أويحيى «رجل المهام» في الجزائر

النظام يقرّبه ويبعده بحسب المتغيّرات وجدل حول فرص بلوغه «المنصب الكبير»

أويحيى «رجل المهام» في الجزائر
TT

أويحيى «رجل المهام» في الجزائر

أويحيى «رجل المهام» في الجزائر

التغيير الذي طال رئاسة الحكومة الجزائرية يوم الثلاثاء الماضي حَمَل دلالتين بارزتين؛ الأولى أشّرت على وجود أزمة في أعلى هرم السلطة ترتبط بصراع قوي بين أهل السياسة و«لوبي المال»، والثانية جدّدت الفضول حول الدور المستقبلي لأحمد أويحيى الذي أوكلت إليه مهمة قيادة الطاقم الحكومي للمرة الرابعة في حياته، وفرص خلافته الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، سواء في انتخابات 2019 أو في حال حدوث شغور.

بيان رئاسة الجمهورية أعاد «الجوكر السياسي» أويحيى، إلى «قصر الدكتور سعدان» بعد أزمة صامتة دامت أسابيع قليلة بين سلفه المقال عبد المجيد تبون الذي أراد «تطهير العمل السياسي من نفوذ رجال المال» ومجموعة قريبين من محيط الرئيس تصدّوا بقوة لهذا التوجه.
هذه الأزمة بدت، في نظر كثيرين، خصوصاً وسط المعارضة، مؤشراً على مشاكل كبيرة يعانيها النظام، ذلك أنها كشفت عن وجود «صراع سياسات» وتضارب في مستويات اتخاذ القرار ومحدودية في الخيارات للتعامل مع القرارات الاقتصادية التي اتخذها تبون خلال المدة القصيرة التي رأس فيها الحكومة ولم تتجاوز الأشهر الثلاثة. تبون خلال محاولته تنفيذ أجندته الجريئة أظهر رغبة في إبعاد رجل الأعمال النافذ علي حداد، إلا أن الأخير وجد سنداً قوياً لدى السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه الحاكم الفعلي في البلاد. وبرز شبه إجماع داخل البلد، أن علي حداد والسعيد بوتفليقة، ليسا سوى رمزين لـ«لوبي» قوي أزعجته التوجهات التي أبداها تبون وأبرزها تهديده الشركات المتأخرة في تنفيذ المشاريع الموكلة إليها بسحب تلك الأعمال منها، ومحاولته وضع حد لاستيراد السلع الخارجية من أجل حماية المنتجات الوطنية، خصوصاً في ظل أزمة تدني الاحتياطات المالية الناجم عن هبوط أسعار النفط.
وعلى مدى أسابيع، ظل الجزائريون وغيرهم مشدودين لمتابعة فصول الصراع الجديد و«الشيّق»، لأنه أظهر وجود «خلل ما» في سلطة القرار، ذلك أن تبون بدا للناس صاحب «ضوء أخضر» من جهات عليا لانتهاج سياسة التصدي لـ«الفاسدين»، وفي الوقت نفسه، كان الجميع يدرك أن حداد يحظى بدعم من قوي من محيط الرئيس.
وعليه، جاء خبر التغيير الحكومي الأخير حاملاً لمفاجأتين: انتصار لوبي المال، واختيار هذا اللوبي لشخص أويحيى ليدافع عن مصالحه. ورأى سفيان جيلالي زعيم حزب «جيل جديد» المعارض، أن ما انتهت إليه الأزمة الأخيرة لا يعني أن «لوبي المال كسب المعركة بشكل نهائي»، مرجّحاً أن الأطراف التي راهن عليها تبون «ربما تنازلت بشكل تكتيكي». وأضاف جيلالي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الرأي العام لا يعرف طبيعة الملفات المطروحة بين الجانبين في الصراع، ومن المحتمل أن تراجعاً تكتيكياً حدث في انتظار الحلقات المقبلة». ورأى أن تبون الذي اشتغل في مناصب بالدولة لمدة 40 عاماً وهو صاحب الـ72 عاماً من العمر، ليس من النوع الذي يغامر ويفتح المعركة مع رجال الأعمال من تلقاء نفسه. ورجّح أن يكون تبون استند إلى تحالف قِوى في الجيش والإدارة وبعض المؤسسات، لكن هذه القوى وجدت في الأخير أنها لا تملك الإمكانات الكافية لدعم تبون تجاه تنفيذ إصلاحاته. وحذر جيلالي من أن اختيار أويحيى ليحل مكان تبون سيزيد «أزمة الثقة الموجودة بين السلطة والشعب تعقيداً»، لأن القادم الجديد «كان قاد حكومات على مدى سنوات في السابق ولم يقدم للبلاد سوى الأخطاء الفادحة في المجال الاقتصادي وتسيير الشأن العام».
ويقرّ كثيرون أن أصحاب القرار لجأوا إلى أويحيى في اللحظة الأخيرة باعتباره «الخيار الضرورة». وفعلاً كانت رئاسة الجمهورية على الدوام تقرّب الرجل مرات وتبعده مرات أخرى، وفقاً لحسابات متداخلة.
يقول المناصرون لأويحيى (65 عاماً) إن زعيم «التجمع الوطني الديمقراطي»، الحزب الثاني المحسوب على السلطة والقوة السياسية الثانية في البرلمان «رجل دولة» و«صاحب نداء الواجب». يشيدون بكفاءاته السياسية والدبلوماسية والإدارية. ولا يجدون صعوبة في تبرير قدرات الرجل الذي شغل مناصب دبلوماسية عدة في دول أفريقية ومجلس الأمن الدولي وقاد وساطتين كبيرتين لحل أزمتين دوليتين، كما أن عمله المتواصل في مواقع رفيعة في عهد الرئيس السابق ليامين زروال والرئيس الحالي بوتفليقة يدل على المهارات العالية التي يحوزها.
وعلّق صديق شهاب المتحدث باسم «التجمع الوطني الديمقراطي» على التغيير الأخير بقوله إن تعيين أويحيى على رأس الوزارة الأولى (الحكومة) دليل على ثقة رئيس الجمهورية فيه «بسبب صرامته وتفانيه في عمله وامتلاكه لإمكانات كبيرة في تسيير الشأن العام»، مضيفاً أن أويحيى «رجل واجب لا يتأخر ثانية لتلبية نداء الوطن».
في المقابل، تَحمِل المعارضة على الرجل أخطاءه في التعاطي مع الملفات الاقتصادية، وتبنيه لسياسات قاسية تجاه الفئات العمالية تماشيا مع شروط صندوق النقد الدولي في التسعينات من القرن الماضي. وقال زعيم معارض إن أويحيى «لا يحظى بشعبية» في الشارع الجزائري، وإن حزب «التجمع» الذي يقوده «غائب تماماً عن الواقع وهو في الحقيقة لا يعدو أن يكون جهازاً مسيّراً بشكل مباشرة من الإدارة»، في إشارة إلى أن الحزب أداة بأيدي جهات عليا نافذة في الدولة.
وحاول السياسي المعارض تفنيد ما يروّج عن الرجل بكونه «صاحب المهام الكبرى»، بقوله إن أويحيى «ليس سوى رجل يطبق الأوامر، ولم يكن في الحقيقة يوماً من المقررين» داخل النظام الجزائري. ويضيف أن «أويحيى شخصية تنفيذية تتبع الواقف» في إشارة إلى اصطفافه الدائم مع الجهة القوية في المشهد السياسي.
لكن رغم ذلك، لم يستبعد جيلالي سيناريو ترشيح أويحيى في انتخابات الرئاسة عام 2019 للمنصب الكبير الذي يجعله «صاحب قرارات»، معتبراً أن «البلاد دخلت منذ انتخاب بوتفليقة لعهدة رابعة عام 2014 مرحلة من الفوضى أصبح معها كل شيء ممكناً». ورأى أن «النظام فقد البوصلة وبات بالإمكان أن يصبح أويحيى رئيساً كما بات بالإمكان أن يصبح السعيد بوتفليقة أو (قائد الأركان) قائد صالح رئيساً». وواصل جيلالي تقديم نظرة تشاؤمية جداً للمشهد قائلاً إنه لا يستبعد أيضاً حدوث «هزة على مستوى الشارع وربما حدوث انهيار مفاجئ للنظام».
وبين المؤيدين بقوة لأويحيى والمناوئين له بشدة، يقول كثيرون إن الرجل أظهر على مدى السنوات الطويلة التي شغلها في الدولة، قدرات على فهم التوازنات المعقّدة في المشهد السياسي الجزائري، وإنه على الرغم من الاتهامات الكثيرة التي طالته فإن له بشرة سميكة جعلته «يتحمّل سهام النقد خدمة للوطن». اتُّهم مراراً بالاصطفاف في التسعينات إلى جانب العسكر وانتهاج السياسات الاقتصادية القاسية تجاه الفئات العمالية، كما اتُّهم بكونه «رجل المخابرات في المجتمع السياسي والمدني» بسبب ارتباطاته القوية مع القائد السابق لجهاز الاستخبارات توفيق مدين. لكن الرجل واجه كل ذلك بالتجاهل ومواصلة مهامه الحكومية مما أسهم في تلاشي الكثير من الانتقادات الموجّهة له مع الوقت.
قبل بزوغه نجماً سياسياً عام 1994 كان أويحيى قد تدرّج طويلاً في دهاليز وزارة الخارجية بعد تخرجه عام 1975 من «المدرسة الوطنية للإدارة» الخزان الرئيسي لكوادر الدبلوماسية الجزائرية. عمل في الثمانينات من القرن الماضي، في السفارة الجزائرية بأبيدجان ثم ممثلاً مساعداً بمجلس الأمن الدولي قبل أن يعود مستشاراً بوزارة الخارجية في الجزائر. ثم في عامي 1992 و1993 عُيّن سفيراً بمالي، قبل أن يعود للخارجية مجدداً وزير دولة مكلفاً الشؤون المغاربية بين عامي 1993 و1994، وتفيد تقارير إعلامية جزائرية بأن الفضل في صعود نجم أويحيى إلى رجل عسكري كان يشغل منصب قائد المنطقة العسكرية الخامسة التي تشمل مناطق الجنوب. الجنرال فوضيل سعيدي. ففي منتصف التسعينات أعجب الجنرال فوضيل سعيدي بقدرات وكفاءة أويحيى بعدما اشتغل معه على الملفات الأمنية في منطقة الأزواد بشمال مالي، فاقترحه على الرئيس زروال.
الرأي العام الجزائري تعرف على أويحيى في منتصف التسعينات في أوج الأزمة السياسية-الأمنية التي كانت تعصف بالبلاد، وتحديدا عام 1994 عندما تصدّي في لقاء تلفزيوني مطوّل للدفاع عن سياسات السلطة في مواجهة الاتهامات التي كانت توجه إليها آنذاك. بعدها بعام، وإثر انتخاب ليامين زروال رئيساً للدولة في أول انتخابات رئاسية تعددية، عيّن رئيساً للحكومة حتى عام 1998، كانت رئاسته لتلك الحكومة، أسوأ تجربة على ما يبدو بالنسبة له.
حينها، قاد إصلاحات تقشف قاسية طالب بها صندوق النقد الدولي، وطالت تسريح الآلاف من الموظفين الحكوميين.
وأمام انتقادات و«أوصاف» طالته من مناوئيه، خرج أويحيى قائلاً إنه يعترف بكونه «رجل المهام القذرة». بقي ذلك الوصف يلازمه بطريقة سلبية ويُطلق عليه من قبل مناوئيه في كل مناسبة إلى يومنا هذا.
بعد قدوم بوتفليقة للرئاسة عام 1999، أسندت إلى أويحيى حقيبة وزارة العدل حتى عام 2002، قبل أن يعين في منصب وزير دولة، ثم رئيساً للحكومة بين عامي 2003 و2006 وبعدها بين عامي 2008 و2012، وفي كلتا الحالتين كان يبعد عن رئاسة الحكومة وسط شبهات بأنه صار مغضوباً عليه من قبل الرئيس. لكن النظام كان يجد نفسه مضطراً للعودة إليه سواء مخيراً أو مضطراً.
وعلى غرار عودته ومغادرته الحكومة، كان الأمر كذلك على مستوى «حزب التجمع الديمقراطي» الذي شارك في تأسيسه عام 1997. فقد تقلد رئاسة الحزب لأول عام 1999 إلى أن غادره عام 2003 فيما يشبه «انقلاباً أبيض»، ثم عاد إلى رئاسته عام 2015 إلى يومنا هذا. وفي أبريل (نيسان) الماضي، قاد حملة كبيرة للانتخابات التشريعية جعلت حزبه يرفع عدد مقاعده في البرلمان بـ27، محققاً بذلك أكبر زيادة في عدد المقاعد بين كل الأحزاب المشاركة.
وعلى المستوى الخارجي، تحمل السيرة الذاتية لأويحيى تحقيق إنجازين دوليين كبيرين؛ توسّطه باسم الجزائر لحل أزمة شمال مالي عام 1992 ثم توسطه باسم منظمة الوحدة الأفريقية (قبل تحوّلها إلى الاتحاد الأفريقي) لحل النزاع بين إثيوبيا واريتريا بين عامي 1999 و2000.
ولد أويحيى عام 1952 في بلدة بوعدنان بولاية تيزي وزو، عاصمة القبائل الكبرى، قبل أن تنتقل عائلته إلى العاصمة وبالضبط إلى حي المدنية. وتعتبر عائلة أويحيى من أتباع «زاوية أث أويحي» (مدرسة قرآنية) المنبثقة من الطريقة الرحمانية في المنطقة.
وهذه الخلفية العائلية الدينية جعلت أويحيى يرد على من ينتقدون معاداته للتيار الإسلامي بقوله إنه لا يقبل المزايدة عليه وبأنه «ابن زاوية».
أويحيى متحدث جيّد بالعربية والفرنسية، وعادة ما تكون مؤتمراته الصحافية «ثرية»، لكنه مقلّ في إعطاء المقابلات الصحافية الخاصة. يذكر المعجبون بأويحيى دعوته في يناير (كانون الثاني) 2012 لرجب طيب إردوغان رئيس الوزراء التركي (آنذاك) بـ«الكف عن المتاجرة بدماء الجزائريين»، وذلك رداً على اتهام إردوغان حينها فرنسا بارتكاب «إبادة» في الجزائر.
يحمل أويحيى أفكاراً ليبرالية تعادي التيار الإسلامي لكن من دون أن يصل إلى مستوى الدعوة إلى إقصاء هذا التيار من العمل السياسي. فخلال الأزمة الدموية التي شهدتها الجزائر في التسعينات، كان واحداً من أقطاب النظام الذين مزجوا بين الحل الأمني والسياسي، وعندما قدم بوتفليقة للحكم في 1999 وانتهج سياسة المصالحة الوطنية، لعب أويحيى دوراً كبيراً في الترويج لتلك السياسة الجديدة. كان ينتقل إلى المدن ويحث السكان على دعوة أبنائهم المنخرطين في الإرهاب إلى «التوبة» والعودة إلى أحضان المجتمع.
وربما كان أويحيى أكثر مسؤول تجرأ وصارح الرأي العام بمصير آلاف المختفين خلال الأزمة الأمنية (غالبيتهم إسلاميون خطفوا) بقوله «المختفون الله يرحمهم». وفي العهدتين الأوليين لبوتفليقة، اشتغل أويحيى باعتباره ممثلاً لـ«التيار الديمقراطي» مع ممثلي التيار الوطني (جبهة التحرير) والتيار الإسلامي (حركة مجتمع السلم) في «التحالف الرئاسي» وأظهر عن «تعاون براغماتي» لافت مع خصومه الآيديولوجيين.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.