سيول تقلل من إمكانية اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية

واشنطن ترفض إلغاء المناورات العسكرية

علم كوريا الجنوبية يرفرف مع رسائل مكتوبة تطالب بتوحيد الكوريتين (أ.ب)
علم كوريا الجنوبية يرفرف مع رسائل مكتوبة تطالب بتوحيد الكوريتين (أ.ب)
TT

سيول تقلل من إمكانية اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية

علم كوريا الجنوبية يرفرف مع رسائل مكتوبة تطالب بتوحيد الكوريتين (أ.ب)
علم كوريا الجنوبية يرفرف مع رسائل مكتوبة تطالب بتوحيد الكوريتين (أ.ب)

بعد يوم من ترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقرار بيونغ يانغ تأجيل إطلاق صواريخ باتجاه جزيرة غوام الأميركية، قلل الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه - إن أمس (الخميس) من إمكانية اندلاع حرب في شبه الجزيرة الكورية، قائلا إن الولايات المتحدة وافقت على عدم القيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية من دون مناقشة الأمر مع سيول أولا، محذرا في الوقت نفسه من أن بيونغ يانغ «على وشك تجاوز الخط الأحمر». وقالت واشنطن هي الأخرى إنها تفضل تحركا دبلوماسيا عالميا لوقف برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية، لكنها مستعدة لاستخدام القوة إذا لزم الأمر.
المستشار الاستراتيجي للبيت الأبيض ستيف بانون انتقد بشدة في مقابلة نشرت الأربعاء مع موقع «أميريكان بروسبكت» الإخباري اليساري التي أجراها معه رئيس تحرير الموقع روبرت كاتنر عبر الهاتف، توعد الرئيس كوريا الشمالية بـ«النار والغضب» إذا استمرت في تهديد الولايات المتحدة بصواريخها وبرنامجها النووي. وقال: «ليس هناك حل عسكري، لننسَ الأمر. وطالما لم يتمكن أحد من حل المعادلة التي تثبّت لي أن عشرة ملايين كوري جنوبي لن يقضوا خلال الدقائق الثلاثين الأولى بأسلحة تقليدية، لا أدري ما الذي نبحثه هنا. ليس هناك حل عسكري للمسألة، إنهم يمسكون بنا».
وأدلى الرئيس مون بهذه التصريحات في مؤتمر صحافي بمناسبة مرور 100 يوم على تنصيبه، قائلا: «أؤكد أنه لن تكون هناك حرب في شبه الجزيرة الكورية مرة أخرى».
ولا تزال الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في حالة حرب مع بيونغ يانغ من الناحية الرسمية؛ إذ انتهت الحرب الكورية التي دارت من 1950 وحتى 1953 بهدنة وليس معاهدة سلام. وأوضح مون، أن «الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها دونالد ترمب وافقا أيضا على إجراء مناقشة بشأن أي خيارات ممكنة مع كوريا الجنوبية بغض النظر عن نوع الخيارات التي ستتخذها». وأضاف، أنه يدرس إرسال مبعوث خاص إلى كوريا الشمالية، التي هددت الأسبوع الماضي بإطلاق صواريخ على جزيرة غوام الأميركية، إذا كفت بيونغ يانغ عن أعمالها الاستفزازية. وأشار مون إلى أنه «ينبغي استئناف الحوار بين الكوريتين، لكن يتعين ألا ينفد صبرنا حيال ذلك. ليس الغرض المنشود هو الحوار ذاته. نحن في حاجة إلى حور بناء».
يذكر أن كوريا الشمالية والولايات المتحدة منخرطتان في حرب كلامية منذ الأسبوع الماضي، في أعقاب اختبار بيونغ يانغ صاروخا ثانيا عابر للقارات في نهاية يوليو (تموز) الماضي. وهدد ترامب بيونغ يانغ بـ«النار والغضب» ما لم تتوقف عن «استفزاز» الولايات المتحدة. كما تطالب بيونغ يانغ من واشنطن وسيول إلغاء المناورات العسكرية المشتركة التي تعتبرها هي الأخرى عملا استفزازيا ضدها.
إلا أن أكبر مسؤول عسكري أميركي رفض أمس الربط بين المناورات التي ستبدأ يوم الاثنين وبين إخماد فتيل الحرب في شبه الجزيرة الكورية المقبل، وقال إن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ستجريان تدريبات عسكرية مشتركة الأسبوع المقبل؛ وذلك رغم ضغوط كوريا الشمالية وحليفتها الصين لوقف المناورات المثيرة للجدل.
ومن المقرر أن تبدأ التدريبات السنوية التي تضم عشرات الآلاف من جنود الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وحثت الصين، الحليف الرئيسي لكوريا الشمالية، الدولتين على إلغاء المناورات مقابل وقف بيونغ يانغ برامجها النووية. وقال جوزيف دانفورد رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة إن المناورات «ليست مطروحة حاليا على طاولة التفاوض على أي مستوى». وقال دانفورد للصحافيين في بكين بعد اجتماع مع نظرائه الصينيين «نصيحتي لقيادتنا هي عدم الرجوع في أمر تدريباتنا. التدريبات مهمة جدا للحفاظ على قدرة التحالف على الدفاع عن نفسه». وأضاف: «ما دام التهديد في كوريا الشمالية قائما، سنحتاج إلى الحفاظ على حالة استعداد عالية لمواجهة ذلك التهديد».
وأبلغ فان تشانغ لونغ، نائب اللجنة العسكرية المركزية في الصين دانفورد، بأن بكين ترى أن المحادثات هي السبيل الفاعل الوحيد لحل المسألة. ونقلت وزارة الدفاع الصينية عن فان قوله «ترى الصين أن الحوار والمشاورات هي السبيل الفاعل الوحيد لحل المسألة في شبه الجزيرة، والوسائل العسكرية لا يمكن أن تصبح خيارا». وسبق أن أطلقت كوريا الشمالية، التي تشجب المناورات وتعتبرها استعدادا للحرب، صواريخ واتخذت خطوات أخرى ردا على التدريبات العسكرية.
وفي اليابان، ذكرت صحيفة «نيكاي» الاقتصادية اليومية، أن وزارة الدفاع سوف تطلب نشر نظام دفاع صاروخي أرضي. ونقلت الصحيفة عن مسؤول في وزارة الدفاع، لم تسمه، القول إن وزارة الدفاع ستطلب مؤقتا أن تغطي ميزانية السنة المالية المقبلة، تكاليف التخطيط لتركيب نظام «ايجيس آشور». وذكرت وكالة الأنباء اليابانية (كيودو) أنه من المتوقع أن يقوم وزير الدفاع، ايتسونورى اونوديرا، ببحث الخطة في واشنطن. وقالت كيودو إنه من غير الواضح ما إذا كانت اليابان ستتمكن من بدء تشغيل النظام الصاروخي، حيث إنها تحتاج إلى فترة من الوقت لتدريب القوات على استخدامه. ورفض متحدث باسم الوزارة التعليق على هذه التقارير. وذكرت الخارجية اليابانية، أن طوكيو قامت بتركيب أربعة أنظمة اعتراض صاروخية أرض - جو في غرب البلاد السبت الماضي، في ظل مخاوف من احتمال قيام كوريا الشمالية بتوجيه ضربة بالقرب من جزيرة غوام الأميركية. وكانت بيونغ يانغ حذرت من أن صواريخها ستعبر فوق مقاطعات شيماني وهيروشيما وكوتشي قبل سقوطها في المياه قبالة غوام.
ودعا نائب الرئيس الأميركي مايك بنس الأربعاء، أربعة بلدان في أميركا اللاتينية (البرازيل والمكسيك والبيرو وتشيلي) إلى قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع كوريا الشمالية.
وقال بنس خلال مؤتمر صحافي في سانتياغو في تشيلي إلى جانب الرئيسة التشيلية ميشيل باشليه «إننا ندعو بقوة، تشيلي والبرازيل والمكسيك والبيرو إلى قطع كل العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع كوريا الشمالية». أضاف: «إذا تواصلت هذه العزلة الاقتصادية والدبلوماسية، فسيكون لدينا أمل أفضل بالتوصل إلى حل سلمي» للبرنامج النووي الكوري الشمالي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».