انتهاء الحرب في بنغازي يفتح شهية رجال الأعمال لإعادة إعمارها

منافسة بين مستثمرين ليبيين وعرب وأوروبيين... والكلفة بمليارات الدولارات

TT

انتهاء الحرب في بنغازي يفتح شهية رجال الأعمال لإعادة إعمارها

شقة الطابق الثالث شبه مدمرة بفعل قذيفة. شقة الطابق الثاني يغطي جدرانها السواد نتيجة حريق. أما الطابق الأرضي فيعاني تجويفاً في أماكن مختلفة بسبب كثرة القذائف التي انفجرت فيه. وعن يمين هذا المبنى وعن يساره، توجد سلسلة طويلة من بقايا المتاجر والشقق والشوارع التي خربها الاقتتال المستعر بين الخصوم الليبيين.
هنا شارع المحكمة في بنغازي الذي شهد مواجهات عنيفة بين قوات الجيش الوطني ومئات المسلحين طوال العامين الماضيين. واليوم بعدما وضعت الحرب أوزارها، بدأ جيش من رجال الأعمال يعاين الأنقاض للبدء في إعادة إعمار ثاني أكبر المدن الليبية، حيث تقدر كلفة الاستثمارات المتوقعة في هذا المجال بعشرات المليارات من الدولارات.
وبمجرد إعلان قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، نجاح قواته في تحرير المدينة من الإرهابيين، بدأت تظهر اجتماعات لرجال أعمال ليبيين وعرب وأجانب، لاقتناص عقود للمشاركة في إعادة إعمار بنغازي. وبينما يعمل رجال الهندسة العسكرية على تطهير أحياء بأكملها من الألغام والمفخخات، عقد مستثمرون طامحون اجتماعات في عواصم ومدن في مصر والأردن والإمارات وتركيا، إضافة إلى بلدان أوروبية أيضاً. ويقول رجل الأعمال الليبي، حسني بي، لـ«الشرق الأوسط»: «يحتاج الأمر إلى ضوابط وتحديد دور القطاع الخاص ودور الدولة فيما يخص إعادة الإعمار».
وفي بنغازي قام خليط من مسؤولي شركات عربية بجولة في جنوب شرقي المدينة، حيث لحقت أضرار جسيمة بمبان صناعية عدة خلال حروب متنوعة بدأت منذ عام 2011 وانتهت قبل شهرين عندما انتهت قوات الجيش من تحرير بنغازي. ويقول ناصر عبد الله، وهو رجل مقاولات مصري كان ضمن الوفد، لـ«الشرق الأوسط»: «نبحث في خطة لإعادة بناء خمسة مصانع، منها مصنع إسمنت رئيسي في ليبيا». وظهرت ثقوب كبيرة وتصدعات في معدات وجدران مبنى المصنع الذي اتخذه مسلحون مناوئون لحفتر، مقراً حصيناً لهم خلال معارك ضاحية الهواري على مدى أكثر من سنة.
وتسعى وفود من دول أوروبية أيضاً إلى الحصول على عقود إصلاح وتجديد الآلات وشبكات التقنية الداخلية. وكان هناك وفد روماني وآخر إسباني وثالث ألماني ضمن الوفود التي تفقدت بنغازي بحثاً عن عقود للمساهمة في إعادة إعمارها.
ويؤكد صالح بوخريص، الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة والزراعة في بنغازي، لـ«الشرق الأوسط»، أن أنظار الكثير من الشركات الدولية بدأت تلتفت إلى بنغازي وإلى فرص إعادة الإعمار فيها. ويشغل بوخريص كذلك عضوية الاتحاد العام لغرف التجارة في ليبيا، وهو نائب سابق لرئيس الغرفة الاقتصادية الليبية - المصرية. وفي الطريق إلى منزل بوخريص في بنغازي، كانت القوالب الإسمنتية، وركام المباني المنهارة، والسيارات المحترقة، من مخلفات الحرب، ما زالت تعرقل المرور في بعض الشوارع.
ولا يخفي مستثمرون محليون ليبيون مخاوفهم من أن يتمكن العرب والأجانب من الاستحواذ على غالبية أعمال إعادة الإعمار. فهناك ثلاث شركات مصرية، على الأقل، زارت بنغازي في الأسابيع الأخيرة، وتسعى إلى الحصول على حق رصف وتجديد الشوارع والأرصفة والمباني في ميدان المحكمة، وفي شارع النصر، وفي مجمع مصنع الأعلاف. ويقول المقاول المصري عبد الله: «لا يمكن أن نعمل بمفردنا. معنا شركاء ليبيون. نحن والليبيون نواجه منافسة من الشركات الكبيرة، وبخاصة تلك القادمة من أوروبا».
ويبدو أن المنافسة الأوروبية قوية. ويربط بعض الليبيين بين السياسة والاقتصاد في هذا الأمر. ويذهب بعضهم إلى أن طموحات الإيطاليين والفرنسيين والألمان وغيرهم في اقتناص فرص إعادة الإعمار، بدأت منذ شرع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مساعدة الانتفاضة الليبية في 2011؛ إذ كانت طائرات الـ«ناتو» تقصف المباني والمرافق بالقنابل، وفي الوقت ذاته كان هناك من ينتظر انتهاء الحرب لكي يستثمر في إعادة البناء.
ويقول بوخريص: «أعطانا الأوروبيون الأسلحة حتى نتقاتل، وندمر البيوت ونقصف الشوارع والمدن. وهم يعلمون جيداً أن إعادة الإعمار ستكون لهم فيها نصيب». وهناك من يرى أن هذا الربط مبالغ فيه، لكن بوخريص يقول إن «الأموال الليبية موجودة أصلاً لدى الأوروبيين... لقد وضع الغرب يده على الأموال الليبية، نتيجة قرارات الأمم المتحدة بتجميدها، ولن يفرج عنها، وهي بالمليارات، إلا لصالح شركات إعادة الإعمار الأوروبية، وليس العربية».
ومن بين عشرات الشركات الليبية والمصرية والخليجية التي تسعى إلى الحصول على نصيب في مشروعات الإعمار في ليبيا، وبخاصة في بنغازي، عقب طرد الجماعات المسلحة منها، هناك رجال أعمال يُزعم أنهم قطريون يحاولون الدخول على الخط، رغم الاتهامات التي تواجهها الدوحة بدعم الإرهاب. ويقول بوخريص: «إن شاء الله لن يكون لقطر دور في العالم العربي، وليس في إعادة إعمار ليبيا فقط».
وعلى كل حال، يبقى هناك سؤال يدور في الأذهان عن مصدر الأموال التي ستتم بها إعادة بناء ما خربته الحرب في عموم ليبيا، وطريقة العمل في المشرعات المتوقفة منذ عام 2011. ويرى رجل الأعمال حسني بي، أن بلاده ليس لديها أموال حتى تدخل في مشروعات إعادة الإعمار، مشيراً إلى أنه لا توجد نقود لإعادة إعمار حتى بنغازي، وليس كل ليبيا. ويقول: «لا توجد أموال، وبالتالي إعادة الإعمار ينبغي أن تكون من خلال شركات خاصة، مع اكتفاء الدولة فقط بالتخطيط وتقنين الأوضاع».
ويقول المقاول عبد الله: «أعتقد أن بنغازي تتسع لأعمال كبيرة قد تستمر لأكثر من عشر سنوات. هناك مشروعات كثيرة تعرضت للتدمير بشكل كامل. مراكز تجارية ومصانع، وغيرها، وهناك مشروعات كانت قيد الإنشاء وتوقفت مع اندلاع الانتفاضة في 2011، وهذه وحدها تحتاج إلى ألوف العمال وعدة مليارات لاستكمالها».
ووفقاً لدراسات محلية قام بها مشروع «ليبيا الغد» الذي كان يرأسه سيف الإسلام نجل القذافي، فقد كانت ليبيا قبل انتفاضة 17 فبراير (شباط) 2011 تسعى إلى أن تتحول إلى واحد من أكبر المراكز التنموية والاستثمارية في شمال أفريقيا. ويوضح بوخريص: «ليبيا، قبل فبراير، كانت في تحوّل وتنمية منقطعة النظير، منذ عام 2009، وكان يفترض أن نكون في 2015 في عالم آخر، لو سارت الأمور كما كان مقرراً».
وكانت خطة التنمية قبل سقوط نظام القذافي تتضمن بناء وتحديث 18 مطاراً، من بينها تحديث مطار طرابلس الدولي بما قيمته مليارا دولار، ومطار بنينا في بنغازي بما قيمته أكثر من مليار دولار. وتنص الخطة القديمة أيضاً على بناء نحو نصف مليون وحدة سكنية، حيث كان قد جرى إنجاز نحو 50 في المائة منها، على أيدي شركات دولية (بينها شركات صينية وتركية ومصرية). وعلى الطريق الدولي الواصل إلى شرق بنغازي يمكن رؤية ألوف الشقق السكنية التي توقف بناؤها منذ عام 2011 وتعرف باسم «المشروع الصيني».
ويقول المقاول عبد الله: «بطبيعة الحال لا أحد يفكر في أن يدخل على خط الشركات التي كان لديها مشروعات وتوقفت بسبب أحداث فبراير. هذه الشركات ستعود لاستئناف تعاقداتها القديمة... نحن نسعى إلى العمل في مشروعات جديدة. أعني إعادة الإعمار من جانب، واستحداث مراكز صناعية وتجارية وطبية وتعليمية، من جانب آخر، بما في ذلك الدخول في مشروعات لرصف الطرق».
كانت معظم شبكة الطرق الليبية، القديمة والمتهالكة، تحت الإنشاء والتطوير. وعلى الطريق الصحراوية الجنوبية التي تربط طبرق ببنغازي، بطول نحو خمسمائة كيلومتر، توجد وصلات لتوسيع الطريق كان قد جرى البدء فيها على يد شركات مصرية وتركية، لكن لم يتم استكمالها بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام القذافي. وفي مدينة طبرق نفسها ما زالت هناك شوارع رئيسية محفورة وفي انتظار استكمال العمل فيها منذ ست سنوات، منها شارع الثورة.
وهناك شركات أجنبية كانت تعمل في مشروعات في ليبيا، تعرضت مواقعها ومخازنها ومعداتها للتدمير والنهب، وبخاصة تلك التي كانت قد تعاقدت، قبل 2011، على إقامة منطقة حرة ضخمة أمام بحر بنغازي، على مساحة نحو 2500 فدان، تشمل الميناء والمطار والبنوك وغيرها. ويقول بوخريص: «هذه المنطقة كان مخططاً لها أن تكون منطقة عبور تجاري من أوروبا لأفريقيا». ويضيف: «قبل أحداث فبراير كان التفكير في تحديث البنية التحتية القديمة المتهالكة، وإنشاء بنية تحتية حديثة... واليوم بنغازي تحتاج إلى إعادة بناء كامل، وبخاصة للمدينة القديمة التي يوجد فيها ضواحي الصابري وسوق الحوت، وتضم المباني القديمة التي تعود لأيام وجود الإيطاليين والأتراك هنا. إعادة إعمار بنغازي تحتاج إلى أموال ضخمة».
وتعد بنغازي أكثر تضرراً من العاصمة طرابلس. فالضرر الذي لحق بطرابلس كان معظمه من خلال قصف حلف «الناتو» خلال عام 2011، حيث استهدفت تحديداً مقرات عسكرية من دون أن يطال المناطق السكنية. لكن بعض المرافق في طرابلس تعرض لاحقاً للتخريب خلال صراع الميليشيات على العاصمة، ولا سيما المطار الدولي.
ومن المدن الليبية الأخرى التي تتجه إليها أنظار المستثمرين لاقتناص عقود إعادة الإعمار، مدينة درنة التي تقع في أقصى الشرق الليبي، وهي أول مدينة ظهر فيها تنظيم داعش في أواخر عام 2014، قبل أن ينتقل إلى مدينة سرت. وتعد سرت هي الأخرى من المدن التي تغري المستثمرين المحليين والعرب والأجانب، بسبب الدمار الذي لحق بها طوال حروب عدة. ويقول بوخريص: «سرت (مسقط رأس القذافي) واجهت ثلاثة حروب. حرب الناتو حين كان القذافي متواجداً فيها، حتى آخر يوم في حياته. ثم حرب ميليشيات مصراتة للسيطرة على هذه المدينة، ثم الحرب ضد الدواعش».
من جانبه، يقول حسني بي إن «القطاع الخاص يمكن أن يشرع في أعمال إعادة الإعمار في بنغازي، وغيرها من المدن، وذلك بمشاركة المستثمر الأجنبي، لكن بشرط أن يأتي هذا المستثمر الأجنبي بأمواله معه... لا نريد أن يأتي مستثمر أجنبي ليأخذ أموالاً من البنوك الليبية للاستثمار بها في مشروعات إعادة الإعمار. هذا لن يكون مقبولاً. فالدولة ليس لديها أموال».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».