«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

«النسيج حي» بعد 20 سنة من انطلاقتها

جانب من الحضور
جانب من الحضور
TT

«المورد الثقافي» تتساءل عن التمويل الغربي للثقافة العربية

جانب من الحضور
جانب من الحضور

مؤسسة «المورد الثقافي» التي احتفلت بعيدها العشرين بـ«ميتروبوليس» في بيروت، يومي 24 و25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «هي أشبه بوزارة ثقافة عربية». هكذا وصفتها إحدى المشاركات في الملتقى الذي جمع شبكة واسعة من المبدعين في المنطقة العربية، وهم في غالبيتهم من الذين تعاونوا مع «المورد»، ومنهم من أصبحوا نجوماً بفضل تمويلاتها، ومشاريعها المختلفة.

كان من الممتع متابعة النقاشات الصريحة، التي دارت حول مواضيع في الصميم مثل العمل الثقافي في اللحظة السياسية الراهنة، والتحولات الرقمية، والمشاع كممارسة، واللغة وحدودها، ودارت حلقة نقاش كبرى حول «التمويل والإقصاء والبدائل»، شارك فيها أكثر من عشرين شخصاً.

موضوع التمويل الغربي، الذي اعتمدت عليه بشكل أساسي مؤسسة «المورد»، والعديد من المؤسسات الثقافية العربية، كان موضع أخذ وردّ.

وعادت بشكل متكرر فكرة أن حرب الإبادة هي محطة فاصلة، بعدها ليس كما قبلها. وجاء في كتيب «المورد» للملتقى الذي حمل عنوان «النسيج حي» أن «الإبادة الجماعية في غزة والحروب المتواصلة على المنطقة تعيد تذكيرنا بضرورة اللقاء والتفكير المشترك وإعادة ترتيب الأولويات، كما تؤكد أهمية ما نقوم به في مواجهة استراتيجيات المحو الممنهجة التي يمارسها المشروع الصهيوني وحلفاؤه، التي لا تستهدف الأرواح فحسب، بل تطال العمران والتراث والهوية واللغة والأرشيف...».

وتأمل «المورد» من خلال هذا اللقاء أن «نعيد النظر معاً في الممارسات والقيم والنماذج والعادات التي نود التخلي عنها، أو استعادتها واستكشاف أدوات ومقاربات جديدة، كفيلة ببناء مستقبل يكون فيه الإنسان أولوية».

انقسمت الآراء، بين من قال إنه بات يرفض كلياً التمويل الغربي الذي يأتي من مصادر أميركية والاتحاد الأوروبي، وهؤلاء قلة، وقسم آخر رأى أن التخلي عن التمويل مشكلة لأنه يصعب جداً على أي مؤسسة ثقافية أن تعتمد على مداخيلها الخاصة.

ومالت الأغلبية إلى الاعتماد على الذات بشكل جزئي. تحدثت هانية مروة، مديرة «ميتروبولوس»، وهو مركز ثقافي تعددي فيه صالات سينما عن تجربتها الطويلة والمشجعة. وقالت إن «ميتروبوليس» يحاول أن يتخلى عن التمويل بالمداخيل الذاتية. «بيع (البوب كورن) مثلاً ندفع منه معاشات الموظفين، وبعض التذكارات الصغيرة، وتأجير الصالة لمناسبات صباحية يسد جزءاً آخر. باتت مداخيلنا الخاصة تؤمن 35 في المائة من حاجاتنا، والهدف القريب تأمين نصف المصروف. ولو توقفت المساعدات، بمقدورنا أن نقتصد ونستمر».

إيمان حموري مديرة مركز «الفن الشعبي» في فلسطين، اعتبرت أن «الثقافة كانت مشروعاً تحررياً، لكن بعد (أوسلو) وجدت مؤسسات تجسد النيوليبرالية، يوجه من خلالها الممولون المشاريع الثقافية لتكون غير سياسية. وهكذا دخلنا معهم في التسويات». وعلقت على التجربة: «لقد وقعنا في الفخ، وأقنعنا أنفسنا بأن الأمر عادي، ووافقنا على تنازلات».

حموري من الذين يرون أنه كان ثمة إحساس بأننا نقاوم الموجة، ونحاول أن نفرض رأينا من الداخل «ولم ندرك أنهم يسيرون بشكل ممنهج للوصول إلى غاياتهم، إلى أن جاء التمويل المشروط عام 2019 من الاتحاد الأوروبي، وكنا مجبرين على توقيع العقود المشروطة».

من هنا، كان شبه توافق على أهمية بناء شراكات مع المحيط المحلي، للتحرر من التمويل الأجنبي، قدر الممكن.

بكلام آخر، العودة إلى الأساليب القديمة التي اعتمدت عليها الحياة الثقافية في القرن الماضي. المسرحي روجيه عساف كان قد تحدث عن ضرورة بناء علاقات مع مؤسسات، وشركاء، وتبادل دائم بين المبدعين من مختلف المجالات. أعطى مثلاً مقهى «الهورس شو» في بيروت الستينات؛ حيث كان يلتقي الكاتب بالرسام بالمسرحي بالصحافي والموسيقى، نعمل معاً، نتبادل الخبرات، وهناك العلاقة الوثيقة مع الجمهور أيضاً.

هذه الشبكة هي التي تعطي الدفع المالي والمعنوي للعمل الثقافي. حموري من باب الاستغناء عن التمويل افتتحت في مركزها مدرسة للدبكة تسهم في ثلث المصروف، بالإضافة إلى الشراكات التي تعمل على تقويتها و«بالتضامن تكبر الحلقة».

من تونس أحمد أمين العزوزي طرح شكلاً آخر من أشكال الرجوع إلى الممارسات القديمة، وهي أن نتخلص من فكرة المهنة الفنية التي نتفرع لها، ويمارس الفنان إبداعه إلى جانب مهنة أخرى تؤمن له مدخوله، كما كان الحال في السابق.

قال مشاركون إن الفاعلين الثقافيين ليسوا وحدهم من أُفسدوا، ولكن الجمهور أيضاً اعتاد العروض المجانية، وبات لا يريد أن يشتري تذكرة الدخول، أو أن يسهم في تمويل الأنشطة الثقافية ولو بمبالغ رمزية، بحسب سيرين قنون، مديرة مسرح الحمرا، في تونس.

شرحت إحدى المشاركات بأن قبول تمويلات الأوروبيين والأميركيين في التسعينات «كان بسبب تقاطع أجنداتنا مع الجهات الممولة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. هم كانوا يريدون الترويج لقيم حرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان، ونحن بحاجة لهذه المبالغ. الآن اكتشفوا حدود إمكاناتهم، وتغيروا، ولسنا نحن من تغيرنا».

بطبيعة الحال التمويلات الغربية السخية للثقافة العربية تشحّ، ولربما ثمة إحساس بأن الصنابير قد تغلق كلياً في أي لحظة، فأولويات الممولين قد تتغير، وما يريدونه من المنطقة العربية قد يصلون إليه بطرق أخرى غير الثقافة.

وهذا ما يفهمه الفنانون العرب، إضافة إلى صدمة غزة التي تركت ندوبها على الأرواح وفي الضمائر. وبالتالي ما العمل؟ سارة كحيل من فلسطين، مستشارة في تطوير الموارد، رأت أننا «أصبحنا أمام سؤال صعب. هل نبقى نعمل معهم، على اعتبار أننا نغير من الداخل، أم أن وقت الحوار انتهى؟».

شرحت كحيل أن «ثلاثين سنة مضت، ونحن يُطلَب منّا أن نخفف من قول: من نحن؟ فعلاً صار لزام علينا أن نفكر من هو الممول؟ وكيف يجب أن نتعامل معه؟ وما البدائل؟».

حيدر حلو مخرج وممثل، هو المدير الفني لـ«مؤسسة بغداد للأفلام»، قال إن الفنانين المستقلين أهم ما يعنيهم هي الحرية. نحن من خلال التجربة العراقية نعتبر أنفسنا كما كل المنطقة العربية ركاباً في طائرة مخطوفة، وبحاجة لأن نتفاوض مع الخاطفين، وعندما يطلقون سراحنا، نستطيع أن نتحدث ونقرر». واقترح حلو التفكير والمراجعة المستمرين؛ حيث إنه لا حل سحرياً لهذا الموضوع. حالياً للتغلب على المشكلة «نعمل بشراكة مع مؤسسات صديقة، ونود أن نقلب المثلث؛ أن نتعاون في زملائنا العرب. نحن الآن نتعاون مع زملائنا اللبنانيين، هم يصورون في العراق ونحن نصور في لبنان، ونكبّر هوامشنا باطراد. كانت طفرة غربية في رأس المال»، اعتبرتها ليلى حوراني التي سبق وعملت مع مؤسسات مختلفة. ورأت أننا «كلنا مذنبون، وكلنا متواطئون»، مؤكدة ما قالته فاتن فرحات، عضو الجمعية العمومية لـ«المورد». وأكملت حوراني: «أنا قاطعتُ أصدقاء، لم أعد ألتقي معهم بعد الإبادة؛ فهل سيصعب علي مقاطعة المال؟»، مشددة على أن المقاطعة تحتاج إلى أن يجد الإنسان وراءه من يسانده. «يجب أن نتعاون و(نشيل) بعضنا بعضاً». وأوضحت حوراني أن مؤسسة «فورد» كان لها 10 مكاتب في العالم، 40 في المائة من تمويلها يذهب لخارج أميركا. «اليوم يريدون أن يغلقوا على أنفسهم، هل أقاطع أم أصارحهم؟ نحن بحاجة لأن نوزع الأدوار بكل دهاء فيما بيننا. الجميع في وضع صعب مالياً. لذا يجب أن نجلس ونتشاور كقطاع لنرى ما علينا أن نفعل».

إحدى الحاضرات للجلسة قالت إنها اشتغلت مع مؤسسة «فورد» سابقاً وعاشت التجربة، لهذا تعتبر أن «الجلسة كانت مخزية»، قائلة: «نحن نمارس الرقابة على أنفسنا. هل نسيتم أننا نحن دول الجنوب تم تفقيرنا وسرقة مواردنا. الأموال التي تصلنا هي (سوفت بور) أو (احتلال ناعم)». وأكملت: «نحن نبيع سردية غربية ملطفة، نحتاج إلى شجاعة وعمق أكبر. البرغماتية هي التي أوصلتنا إلى هنا».

حسام الثني، باحث ليبي في السياسات الثقافية، رأى أن دور الدول هو تهيئة البنية التحتية الثقافية، لا تمويل المشاريع التي يجب أن تبقى حرّة، إن أردنا استقلالية. فالممول بطبيعة الحال، سيتحكم بالاتجاهات الثقافية. والمخرجات تذهب هدراً بدلاً من أن يعاد تدويرها.

المراجعات بدأت من الجلسات الأولى. شبهت كريستين طعمة مؤسسة «أشكال ألوان» في لبنان، الوضع اليوم بما كان عليه في تسعينات القرن الماضي. «لا فرق بين المشكلات التي يواجهها الفنانون الشباب اليوم، وتلك التي عشناها في ذلك الوقت، أي علينا أن نعمل بالموجود والمتوفر. عدنا لنفس المكان الذي بدأنا منه قبل 35 عاماً». كثيرون تحدثوا عن الحائط المسدود الذي وصل إليه الجميع. الإيجابية الوحيدة هي أننا نجابه مشكلات نتشارك فيها مع العالم أجمع، ولسنا وحدنا هذه المرة.

إدريس كسيسكس روائي ومسرحي مغربي، وصفها بأنها «أزمة وسائط سياسية فقدت مصداقيتها في كل العالم. سقف الحلم الذي كان موجوداً في القرن الماضي لم يعد قائماً. اضمحلت فكرة التعددية وحلت الفاشية. صرنا أمام خيارين: إما المشروع الوطني أو العنصري الإبادي». في المقابل فإن العالم الحقيقي الوحيد هو الثقافة والفن، ومن خلال كتابة الذاكرة هناك نوافذ تُفتَح.

تداول المجتمعون في انهيار القيم، والموجة الكولونيالية الجديدة، وبروز دول الجنوب، وأين على الفنان والمثقف العربي أن يقف؟

اللقاء هو اجتماع عربي ثقافي، ودّعت خلاله مديرة المورد، إيلينا ناصيف، المجتمعين بكلمات مؤثرة، شارحة الصعوبات التي واجهتها عند تسلمها «المورد»، بعد أن انتقل المقر من مصر إلى لبنان، معتبرة أن السنوات العشر المقبلة مهمة جداً، وأنها تترك المؤسسة بين أيادٍ أمينة؛ حيث تتسلم مكانها ألما سالم، التي تحدثت عن «امتداد المنطقة العربية من المشرق إلى المغرب، وتحويل الجغرافيا إلى فكرة ولوحة مفتوحة، فيما المنطقة يعاد تشكيلها. وعملنا لا على أن نرث المنطقة بل أن نبتكرها».

تأسست «المورد» كمؤسسة غير ربحية في مصر عام 2003 بمبادرة من بسمة الحسيني، وكان لها أنشطة مهمة، مثل «مسرح الجنينة» و«مدرسة الدرب الأحمر»، وتم تمويل العديد من البرامج الثقافية. وفي عام 2017 انتقلت «المورد» إلى بيروت، واستمرت في دعم فنانين ومؤسسات ثقافية بمجموعة برامج. تشمل إنتاج أعمال جديدة والسفر والترويج لهذه الأعمال، وبرامج تدريب ومنشورات باللغة العربية تهدف لتطوير مهارات المديرين الثقافيين والمؤسسات الثقافية، وبحوث في السياسات الثقافية، ودعم الفنانين المعرضين للخطر.

ببلوغها عامها العشرين، فإن «المورد» تواجه تحديات بسبب الأزمات المالية لدى الجهات الممولة، وأزمة أخلاقية بسبب الإبادة، وهو ما استحق مراجعات الفنانين واقتراحاتهم واجتهاداتهم.



كيف يُطعم النرويجيون هالاند؟ داخل مطبخ المنتخب الذي يحلم بكأس العالم

احتفالية الفايكنغ الشهيرة تجمع لاعبي النرويج (رويترز)
احتفالية الفايكنغ الشهيرة تجمع لاعبي النرويج (رويترز)
TT

كيف يُطعم النرويجيون هالاند؟ داخل مطبخ المنتخب الذي يحلم بكأس العالم

احتفالية الفايكنغ الشهيرة تجمع لاعبي النرويج (رويترز)
احتفالية الفايكنغ الشهيرة تجمع لاعبي النرويج (رويترز)

في الطابق الثاني من فندق «ويستن كوبلي بليس» بحي باك باي في مدينة بوسطن، لا يدور الحديث عن الخطط التكتيكية أو تدريبات اليوم الأخير قبل مواجهة فرنسا في ختام دور المجموعات، بل عن وجبة الغداء.

وبحسب شبكة The Athletic فهناك يقف ثلاثة طهاة يرتدون الزي الأبيض، يتحركون بين المواقد والثلاجات وألواح التقطيع منذ ساعات الصباح الأولى، استعداداً لإطعام بعثة المنتخب النرويجي، وفي مقدمتها الهداف إرلينغ هالاند، خلال كأس العالم.

في ذلك اليوم كانت البعثة تعيش يومها التاسع والعشرين داخل المعسكر، وهو ما يعني إعداد أربع وجبات يومياً لما لا يقل عن 61 شخصاً، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 70 بعد وصول رئيس الاتحاد النرويجي لكرة القدم وعدد من المسؤولين الإداريين.

ومع ضمان التأهل إلى دور الـ32 ومواجهة كوت ديفوار، بدأ الحلم يكبر داخل المعسكر. فإذا واصل المنتخب طريقه حتى المباراة النهائية في التاسع عشر من يوليو (تموز)، فإن الطهاة سيكونون مطالبين بالبقاء 54 يوماً متواصلة، وإعداد 216 وجبة كاملة.

لكن هذا السيناريو لا يثير أي قلق لديهم.

فالمنتخب لم يصل إلى الولايات المتحدة معتمداً على الأسواق المحلية، بل جاء محملاً بإمدادات غذائية ضخمة نُقلت من النرويج قبل انطلاق البطولة.

يقول كبير الطهاة آرون إسبيلاند إن الفريق أحضر معه نحو 300 كيلوغرام من سمك السلمون والسلمون القطبي والهلبوت والسلمون المرقط، إضافة إلى مائة كيلوغرام من جبن «يارلسبيرغ» إلى جانب ثمانين كيلوغراماً من الجبن البني النرويجي الشهير.

ومع بلوغ المنتخب الأدوار الإقصائية، تقرر طلب شحنة جديدة من الأسماك، في حين ستُنقل الكميات المتبقية من مقر المعسكر في مدينة غرينسبورو بولاية كارولاينا الشمالية إلى دالاس عبر رحلة تستغرق أربع ساعات، باستخدام مجمدات خاصة تحافظ على درجات حرارة تتراوح بين أربع درجات مئوية تحت الصفر وخمس عشرة درجة تحت الصفر.

إيرلينغ هالاند وكريستيان تورستفدت وأندرياس شيلدروب وألكسندر سورلوث من النرويج يصفقون للجماهير بعد المباراة (رويترز)

«واغيو البحار»

الإصرار على استخدام المنتجات النرويجية لم يكن بدافع الحنين إلى الوطن فحسب.

فسلمون النرويج يُعرف داخل البلاد بلقب «واغيو البحار»، في إشارة إلى جودته الفائقة، ولذلك أمضى الطهاة أشهراً طويلة في التخطيط لكيفية تأمين إمدادات طازجة خلال البطولة.

ولم تكن العملية معقدة بالنسبة لهم، فالنرويج تعد ثاني أكبر مصدر للمأكولات البحرية في العالم، كما تمثل هذه الصناعة ما يقارب عشرة في المائة من اقتصاد البلاد.

ويؤكد إسبيلاند أن لديهم شبكة واسعة من العلاقات داخل قطاع تصدير الأسماك، الأمر الذي جعل شحن المنتجات إلى الولايات المتحدة يتم بسهولة ووفق المواصفات المطلوبة.

ويضيف أن الهدف لم يكن مجرد توفير الطعام، بل ضمان أفضل جودة ممكنة، لأن لاعبي المنتخب يحرصون على تناول أطعمة نظيفة وصحية طوال البطولة.

هالاند يحيي الجماهير عقب المباراة (أ.ف.ب)

ثلاثة طهاة خلف أحلام هالاند

يتولى مهمة إعداد الطعام ثلاثة طهاة هم آرون إسبيلاند، وإيريك توفته، وكريستيان كارلسون.

إسبيلاند وتوفته يخوضان تجربتهما الأولى مع منتخب كرة قدم، لكنهما يمتلكان سيرتين مهنيتين لافتتين.

فإسبيلاند سبق أن أحرز الميدالية الذهبية للنرويج في تحدي الطهاة الشباب العالمي عام 2022، بينما عمل توفته في عدد من أشهر المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان داخل النرويج.

أما كارلسون، فهو الأكثر خبرة داخل المعسكر.

انضم إلى الجهاز الإداري للمنتخب منذ خريف عام 1998، بعد أشهر قليلة من انتهاء مونديال فرنسا، وكان قد انتقل إلى النرويج من فنلندا عام 1996 في إقامة كان يفترض ألا تتجاوز ستة أشهر، لكنها تحولت إلى مسيرة حياة كاملة.

ويقول إنه لم يكن يتوقع أن ينتظر كل هذه السنوات حتى يشارك في أول كأس عالم، كما لم يتخيل أن يصبح اللاعبون بهذه الدرجة من الاهتمام بما يدخل إلى أجسادهم.

ويستعيد الماضي قائلاً إن اللاعبين كانوا يطلبون في السابق برغر أو بيتزا وينتهي الأمر، أما اليوم فهم يدركون أن أجسادهم هي رأس مالهم الحقيقي، ولذلك أصبحوا يتعاملون مع الطعام بوصفه جزءاً من عملهم اليومي.

لاعبو النرويج يوجهون التحية لجماهيرهم بعد اللقاء (أ.ف.ب)

لاعبون يحسبون كل لقمة

يؤكد الطهاة أن بعض لاعبي المنتخب يمتلكون معرفة دقيقة بالتغذية.

فلاعب الوسط فريدريك أورسنيس يطرح أسئلة كثيرة حول مكونات الوجبات، ليس لأنه يجهل الإجابة، وإنما للتأكد من صحة معلوماته.

أما باتريك بيرغ فيلتزم بنظام غذائي صارم للغاية، بعد أن اكتشف أن أداء جسده يتحسن عندما يتجنب الغلوتين ومنتجات الحليب.

لكن أكثر اللاعبين اهتماماً بالطعام يبقى إرلينغ هالاند.

فمهاجم مانشستر سيتي كشف عبر قناته الخاصة عن عاداته الغذائية، التي تتضمن استهلاك نحو ستة آلاف سعرة حرارية يومياً، وإقامة حفلات شواء حتى أثناء هطول الأمطار، وزيارات متكررة للجزار لشراء أنواع متعددة من اللحوم، مثل شرائح التوماهوك والريب آي والأضلاع وشرائح الفيليه، إضافة إلى قلب البقر والكبد.

كما يشرب العسل الخام والحليب الخام، وهذا من عاداته الغذائية المفضلة.

لكن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه داخل الولايات المتحدة.

ويبتسم إسبيلاند وهو يوضح أن الحليب الخام محظور هناك بسبب اللوائح الصحية المتعلقة بالبكتيريا، ولذلك يستخدم الطهاة الحليب الخالي من اللاكتوز مع اللاعبين الذين يشعرون بأن أجسادهم تستجيب له بصورة أفضل.

هالاند يفكر في وجبته المقبلة (أ.ف.ب)

هالاند يفكر في وجبته المقبلة

تمزح إيزابيل يوهانسن، صديقة هالاند، في إحدى الحلقات المصورة بأن المهاجم النرويجي لا يفكر إلا في وجبته التالية.

ويؤكد كارلسون أن في الأمر كثيراً من الحقيقة.

فبحسب قوله، يحب هالاند الطعام كثيراً لأنه يحتاج إلى طاقة هائلة تمكنه من الجري والاحتكاك بالمدافعين طوال المباراة.

بل إن هالاند وعدداً من زملائه طلبوا بالفعل من الطهاة تزويدهم بوصفات بعض الأطباق التي أُعدت لهم خلال المعسكر، بعدما أعجبتهم بساطتها وجودتها.

ولم تكن علاقة الطهاة بهالاند وليدة هذه البطولة.

فكارلسون يعرفه منذ أن كان لاعباً في منتخبات الفئات السنية، بينما تجمع إسبيلاند وهالاند علاقة أقدم، إذ ينحدران من بلدة برينه الصغيرة في جنوب غرب النرويج، التي لا يتجاوز عدد سكانها خمسة عشر ألف نسمة.

ويقول إسبيلاند إنه كان أكبر من هالاند بأربع سنوات، ولعب أيضاً في فرق الناشئين بالنادي نفسه، لكنه لم يكن يتخيل يوماً أنه سيترك كرة القدم، ويختار المطبخ، ليصبح بعد سنوات الشخص المسؤول عن إعداد الطعام لأشهر لاعب خرج من تلك البلدة.

في صباح أحد الأيام، كان الطهاة يجهزون وجبة الغداء التي ستُنقل إلى مركز تدريبات نادي نيو إنغلاند ريفولوشن في مدينة فوكسبورو.

القائمة لم تكن عادية، بل ضمت سلموناً مع صلصة بونزو، والمانجو، والفول الأخضر، والأفوكادو، وبذور السمسم، ومايونيز الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والأرز الأبيض.

لكن هذه الوجبة لم تُعد لإبهار اللاعبين، وإنما لتلبية احتياجاتهم البدنية بدقة.

فالطهاة يعملون يومياً بالتنسيق مع الجهاز الطبي واختصاصيي الأداء البدني، لضمان أن تحتوي كل وجبة على التوازن المطلوب بين البروتينات عالية الجودة لإصلاح العضلات، والكربوهيدرات لتعويض الطاقة، وأحماض أوميغا 3، وفيتامين «د»، والكالسيوم، والحديد، والمغنيسيوم، إضافة إلى الفواكه والخضراوات التي تمد اللاعبين بالفيتامينات ومضادات الأكسدة.

ويؤكد كبير الطهاة آرون إسبيلاند أن الهدف ليس مطاردة العناصر الغذائية منفردة، وإنما إعداد وجبات متكاملة تساعد اللاعبين على تقديم أفضل أداء والتعافي سريعاً.

كما أن توقيت تناول الطعام لا يقل أهمية عن مكوناته، إذ تختلف الوجبات التي تُقدم قبل التدريبات والمباريات عن تلك التي تُقدم بعدها، حيث يتحول التركيز إلى تعويض السوائل والطاقة وتسريع الاستشفاء ولم يكن الاهتمام بالترطيب أمراً ثانوياً.

فبعد معاناة عدد من لاعبي النرويج من التشنجات العضلية خلال مواجهة السنغال، أجرى المدرب ستاله سولباكن والجهاز الطبي اختبارات للبول لقياس مستويات الترطيب لدى اللاعبين.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الطهاة يضيفون كميات إضافية من الملح إلى الطعام لتحفيز اللاعبين على شرب كميات أكبر من المياه، خصوصاً في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي تُقام فيها البطولة.

ورغم كل هذا الانضباط، لا يحرم المنتخب نفسه من بعض المتعة.

فمرة واحدة كل أسبوع، يخصص الطهاة وجبة مفتوحة تضم البيتزا أو البرغر أو أطباق التاكو، لكسر الروتين الغذائي.

ويقول إسبيلاند إن اللاعب إذا تناول النوع نفسه من الطعام يومياً سيشعر بالملل، تماماً كما يحدث في الفنادق الشاملة، حيث تبدو الوجبات رائعة في الأيام الأولى ثم يبدأ الجميع في البحث عن التغيير.

ولهذا السبب، تشاور الطهاة مع قائدي المنتخب قبل البطولة لمعرفة الأطعمة التي يفضلها اللاعبون، إدراكاً منهم أن المعسكر قد يمتد لأسابيع طويلة إذا واصل الفريق تقدمه.

ويضيف أنهم يحاولون إعداد الطعام بكثير من العناية والاهتمام، مستفيدين من خبرة كريستيان كارلسون الطويلة داخل المنتخب.

مشجعون نرويجيون يقلّدون إطلالة هالاند دعماً لنجمهم الأبرز (أ.ب)

طعام يعيد اللاعبين إلى منازلهم

يقول كارلسون إن معظم لاعبي المنتخب يعيشون خارج النرويج بسبب احترافهم في أندية أوروبية، ولذلك يشعرون عند انضمامهم إلى المنتخب وكأنهم يعودون إلى منازلهم.

ومن هنا جاءت فكرة تقديم أطباق تحمل ذكريات الطفولة.

أحضر الطهاة معهم آلة خاصة لصنع الوافل، كما جلبوا الجبن البني النرويجي، ومربى التوت الأحمر والفراولة، وصلصة الطماطم، وكافيار «بولار»، وشوكولاتة «نوغاتي» التي تعد النسخة النرويجية من نوتيلا، إضافة إلى صلصة بنية تقليدية وطبق غراتان السمك.

لكن الطبق الأقرب إلى قلوب اللاعبين هو عصيدة الشوفان التي يشتهر بها كارلسون.

تُطهى بالحليب لمدة ساعة كاملة، ثم تُزين بالموز أو المكسرات أو التوت أو العسل أو القرفة أو السكر.

وأصبحت هذه الوجبة الإفطار الأساسي للاعبين طوال المعسكر، لأنها توفر طاقة تدوم لساعات طويلة بفضل الكربوهيدرات المعقدة.

هالاند يقود عمليات الإحماء استعداداً لمواجهة فرنسا (أ.ف.ب)

حتى القهوة جاءت من النرويج

إذا كان هناك أمر غير قابل للنقاش بالنسبة للاعبي كرة القدم الحديثة، فهو جودة القهوة.

ولذلك لم يكتف الطهاة بالاعتماد على ما توفره الفنادق، بل أحضروا معهم حبوب البن الخاصة بهم، وأربع ماكينات للقهوة، اثنتين للإسبريسو واثنتين للقهوة المفلترة.

بل إن الظهير الأيمن يوليان رايرسون أحضر ماكينته الخاصة أيضاً.

وكان الطهاة يدركون أن تناول أربع وجبات جماعية يومياً قد يتحول إلى عبء نفسي، لذلك حاولوا جعل وقت الطعام مناسبة اجتماعية أكثر منه واجباً يومياً.

فبدلاً من تقديم أطباق موحدة لكل لاعب، أقاموا محطات بوفيه متعددة تضم نوعين من الأسماك، ونوعين من اللحوم، والأرز والمعكرونة، وثلاثة أصناف من الخضراوات، والبطاطس، وركناً خاصاً بالسلطات.

كما وضعوا طاولتين طويلتين، واحدة للاعبين وأخرى للجهاز الفني والإداري، بهدف تشجيع الجميع على الحديث وترك الهواتف المحمولة جانباً.

ويقول إسبيلاند إن الطهاة أنفسهم يتولون تقطيع الطعام وتقديمه، حتى يتمكنوا من الحديث مع اللاعبين ومعرفة آرائهم في كل وجبة.

ويضيف أن الضغوط التي يعيشها اللاعبون كبيرة للغاية، ولذلك إذا نجحت قطعة وافل مع الجبن في إدخال شيء من الراحة إلى نفوسهم، فإنهم يعتبرون أنهم أنجزوا جزءاً مهماً من مهمتهم.

هالاند يحتفل بطريقته المعتادة بعد التسجيل (د.ب.أ)

تفاصيل صغيرة تصنع الفارق

خلال تنقل المنتخب بين غرينسبورو وبوسطن ونيوجيرسي، اضطر الطهاة للعمل في مطابخ مختلفة.

وفي فندق بوسطن كانوا يستخدمون مطبخاً يخدم أكثر من سبعمائة غرفة، بعد أن غادره المنتخب الاسكوتلندي.

لكنهم فوجئوا بطريقة إعداد السمك.

فقد كان الطهاة في الفندق يطبخونه حتى يفقد كل عصائره.

ويروي كارلسون أنهم اضطروا لإيقافهم قائلين إن السمك مطهو أكثر من اللازم، فجاءهم الرد بأن لاعبي اسكوتلندا كانوا يفضلونه بهذه الطريقة.

أما إسبيلاند فشرح الأمر علمياً، موضحاً أن تحول السلمون إلى اللون الأبيض يعني خروج البروتينات والعصائر منه، بينما يفضل النرويجيون أن تصل حرارة مركز السمكة إلى أربعين درجة مئوية فقط، حتى تبقى طرية وغنية بالنكهة.

احتفالية الفايكنغ الشهيرة تجمع لاعبي النرويج (رويترز)

ماذا يأكل هالاند قبل المباريات؟

يبدأ يوم الطهاة عند السابعة صباحاً.

وفي أيام المباريات، يتناول اللاعبون أولى وجباتهم قبل نحو خمس ساعات من انطلاق اللقاء، بينما يتأخر البدلاء في تناول الطعام حتى ثلاث ساعات قبل البداية.

ويكشف إيريك توفته أن هالاند يعشق المعكرونة، خصوصاً قبل المباريات، شأنه شأن معظم زملائه الذين يحرصون على زيادة مخزون الكربوهيدرات.

وبعض اللاعبين يفضلون عصيدة الشوفان، بينما يختار آخرون اللازانيا أو السباغيتي أو الخبز مع الجبن والسلامي، إلى جانب الدجاج أو السلمون.

كل شيء بسيط، لكنه محسوب بدقة.

أما الوجبة التي نالت إعجاب اللاعبين أكثر من أي طبق آخر خلال البطولة، فكانت سلمون تاتاكي مع صلصة الزبدة البنية، وصلصة الصويا البيضاء، واليوزو، والعسل.

ويبتسم إسبيلاند وهو يروي أن إعدادها جاء على عجل، إذ تكفل هو وكارلسون بشواء السلمون، بينما ابتكر إيريك توفته الصلصة في دقائق قليلة.

وعندما سأله عن مكوناتها، أجاب ضاحكاً: «وضعت فيها الكثير من الأشياء الجيدة».

ولا يقتصر دور الطهاة على إعداد الطعام فقط.

فإذا صادف عيد ميلاد أحد اللاعبين، يصنعون له قالب حلوى خاصاً، كما يشاركون اللاعبين في وضع قوائم الطعام، ويستجيبون لرغباتهم كلما كان ذلك ممكناً.

ويقول توفته إن كل لاعب يختلف عن الآخر، ولذلك يحاولون الاستماع إلى الجميع وتقديم ما يناسب احتياجاته.

وبعد أكثر من شهر بعيداً عن الوطن، أصبحت المهمة الأصعب هي الحفاظ على التنوع والابتكار.

لكن الطهاة لا يمانعون ذلك، لأنهم يأملون أن يكون السبب هو استمرار المنتخب في الفوز، ومواصلة رحلته في كأس العالم إلى ما بعد كل التوقعات.


مصادر لـ«الشرق الأوسط»: استقالة أمينالو المدير الرياضي لرابطة الدوري السعودي... وخيسوس بديلا

مايكل أمينالو (الشرق الأوسط)
مايكل أمينالو (الشرق الأوسط)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: استقالة أمينالو المدير الرياضي لرابطة الدوري السعودي... وخيسوس بديلا

مايكل أمينالو (الشرق الأوسط)
مايكل أمينالو (الشرق الأوسط)

أبلغت مصادر مطلعة «الشرق الأوسط» أن النيجيري مايكل أمينالو، المدير الرياضي في رابطة الدوري السعودي للمحترفين والمسؤول عن ملف التعاقدات مع اللاعبين الأجانب، تقدم باستقالته من منصبه اليوم الأثنين عبر بريد إليكتروني أرسله للإدارة في الرابطة، لتنتهي بذلك مسيرته بعد نحو ثلاثة أعوام من تعيينه.

ولم تتضح حتى الآن الأسباب التي دفعت أمينالو إلى تقديم استقالته، كما لم يصدر أي تعليق رسمي من رابطة الدوري السعودي للمحترفين بشأن الخطوة أو توقيتها.

وبحسب المعلومات، فإن الإسباني خيسوس أرويو، مستشار الرئيس التنفيذي لرابطة الدوري السعودي للمحترفين، سيتولى المنصب خلفًا لأمينالو، على أن يتم استكمال الإجراءات المتعلقة بتعيينه خلال الفترة المقبلة.

خيسوس أرويو (رابطة الدوري السعودي)

وكان أمينالو قد انضم إلى رابطة الدوري السعودي للمحترفين في عام 2023، ليتولى قيادة الإدارة الرياضية، والإشراف على مشروع استقطاب اللاعبين الأجانب، بالتنسيق مع الجهات المعنية، في مرحلة شهدت تعاقد أندية الدوري السعودي مع عدد كبير من نجوم كرة القدم العالمية.

وشارك أمينالو في وضع وتنفيذ آليات الاستقطاب خلال المواسم الثلاثة الماضية، إلى جانب متابعة الجوانب الفنية المتعلقة بالمشروع، الذي استهدف رفع المستوى التنافسي للدوري وتعزيز حضوره عالميًا.

ومن المنتظر أن تعلن رابطة الدوري السعودي للمحترفين خلال الأيام المقبلة تفاصيل التغيير الإداري، وآلية انتقال المهام إلى خيسوس أرويو، الذي عمل خلال الفترة الماضية مستشارًا للرئيس التنفيذي للرابطة، قبل أن يتم اختياره لخلافة أمينالو في المنصب.


130 مليون نسمة في أوروبا يستعدون لحرارة تزيد عن 35 درجة

شاحنة ترش مياه في أحد شوارع مدينة زلين في التشيك حيث ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 41 درجة مئوية (د.ب.أ)
شاحنة ترش مياه في أحد شوارع مدينة زلين في التشيك حيث ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 41 درجة مئوية (د.ب.أ)
TT

130 مليون نسمة في أوروبا يستعدون لحرارة تزيد عن 35 درجة

شاحنة ترش مياه في أحد شوارع مدينة زلين في التشيك حيث ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 41 درجة مئوية (د.ب.أ)
شاحنة ترش مياه في أحد شوارع مدينة زلين في التشيك حيث ارتفعت درجة الحرارة إلى نحو 41 درجة مئوية (د.ب.أ)

يستمر الحر في أوروبا حيث يواجه 130 مليون شخص على الأقل ولا سيما في وسط القارة وشرقها، حرارة ستتخطى 35 درجة مئوية خلال فترة من اليوم الاثنين، وفق حسابات «وكالة الصحافة الفرنسية»، ما يشير إلى انحسار موجة القيظ بعدما طالت الأحد أكثر من 190 مليون شخص.

ومن المتوقع بصورة إجمالية أن تتخطى الحرارة القصوى 30 درجة لأكثر من 269 مليون نسمة في أوروبا (خارج تركيا)، مقابل أكثر من 380 مليونا الأحد، وفق التحليل الذي يستند إلى توقعات الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة.

وبحسب هذه التوقعات، فإن الحرارة ستتخطى 35 درجة في منطقة شاسعة حول جبال الكربات ومنطقة البلقان بما يشمل المجر بكاملها تقريبا فضلا عن صربيا ورومانيا وكرواتيا والنمسا وجنوب بولندا وغرب أوكرانيا.

وشعرت دول ‌في منطقة البلقان، الاثنين، بتأثير موجة حارة غير مسبوقة تسببت في زيادة بالمئات في أعداد الوفيات عن المعدلات الطبيعية، ​وعطلت الحياة اليومية في أنحاء أوروبا لأكثر من أسبوع، وسط مخاوف متزايدة من انتشار حرائق الغابات.

وصدرت تحذيرات من أن درجات الحرارة قد ترتفع مجددا اعتبارا من مطلع الأسبوع المقبل في دول مثل فرنسا وألمانيا، بعد أن شهد غرب ووسط أوروبا ذروة الموجة وتبعاتها خلال الأيام القليلة الماضية

كما يطال الحر الشديد 30 مليون شخص في إيطاليا ولا سيما في سهل بو المكتظ بالسكان، والجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة الإيبيرية المعتادة على الحر الشديد.

وفي فرنسا حيث تنحسر موجة الحر غير أنه يتم الإبقاء على حال الطوارئ الصحية، فستطال درجات الحرارة القصوى حوالى ثلاثة ملايين شخص.

وفي كرواتيا، أصدرت ‌هيئة الأرصاد ‌الجوية تحذيرا من الدرجة الحمراء، اليوم ​الاثنين، ‌يشمل مناطق ​عدة، من بينها العاصمة زغرب ومدينتا سبليت ودوبروفنيك وهما من الوجهات السياحية.

ويكافح عشرات الأفراد من فرق الإطفاء، بدعم من أربع طائرات، حريق غابات يلتهم أشجار الصنوبر في جزيرة فيس السياحية على البحر الأدرياتيكي، على بعد نحو 55 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من سبليت.

وفي صربيا المجاورة، حذرت هيئة الأرصاد من أن ‌درجات الحرارة ستصل إلى 39 ‌درجة مئوية، اليوم الاثنين.

وإلى الجنوب، ​تمكنت ألبانيا من احتواء ‌حريق غابات التهم مساحات واسعة من الشجيرات وأشجار ‌الزيتون قرب قرية كلوس مطلع الأسبوع.

وقال علماء إن الموجة الحارة، التي بدأت في 20 يونيو (حزيران)، هي الأسوأ على الإطلاق في أوروبا، إذ تسببت الحرارة اللافحة في تعطيل توليد ‌الكهرباء وإلحاق أضرار بالبنية التحتية وإجهاد أنظمة الرعاية الصحية.

وسجلت فرنسا نحو ألف حالة وفاة أعلى من المعدلات الطبيعية خلال موجة الحر. وأشارت الوكالة المعنية بالصحة العامة إلى أن معظم الوفيات من كبار السن وحذرت من احتمال ارتفاع العدد.

وأشار علماء إلى أن مثل هذه الموجة دون تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري «مستحيلة نظريا»، وأن الموجة دفعت لزيادة احتمال ارتفاع درجات الحرارة في الليل هذا الأسبوع بما يفوق بنحو مئة مرة ما كانت عليه قبل عقدين.

وقال لوكا ميركالي رئيس الجمعية الإيطالية للأرصاد ​الجوية إن درجات الحرارة مرشحة ​للارتفاع مجددا اعتبارا من الخامس أو السادس من يوليو (تموز).