسال أفلامها إلى هذا المهرجان في هذا العام تحديداً.

معارضة «كان» للذكاء الاصطناعي

أحد الأسباب هو موقف المهرجان من الذكاء الاصطناعي، إذ تأخر التعامل معه حتى تسلَّلت تكنولوجيا الأدمغة غير البشرية إلى شرايين الصناعة في أكثر من ميدان. رغم وجود فيلمين أميركيين ضمن الإطار الرسمي: «نمر من ورق» (Armageddon Time) لجيمس غراي، و«الرجل الذي أحب» (The Man Who Loved) لإيرا ساكس، إلا أنهما ليسا من أفلام الاستوديوهات الكبيرة، وفق «هوليوود ريبورتر».

كما قال تييري فريمو وكان مصيباً: «عندما يكون اشتراك الاستوديوهات قليلاً، فإن الاشتراك الأميركي منخفض. نقطة على السطر».

هناك أيضاً العامل الاقتصادي؛ إذ إن تحريك الاستوديوهات جيوشها من النجوم نحو المهرجان سيكون مكلفاً جداً، من السفر، إلى الإقامة، وفواتير المتطلبات الأخرى.

أما الناحية السياسية، فليست السبب الرئيسي هذا العام، إذ إن الدعوة للحد من رقابة هوليوود على آراء فنانيها، خصوصاً حول دعم فلسطين، ربما تكون سبباً مضافاً في السنوات المقبلة، لكنها ليست السبب الراهن؛ كون الدعوة وُجِّهت بعد قرارات هوليوود بعدم المشاركة.