عبد الوهاب أبو زيد: اخترتُ شعر الحب حين أصبحت الرومانسية تهمة

الشاعر السعودي يقول إنه يهرب للخيال من قبح الواقع

عبد الوهاب أبو زيد
عبد الوهاب أبو زيد
TT

عبد الوهاب أبو زيد: اخترتُ شعر الحب حين أصبحت الرومانسية تهمة

عبد الوهاب أبو زيد
عبد الوهاب أبو زيد

كرس الشاعر السعودي عبد الوهاب أبو زيد تجربة شعرية ناضجة، بدأها بالشعر الحديث، لكن سرعان ما عاد نحو كتابة «الشعر الرومانسي». وهو كاتب ومترجم أيضاً، صدرت له مجموعتان شعريتان: «لي ما أشاء» 2008، «ولا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد» 2013، وكتابان مترجمان: «خزانة الشعر السنسكريتي» 2012، عن مشروع كلمة، و«لست زائراً عابراً لهذا العالم»، عن دار سما الكويتية، عام 2015.
التقينا به في الظهران، شرق السعودية، حيث يعمل في شركة أرامكو النفطية، وأجرينا هذا اللقاء:

- لماذا تأخرت ولادة ديوانك الأول «لي ما أشاء»؟
- تأخرت في نشر كتابي الأول «لي ما أشاء»، عام 2007، بسبب ترددي وتوجسي وقد تناقض موقفي حيال ما أكتبه من شعر. غير أنني حين استجمعت شجاعتي لنشر الكتاب (بدفع وإلحاح من صديقي الشاعر جاسم الصحيح)، اخترتُ أن أنشر ما كان يمثل تجربتي حينها من النصوص، وأرجأت نشر نصوصي السابقة لتلك التجربة، التي يغلب عليها الطابع الرومانسي وشعر الحب، لأنها كانت أقرب للتقليدية. وبعد ستة أعوام (2013)، نشرت ديواني الثاني الذي كان خالصاً لوجه الحب، وضم قصائد جديدة (زمنياً)، وما استبقيت عليها من قصائدي القديمة. وبفعلي هذا، ربما أكون قد خالفت ما يفعله الشعراء عادة، من نشر تجاربهم الأولى أولاً، ولعل تلك كانت ضريبة التأخر في النشر، ولكن هكذا كان.

- عادة يبدأ بالقصيدة التقليدية، أنت بدأت تكتب الشعر الحديث ثم عدتَ للأولى... كيف حدث ذلك؟
- حين كنتُ أصغر سناً وأقل وعياً، نفرتُ من كتابة القصيدة التقليدية، واتجهت لكتابة قصيدة التفعيلة الحديثة (أو هكذا أزعم وأظن)، انسياقاً مع ما كنت أتابعه وأعجب به من شعر الحداثة، ببعديها المحلي والعربي. ولكن نقطة التحول التي دفعت بي إلى الرجوع مرة أخرى لكتابة القصيدة التقليدية بين الحين والآخر، ربما كانت هي تعرفي وتعمقي في الاطلاع على تجربة الشاعر الكوني فيرناندوا بيسوا، هذا الشاعر الفريد والمتفرد في كل ثقافات وآداب العالم، فهذا الشاعر الذي نعرف الآن أنه كان يكتب بأسماء مختلفة، وبأساليب شعرية متفاوتة تتراوح ما بين الشكلين الكلاسيكي والحداثي، لم يجد غضاضة في أن يجمع في ذاته بين عدد من الشعراء، أو أن يكون شعراء عدة في آن واحد، حتى وإن بدا أحدهم مناقضاً للآخر فنياً. قد يرى بعضهم فيما أكتبه نكوصاً وتراجعاً في مسار التجربة، غير أنني أرى في ذلك غنى وتوافقاً وتعايشاً وتسامحاً مع الذات، ومع العالم.

- هل تعتبر نفسك شاعراً رومانسياً؟
- لا أدري إن كنتُ شاعراً رومانسياً أم لا، ولا يهمني أن أدري، رغم أن الرومانسية أصبحت أشبه بالتهمة الانتقاصية في زمن المد الحداثي. وحقيقة الأمر أن الشعر الرومانسي (أفضل أن أسميه شعر الحب) يحتل مساحة كبيرة من شعري، إلا أنه لا يمثل مجمل تجربتي الشعرية المتواضعة، أو لنقل إنني أزعم (أو ربما أتوهم) أن هناك مساحات وأبعاداً أخرى في شعري بعيدة عن شعر الحب.

- من هو «مثلك الأعلى» في شعر الحب؟
- ليس لي مثلٌ أعلى في شعر الحب، أو في الشعر إجمالاً، هناك شعراء أحب شعرهم كثيراً، ولكن أن يكون أحدهم مثلاً أعلى لي، فذلك يعني أن أترسم خطاه وأقلده، وأكون نسخة مكررة منه. لا أريد أن أكون تكراراً لأحد؛ أريد أن أكون ذاتي قبل وبعد كل شيء. هذا ما أتمنى وآمل وأطمح لتحقيقه.

- يبدو أن هناك «أنثى افتراضية» «لا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد» (اسم المجموعة)... رغم أنك خضتَ «ثلاث محاولات فاشلة لوصفها» (عنوان القصيدة)؟
- لا أدري لماذا افترضت أنها أنثى افتراضية، رغم أنها أنثى واقعية، من لحم ودم، حتى وإن كنتُ قد كتبتُ قصائدَ لها / عنها قبل لقائي بها. ولكن بالطبع ليس للشاعر أن يقسر القارئ على قراءة محددة لنصوصه، فباب التأويل والتلقي سيبقى مفتوحاً، وليس لأحدٍ الحق (بما في ذلك الشاعر نفسه) في إغلاقه.
المرأة تستوطن شعرك لحد أنك تقول: (ولا قبلها من نساءٍ ولا بعدها من أحد، كأن الجمال اصطفاها له وحده، فاستوت مثل فينوس فوق سرير الزبد / تسامتْ / فما من شريكٍ لها في الجمال، بعينين مخضرتين اخضرار الجنانِ وثغرٍ تعتق فيه البرد / وخصرٍ كأن نحتته الرياح).
- المرأة تحتل مكانة واسعة من شعري، سواء أكان ذلك قبل أن أجد امرأتي التي كنت أبحث عنها، وأتخيلها وأتوهمها (سميتها «ابنة الوهم» ذات قصيدة قديمة)، أم بعد عثوري عليها، واكتفائي بها ممثلة ومجسدة لكل ما كنت أحلم بأن أجده في المرأة / الحلم.
- خيال جامح يهيمن على قصيدتك: «سأرسم باباً وأدخل / سأرسم بئراً وأنزل فيها / وأرسم نافذة وأطل على الغيبِ منها / وأرسم طائرة وأحلق عني بعيداً، وعنها / سأرسم نبعاً وأغرفُ منه / وأرسم ناياً وأنفخُ فيه / وأرسم صدراً وأبكي عليه / سأرسمُ وجهاً غريباً أحدقُ في مقلتيه».
- الخيال مملكة الشاعر ومأواه وملجؤه وجنته (وأحياناً جحيمه)، الخيال يهرب إليه الشاعر من قبح واقعه وقيوده وأغلاله، الخيال لا يكون الشعر شعراً من دونه في أغلب الأحوال، الخيال تغدو الحياة معه متعددة الأبعاد والأطياف والألوان، والخيال تكون الحياة من دونه كهفاً لا كوة فيه ولا منفذ للخروج منه.
- كثيراً ما نراك تبحر في العيون والأحداق... عن ماذا تفتش هناك؟ تقول: «عيونك كل ما ملكت يداي.. وكل ما أهوى»، وتقول: «ثملت بخمرة الأحداق»، وتقول: «أنا المنفي في عينيكِ منذ البدء لم أزل.. كفرت بكل دربِ هوى إلى عينيك لم يصلِ»، و«أتعبتني المسافةُ.. تمتد بين عيني وعينيكِ».
- يُقال إن العيون مرآة للروح، ولا أجد وصفاً أدق وأعمق من ذلك، رغم قدمه وتقليديته. العيون هي تلك النوافذ التي نطل منها على الآخرين، ويطلون علينا منها، وهي المرايا التي نبحث فيها عن ذواتنا الضائعة وأرواحنا الشريدة. العيون لغة أخرى أغنى وأعمق غوراً من أي لغة، أو لنقل إن العيون هي أبجدية الروح.

- تقول في قصيدة: «الحبُّ لكي يصبحُ حبّاً / يحتاجُ إلى قلبين والقُبلّة»... ولكنك في قصيدة أخرى، تقول: «أحبّكِ ليسَ الحبُّ لفظاً على فمي / ولكنه السّرُ المسافرُ في دمي»... أي أنواع الحبّ يشعلك؟
- الحب جوهر واحد، وإن تعددت صوره، وإن بدا أن هناك تناقضاً بين تمثلاته وتمظهراته في الواقع وفي الحياة. لذلك، لا أستطيع أن أتحدث عن نوع بعينه من الحب، يشعل ناري ويوقد لهبي. هناك حب الروح للروح، وحب القلب للقلب، وحب العقل للعقل، وحب الجسد للجسد، وأسمى أنواع الحب ما تتداخل فيه وتتماهى وتتمازج كل أنواع الحب هذه في آن واحد، فلا يعود بوسع المرء أن يفرق بينها، أو يرسم الحدود والفواصل فيما بينها.

- تقول: «يا صاحبي ما لهذا القلب من وطنٍ / سوى الجمال، سوى إيماءة الوترِ»... متى كان الجمال وطناً؟
- الجمال والفن هما وطن الإنسان الذي يلبي احتياجاته الإنسانية الأصيلة المتجذرة في تربة روحه منذ الأزل، وهما السماء التي لا تكفهر ولا ترسل صواعقها لتحرقه، أو ريحها لتجتثه من جذوره.

- حدثنا عن تجربتك مع الترجمة؟ هل يمكن للشعر أن تحمله وسائط الترجمة؟
- تجربتي مع الترجمة، إن صح الحديث عن وجود تجربة تستحق الحديث عنها، كانت ولا تزال رديفة لتجربتي في كتابة الشعر، وقد سبق لي القول إنني كنت ألجأ للترجمة كثيراً حين تجف بئر الشعر وينضب ماؤها، فكانت الترجمة بمثابة التعويض المؤقت لكتابة الشعر. وأشير هنا إلى نقطة ربما لم أتحدث عنها من قبل، وهي أنني أميل لترجمة قصيدة النثر أكثر من غيرها (ولعلي أميل لترجمة الشعر نثراً بشكل عام، وهذا حديث آخر قد يطول)، قد يكون تعبيراً عن حبي لقصيدة النثر، وتعويضاً عن فشلي في كتابتها، وأنا هنا أسجل اختلافي مع من يقولون بسهولة كتابتها، وأؤكد أنها أكثر صعوبة من القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة؛ طبعاً حين تكتب بشكل جيد.

- أنت أيضاً تكتب الشعر الشعبي... هل يمنحك هذا النوع من الشعر فضاءً أكثر حرية؟
- هذا صحيح، وقد لا يعرف كثير من القراء أنني أكتب النص الشعبي أيضاً، أو قصيدة اللهجة المحكية، ولي فيها تجارب، نشرت عدداً لا بأس به منها في صفحتي في «فيسبوك»، ولاقت صدى طيباً عند متذوقيها، كما أن لي محاولات خجولة، وقد لا تستحق الذكر في كتابة الشعر باللغة الإنجليزية.
ما الذي يحدد لغة القصيدة وشكلها لدي؟ الجواب هو: لا أعلم، لأن سؤال «من أين تأتي القصيدة؟» سيظل مفتوحاً، ولن نجد إجابة مقنعة ووافية له، مهما حاولنا، وكثرت مزاعمنا.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.