متاحف مصرية تحتفي بالمرأة: نصف المجتمع إنْ لم تكن كلَّه

معارض لمقتنيات أثرية من عصور مختلفة تُبرز مكانتها

تماثيل أثرية في المتحف القومي للحضارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
تماثيل أثرية في المتحف القومي للحضارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

متاحف مصرية تحتفي بالمرأة: نصف المجتمع إنْ لم تكن كلَّه

تماثيل أثرية في المتحف القومي للحضارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
تماثيل أثرية في المتحف القومي للحضارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

احتفت متاحف مصرية باليوم العالمي للمرأة عبر معارض ضمّت مقتنيات أثرية عن إنجازات النساء عبر العصور التاريخية. وتحت عنوان «ستّ الحُسن»، افتتح المتحف القومي للحضارة المصرية في القاهرة، الجمعة، معرضاً أثرياً مؤقتاً يستمر طوال مارس (آذار) الحالي، ويتضمّن مناسبات خاصة بالمرأة.

فإلى جانب يومها العالمي الموافق 8 مارس/آذار، يحضُر يوم المرأة المصرية في 16 منه، وعيد الأم في 21، فيضمّ المعرض المُقام في قاعة النسيج بالمتحف القومي للحضارة، قطعاً أثرية تُبرز مكانة المرأة المصرية ودورها عبر التاريخ، كما تعرض ملامح من حياتها وأدوات زينتها عبر العصور من مشغولات معدنية وخشبية وخزفية.

قبقاب مطعَّم بالصدف والعاج من العصر الإسلامي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

في هذا السياق، أكّد الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية د.أحمد غنيم، في بيان، الجمعة، أنّ «المرأة المصرية أسهمت بدور مهمّ وفعال كان له الأثر العظيم في تقدُّم الحضارة المصرية وتطوّرها، وكانت نموذجاً متفرّداً في العطاء والنجاح، وأيقونة في التحدّي والصمود وإثبات الذات».

أحد المعروضات في المتحف القومي للحضارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

على هامش المعرض، ألقى نائب الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف، د.ميسرة عبد الله، محاضرة بعنوان «سيدة من مصر»، استعرض خلالها دور المرأة المصرية عبر العصور. وقال إنّ «المصري القديم حافظ على مكانة المرأة وساواها بالرجل في جميع أوجه الحياة».

إلى جانب المعرض، نظّم المتحف ورشات ثقافية وتعليمية للجمهور عموماً، والأطفال خصوصاً، تناولت «المرأة في عيون الفنّ التشكيلي»، واستعرضت تاريخ رائدات مصريات في هذا الفنّ، من بينهن، عفت ناجي، وجاذبية سرّي، وزينب السجيني، ومارغريت نخلة. كما ركّزت ورشة «حلق ستّ الحُسن» على الحليّ والمجوهرات في الريف المصري.

مجوهرات أثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

على صعيد متّصل، نظّم متحف كفر الشيخ (دلتا مصر)، معرضاً مؤقتاً بعنوان «زينة المرأة المصرية عبر العصور»، يضمّ 50 قطعة أثرية تُضيء على المرأة في جميع العصور، وحرصها على اختيار مقتنياتها بعناية، لتعكس مدى رقيّها وتحضّرها واهتمامها بالجمال، وفق مديره د.أسامة فريد.

ويتضمّن المعرض مجموعة من الحليّ والمجوهرات تعود لعصور الأسرات المصرية القديمة، التي عُثر على بعضها في منطقة بوتو بكفر الشيخ؛ ومجموعة من المرايا وعبوات العطور، والمكاحل والأمشاط، وقبقاب مطعَّم بالصدف والعاج من العصر الإسلامي، وعقد من إهداءات الملك فاروق.

صورة الأميرة فوزية فؤاد في متحف «ركن فاروق» (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أما متحف «ركن فاروق» بضاحية حلوان (جنوب القاهرة)، فنظّم معرضاً «ضمَّ صورة للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بحّبها للعمل الخيري، وتشجيع النساء على الالتحاق بجمعية الهلال الأحمر لمساعدة المرضى والجرحى»، وفق مديرته العامة رندا عبد الرؤوف.

ويضمّ المعرض أيضاً مجموعة من أطباق البورسلين الخاصة بالأميرة بهيجة حسن، حفيدة الخديو إسماعيل، وعلبة مجوهرات من النحاس المطليّ بماء الذهب، وتمثالاً لثلاث فتيات يمثّلن حكمة «لا أسمع... لا أرى... لا أتكلم».

تمثال «لا أرى... لا أسمع... لا أتكلم» في متحف «ركن فاروق» (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، أوضح مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية د.حسين عبد البصير، أنّ «المرأة المصرية في العصور القديمة كانت نصف المجتمع، إن لم تكن كلَّه». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كانت جزءاً من المعبودات؛ من بينهنّ إيزيس، وسخنا، ونفتيس، وسط الحضور الدائم لثالوث الأب والأم والابن».

وأضاف أنّ «المرأة شغلت مناصب عدّة؛ وزيرةً وحكيمةً وطبيبةً ومغنّيةً وملكة»، مشيراً إلى أن «حتشبسوت واحدة من أشهر الملكات المصريات».

كما ضرب مثلاً بـ«الملكة نفرتيتي التي ساندت زوجها إخناتون وآمنت بأفكاره، ونفرتاري التي كانت بمثابة وزير الخارجية في العصر الحديث، فكتب المراسلات في عهد رمسيس الثاني، مما يثبت أنّ النساء في مصر القديمة كنَّ متعلّمات».

وتُعدّ «كليوباترا» السابعة، واحدةً من أشهر الملكات المصريات التي عُرفت بذكائها وجمالها، واستطاعت إرجاء الاحتلال الروماني لمصر في العصر البطلمي، وفق عبد البصير.


مقالات ذات صلة

مصر تُحذّر إسرائيل من سياسة تدمير بنى تحتية لبنانية

شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية وسط القاهرة (رويترز)

مصر تُحذّر إسرائيل من سياسة تدمير بنى تحتية لبنانية

أكدت مصر أن «تعمد تدمير البنية التحتية في لبنان يُمثل سياسة إسرائيلية سافرة للعقاب الجماعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا آثار الدمار ظاهرة بعد ضربة صاروخية إيرانية على مبنى بمدينة ديمونة بصحراء النقب جنوب إسرائيل السبت (أ.ف.ب)

تساؤلات في مصر بشأن مدى تأثرها حال قصف مفاعل ديمونة بإسرائيل

أثارت الضربة الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مدينة ديمونة بجنوب إسرائيل تساؤلات ومخاوف في الأوساط المصرية بشأن احتمال تأثير أي هجوم على مفاعل ديمونة النووي

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المدن السياحية بمصر لم تحصل على استثناءات في القرار الحكومي الجديد (محافظة جنوب سيناء)

«تبكير إغلاق المحال» في مصر يثير مخاوف من تأثيرات سلبية

أثار قرار الحكومة المصرية «تبكير» إغلاق المحال والمولات والمطاعم بدءاً من الخميس المقبل ولمدة شهر، مخاوف من تأثيرات اقتصادية سلبية.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا السلطات تحركت لإطفاء الحريق في حي منشأة ناصر بالقاهرة (محافظة القاهرة)

حريق «منشأة ناصر» بالقاهرة يجدد الحديث عن «الاشتراطات البنائية»

شددت محافظة القاهرة على الأحياء بـ«ضرورة الالتزام بتطبيق اشتراطات السلامة الإنشائية، واتخاذ الإجراءات الوقائية كافة التي تضمن حماية الأرواح والممتلكات».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي إيرادات قناة السويس من المصادر الأساسية للعملة الصعبة في مصر (هيئة قناة السويس)

ما البدائل المصرية المحتملة لتوفير الدولار في ظل تداعيات الحرب الإيرانية؟

أعادت الحرب الإيرانية الضغوط على الاقتصاد المصري، وسط ارتفاع في سعر العملة المحلية (الجنيه) أمام الدولار، واستمرار المخاوف من تراجع عائدات قناة السويس.

«الشرق الأوسط»

دورتموند يُعين بوك مديراً رياضياً خلفاً لكيل

أولي بوك (نادي بوروسيا دورتموند)
أولي بوك (نادي بوروسيا دورتموند)
TT

دورتموند يُعين بوك مديراً رياضياً خلفاً لكيل

أولي بوك (نادي بوروسيا دورتموند)
أولي بوك (نادي بوروسيا دورتموند)

أعلن بوروسيا دورتموند المنافس في دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم، الاثنين، تعيين أولي بوك مديراً رياضياً جديداً.

وانضم بوك (40 عاماً) إلى بطل ألمانيا ثماني مرات بعقد يمتد حتى يونيو (حزيران) 2029 قادماً من نادي إلفرسبيرغ الذي أشرف فيه على صعود سريع للفريق من الدرجة الرابعة إلى الثانية.

وسيحل بوك محل سيباستيان كيل الذي ترك المنصب الأحد.

ويحتل دورتموند المركز الثاني في الدوري الألماني متأخراً بفارق تسع نقاط عن بايرن ميونيخ المتصدر قبل سبع مباريات على نهاية الموسم.


الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.


بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

بغداد «ملعب المخابرات»... وحرب إيران الأخيرة

عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
عَلم لـ«كتائب حزب الله» في بغداد 21 مارس الحالي مع إعلان الجماعة هجمات ضمن الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)

بعد أيام من اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، تدفق ضباط من «قوة القدس» الإيرانية إلى العراق لإدارة «معارك استنزاف»، وإنشاء وحدة تحكم مساندة لـ«الحرس الثوري»؛ تحسباً لتطورات ميدانية في طهران، في حين تحولت بغداد «ملعب جواسيس» لحرب استخبارية موازية، وفق مصادر جمعتها «الشرق الأوسط».

وتكشف معلومات عن أن «الأيام التالية لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي شهدت انقطاعاً للاتصالات بين ضباط ومنسقين إيرانيين وقادة فصائل عراقية، قبل أن تعيد الشبكة عملها بحلول اليوم الثالث من الحرب»، في 3 مارس (آذار) 2026.

وعلى دفعات، دخل ضباط إيرانيون إلى العراق للإشراف على عمليات ضد المصالح الأميركية وحلفائها، بمساعدة مستشارين إيرانيين يعملون منذ سنوات داخل البلاد، لإدارة شبكات أفقية معقدة من مسلحين عراقيين من فصائل متعددة.

تهدف هذه العمليات إلى «توزيع الفوضى في المناطق التي توجد فيها مصالح أميركية»، ومن ثم «فرض سيطرة إيرانية صريحة على العراق بعد انتهاء الحرب»، وفق مصادر سياسية وأمنية.

مع ذلك، يقول خبراء إن الهدف من العمليات دفاعي لحماية مستودعات ومعسكرات تضم صواريخ ومسيَّرات وفَّرتها طهران لاستخدامها في مراحل لاحقة من الحرب، خصوصاً أن «التعويل على الفصائل العراقية لا يرقى إلى مهام حربية استراتيجية»، كما هو الحال مع «حزب الله» اللبناني.

وقالت مصادر على صلة باجتماعات فصائل عراقية موالية لإيران إن «الضباط الإيرانيين أنشأوا غرفة عمليات في بغداد لخلق نمط جديد من الردع مع الأميركيين، وتهيئة عاصمة بديلة لـ(الحرس الثوري) في حال ازدادت الأمور سوءاً في طهران».

إلا أن مهمة الإيرانيين في بغداد تعرضت لمخاطر أمنية «بسبب انكشافها»؛ إذ أسفرت هجمات مميتة تُنسب إلى الولايات المتحدة عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم، وفق شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» من شخصيات سياسية وأمنية وعناصر في فصائل عراقية.

متظاهر في بغداد يحمل صورة المرشد الإيراني علي خامنئي بعد إعلان مقتله 28 فبراير الماضي (رويترز)

ماذا حدث؟ مقتل خامنئي

على الأرجح، تدفقت الدفعة الأولى من ضباط «قوة القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، بعد أيام من مقتل المرشد في 28 فبراير (شباط) 2026، رغم أن مصادر عراقية أفادت بأن انتقال عدد منهم سبق ذلك، بالتزامن مع تحركات لضباط إيرانيين يحملون جوازات سفر عراقية ولبنانية، انتقلوا أيضاً إلى بيروت.

كان ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» قد بدأ مبكراً بتنفيذ 16 عملية باستخدام عشرات الطائرات المسيّرة داخل العراق وخارجه، وفق بيان صدر في 28 فبراير 2026، بعد ساعات من مقتل خامنئي.

وتضم هذه المجموعة ميليشيات بارزة مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«كتائب سيد الشهداء»، إلى جانب تشكيلات تظهر وتختفي خلال فترات التصعيد، مثل «أصحاب أهل الكهف» و«سرايا أولياء الدم»، ويُعتقد أنها واجهات ثانوية لعمليات تنفذها جماعات موالية لإيران.

مع عودة الاتصالات في الأسبوع الأول من الحرب، قال مسؤول عراقي إنه حاول الاستفسار من نظرائه الإيرانيين عن توقعاتهم لمسار الحرب وتداعياتها، إلا أنهم أجابوا بأنهم «لا يملكون ما يقولونه حالياً، لانشغالهم بالثأر وإيذاء الأميركيين».

هكذا، استقر الضباط الإيرانيون، وفقاً للمصادر، في منازل آمنة ومقار فصائل محصنة في بغداد والنجف وديالى والبصرة، في حين وفّر قادة الفصائل التغطية الأمنية لتحركاتهم.

وقال قيادي في فصيل شيعي إن «الإيرانيين حشدوا الجماعات التي أسسوها واستثمروا فيها سنوات طويلة لمعركة حاسمة».

وحسب تقييم شخصين من فصيلين مسلحين، فإن الانخراط في الحرب هذه المرة يفوق ما جرى بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ بسبب الاعتقاد بأن «سقوط النظام في إيران يعني نهاية وجود هذه الجماعات في العراق».

وقال أحدهما: «الغضب والرغبة في الانتقام لمقتل خامنئي شكّلا دافعاً قوياً»، في حين أشار الآخر إلى أن «هذه الجماعات صُممت لحرب كهذه، ولا يمكن لقادتها رفض أوامر المؤسسين الإيرانيين في لحظة تهديد وجودي».

لكن المصادر لاحظت أن الهجمات التي نُفذت «إيرانية في جوهرها»، وأن الفصائل كانت مجرد غطاء محلي.

ويرى عقيل عباس، وهو باحث متخصص في السياسة الأميركية، أن «ما تقوم به الفصائل المسلحة في جوهره هو أفعال لـ(الحرس الثوري) الإيراني، مستفيدة من الواجهة المحلية التي توفرها هذه الجماعات».

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

«شبح غير مرئي بين ملاكمين»

قال مسؤول حكومي إن «فرص إبعاد الجماعات المسلحة عن نيران الحرب تتضاءل مع طول أمدها، وزيادة حاجة إيران إلى استنزاف الأميركيين».

وأضاف أن «الدولة تبدو كأنها شبح غير مرئي بين ملاكمين على الحلبة؛ لأن أي مواجهة مع الفصائل تعني عملياً مواجهة مع إيران، أو حرباً أهلية بين جماعات شيعية».

وقال قيادي في فصيل مسلح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب الإقليمية جعلت الأمور أكثر وضوحاً: مَن هو الطرف الأقوى في بغداد»، في إشارة إلى الفصائل.

وتركزت الهجمات في مراحلها الأولى على السفارة الأميركية في بغداد وقنصليتها في أربيل، إضافة إلى قواعد عسكرية، قبل أن تتوسع لتشمل رادارات الجيش العراقي وأنظمة الاتصالات الحكومية.

ويُعتقد أن هذه الهجمات أسقطت أكثر من 15 منظومة رادار أميركية وفرنسية كان العراق قد تعاقد عليها منذ 2022 بقيمة تقارب 350 مليون دولار.

وقالت المصادر إن الهدف كان «تعطيل أنظمة رصد الطائرات المسيَّرة»، في حين أشار قيادي شيعي إلى أن الإيرانيين ضغطوا لإخراج هذه المنظومات من الخدمة بسبب مخاوف من استخدامها في رصد تحركاتهم.

ورفض متحدثون عسكريون في وزارة الدفاع وقيادة العمليات المشتركة طلبات للتعليق عما إذا توفرت معلومات بشأن خسائر الرادارات، والجهات المتورطة بتدميرها.

وقال مصدر إن «التعليمات التي تلقتها الفصائل تشدد على قطع الصلات المعلوماتية والميدانية بين الأجهزة الأمنية الحكومية والولايات المتحدة».

وتركزت هجمات على قاعدة «فيكتوري» للدعم اللوجيستي قرب مطار بغداد، التي كانت تضم قوات أميركية ومنشآت معيشة ومخازن عسكرية، إلى جانب معسكر عراقي لتدريب ضباط سلاح الجو العراقي. وقال ضابط من الجيش العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المسيَّرات الملغمة انفجرت في مرافق خدمية يستخدمها عسكريون عراقيون، لكنها على تماسٍ مع الأميركيين.

دورية تابعة لأحد ألوية «الحشد الشعبي» في ميدان تدريب بالعراق (إعلام الهيئة)

خطة لا مركزية

يهدف انتقال الضباط الإيرانيين أيضاً إلى إنشاء وحدة سيطرة بديلة في «بلد حليف يوفر غطاءً سياسياً وأمنياً». قالت مصادر إن جزءاً من عمليات «الحرس الثوري» في العراق يقلل الضغط الناتج من الضربات الأميركية - الإسرائيلية داخل إيران. وأضافت أن «العراق يوفر منظومة اتصالات أسرع مما هي عليه في طهران مع المجموعات الإقليمية، وسيكون بالنسبة لـ(الحرس الثوري) آخر ملعب إقليمي».

ويُعتقد أن البنية الأمنية الإيرانية مصممة للعمل بشكل لا مركزي. وقال مصدر شيعي إن «الخطة تشمل حماية نخبة من الضباط في حال تصاعد الاغتيالات داخل إيران».

وأفادت المصادر بأن الإيرانيين فعّلوا «خطة بديلة» تعتمد على خلايا مختلطة من الفصائل يصعب تعقبها، سبق إعدادها خلال سنوات.

وتزامنت عمليات الفصائل المكثفة في بغداد وأربيل بالدرجة الأساس مع ظهور لافت لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني، في أول بيان له منذ مقتل خامنئي؛ إذ أشاد بحلفاء طهران في «جبهة المقاومة» لقتالهم الولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع الجاري.

ورغم أن قاآني أشار إلى «استقلالية» هذه الجماعات، فإنه استعاد السيطرة على محور متعدد الأطراف ضمن شبكة مرنة لا مركزية.

ويقول حامد السيد، وهو سياسي عراقي، إن قاآني أعلن في هذا البيان «وظيفته الأساسية في الحرب، وهي إدارة شبكات النفوذ خارج إيران»، وبالنسبة لأهمية العراق تستدعي «إدارة إيرانية للفصائل لأن التطورات في هذا البلد تهدد المكاسب السياسية المرتبطة بالنظام في إيران».

ورغم أن هذه المعادلة ليست جديدة، كما يقول السيد، فإن «الجديد فيها هو تكثيفها وربطها بسياق حرب إقليمية أوسع».

وتقول المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخطة الإيرانية الآن تعمل في نطاق شمولي أكثر يهدف إلى «نشر الألم وتوزيع والفوضى في مساحات مختلفة من النزاع، بما في ذلك المناطق التي تعتقد أنها خارج الصراع الآن».

صورة وزَّعها المكتب الإعلامي للحكومة 22 مارس الحالي تظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (يمين) يتفقد الأضرار بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مبنى تابعاً لجهاز المخابرات في بغداد

بغداد «ملعب الجواسيس»

تزامن التصعيد العسكري مع «حرب استخبارية مكثفة داخل بغداد»، على حد وصف المصادر، بلغت ذروتها في استهداف مواقع حساسة، منها منشآت تابعة لجهاز المخابرات.

وقالت المخابرات العراقية، في 21 مارس، إن ضابطاً من الجهاز قُتل في هجوم «إرهابي نفَّذته جهات خارجة عن القانون». بعد يومين من الحادث، قالت «كتائب حزب الله» إن 90 في المائة من ضباط الجهاز مخترقون، في حين كان لافتاً تسمية ضابط بعينه مسؤولَ «زمرة تسرب المعلومات» إلى جهات خارجية.

وقال ضابط عراقي طلب إخفاء هويته لحساسية الأمر إن «الموقع الذي تعرَّض للقصف أصاب منظومة اتصالات مشفرة وبرج ساتلايت». وأشار إلى أن المبنى المستهدف «ليس المقر الرئيسي للجهاز، بل هو منشأة عمليات فنية خاصة».

وقالت مصادر إن الفصائل المسلحة لديها شكوك قوية في أن جهاز المخابرات إحدى منشآت حكومية قليلة لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الأميركيين، وأن جناحاً في الجهاز على الأغلب «يقوم بتزويدهم بالمعلومات والإحداثيات حول تحركات الفصائل والإيرانيين».

وأوضحت المصادر أن «جهاز المخابرات وقع تحت ضغوط مركبة خلال الحرب الأخيرة، وأن حرباً استخبارية تندلع بالتوازي مع الحرب القائمة تجري بين عملاء إيرانيين وضباط في جهاز استخبارات، وأميركيين من الـ(سي آي إيه) يتصيدون المعلومات ضد بعضهم، وأن بغداد تحولت ملعب جواسيس مميتاً في بعض الأحيان». وقال مصدر إن «هذه المجموعات تراقب بعضها بعضاً، منذ اندلاع الحدب، من شارع إلى شارع في بغداد».

وأكد الضابط العراقي أن «العلاقة بين الجهاز وأطراف مسلحة تدهورت قبل شهور حين تم اعتراض اتصالات لأفراد شبكة تضم إيرانيين وعراقيين كانوا يخططون لعمليات في العراق». وقال إن «الواقعة عمّقت الانقسام بين الإيرانيين والمخابرات».

مع ذلك، يشكك كثيرون في رواية أن «الإيرانيين وراء الهجوم»، ويعزون الأمر إلى انقسام سياسي بين قادة جماعات سياسية شيعية انعكس على أداء الجهاز الذي يصارع منذ سنوات للبقاء بعيداً عن الصراعات.

فخ «جرف الصخر»

قادت تحركات الإيرانيين مع الفصائل المسلحة إلى فخ استخباري تقليدي؛ إذ سهلت أنشطتهم المفتوحة على الأميركيين رصدها، وفق تقديرات يتداولها عناصر من تلك الفصائل.

وأكدت مصادر أن ضربة يُعتقد أنها أميركية لبلدة جرف الصخر جنوب بغداد، مطلع مارس 2026، كانت أول استهداف أميركي مباشر لنشاط «الحرس الثوري» في العراق بعد مقتل خامنئي.

وجرف الصخر أحد أهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، ويُعتقد أنها تحولت قاعدة عسكرية استراتيجية للفصائل تضم معسكرات وسجوناً ومخازن ومعامل للصواريخ والمسيَّرات.

ويعتقد الباحث عقيل عباس أن تلك «الضربة هي الأهم في سياق الحرب في العراق؛ لأنها استهدفت وحدات السيطرة والتحكم».

وقالت مصادر، من بينها أشخاص على صلة بالفصائل، إن جرف الصخر تحولت من موقع استراتيجي لحلفاء إيران إلى عبء استخباري يهدد عصب العمليات الأمنية والاقتصادية لهذه المجموعات.

ولاحقاً، عُدَّت ضربات في الكرادة والجادرية بأنها «استهدفت قيادات إيرانية بارزة»، ويشير عباس إلى أن «ضربة الجادرية وحدها كانت تهدف إلى قطع الرؤوس التي تدير العمليات في جرف الصخر».

وفرضت الفصائل المسلحة قيوداً على هوية القتلى في الموقعين، غير أن الهجوم على منزل الجادرية يحظى باهتمام بسبب ما يشاع أن غالبية القتلى من كبار الضباط والمنسقين الإيرانيين.

وقال شاهد عيان من سكان الجادرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المنزل كان مخصصاً بالفعل لشخصيات إيرانية منذ سنوات، وإن الأهالي كانوا يتوقعون أنهم من طاقم السفارة الإيرانية.

وفي أعقاب هذه الهجمات، أعلنت «كتائب حزب الله» هدنة مشروطة من طرف واحد بوقف استهداف السفارة الأميركية مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن «أصحاب أهل الكهف» خرقت الهدنة سريعاً بعد يومين.

ولاحقاً، قالت بيانات منسوبة لجماعات مسلحة إن الولايات المتحدة طلبت هدنة تسمح لقواتها بالإجلاء. وتداول ناشطون مقربون من إيران مقاطع فيديو ليلية تزعم أنها توثق انسحاب عجلات أميركية من العراق براً إلى الأردن.

ورفضت الخارجية الأميركية والسفارة في بغداد طلب التعليق على وجود مفاوضات غير مباشرة مع الفصائل المسلحة في العراق.

لكن مسؤولاً دبلوماسياً أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «العمليات العسكرية التي تُنفذ الولايات المتحدة من الجو ضد أهداف معادية، حليفة لإيران في العراق، سوف تستمر حتى تحقيق الهدف وهو تفكيك قدراتها العملياتية».

أنصار «الحشد الشعبي» يشيّعون أحد عناصره الذي قضى بغارة أميركية في العراق (إعلام الهيئة)

المعركة الأخيرة

دعا هادي العامري، زعيم «منظمة بدر» وهي جناح سياسي لديها ألوية عسكرية «الحشد الشعبي» إلى «التعبئة الجماهيرية» استعداداً لما وصفها «معركة الحق ضد الباطل». خسرت «بدر» كثيراً من عناصرها بهجمات أميركية استهدفت مواقع في صلاح الدين وكركوك.

ولا يرجّح الباحث عقيل عباس أن تصل هذه «التعبئة» إلى حرب مفتوحة إلى جانب الإيرانين. ويعتقد أن «أهمية الفصائل العراقية لوجيستية بالدرجة الأولى، تتمثل في تخزين الصواريخ والمسيَّرات التي يمكن أن تستخدمها إيران إذا تعرضت لضغط كبير داخل إيران أو على جبهة (حزب الله)، ويُدار ذلك من قِبل (الحرس الثوري)».

ويرى عقيل عباس أن «الفصائل لا تمثل ثقلاً قتالياً حاسماً بحد ذاتها، لكنها تشكل أداة تشغيل بيد (الحرس الثوري)»؛ ما يعزز فرضية أن الهدف النهائي هو استخدام العراق منصةَ ضغط.

خلافاً لذلك، لدى قيادات شيعية في بغداد تصور راسخ بأن «الحرس الثوري» يجهز بغداد لـ«معركة أخيرة» قد يحتاجها في سياق الحرب مع الولايات المتحدة. وقال أحد هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن «واحدة من دروس هذه الحرب، وفقاً لمنظور (الحرس الثوري)، أن عليه إجراء تغييرات حادة على مستوى النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع نفوذ اللاعبين الدوليين».

وقال قيادي شيعي، إن «الفصائل الشيعية كانت ترغب منذ سنوات في تأميم ما تبقى من المواقع الأمنية

تتقاطع هذه القراءة مع تقديرات مصادر مطلعة تفيد بأن طهران تسعى، في حال غياب تسوية سياسية مع واشنطن، إلى فرض واقع سيطرة صريحة يعيد تشكيل معادلة الحكم في العراق، وقال قيادي شيعي، إن هذا يفسر «لماذا منع الإيرانيون تشكيل حكومة عراقية قبل انتهاء الحرب».