استراتيجية ترمب في أفغانستان تثلج صدور الجمهوريين

الديمقراطيون يعتبرون الخطة «غامضة من دون تفاصيل» وتراجعاً عن وعوده الانتخابية

استراتيجية ترمب في أفغانستان تثلج صدور الجمهوريين
TT

استراتيجية ترمب في أفغانستان تثلج صدور الجمهوريين

استراتيجية ترمب في أفغانستان تثلج صدور الجمهوريين

أثار إعلان الرئيس الأميركي استراتيجيته في أفغانستان ردود أفعال إيجابية واسعة داخل وخارج الولايات المتحدة، واستطاع الرئيس دونالد ترمب كسب تأييد واسع من أبرز صقور الحزب الجمهوري والمشرعين في الكونغرس، لخططه في زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، وتضييق الخناق على الجماعات الإرهابية، ومنعها من اتخاذ ملاذات آمنة.
وأثنى صقور الحزب الجمهوري على عدم الإفصاح عن خطة زمنية للخروج الأميركي من أفغانستان، أو توقيتات الهجوم.
وجاء خطاب ترمب بعد مناقشات استمرت شهوراً في أروقة الإدارة الأميركية، حول مستقبل الدور الأميركي في أفغانستان، حيث حققت حركة طالبان مكاسب على الأرض. وكان ترمب قد أشار مرارا خلال حملته الانتخابية إلى أن الحرب في أفغانستان مكلفة للغاية في الأموال والأرواح. وأشار في حملته إلى ضرورة الخروج من أفغانستان.
ونشر مايك بنس نائب الرئيس الأميركي مقالا بجريدة «يو إس إيه توداي» صباح أمس الثلاثاء، أكد فيه أن استراتيجية ترمب الجديدة ستنجح فيما فشلت فيه الإدارات الأميركية السابقة، وأنها ستتيح للقوات الأميركية أن تستهدف مباشرة الإرهابيين والشبكات المتشددة التي تزرع العنف والفوضى في أفغانستان.
وأكد بنس أن هدف أميركا في أفغانستان هو عدم فرض الديمقراطية، أو فرض حكومة مركزية تتنافى مع تقاليد أفغانستان المتمثلة في الحكم الذاتي المحلي، وشدد على ضرورة أن تقوم الحكومة الأفغانية بمكافحة الفساد والإصلاحات، وتعزيز قواتها الأمنية.
وأشاد السيناتور الجمهوري جون ماكين، رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، بالاستراتيجية الجديدة، مشيرا إلى أن الرئيس ترمب انتقل إلى ما هو أبعد من استراتيجية الإدارة السابقة الفاشلة، المتمثلة في تأجيل الهزيمة. وأثنى ماكين على عدم إعلان ترمب توقيتات الهجوم. وقال: «من الأهمية ألا تعطي الاستراتيجية المعلنة جدولا زمنيا للانسحاب، بل تتضمن أن أي قرار لتقليل التزامنا في المستقبل سوف يستند على الظروف على الأرض».
وأضاف ماكين في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»: «إن الرئيس ترمب لديه الشجاعة الأخلاقية والذكاء للاستماع إلى الجنرالات العسكريين، وأنا فخور بذلك».
وأشاد بول رايان، رئيس مجلس النواب، أيضا بعدم إعلان جدول زمني للوجود الأميركي في أفغانستان، وقال في مؤتمر صحافي: «إذا اعتقد الأعداء أن لدينا موعدا نهائيا، فإنهم سينتظرون ثم يعودون لملء هذا الفراغ بالإرهاب».
وأشاد السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية، بخطة الرئيس؛ لكنه شكك في الجزء الخاص بالحكم الأفغاني في الاستراتيجية، وقال: «هناك أسئلة جوهرية حول قدرة أفغانستان على توفير حكم مستقر لشبعها».
وأشاد كل من السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والسيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ، باستراتيجية ترمب، وأكدا على دعمهما للخطة.
وقال السيناتور الجمهوري توم كوتون، إن ترمب ألقى خطابا قويا، وشدد: «لا يمكن السماح لأفغانستان بالعودة إلى أيدي الإرهابيين الإسلاميين؛ لأنهم سيستخدمونها لشن مزيد من الهجمات ضدنا».
أما النائب الجمهوري ماك ثورنبيري، رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب، فقال: «إنني أؤيد الرئيس ترمب في تجديد التزام أميركا بالدفاع عن مصالحنا في أفغانستان، وقد وضع خطة حول المتطلبات اللازمة للفوز والتحديات، ويدرك التعقيدات التي تكتنف المهمة، ويزود قواتنا بالموارد التي يحتاجونها لتحقيق النجاح». وأضاف ثورنبيري: «لقد حان الوقت للكونغرس كي يكثف جهوده، ويقدم التمويل الكافي، وفي الوقت المناسب لهذه المهمة».
من جانب آخر، اعتبر بعض المشرعين الديمقراطيين خطة ترمب غير واضحة، وتمثل تراجعا عن وعوده الانتخابية بإنهاء الحرب في أفغانستان. وقال السيناتور الديمقراطي جاك ريد، بلجنة الخدمات المسلحة، إن الاستراتيجية «غامضة جدا، ولا توفر تفاصيل تستحق القوات والشعب الأميركي أن يعرفها». وقالت نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب، إن «استراتيجية الرئيس تقدم القليل من التفاصيل، وتثير تساؤلات خطيرة، حينما يقول إنه لن يكون هناك سقف لعدد القوات، ولا جدول زمني للانسحاب، فهو بذلك يأخذ التزاما مفتوحا دون مساءلة من الشعب الأميركي».
من جانبه رحب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس شتولتنبرغ بالاستراتيجية الجديدة، مؤكدا التزام حلف الناتو بالعمل مع مسؤولي الإدارة الأميركية ووزير الدفاع جيمس ماتيس، لمنع الإرهابيين من إيجاد ملاذات آمنة في أفغانستان. وأشار إلى أن 15 دولة في الحلف تعهدت بإرسال مزيد من القوات، حيث ينتشر 12 ألف جندي من قوات الناتو في أفغانستان.
وقد أعلن الرئيس الأميركي، مساء أول من أمس الاثنين، استراتيجيته التي أشار فيها إلى خضوعه لمقترحات كبار مسؤولي الأمن الوطني وكبار القادة العسكريين، بإرسال الآلاف من القوات الأميركية إلى أفغانستان، في الحرب المستمرة منذ 16 عاما، والتي تعد أطول الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة.
ولم يوضح ترمب تفاصيل استراتيجيته؛ لكنه أشار فيها إلى زيادة عدد القوات الأميركية، دون الإفصاح عن خطط الأنشطة العسكرية الأميركية في المستقبل. وأوضح للحكومة الأفغانية أنه لن يفرض عليها اتخاذ توجهات ديمقراطية غربية، وأبدى التزامه بمواصلة تدريب القوات الأفغانية؛ لكنه حذر من أن هذا الالتزام ليس صكا مفتوحا، وطالب الحكومة الأفغانية بتحمل نصيبها من العبء العسكري والسياسي.
وأقر ترمب بتغير موقفه من أفغانستان، وقال في خطابه إن غريزته الأساسية هي سحب القوات الأميركية؛ لكن القرارات تختلف عند الجلوس وراء المكتب البيضاوي. وأشار إلى أنه قام بدراسة الوضع في أفغانستان من كل الزوايا، وبعد عدة اجتماعات وصل إلى ثلاثة استنتاجات أساسية حول المصالح الأساسية للولايات المتحدة في أفغانستان: الأول هو التوصل إلى نتيجة دائمة ومشرفة تستحق التضحيات الهائلة؛ لكنه لم يوضح ماهية هذه النتيجة.
وأشار ترمب إلى أن الاستنتاج الثاني هو أن عواقب الخروج السريع غير مقبولة، وأن الانسحاب المتسرع سيخلق فراغا يملأه الإرهابيون، بما في ذلك «داعش» و«القاعدة»، كما حدث قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). والاستنتاج الثالث هو التهديدات الأمنية التي تواجهها الولايات المتحدة في أفغانستان وفي المنطقة، مشيرا إلى وجود 20 منظمة إرهابية في أفغانستان، وأن هذه التهديدات جعلت الاستراتيجية الأميركية تركز على عدم تكرار الخطأ الذي ارتكبته الإدارة السابقة بالانسحاب السريع من العراق، مما فتح المجال أمام ظهور «داعش» وتصاعد نفوذها.
وقال ترمب في خطابه للعسكريين، في قاعدة «فورت ماير» في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، إن موقفه الجديد «يهدف للحيلولة دون تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للمتشددين الإسلاميين، الذين يستهدفون مهاجمة الولايات المتحدة»، مضيفا أن «هؤلاء يجب أن يعرفوا أنه ليس هناك مكان يختبئون فيه، وليس هناك مكان لا تصل إليه الأسلحة الأميركية».
وشدد الرئيس ترمب على أن القوات الأميركية ستقاتل لتنتصر؛ لكنه لم يحدد جدولا زمنيا للمدة التي ستبقى فيها القوات الأميركية في أفغانستان. وأوضح أن استراتيجيته تهدف إلى تحقيق انتصار دائم؛ مشيرا إلى أنه يتفهم شعور الشعب الأميركي بالإحباط من الحرب في أفغانستان. وأشار ترمب إلى أنه لن يكشف عن خطط أميركا، وأن أحد الركائز الأساسية لاستراتيجيته الجديدة هو التحول من النهج القائم على عامل الوقت إلى النهج القائم على عامل الظروف. وقال: «أميركا لن تعلن مسبقا عما تنوي البدء فيه، أو متى تنهي العمليات العسكرية، ولن نتحدث عن خططنا للقيام بأنشطة عسكرية، وأعداء أميركا لن يعرفوا خططنا، لن نقول لهم متى سنهاجم، لكننا سنهاجم».
ولم يحدد ترمب عدد الجنود الأميركيين الذين سيتم إرسالهم؛ لكن تعمل وزارة الدفاع الأميركية بخطط لإرسال أربعة آلاف جندي إلى جانب 8400 جندي أميركي موجودين حاليا في أفغانستان.
وتقوم معظم القوات الأميركية بمهام تدريب للجيش الأفغاني وإسداء المشورة، وبعض مهام مكافحة الإرهاب. وقد بلغ عدد القوات الأميركية في أفغانستان 100 ألف جندي، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما سحبهم في عامي 2010 و2011.
وأشارت مصادر إلى أن الجنرال ماكماستر، مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي، قد ساعد في وضع خطة زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان. ويملك كل من الجنرال جيمس ماتيس وزير الدفاع والجنرال ماكماستر، خبرة طويلة في العمل مع القوات الأميركية في أفغانستان. وكان كل من ماتيس وماكماستر من الأصوات المطالبة بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، مقابل فريق كبير الاستراتيجيين السابق ستيف بانون الذي كان يعارض إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى أفغانستان. ويعد المحللون هذا النهج الجديد لإدارة ترمب انتصارا لوزير الدفاع ماتيس ومستشار الأمن القومي ماكماستر، اللذين يحثان ترمب منذ عدة أشهر على اتخاذ خطوات أكثر حزما؛ لمحاربة الجماعات الإرهابية في أفغانستان.
وأعلن ترمب رفع القيود التي وضعتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما حول قواعد الاشتباك، بما يسمح للقادة العسكريين باتخاذ قرارات سريعة واستهداف الشبكات الإرهابية. وأوضح أن إدارته ستعمل على دمج الجهود الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، من أجل هزيمة الإرهاب.
واتخذ ترمب نهجا أميركيا حازما تجاه باكستان؛ محذرا من تخفيض المساعدات الأمنية لباكستان، ما لم تتعاون الحكومة الباكستانية بشكل أكبر في منع المتشددين من استخدام أراضيها كملاذات آمنة. وقال: «لا يمكن أن نسكت بعد الآن على وجود ملاذات باكستان الآمنة للمنظمات الإرهابية وحركة طالبان، وغيرها من الجماعات التي تشكل تهديدا للمنطقة، وباكستان لديها الكثير لتكسبه من الشراكة مع جهودنا في أفغانستان، ولديها الكثير لتخسره بمواصلة إيواء الإرهابيين». كما طالب ترمب الهند بتقديم مساعدة خاصة في مجال التعاون والتنمية الاقتصادية.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.