لا تترك الصدمات الكبرى أثرها بالطريقة نفسها على الجميع. فبينما يواجهها بعضهم بالغضب أو البكاء أو الهروب، يختار آخرون الانسحاب الكامل من العالم، وكأن الجسد نفسه يعلن عجزه عن احتمال المزيد، في هذه المساحة الغامضة، التي تتقاطع فيها المأساة الإنسانية مع الهشاشة النفسية، يتحرك الفيلم الفرنسي «العيون الخضراء» (Les Yeux Verts) للمخرجين الفرنسيين فاني لياتار وجيريمي ترويي، مقدماً تجربة لا تسعى إلى تفسير الألم بقدر ما تحاول الإصغاء إليه.
الفيلم الذي عُرض في مهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا يبتعد منذ مشاهده الأولى عن التعامل مع اللجوء أو التهجير بوصفهما قضية سياسية أو مادة للجدل، ويقترب منهما باعتبارهما تجربة شخصية يعيشها أفراد عاديون، فالحدث الكبير لا يظهر في صورة نشرات الأخبار أو خطابات السياسيين، وإنما ينعكس في تفاصيل بيت صغير مهدد بالفقد، وفي طفلة ترى شقيقها يغيب عنها تدريجياً من دون أن تستطيع فهم ما يحدث له.

ومن هذه التفاصيل البسيطة، يبني الفيلم عالماً تتجاور فيه الحقيقة مع الحلم، والواقع مع الخيال، من دون أن يشعر المشاهد بوجود حدود فاصلة بينهما، وتدور أحداث العمل حول «تشايا»، الطفلة ذات الأحد عشر عاماً التي تعيش مع أسرتها في منطقة «لاند» الساحلية في جنوب غربي فرنسا.
وبعد أن تتلقى الأسرة قراراً بإخلاء المنزل الذي تعيش فيه، يدخل شقيقها الأكبر «نور» في نوم عميق وغامض لا ينجح أحد في تفسيره أو إيقاظه، وبينما يستسلم الكبار للعجز، ترفض «تشايا» تصديق أن شقيقها قد ابتعد عنها إلى الأبد، فتقرر أن تبحث عنه بنفسها، حتى لو اضطرها ذلك إلى دخول عالم أحلامه، لتبدأ رحلة تتحول فيها الطبيعة إلى مرآة للمشاعر، ويصبح الخيال الوسيلة الوحيدة لمقاومة واقع يبدو أقوى من الجميع.
مخرجا الفيلم تحدثا في لقاء مع «الشرق الأوسط»، عبر «زووم»، عن كواليس العمل، وقالت المخرجة الفرنسية فاني لياتار، إن القصة تعود إلى ما يقرب من 5 سنوات، حين شاهدت مع شريكها في الإخراج جيريمي ترويي تقريراً تلفزيونياً عما يعرف بـ«متلازمة الاستسلام»، وهي حالة نادرة تصيب بعض الأطفال الذين يعيشون صدمات قاسية، فيدخلون في حالة تشبه الغيبوبة تستمر لفترات طويلة، مشيرة إلى أن التقرير بالنسبة إليها لم يكن مجرد معلومة طبية، بل لحظة طرحت سؤالاً ظل يرافقها طويلاً وهو كيف يمكن لطفل أن يقرر، من دون وعي، أن ينسحب من الحياة؟
ذلك السؤال كان نقطة البداية، لكنه لم يكن نقطة النهاية، فقبل كتابة أي مشهد، بدأ الثنائي رحلة بحث طويلة لفهم الظاهرة، ليس من منظور الأطباء فقط، وإنما من خلال الأشخاص الذين عاشوا هذه التجربة.

وتوضح لياتار أن الفيلم لم يسعَ إلى تقديم تفسير علمي؛ لأن السينما بالنسبة إليها لا تقوم بدور الطب أو الصحافة، بل تمنح المشاهد فرصة للدخول إلى التجربة الإنسانية، ولهذا السبب، لم يكن هدفها أن يخرج الجمهور وهو يعرف معلومات أكثر عن متلازمة الاستسلام، وإنما أن يشعر بما يمكن أن يفعله الخوف المستمر داخل روح طفل.
ومن هنا جاء القرار الأهم، وهو أن تُروى الحكاية بالكامل تقريباً من خلال «تشايا»، فلم يكن ذلك مجرد اختيار درامي، وإنما رؤية متكاملة لطريقة السرد، فالمخرجة ترى أن الأطفال لا يعيشون الأحداث بالطريقة التي يراها الكبار، فهم لا يبحثون دائماً عن الأسباب، ولا ينشغلون بالتفسيرات السياسية أو القانونية، وإنما يحاولون فهم العالم من خلال مشاعرهم وخيالهم، ولذلك بدت «تشايا» الشخصية الوحيدة القادرة على حمل هذا العالم المليء بالغموض.
إذا كانت فاني لياتار قد انشغلت في بناء العالم العاطفي للفيلم، فإن شريكها الإخراجي جيريمي ترويي يرى أن التحدي الأكبر كان في تحويل هذا العالم إلى لغة سينمائية لا يشعر المشاهد معها أنه ينتقل بين فيلمين مختلفين، أحدهما واقعي والآخر خيالي.
ويؤكد ترويي أن البحث عن هذا التوازن رافق مراحل العمل كلها، منذ كتابة السيناريو وحتى المونتاج، فالواقع بالنسبة إليه لم يكن مجرد نقطة انطلاق، بل كان الأساس الذي يقوم عليه كل شيء؛ لذلك حرص هو وشريكته على أن تستند الأحداث إلى تجربة إنسانية حقيقية؛ لأن الفيلم يتناول حالة تعيشها بالفعل بعض الأسر التي تجد نفسها فجأة في مواجهة الخوف والاقتلاع وعدم اليقين.
ويشير إلى إدراكهما أن أي مبالغة في الجانب الفانتازي ستفقد الفيلم صدقه؛ لذلك جاء القرار بأن تنطلق الأحلام من المكان نفسه الذي تعيش فيه الشخصيات، الغابة هي الغابة، والبحر هو البحر، والمنزل هو المنزل، لكن هذه الأماكن تبدأ تدريجياً في التحول مع تحولات الحالة النفسية لـ«تشايا»، فيصبح العالم الذي تعرفه مألوفاً وغريباً في الوقت نفسه.

ويقول المخرج الفرنسي إن الأحلام لم تُكتب باعتبارها عالماً مستقلاً، ولكنها انعكاس لذاكرة الطفلة ومخاوفها ورغبتها في إنقاذ شقيقها، ولهذا لا يشعر المشاهد بأنه غادر الواقع تماماً، بل بأنه ينظر إليه من زاوية مختلفة، زاوية تسمح للرموز والمجازات بأن تقول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
هذا الخيال، كما تراه لياتار، لا يعني الهروب من الواقع، بل مواجهته بطريقة مختلفة، فالطفلة لا تنكر أن شقيقها مريض، لكنها ترفض أن يكون ذلك نهاية القصة، ومن هنا تتحول الأحلام إلى مساحة للبحث، لا للاختباء، وإلى فعل مقاومة أكثر منها ملاذاً آمناً.
وتكشف المخرجة أن كتابة شخصية «تشايا» استغرقت وقتاً طويلاً؛ لأن التحدي كان يتمثل في تقديم طفلة حقيقية، لا بطلة خارقة. كانت تريد شخصية تخاف، وتتردد، وتفشل أحياناً، لكنها لا تتوقف عن المحاولة، فالقوة بالنسبة إليها ليست غياب الضعف، وإنما القدرة على الاستمرار رغم وجوده.
ويتحدث ترويي أيضاً عن المكانة التي تحتلها الطبيعة داخل الفيلم، معتبراً أنها ليست مجرد عنصر بصري جميل، وإنما امتداد للحالة النفسية للشخصيات، فالغابة ليست مكاناً للهروب فقط، بل مساحة تعيد تشكيل نفسها مع تغير مشاعر «تشايا»، بينما يصبح البحر رمزاً للحرية والخوف في الوقت نفسه.







