انتهاء الحرب في بنغازي يفتح شهية رجال الأعمال لإعادة إعمارها

منافسة بين مستثمرين ليبيين وعرب وأوروبيين... والكلفة بمليارات الدولارات

TT

انتهاء الحرب في بنغازي يفتح شهية رجال الأعمال لإعادة إعمارها

شقة الطابق الثالث شبه مدمرة بفعل قذيفة. شقة الطابق الثاني يغطي جدرانها السواد نتيجة حريق. أما الطابق الأرضي فيعاني تجويفاً في أماكن مختلفة بسبب كثرة القذائف التي انفجرت فيه. وعن يمين هذا المبنى وعن يساره، توجد سلسلة طويلة من بقايا المتاجر والشقق والشوارع التي خربها الاقتتال المستعر بين الخصوم الليبيين.
هنا شارع المحكمة في بنغازي الذي شهد مواجهات عنيفة بين قوات الجيش الوطني ومئات المسلحين طوال العامين الماضيين. واليوم بعدما وضعت الحرب أوزارها، بدأ جيش من رجال الأعمال يعاين الأنقاض للبدء في إعادة إعمار ثاني أكبر المدن الليبية، حيث تقدر كلفة الاستثمارات المتوقعة في هذا المجال بعشرات المليارات من الدولارات.
وبمجرد إعلان قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، نجاح قواته في تحرير المدينة من الإرهابيين، بدأت تظهر اجتماعات لرجال أعمال ليبيين وعرب وأجانب، لاقتناص عقود للمشاركة في إعادة إعمار بنغازي. وبينما يعمل رجال الهندسة العسكرية على تطهير أحياء بأكملها من الألغام والمفخخات، عقد مستثمرون طامحون اجتماعات في عواصم ومدن في مصر والأردن والإمارات وتركيا، إضافة إلى بلدان أوروبية أيضاً. ويقول رجل الأعمال الليبي، حسني بي، لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج الأمر إلى ضوابط وتحديد دور القطاع الخاص ودور الدولة فيما يخص إعادة الإعمار».
وفي بنغازي قام خليط من مسؤولي شركات عربية بجولة في جنوب شرقي المدينة، حيث لحقت أضرار جسيمة بمبان صناعية عدة خلال حروب متنوعة بدأت منذ عام 2011 وانتهت قبل شهرين عندما انتهت قوات الجيش من تحرير بنغازي. ويقول ناصر عبد الله، وهو رجل مقاولات مصري كان ضمن الوفد، لـ«الشرق الأوسط»: «نبحث في خطة لإعادة بناء خمسة مصانع، منها مصنع إسمنت رئيسي في ليبيا». وظهرت ثقوب كبيرة وتصدعات في معدات وجدران مبنى المصنع الذي اتخذه مسلحون مناوئون لحفتر، مقراً حصيناً لهم خلال معارك ضاحية الهواري على مدى أكثر من سنة.
وتسعى وفود من دول أوروبية أيضاً إلى الحصول على عقود إصلاح وتجديد الآلات وشبكات التقنية الداخلية. وكان هناك وفد روماني وآخر إسباني وثالث ألماني ضمن الوفود التي تفقدت بنغازي بحثاً عن عقود للمساهمة في إعادة إعمارها.
ويؤكد صالح بوخريص، الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بنغازي، لـ«الشرق الأوسط»، أن أنظار الكثير من الشركات الدولية بدأت تلتفت إلى بنغازي وإلى فرص إعادة الإعمار فيها. ويشغل بوخريص كذلك عضوية الاتحاد العام لغرف التجارة في ليبيا، وهو نائب سابق لرئيس الغرفة الاقتصادية الليبية - المصرية. وفي الطريق إلى منزل بوخريص في بنغازي، كانت القوالب الإسمنتية، وركام المباني المنهارة، والسيارات المحترقة، من مخلفات الحرب، ما زالت تعرقل المرور في بعض الشوارع.
ولا يخفي مستثمرون محليون ليبيون مخاوفهم من أن يتمكن العرب والأجانب من الاستحواذ على غالبية أعمال إعادة الإعمار. فهناك ثلاث شركات مصرية، على الأقل، زارت بنغازي في الأسابيع الأخيرة، وتسعى إلى الحصول على حق رصف وتجديد الشوارع والأرصفة والمباني في ميدان المحكمة، وفي شارع النصر، وفي مجمع مصنع الأعلاف. ويقول المقاول المصري عبد الله: «لا يمكن أن نعمل بمفردنا. معنا شركاء ليبيون. نحن والليبيون نواجه منافسة من الشركات الكبيرة، وبخاصة تلك القادمة من أوروبا».
ويبدو أن المنافسة الأوروبية قوية. ويربط بعض الليبيين بين السياسة والاقتصاد في هذا الأمر. ويذهب بعضهم إلى أن طموحات الإيطاليين والفرنسيين والألمان وغيرهم في اقتناص فرص إعادة الإعمار، بدأت منذ شرع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مساعدة الانتفاضة الليبية في 2011؛ إذ كانت طائرات الـ«ناتو» تقصف المباني والمرافق بالقنابل، وفي الوقت ذاته كان هناك من ينتظر انتهاء الحرب لكي يستثمر في إعادة البناء.
ويقول بوخريص: «أعطانا الأوروبيون الأسلحة حتى نتقاتل، وندمر البيوت ونقصف الشوارع والمدن. وهم يعلمون جيداً أن إعادة الإعمار ستكون لهم فيها نصيب». وهناك من يرى أن هذا الربط مبالغ فيه، لكن بوخريص يقول إن «الأموال الليبية موجودة أصلاً لدى الأوروبيين... لقد وضع الغرب يده على الأموال الليبية، نتيجة قرارات الأمم المتحدة بتجميدها، ولن يفرج عنها، وهي بالمليارات، إلا لصالح شركات إعادة الإعمار الأوروبية، وليس العربية».
ومن بين عشرات الشركات الليبية والمصرية والخليجية التي تسعى إلى الحصول على نصيب في مشروعات الإعمار في ليبيا، وبخاصة في بنغازي، عقب طرد الجماعات المسلحة منها، هناك رجال أعمال يُزعم أنهم قطريون يحاولون الدخول على الخط، رغم الاتهامات التي تواجهها الدوحة بدعم الإرهاب. ويقول بوخريص: «إن شاء الله لن يكون لقطر دور في العالم العربي، وليس في إعادة إعمار ليبيا فقط».
وعلى كل حال، يبقى هناك سؤال يدور في الأذهان عن مصدر الأموال التي ستتم بها إعادة بناء ما خربته الحرب في عموم ليبيا، وطريقة العمل في المشرعات المتوقفة منذ عام 2011. ويرى رجل الأعمال حسني بي، أن بلاده ليس لديها أموال حتى تدخل في مشروعات إعادة الإعمار، مشيراً إلى أنه لا توجد نقود لإعادة إعمار حتى بنغازي، وليس كل ليبيا. ويقول: «لا توجد أموال، وبالتالي إعادة الإعمار ينبغي أن تكون من خلال شركات خاصة، مع اكتفاء الدولة فقط بالتخطيط وتقنين الأوضاع».
ويقول المقاول عبد الله: «أعتقد أن بنغازي تتسع لأعمال كبيرة قد تستمر لأكثر من عشر سنوات. هناك مشروعات كثيرة تعرضت للتدمير بشكل كامل. مراكز تجارية ومصانع، وغيرها، وهناك مشروعات كانت قيد الإنشاء وتوقفت مع اندلاع الانتفاضة في 2011، وهذه وحدها تحتاج إلى ألوف العمال وعدة مليارات لاستكمالها».
ووفقاً لدراسات محلية قام بها مشروع «ليبيا الغد» الذي كان يرأسه سيف الإسلام نجل القذافي، فقد كانت ليبيا قبل انتفاضة 17 فبراير (شباط) 2011 تسعى إلى أن تتحول إلى واحد من أكبر المراكز التنموية والاستثمارية في شمال أفريقيا. ويوضح بوخريص: «ليبيا، قبل فبراير، كانت في تحوّل وتنمية منقطعة النظير، منذ عام 2009، وكان يفترض أن نكون في 2015 في عالم آخر، لو سارت الأمور كما كان مقرراً».
وكانت خطة التنمية قبل سقوط نظام القذافي تتضمن بناء وتحديث 18 مطاراً، من بينها تحديث مطار طرابلس الدولي بما قيمته مليارا دولار، ومطار بنينا في بنغازي بما قيمته أكثر من مليار دولار. وتنص الخطة القديمة أيضاً على بناء نحو نصف مليون وحدة سكنية، حيث كان قد جرى إنجاز نحو 50 في المائة منها، على أيدي شركات دولية (بينها شركات صينية وتركية ومصرية). وعلى الطريق الدولي الواصل إلى شرق بنغازي يمكن رؤية ألوف الشقق السكنية التي توقف بناؤها منذ عام 2011 وتعرف باسم «المشروع الصيني».
ويقول المقاول عبد الله: «بطبيعة الحال لا أحد يفكر في أن يدخل على خط الشركات التي كان لديها مشروعات وتوقفت بسبب أحداث فبراير. هذه الشركات ستعود لاستئناف تعاقداتها القديمة... نحن نسعى إلى العمل في مشروعات جديدة. أعني إعادة الإعمار من جانب، واستحداث مراكز صناعية وتجارية وطبية وتعليمية، من جانب آخر، بما في ذلك الدخول في مشروعات لرصف الطرق».
كانت معظم شبكة الطرق الليبية، القديمة والمتهالكة، تحت الإنشاء والتطوير. وعلى الطريق الصحراوية الجنوبية التي تربط طبرق ببنغازي، بطول نحو خمسمائة كيلومتر، توجد وصلات لتوسيع الطريق كان قد جرى البدء فيها على يد شركات مصرية وتركية، لكن لم يتم استكمالها بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام القذافي. وفي مدينة طبرق نفسها ما زالت هناك شوارع رئيسية محفورة وفي انتظار استكمال العمل فيها منذ ست سنوات، منها شارع الثورة.
وهناك شركات أجنبية كانت تعمل في مشروعات في ليبيا، تعرضت مواقعها ومخازنها ومعداتها للتدمير والنهب، وبخاصة تلك التي كانت قد تعاقدت، قبل 2011، على إقامة منطقة حرة ضخمة أمام بحر بنغازي، على مساحة نحو 2500 فدان، تشمل الميناء والمطار والبنوك وغيرها. ويقول بوخريص: «هذه المنطقة كان مخططاً لها أن تكون منطقة عبور تجاري من أوروبا لأفريقيا». ويضيف: «قبل أحداث فبراير كان التفكير في تحديث البنية التحتية القديمة المتهالكة، وإنشاء بنية تحتية حديثة... واليوم بنغازي تحتاج إلى إعادة بناء كامل، وبخاصة للمدينة القديمة التي يوجد فيها ضواحي الصابري وسوق الحوت، وتضم المباني القديمة التي تعود لأيام وجود الإيطاليين والأتراك هنا. إعادة إعمار بنغازي تحتاج إلى أموال ضخمة».
وتعد بنغازي أكثر تضرراً من العاصمة طرابلس. فالضرر الذي لحق بطرابلس كان معظمه من خلال قصف حلف «الناتو» خلال عام 2011، حيث استهدفت تحديداً مقرات عسكرية من دون أن يطال المناطق السكنية. لكن بعض المرافق في طرابلس تعرض لاحقاً للتخريب خلال صراع الميليشيات على العاصمة، ولا سيما المطار الدولي.
ومن المدن الليبية الأخرى التي تتجه إليها أنظار المستثمرين لاقتناص عقود إعادة الإعمار، مدينة درنة التي تقع في أقصى الشرق الليبي، وهي أول مدينة ظهر فيها تنظيم داعش في أواخر عام 2014، قبل أن ينتقل إلى مدينة سرت. وتعد سرت هي الأخرى من المدن التي تغري المستثمرين المحليين والعرب والأجانب، بسبب الدمار الذي لحق بها طوال حروب عدة. ويقول بوخريص: «سرت (مسقط رأس القذافي) واجهت ثلاثة حروب. حرب الناتو حين كان القذافي متواجداً فيها، حتى آخر يوم في حياته. ثم حرب ميليشيات مصراتة للسيطرة على هذه المدينة، ثم الحرب ضد الدواعش».
من جانبه، يقول حسني بي إن «القطاع الخاص يمكن أن يشرع في أعمال إعادة الإعمار في بنغازي، وغيرها من المدن، وذلك بمشاركة المستثمر الأجنبي، لكن بشرط أن يأتي هذا المستثمر الأجنبي بأمواله معه... لا نريد أن يأتي مستثمر أجنبي ليأخذ أموالاً من البنوك الليبية للاستثمار بها في مشروعات إعادة الإعمار. هذا لن يكون مقبولاً. فالدولة ليس لديها أموال».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.