العمر وانعكاساته في الأدب... عربياً وعالمياً

بعد أن تمدد ربيع الإنسان على حساب خريفه

الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
TT

العمر وانعكاساته في الأدب... عربياً وعالمياً

الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف
الروائي الياباني كواباتا - نجيب محفوظ - أنطون تشيخوف

حسب إحصاء الأمم المتحدة، ارتفع متوسط أعمار البشر في الفترة بين 1950 و2010 من 46 عاماً إلى 68. وتتوقع المنظمة الدولية أن يرتفع معدل الأعمار بنهاية هذا القرن إلى 81 عاماً. الإحصاء العالمي يشمل بالطبع دول الفقر والحرب التي تدهور فيها المعدل عن معدلات عام 1950، بينما تسجل الإحصاءات الوطنية لدول الرفاه الآن متوسطات تتخطى ما تتوقع الأمم المتحدة بلوغه في نهاية القرن الحادي والعشرين.
بدا هذا التغير تحدياً اجتماعياً وسياسياً، يحتم إيجاد سياسات جديدة في التشغيل وتقدير سن التقاعد، لصالح البشر أنفسهم، ولتلافي انهيار مؤسسات الضمان الاجتماعي التي خططت ميزانياتها في زمن سابق، على أساس أنها ستتولى الإنفاق على المتقاعد وقتاً أقل مما يعيشه حالياً!
راودت البعض أحلام بإمكانية ممارسة مهنتين في عمره المديد، وأفسحت البطولات الرياضية مكاناً للكبار، مثلما رأينا في بطولة EMAC لألعاب القوى بالدنمارك في يوليو (تموز) الماضي، التي شارك بها مسنون في التسعين من العمر، ثم تبعتها بطولة المجر في السباحة التي تضمنت مسابقة للمسنين فوق الثمانين، وشارك فيها المصري عصام ناصر (86 سنة).

- أدب العمر الطويل
الفن والأدب استجابا من جهتهما للتغيرات الجديدة؛ الكثير من الأفلام كرست للحب في الفترة التي كانت موصوفة بـ«أرذل العمر» ولم يعد المسن محل شفقة أو تنكيل في الروايات، وسيصبح تلقي الفن والأدب الكلاسيكيين مختلفاً. القارئ صاحب الحس الفكاهي سيستقبلهما بالابتسام، وقد صرنا نفعل ذلك حقيقة عند مشاهدة الأفلام الدرامية المصرية، التي صار استقبالها كوميدياً في ظل تطور مفاهيم ومستويات الشر!
في مجال الكتابة، تضع التغييرات العمرية الجديدة على المحك عدداً كبيراً من الكتب التي لاقت رواجاً حول الأزمات المرتبطة بالسن، خصوصاً تلك المعروفة بـ«أزمة منتصف العمر» وهي في الأساس تتعلق بالخوف من الشيخوخة ومساءلة الذات عما أنجزت وما لم تنجز، ويتوقعها علم النفس بين الخامسة والثلاثين والخمسين من العمر. هذه الكتب التي لا تكف المطابع عن إنتاجها يمكن أن تقوم بتحريك فترة المنتصف في طبعاتها التالية، لكن الذي سيبقى على حاله هو الإشارة إلى العمر والموقف منه في الأدب الكلاسيكي.
منذ سنوات، وقبل أن تصبح مناقشة زيادة معدلات الأعمار ضرورة عملية تتعلق بالاقتصاد والمجتمع، كنت أقرأ عبارة «عجوز في الخمسين» وأثرها في نفسي، خصوصاً عندما بدأت الزحف الإجباري نحو الخمسين. كانت تصيبني بقليل من الخوف، وأقف منها على الحافة، بين التصديق، وبين اعتبارها تراثاً من زمن انقضى، عندما كانت صعوبات المناخ تأكل فيه الأعمار، خصوصاً في أوروبا، التي لم يسلم من الموت المبكر بالربو فيها عدد من أهم الكتاب حتى بدايات القرن العشرين.
الدهشة الكبرى، ستظل تترصد قراء «لوليتا» كيف يصف همبرت همبرت السيدة هيز بأنها «في العقد الثالث، في عشية الخريف من عمرها». امرأة بين العشرين والثلاثين في خريف عمرها؟! لا بأس، هي رؤية منحرف مدمن على عشق القاصرات، وهو نفسه، كان في الثامنة والثلاثين عندما التقى بمسز هيز وطفلتها لوليتا، ولا يمكننا الاطمئنان لأحكام همبرت المنحرف، مثلما لا يمكننا أن نثق بأندراش في عشقه للناضجات برواية «في مديح النساء الأكبر سناً»، ليس لأن الحرب شوهت المراهق المجري فحسب؛ بل لأن ستيفن فيزينشي كتبه بصنعة لا تذكرنا إلا بتصنع القصص المهيجة في كتب الإيروتيكية العربية، وافتعال أناييس نن في «مثلث فينوس».

- مع الأسوياء... أفضل جداً
العبقري تشيخوف، روسي آخر وسوي، ومع ذلك كان من أكثر الكتاب الممسوسين بالعمر. في قصة «القبلة» وهي واحدة من قصصه العصية على النسيان، يتلقى ضباط فرقة مدفعية تعسكر في قرية دعوة من وجيه محلي لتناول الشاي في منزله، يصفه تشيخوف بأنه «شيخ بهي، في نحو الستين» ويصف زوجته بالعجوز.
ولا يكتفي الكاتب الحنون بوضع من هم دون الستين في فئة الشيوخ، بل يجعلهم مستسلمين لواقع الاقتراب من الموت، بلا أمل في الحب، ولا أشواق لأجسادهم؛ ففي منزل «فون - رابيك» سيتلقى أكثر الضباط خجلاً «النقيب ريابوفتش» قبلة هي الأولى في حياته من امرأة لم يعرفها في ظلام غرفة دخلها بالخطأ، وستصبح هذه القبلة وصاحبتها هاجسه الدائم، يحاول أن يخمن صاحبتها من بين الحاضرات من نساء البيت «وفكر وهو يطوف بوجوه النساء: ولكن من هي؟ ينبغي أن تكون شابة، لأن العجائز لا يذهبن إلى المواعيد الغرامية».
كاواباتا، يرسل العجائز، لكن من الرجال، إلى المواعيد الغرامية، من أجل التنكيل بهم، لا إمتاعهم. في «الجميلات النائمات» الرواية التي ستعيش طويلاً، يذهب «العجوز إيغوشي» إلى بيت مخصص للرجال الذين لا يثيرون المشكلات. يستلقي بالقرب من مراهقة منومة، لن تشعر بوجوده أبداً، ويتساءل الراوي «أيكون مجيء إيغوشي إلى هنا اكتشافاً لهول الشيخوخة المطلق؟». لنتذكر أن إيغوشي ذهب إلى البيت ذاك احتفالاً بعيد ميلاده السابع والستين، أي بعد سنتين فقط من مغادرة سن الشباب حسب تصنيف لا نعرف مدى صحته!
يفعل كاواباتا هذا بإيغوشي في بلد يضم أكبر نسبة في العالم للمعمرين الذين يتخطون المائة، لكن هذا التنكيل، لا تمكن مقارنته بالتقليد الياباني الذي خلده في رواية أخرى من رواياته، حيث يحمل الابن الأكبر والده المسن على ظهره ويتركه على قمة الجبل، ويقفل هابطاً لا ينظر وراءه! الآن تُكفِّر اليابان عن تراثها الحزين باحتفال «يوم احترام الكبير» في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول).

- خالدون في الشباب
من حسن حظ الأدب العربي أنه ليس ممسوساً بالسن كغيره من الآداب، على الرغم من صيحة السأم التي أطلقها مبكراً زهير بن أبي سلمى: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش / ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم. ربما لأنه أدب فحولة لا يعترف بالضعف ولا يتوقف أمامه.
الأمر يستحق الدرس، فهذا التجاهل للشيخوخة لا يخص الشعر وحده. في كتابنا السردي المؤسس «ألف ليلة» نرى الملكات في سن الإنجاب، والنساء معظمهن في سن الحب، تظهر العجوز نادراً في أدوار السحر والقوادة، أي في صورة أخرى من صور القوة والسيطرة، بينما لا تتوقف «الليالي» كثيراً أمام عمر الرجال، نعرف أعمارهم على وجه التقريب في القصة التي نرى فيها الجد والأب والحفيد. وليس هناك من عمر يتوقف فيه السلطان عن طلب الزواج. قد يمرض، كما في حكاية الملك يونان والحكيم دوبان، وقد يموت ليفسح السرد مكاناً للملك الجديد، لكن الموت يأتي خبراً عابراً، لا يسبقه وهن ولا يصحبه نحيب.
لا مكان للوهن في الليالي، النص المنذور للرواية الشفاهية، قبل أن يسجنه التدوين، لم يكن يحتمل إلا المتعة والوعد بمزيد من المتعة، كلما توغل الليل واقترب المستمعون من النوم. غير أن هذا الإمساك بالجمهور لا يكفي سبباً لتجاهل الشيخوخة في الأدب العربي الممسوس بالقوة؛ قوة السلطة، التي تجلب القوة البدنية، وتجر في إثرها الفحولة.
ولم يتنكر أدبنا الحديث لهذا النزوع للفحولة. في ثلاثية نجيب محفوظ، لا يبدو السيد أحمد عبد الجواد وأصدقاؤه مكترثين للسن. ينقطع عن سهراته المترعة بالمتعة بسبب استشهاد ابنه فهمي في ثورة 1919، لكنه يعود بعد خمس سنوات ليستأنف ما كان، ويظل يتنقل بين الغانيات، يستبدل الصغرى بالكبرى، دون أن تكف الكبريات عن التطلع إلى استعادة الزمن المفقود، لا يمنعهن إلا الأنانية الذكورية والقسوة المفرطة لأصدقائهن القدامى، ولا يوقفه إلا تكاتف الأمراض ضده. وحتى عند الولوغ في أرذل العمر، يفقد الناس القدرة الجسدية، ولحسن الحظ يفقدون معها القدرة على الاحتشام! لا تذهب أم مجدوب إلى لقاءات غرامية في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» لكنها لم تستسلم للزمن وتتصرف بالوقار الذي يسبغه تشيخوف على عجائزه، بل تحكي ذكرياتها الحميمة مع أزواجها في ملأ من الناس، تمنح مستمعيها البهجة، وتعيد تدوير بهجتها الخاصة.
هل يكمن السر في «العود الأبدي»؟ في الفرق بين الزمن الخطي الغربي وزمان الشرق الدائري، الذي يعيق تقدمنا، بما في ذلك التقدم في العمر؟



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.