قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج
TT

قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج

انتهى عملي في السّاعة الحادية عشرة والنّصف ليلاً. كنت أنظر من الشّباك الكبير إلى شارع كدزي العريض، أراقب بين الحين والحين هطول الثّلج، فلأوّل مرّة أراه ينزل نديفاً متناهي الصّغر، كرأس دبوس، ثم أكبر، وأكبر حتى يصل في بعض الأحيان إلى حجم الحمّصة، وأحياناً البندقة الصّغيرة من غير مبالغة. لا شكّ أن تلك النّدفة التي تبدأ متناهية الضآلة تصطدم بغيرها، تتجمّع مع بعضها، ثم تعاود النّزول، فتزداد في الحجم، حتى تصبح كتلة كبيرة تفاجئ من يراها، ثم أنظر إلى الأرض التي اختفى إسفلتها الأسود، واكتست طبقة من البياض، لكنّي لم أراقب ارتفاعها، ولم يخطر لي أنّ تكاثفها سيكلّفني ذلك التعب الشّديد، بعدئذ. لم أتصوّر بأي حال أنّ ارتفاع الثّلج سيصل إلى سبعين سنتمتراً في نحو ثماني ساعات، مفاجأة لا تصدّق. مقرّ العمل دافئ، مريح، يغري المرء بعدم التفكير بالجو المكفهّر في الخارج. فوجئت قبل أن أخرج بنشرة الأخبار، تذكر أن مستوى الحرارة هبط تحت الصفر المئوي بـ15 درجة. أوّل شيء واجهته ما إن خرجت من باب المقرّ، هو ارتفاع الثّلج الهائل، تردّدت قبل أن أغامر بمدّ رجلي. أنا مصاب بكسر في قدمي اليسرى، منذ عهد طويل، لكنّ الألم يظهر عندما أخوض بالماء البارد، فكيف بها وهي تغطس بهذا الثّلج؟ لم يكن من الأمر بدّ، غامرت، أنزلت قدمي، إن تأثّرتْ فسيظهر ذلك بعد ساعات، لأنّ الثّلج لا يخترق «البسطال» الثّخين، ولا جوارب الصّوف حالاً. هناك ملح كثيف بنفسجي رمته شاحنات البلديّة في وسط شارع كدزي. عليّ أن أكون حذراً وإلا سقطت وكسرت إحدى عظامي. وصلت التل الأبيض الذي كان قبل ثماني ساعات سيارتي. لا أستطيع أن أزيل الثّلج المتلّل فوقها، بكفيّ، نسيت أن أرتدي قفّازي، خشيت أن تعود آلام الروماتيزم في كفي اليمنى، فتمنعني من النّوم، ولا سيما وإنّي لم أفكّر بالحصول على حبّات الدّواء قبل هذا اليوم. كنت أؤجل شراءها دائماً. لذلك رجعت إلى مقرّ العمل، بحثت عن شيء أزيل به الثّلج من فوق سيارتي وجوانبها. وجدت لحسن الحظّ، قطعة خشب بعرض نصف قدم، وطول قدمين. فرحت جداً، اعتبرت نفسي محظوظاً. فكّرت أن أشغل السّيارة قبل أن أزيل الثّلج، سأتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. تدفئة جوّها أولّا، وإحماء الماكنة الضّروري لعملية التشغيل ثانياً، أدرت مفتاح التحريك. السّيارة وشوشت، عطست، ثم توقّفت. انتظرت ثانيتين، ثم شغلته ثانية، فعطست عطستين، ثم وشوشت وسكتت. عندئذ انتظرت دقيقة كاملة، وشغّلته ثالثة فعطست بضع عطسات، ثم سكتتْ، ثم توقّفت عن العطاس، ماتت مرّة واحدة. ما العمل في هذا الليل السّاكن، الشّارع خالٍ، الزّمهرير شديد، إن بقيت هنا تجمّدت ومتّ مثل سيارتي. سيعثرون عليّ غداً تمثالاً بائساً جامداً من الجليد، لا حسّ ولا نفس؟ يصعدون إلى القمر لكنّهم ينسون واقعهم، لا يخترعون جهازاً بسيطاً يوضع في السّيارة يتوقّع المشاكل قبل حدوثها؟ لكن لماذا أعلّق أخطائي على شمّاعة الغير؟ أنا متخلّف، أعيش في أميركا ولا أقتني هاتفاً نقالاً، لأسباب أتفه من التفاهة نفسها. لماذا؟ لأني لا أحبّ من يسوق وهو يتكلّم، لا أحبّ من يتكلّم وهو جالس في الحافلة أو القطار، كأنّي مسؤول عن تصرّف الخلق. أخذت أفكّر أين أجد أقرب محطة وقود؟ أين؟ أين؟ هه، لقيتها. على مسافة نصف ميل، على كدزي ووسترن. لكن هل أستطيع ترك السّيارة في الشّارع؟ بخاصة بعد الثانية عشرة ليلاً؟ بعد هذا الوقت تنتشر شاحنات تسحب ما يبقى في الشّوارع من سيّارات كالقطط الجائعة تبحث عن ضحاياها، تصطاد السيّارات كما تصطاد القطط الفئران. ستسحب سيّارتي وأغرّم ثلثي ما أتلقاه في أسبوع كامل. إذن عليّ أن أركض قبل فوات الوقت لأتصل بشركة التصليح، ولعل سائق الشّركة يحنّ عليّ فيوصلني إلى أقرب نقطة مترو، الحافلات في هذه المنطقة تتوقّف بعد منتصف الليل، لا يبقى سوى المترو، وإلّا فلا سبيل آخر للرّجوع إلى البيت، فأنجو من قسوة الصّقيع وأنعم بالدّفء. لا أستطيع أن أركض على الرّصيف، والثّلج بمثل هذا الارتفاع الخياليّ. عليّ أن استعمل الشّارع، الشّارع زلق بوجود الثّلج، لكن لا بدّ مما ليس له بدّ. أنا مضطر، لا سبيل لغير ذلك. الحمد لله وصلت. عندي خمس عشرة دقيقة إلى منتصف الليل. كافية للاتّصال. وضعت وأنا ألهث نصف دولار في الهاتف العموميّ، في محطة تعبئة الوقود، جاءني صوت التسجيل الأنثوي: «إن كنت تعرف القسم التي تريده، اضغط على رقمه، وإن لم تعرفه، وتتكلّم الإنجليزيّة فاضغط على الرّقم واحد، وأن كنت تتكلّم الإسبانيّة فـ…». نقرت على الرّقم واحد. إن كانت السّيارة تحتاج إلى سمكرة، فاضغط على الرّقم واحد، أما إذا كان العطل ميكانيكيّاً، فاضغط على الرّقم 2». فعلت كما قالت. استمرت: إن كانت تستعمل «الدّيزل» فاضغط على الرّقم 1. وإن كانت تستعمل «الكاز» فاضغط على الرّقم 2. ضغطت على 2… انتهى نصف الدّولار. وضعت ثلاثة أرباع الدّولار وهو كلّ ما عندي من عملة معدنيّة، كي لا ينقطع الصّوت مرّة أخرى. كنت أنقر الأرقام وعيني على الطّريق. لا أستطيع رؤية سيارتي بالطّبع، لكنّ المنطقة مشبوهة، تكثر فيها الحوادث. قد أقتل ولا يفاجأ «العصابجي» حينما لا يجد في محفظتي سوى 20 دولاراً فقط. الثّلج يداعب سيارتي باستمرار، وكأنه يلعب معها، يتكدّس فوقها غير آبه لمأساتي، وسيارات الملح وحدها سيدة الموقف، تنثر الملح البنفسجي على الشّارع من دون انقطاع. أخيراً بلغ الصّوت النّقطة التي انقطع منها: «إن كانت السّيّارة شاحنة كبيرة فاضغط على 1، وإن كانت شاحنة عاديّة فاضغط على 2، وإن كانت سيّارة عائليّة ذات دفع رباعي فاضغط على الرّقم 3. وإن كانت السّيّارة صغيرة فاضغط على 4…». ضغطت على الرّقم 4. انتهت الفلوس، هرعت في سرعة إلى داخل المحطة. فتح عينيه هندي شيخ ذو لحية مصبوغة بحنّة باهتة، تساءل: ماذا تريد؟
طلبت منه «فكّة» معدنيّة لخمسة دولارات. سأضعها كلّها في معدة التلفون الجهنميّة التي لا تشبع قط، تذكّرت الآية القرآنيّة: «.. هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». لعنت التلفونات ومن اخترعها. تحرّك الشيخ في بطء، وأخذ يعدّ ما عنده، وأنا أهدئ أعصابي، عنده أربعة دولارات خردة فقط. هتفت: هات، أسرعْ.
أخذت القطع المعدنيّة وركضت، وقفت قرب التلفون، وضعتها كلّها في جوف الجهاز، بدأت أضغط على النّتوءات، وأنا أتلهف لسماع الصّوت، فإذا بأصوات هائلة تسيطر على سكون الشّوارع الخالية، فتعلّقت عيناي على جهة الصّوت، فإذ هي سيارات السّحب تهزّ الكون بحركاتها المجلجلة، تندفع في جنون. اتجهت واحدة شمالاً نحو شارع لورنس، اتجهت الأخرى غرباً نحو شارع كاليفورنيا. تنفست نفساً عميقاً بارتياح، حمداً للمصادفات، سيارتي في الجنوب. ثم جاءت المصيبة أسرع من لمح البصر، لاحت شاحنة سحب ثالثة، اتجهت نحو شارع كدزي، حيث ترقد سيارتي ميتة بلا حراك. تركت سماعة التلفون، وهي تصيح «اضغط..».. ركضت، فلعلي أصل إليها قبل أن ترى سيارتي وتسحبها. ركضت، ركضت، ركضت. خارت قواي، أخذت أمشي متعباً وأنا ألهث، ثم توقّفتُ، لا فائدة، رأيت سيارتي بعد بضع دقائق، يجلّلها الثّلج الأبيض، والهواء ينثره في الأعلى وعلى الجانبين، وهي مثبتة فوق ظهر شاحنة السّحب.
- روائي وقاص عراقي



«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
TT

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

أثار إعلان نشرته مدرّبة رياضية عن دورات لتعليم الرقص بضوابط «شرعية» جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بين مؤيّدين للفكرة لِما توفّره من خصوصية، ومعترضين يرون في إقحام الضوابط الشرعية في مثل هذه الأنشطة استخداماً للدين في غير موضعه.

ودعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية». ولاقت الدعوة انتشاراً لافتاً لما انطوت عليه من طرافة ومفارقة، بينما نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات للمدرّبة وأجرت معها لقاءات شرحت خلالها فكرتها ورؤيتها لتعليم الرقص في بيئة تراعي خصوصية المحجّبات والملتزمات دينياً، مع إجراء مقابلات للمتدرّبات للتحقّق من التزامهن.

وأكّدت منشورات الصفحة التي تروّج لهذه الدورات منع الموسيقى الصاخبة والملابس المكشوفة، وتوفير بيئة آمنة لتعلّم الرقص وممارسته في المنزل بخصوصية.

وتعزو الطبيبة النفسية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة يمنى أبو النصر، الجدل الذي أثارته الدعوة إلى رغبة المحجّبات في المجتمعات المغلقة في المشاركة باحتفالات، مثل «ليلة الحنّة» وغيرها من المناسبات المقتصرة على النساء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المبدأ نفسه غير مرفوض بوصفه عرفاً اجتماعياً، لكن الغريب والجديد هو أن يُعلَن هذا على الملأ، وأن يُزَجّ باسم الدين والشرع في مثل هذه الدعوات لكسب جمهور أو جذب مشاركات من أوساط تتّسم بقلّة العلم والتعليم».

وتشير يمنى أبو النصر إلى وجود أنشطة كثيرة مخصّصة للمحجّبات والمتديّنات، مثل ارتداء ملابس السباحة المحتشمة، لكنها ترفض توظيف الدين والشرع للترويج لهذه الأنشطة، عادَّةً ذلك نوعاً من الافتئات على الشرع.

وتقول: «لا يجوز استخدام الشرع والدين في الترويج لأمور بغرض حصد مكاسب، ومن يستخدم الدين سلعةً فهو خاسر، تماماً مثل مَن يروّجون لفكرة (المقهى الإسلامي)، أو القنوات التي تظهر فيها سيدات بكامل زينتهن (بمكياج كامل) ويتحدّثن في الدين، وهي مظاهر لا تستقطب إلا الجهلة».

ولا تعيب يمنى أبو النصر على صاحبة الدعوة اختيار هذا النشاط، موضحةً: «هي حرّة في اختيار المجال الذي تراه مناسباً للعمل وكسب الرزق، لكن القول إن هذا المجال بضوابط شرعية هو المرفوض، لما فيه من استخدام وتجرّؤ على الشرع والدين، وهو أمر لا يليق، فالدين ليس تجارة».

جانب من منشورات التدريب على الرقص (فيسبوك)

وعن الانتشار السريع لمثل هذه الدعوات والإعلانات المثيرة للجدل، يقول خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي محمد فتحي إن «الجدل حول دورة للرقص الشرقي بضوابط شرعية نموذج واضح لكيفية صناعة التفاعل على المنصات، عبر الجمع بين فكرتين متناقضتين في نظر الجمهور. فالمحتوى لا يثير الاهتمام بموضوعه فحسب، بل بالمفارقة التي يحملها العنوان، وتدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والانقسام بين مؤيّد ومعارض».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في اقتصاد الانتباه الرقمي، قد تكون الفكرة المثيرة للجدل أقدر على الانتشار من المحتوى التقليدي؛ لأن الخلاف يضاعف التفاعل، وقد يدفع التفاعل بدوره الخوارزميات إلى توسيع نطاق الوصول. لكن من المهم التمييز بين الانتشار والنجاح؛ فارتفاع المشاهدات والتعليقات لا يعني بالضرورة اقتناع الجمهور بالفكرة أو قبولها مجتمعياً».

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «وسائل التواصل الاجتماعي باتت تطرح في الآونة الأخيرة أفكاراً غير مألوفة وغير مقبولة، لم نكن نتخيّل أن تُطرح يوماً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول البعض اختبار إمكان فرض أفكاره، ويبقى الحكم عليها مرهوناً بنتائج التجربة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بتدخّل الجهات الدينية المخوّلة شرعاً تقييم مثل هذه الأفكار، وتحديد مدى قبولها وملاءمتها للمجتمع».


وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
TT

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)
هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

15 عاماً على رحيل وليد غلمية ولا تزال موسيقاه تستحضر قضايا الهوية، والانتماء، والذاكرة، وفي صميمها مشروع بحثه عن صوت عربي في التأليف السمفوني. من قصر سرسق البيروتي، أعادت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بعضاً من مؤلَّفاته إلى آذان الجمهور، فشكَّلت الأمسية مناسبة لتكريمه، وإعادة اكتشاف أعمال كُتبت في زمن آخر، وقراءتها برؤية موسيقية جديدة.

الحفل الذي نظَّمه المعهد الوطني العالي للموسيقى، برئاسة المؤلِّفة هبة القواس التي تعمل على تنشيط حضوره الفنّي، وتوسيع برامجه، افتتح الموسم الموسيقي 2026 - 2027، وأطلق «عام وليد غلمية»، تحيةً إلى المؤلِّف الذي ترك لمسته في تطوير الكونسرفتوار، وتأسيس الأوركسترات الوطنية اللبنانية. وتحت قيادة المايسترو هاروت فازليان، عزفت الأوركسترا الحركة الثالثة «حرّية» من السمفونية الرابعة «الشهيد»، والسمفونية السادسة «الفجر» بحركاتها الأربع.

هبة القواس غنّت لغلمية واستعادت بالصوت ألفة السنوات (الشرق الأوسط)

رسم حضور فازليان الملامح الفنّية للأمسية. ففي الأعمال الأوركسترالية، تبقى للنوتة سُلطتها، لكنّ المساحة التي يتحرّك فيها القائد تُتيح قراءات مختلفة للمؤلَّف الواحد، فحمل هذا الأداء شيئاً من شخصيته الموسيقية، بإضفائه على بعض العبارات كثافة تعبيرية، وكشفه عن تفاصيل أغنت القراءة، وعمَّقت أثرها.

وقبل بدء العزف، قدَّم المايسترو شرحاً للمقطوعة، مُستحضراً صوراً ومعانيَ حرّكت الخيال، ومهَّدت لتلقّي الموسيقى. وجاءت الموسيقى برؤيته وقيادته لتمنح تلك الصوَر أبعاداً أخرى، وتقود المُستمع عبر تحوّلات العمل بين القوة والهدوء، فأظهرت ما يستطيع قائد الأوركسترا إضافته إلى المؤلَّفات من عمق، وتعبير. واستعاد فازليان في كلمته فضل غلمية في عودته من الاغتراب، متحدّثاً بامتنان عن الرجل الذي كان وراء تلك العودة قبل عقود، والذي لا تزال مؤلَّفاته تُرافقه إلى المسارح خارج لبنان. وهنا التقى مع هبة القواس في الوفاء لصاحب الأمسية، والاعتراف بجَميله.

15 عاماً لم تُطفئ صوت السمفونيات (الشرق الأوسط)

ترتبط موسيقى المُكرَّم بمشروع عمل عليه سنوات، ساعياً إلى الجمع بين التقاليد السمفونية الغربية والموروث الموسيقي العربي. ومن مرجعيون، حمل وليد غلمية بدايات معرفته بألحان الجنوب، ثم أغنى تجربته بالموسيقى البيزنطية، والألحان العربية، مستفيداً من هذه المصادر في سمفونياته الستّ. وتستند حركة «حرّية» إلى النغمات الخمس الأولى من لحن شعبي عراقي، فيما تتنقّل سمفونية «الفجر» بحركاتها الأربع بين أجواء من الشجن والرجاء. ومن هذا الجَمْع بين الموروث والتأليف السمفوني، تبلورت خصوصية مشروعه الموسيقي، بما فيه من خيارات فنّية، وطموح في التأليف.

ومع ذلك تبقى القيمة الفنّية لهذه المؤلَّفات مرتبطة بما تُقدّمه للأذن، بعيداً عن المعاني التي تقترحها عناوينها. فالموسيقى تقول أحياناً أكثر مما تقوله الحكايات المُرتبطة بها، وتترك لكلّ مستمع أن يجد فيها ما يُلامسه. بذلك تبرز أهمية إعادة تقديم وليد غلمية ضمن برامج موسيقية مُنتظِمة، تتيح التعرُّف إلى أعماله، ومقاربتها نقدياً، خارج إطار الذكرى والاحتفاء.

الآلات تعرف طريقها... والمايسترو يعرف منعطفاتها (الشرق الأوسط)

وأضفى قصر سرسق بعمارته وتاريخه أجواءً مختلفة على الأمسية. فالظلال المتدلّية على جدرانه وتفاصيله المعمارية منحتا الحاضرين متعة بصرية موازية للموسيقى، وكان جميلاً أن تنتقل العين بين الألوان، والوجوه، والآلات، وتجتمع العمارة والموسيقى في مشهد واحد، لكلّ منهما لغته، وسحره.

ثم ألقت هبة القواس كلمة عن غلمية، تحدَّثت فيها بعاطفة عكست علاقة إنسانية وفنّية جمعتهما، وأعلنت خلالها إطلاق جائزة موسيقية تحمل اسمه. ولاحقاً غنَّت له، مستعيدةً بصوتها جانباً من تلك العلاقة، وقد أضفى أداؤها على التكريم دفئاً، وخصوصية، فهي مؤلِّفة، ومغنّية تعرف عالم غلمية الموسيقي من قرب. وبدت في الغناء أكثر قدرةً على التعبير عن مشاعرها، بعيداً عن الكلمات التي ازدحمت بها مداخلتها، خصوصاً أنّ الكلمة طالت أكثر ممّا ينبغي، فأبطأت إيقاع الأمسية، وقد أمكن اختصارها من دون أن تفقد شيئاً من عاطفتها، أو صدقها.

وكان مؤثّراً أن تتولّى الأوركسترا التي أسهم غلمية في تأسيسها عزف مؤلَّفاته بعد 15 عاماً على رحيله. فالرجل الذي أمضى جانباً كبيراً من حياته في بناء حضور للموسيقى السمفونية في لبنان، تستعيده اليوم مؤسّسة تحمل كثيراً من جهده. ومع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها.

15 عاماً فصلت وليد غلمية عن هذه الأمسية، لكنّ الزمن لم يكن وحده ما يفصل المؤلِّف عن موسيقاه. هناك دائماً احتمالات للتأويل بين ما أراد قوله وما تسمعه الأجيال اللاحقة، ومنها تولد معانٍ جديدة للعمل الفنّي، وربما أيضاً أسباب بقائه.


«يقهقه بصوت عالٍ»... كاميلا تكشف عن الكتب المفضلة لدى الملك تشارلز

الملك البريطاني تشارلز يقف إلى جانب زوجته كاميلا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يقف إلى جانب زوجته كاميلا (رويترز)
TT

«يقهقه بصوت عالٍ»... كاميلا تكشف عن الكتب المفضلة لدى الملك تشارلز

الملك البريطاني تشارلز يقف إلى جانب زوجته كاميلا (رويترز)
الملك البريطاني تشارلز يقف إلى جانب زوجته كاميلا (رويترز)

كشفت الملكة البريطانية كاميلا عن شغف زوجها الملك تشارلز بقراءة السير الذاتية، مشيرة إلى أنه ينفجر أحياناً في نوبات من الضحك أثناء قراءتهما معاً قبل العشاء، ما يتسبب في تشتيت انتباهها ويمنعها من العودة إلى الاندماج في كتابها.

وتحدثت كاميلا عن عاداتها وعادات زوجها في القراءة خلال مشاركتها في برنامج «الكتاب الذي غيّر حياتي» (The Book That Changed My Life)، الذي سيُبث الأسبوع المقبل على قناة «بي بي سي»، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ووصفت الملكة البريطانية القراءة بأنها «أفضل منشّط في العالم»، متحدثة عن الوقت الذي تخصصه مع زوجها لمطالعة الكتب.

وقالت: «في الواقع، أقرأ أنا وزوجي قبل العشاء؛ فنحن نحب الجلوس بهدوء والقراءة».

وأوضحت أن الملك تشارلز يعشق السير الذاتية، مضيفة: «أحياناً، حين أكون منغمسة تماماً في قراءة كتاب ما، أسمعه يقهقه بصوت عالٍ بسبب أمر ما؛ وهذا أمر يشتت انتباهي للغاية، إذ لا أستطيع العودة للاندماج في كتابي مجدداً».

ووصفت كاميلا تلك اللحظات بأنها «وقت هادئ وممتع»، مؤكدة أنها ترى في اختفاء الكتب نهائياً «مأساة حقيقية بكل ما للكلمة من معنى».

وسلطت الملكة الضوء على قدرة القراءة على إحداث تحولات جذرية في حياة الأفراد، من خلال لقاء جمعها بأربعة أشخاص غيّر الأدب مسار حياتهم.

وشمل اللقاء سائق شاحنة ثقيلة، وسجيناً سابقاً، وصاحب مقهى على جانب الطريق، ورجلاً عانى من الاكتئاب عقب حادثة وقعت في منزله.

وفي رسالة قُرئت خلال عرض خاص للصحافة، وصفت كاميلا اللقاء بأنه ««أحد أكثر لقاءات نوادي القراءة غير الاعتيادية التي حضرتها على الإطلاق».

وتطرقت الملكة أيضاً إلى بدايات شغفها بالكتب، مستعيدة ذكرياتها مع القراءة، ومقارنة حبها لها بشغف زوجها ووالدها الراحل.

وقالت: «لقد تركتُ المدرسة في سن مبكرة للغاية... ولذا أعتقد أن القراءة شكّلت الجزء الأكبر من تعليمي».

وأضافت: «لا بد أننا كنا صغاراً جداً حين بدأ والدي يقرأ لنا؛ وأعتقد أن ذلك هو مصدر حبي للقراءة».