من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

تقرير يرصد الفرص والتحديات ويضع إطاراً للاستخدام المسؤول

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
TT

من توثيق التراث إلى الفنون التفاعلية... الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القطاع الثقافي

فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)
فعالية «هاكاثون الترجمة» التي استضافتها الرياض برعاية هيئة الأدب والنشر والترجمة (واس)

تشهد أروقة المؤسسات الثقافية تحولاً صامتاً ومحتوماً، مع تدفق أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف مجالات الإبداع وإدارة التراث. ورغم خصوصية القطاع الثقافي، فإنه لم يكن بمنأى عن التحولات التقنية الكبرى التي يشهدها العالم، إذ بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في كثير من مجالات الثقافة والصناعات الإبداعية.

وفي المتاحف والمواقع التراثية، تُستخدم تقنيات التحليل البصري والنمذجة الرقمية في توثيق التراث وإعادة تفسيره، وفي قطاع النشر تُستخدم النماذج اللغوية في تحليل النصوص وتطوير أدوات التحرير. أما في الفنون البصرية والموسيقى والأداء المسرحي، فقد ظهرت أشكال جديدة من التعبير الفني تعتمد على الخوارزميات التوليدية والتجارب التفاعلية. كما أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لتحليل البيانات الثقافية، وفهم سلوك الجمهور، وتطوير تجارب ثقافية أكثر تفاعلاً وثراءً.

واستعرض تقرير حديث بعنوان «الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي» تحديات فكرية ومهنية تتعلق بكيفية استخدام هذه التقنيات داخل القطاع بطريقة مسؤولة ومتوازنة. وينظر التقرير إلى الثقافة بوصفها منظومة من المعاني والرموز والقيم التي تعكس هوية المجتمع وتاريخه، مؤكداً أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال يتطلب قدراً كبيراً من الوعي الثقافي والمهني، بحيث تُستخدم هذه التقنيات لتعزيز الإبداع وحفظ التراث، لا لتقويض أصالته أو إضعاف قيمه.

أطلقت السعودية «حوافز الذكاء الاصطناعي» لدعم المشروعات الثقافية لديها (الصندوق الثقافي)

وقال رائد العيد، مؤسس منصة الإدارة الثقافية ومحرر التقرير، إن العالم يعيش مرحلة أصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من الممارسة اليومية، وسيزداد حضوره في السنوات المقبلة. وأوضح أن القطاع الثقافي معني بهذا التحول بصورة خاصة؛ لأنه يتعامل مع اللغة والهوية والذاكرة والتراث والإبداع والحقوق والمعنى، مشيراً إلى أن التقرير يوازن بين استكشاف الفرص المتاحة والوعي بالمسؤولية.

وقال العيد: «أظهر التقرير حجم الفرص المتاحة أمام القطاع؛ فعندما جمعنا بعض التطبيقات عبر 16 قطاعاً، وجدنا أن إمكانات الذكاء الاصطناعي تمتد عبر سلسلة العمل الثقافي كاملة، من الإبداع والإنتاج إلى الحفظ والتوثيق، ومن الإدارة والتشغيل إلى الوصول والتعليم والبحث والتسويق».

وأشار العيد إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب من المؤسسات والممارسين الثقافيين الانتقال من سؤال «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر نضجاً يتعلق بالقيمة الثقافية المراد تحقيقها، وبالكيفية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد بها على تحقيق هذه القيمة بصورة مسؤولة.

تطوير المرجعية ومواجهة التحديات المعرفية

تناول التقرير مجموعة من المحاور التي تستعرض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات الثقافية الـ16، مثل المتاحف، والمكتبات، والفنون البصرية، والمسرح، والموسيقى، والعمارة، والتراث الثقافي وغيرها. كما ناقش التحديات الأخلاقية والمهنية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات، وقدم مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل إطاراً مرجعياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الثقافة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في القطاع الثقافي السعودي، بالتزامن مع إعلان السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، وهو إعلان يعكس التوجه الوطني نحو تعزيز الابتكار التقني وتطوير الاقتصاد المعرفي.

وأبرز التقرير أهمية تطوير مرجعيات معرفية ومهنية تساعد العاملين في القطاع الثقافي على فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته وحدوده. وكشف أن الممارسين في الحقول الثقافية اليوم، سواء كانوا باحثين أم فنانين أم مديري مؤسسات ثقافية، يواجهون واقعاً جديداً تتداخل فيه التقنيات الرقمية مع العمل الثقافي، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات معرفية تمكِّنهم من التعامل مع هذه التحولات بوعي منهجي.

وشدَّد التقرير على أن غياب التأصيل المعرفي المحلي لهذا الموضوع يشكل تحدياً مهماً، وأن معالجة هذا الغياب تُمثل خطوة أساسية لضمان تطور الممارسة الثقافية بصورة متوازنة ومستدامة، خصوصاً في ظل التوسع في استخدام التقنيات الذكية داخل المؤسسات الثقافية والمشروعات الإبداعية. وأوضح أن الممارسة التي تنشأ من دون إطار معرفي واضح قد تكون عرضة للأخطاء أو لسوء التقدير في التعامل مع القضايا المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حماية التراث، أو أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.

ولفت التقرير إلى تحديات السياق العربي، بدءاً من تفاوت أداء النماذج في اللغة العربية واللهجات، وصولاً إلى حساسية المواد الدينية والتراثية والتاريخية، والحاجة إلى بيانات عربية موثوقة ومراجعة ثقافية متخصصة.

إطار لصون القيم الثقافية

أعلنت السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي (واس)

وفي مقابل الفرص التي تتيحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي، وضع التقرير مجموعة من المبادئ التي تراعي خصوصية الثقافة، وتجعل جودة الاستخدام مرتبطة بحماية المعنى والهوية والحقوق والتنوع، إلى جانب الكفاءة التقنية.

وتشكل المبادئ التي اقترحها التقرير إطاراً يوازن بين الابتكار الرقمي وحماية القيم الثقافية والمعرفية للمجتمع.

وتبدأ هذه المنظومة بثلاثة مبادئ أساسية، أولها «مركزية الإنسان في الابتكار الثقافي»، بحيث يبقى الإنسان محور العملية الإبداعية، وتظل القرارات الثقافية الجوهرية تحت إشراف الخبراء. ويتمثل المبدأ الثاني في «حماية التنوع الثقافي»، من خلال تجنب انحياز النماذج إلى الثقافات الأكثر حضوراً في البيانات، وضمان تمثيل الثقافات المحلية والتراثية. أما المبدأ الثالث فهو «صون التراث الثقافي»، بحيث تخضع تطبيقات التوثيق والترميم وإعادة البناء للمعايير العلمية، وتحترم أصالة المادة التاريخية.

ويمتد هذا الإطار ليشمل الشفافية، وحماية الملكية الفكرية، والمسؤولية الثقافية والأخلاقية، وإتاحة المعرفة، والابتكار المسؤول، والتكامل بين الخبرتين الثقافية والتقنية، وبناء القدرات الرقمية.

ويخلص التقرير الصادر عن منصة الإدارة الثقافية إلى أن أهمية الذكاء الاصطناعي في الثقافة لا تُقاس بمجرد حداثة التقنية المستخدمة، بل بقدرته على خدمة قيمة ثقافية واضحة، وتحقيق منفعة قابلة للقياس، واحترام الحقوق والسياق والمجتمع.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين الأحداث التي شهدتها نيامي وتؤكد تضامنها مع النيجر

الخليج أحد الشوارع في نيامي عاصمة النيجر (أرشيفية - أ.ب)

السعودية تدين الأحداث التي شهدتها نيامي وتؤكد تضامنها مع النيجر

أعربت السعودية، الأحد، عن إدانتها واستنكارها للأحداث التي شهدتها العاصمة النيجرية نيامي، مؤكدة تضامنها مع حكومة النيجر وشعبها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الوفدان السعودي والباكستاني خلال مباحثات لتعزيز الأمن الغذائي وتوسيع التعاون الزراعي والتجاري بين البلدين (واس)

السعودية وباكستان تستهدفان رفع الصادرات الزراعية والغذائية إلى 3 مليارات دولار

اتفقت السعودية وباكستان على تعزيز الأمن الغذائي ورفع الصادرات الزراعية والغذائية الباكستانية للمملكة إلى 3 مليارات دولار.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد زوار في «المؤتمر السعودي البحري واللوجستي» (المؤتمر)

«المؤتمر السعودي البحري واللوجستي» ينطلق في جدة أكتوبر المقبل

ينطلق «المؤتمر السعودي البحري واللوجستي» في جدة أكتوبر المقبل بمشاركة دولية، بالتزامن مع خطط المملكة لتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الأمير تركي بن طلال أكد أن اعتماد المدينة الطبية جاء ثمرة عمل تكاملي بين وزارتي الصحة والتعليم وجامعة الملك خالد (واس)

اعتماد المدينة الطبية بـ«جامعة الملك خالد» صرحاً تخصصياً لخدمة جنوب السعودية

أعلن الأمير تركي بن طلال أمير منطقة عسير رئيس هيئة تطويرها، اعتماد المدينة الطبية بـ«جامعة الملك خالد» مدينةً طبية تخصصية لخدمة مناطق جنوب السعودية.

«الشرق الأوسط» (ابها)
تكنولوجيا توسيع أعضاء «منظمة التعاون الرقمي» من 16 إلى 24 دولة تمثل مجتمعة 980 مليون نسمة (واس)

ترشيح 8 دول لعضوية «منظمة التعاون الرقمي»

اعتمد مجلس «منظمة التعاون الرقمي» ترشيح 8 دول جديدة للانضمام إليها بعضوية كاملة، بما يُسهم في توسيع الأعضاء من 16 إلى 24 دولة عند استكمال الإجراءات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«ملتّم أغسطس» تُعكّر مزاج مصطافي البحر المتوسط بمصر

إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
TT

«ملتّم أغسطس» تُعكّر مزاج مصطافي البحر المتوسط بمصر

إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)
إخلاء شاطئ وانلي بالإسكندرية (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)

اضطر خالد محمد، مسوّق عقاري (45 سنة) إلى أن يغيّر خططه بعد أن رتّب هو وأسرته لرحلة 3 أيام في مطروح لنزول البحر والاستمتاع بأجواء المصيف في الأيام الأخيرة من أغسطس (آب) الحالي، قبل بدء موسم المدارس، بعد ما شاهد تحذيرات من نزول البحر.

وقال خالد إنه اعتاد أن يسافر للمصيف كل عام أياماً قليلة في أغسطس، لكنهم تراجعوا هذه المرة بعد أن بدأوا الترتيب للرحلة بسبب التحذيرات التي رأوها، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نفكر في تغيير وجهتنا إلى إحدى المدن المطلة على البحر الأحمر لقضاء إجازة سريعة قبل دخول المدارس».

تسببت الفترة المعروفة بـ«ملتّم أغسطس» في تعكير مزاج مصطافين، بعد قرارات برفع الرايات الحمراء ومنع المصطافين من نزول البحر في عدة محافظات تطل على البحر المتوسط هي الإسكندرية ومطروح والبحيرة وكفر الشيخ. ففي الإسكندرية، أصدرت المحافظة تنبيهاً مهماً وعاجلاً لمرتادي شواطئ المحافظة التي تمتد عشرات الكيلومترات، وجاء في التحذير أنه «طبقاً للبيانات الواردة من الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، ونظراً لاضطراب حالة البحر، سيتم رفع الراية الحمراء على جميع شواطئ سواحل محافظة الإسكندرية بداية من ظهر السبت، ويُمنع تماماً نزول الرواد إلى مياه البحر اعتباراً من هذا التوقيت، حتى إشعار آخر».

وأهابت المحافظة بجميع المواطنين ورواد الشواطئ الالتزام بالتعليمات حفاظاً على سلامتهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر. وعلق الكثير من المتابعين على التحذير بأسف وحزن، من بينهم مواطنة من الإسكندرية كتبت: «كل هذا لمجرد أننا قررنا الذهاب للبحر؟!»، وتساءل آخرون: «متى يتم السماح بنزول البحر؟»، في حين كتبت معلقة باسم «إيمي موني»: «ربنا يعديها على خير، فعلاً البحر عالي جداً وشكله يرعب، مش عارفة الناس اللي رايحة وعايزة تنزل بتفكر إزاي، ده إحنا في بيوتنا على البحر وصوت الهوا راعبنا وسقعانين!».

ونشرت محافظة مطروح تحذيراً للمواطنين من نزول البحر، وأعلنت المحافظة استمرار غلق شواطئ مطروح حتى الاثنين، حفاظاً على أرواح المصطافين، بسبب ارتفاع الأمواج ووصولها إلى 4 أمتار.

وأكد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية استمرار اضطراب الملاحة البحرية على بعض المناطق من سواحل (مطروح - العلمين - الإسكندرية - البحيرة - كفر الشيخ - الدقهلية)، كما أكد تقرير الهيئة أن سرعة الرياح تتراوح ما بين 30 و45 (كم/س)، وارتفاع الأمواج من مترين إلى 3 أمتار.

إخلاء شواطئ في الإسكندرية بسبب ارتفاع الأمواج (إدارة السياحة والمصايف بالإسكندرية)

وتوضح المتنبئة الجوية بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بهيئة الأرصاد الجوية المصرية الدكتورة منار غانم أن «ملتّم أغسطس» ليست ظاهرة جوية بالمعنى العلمي، وإنما هي مصطلح شعبي شائع بين البحّارة والصيادين بخصوص فترة زمنية في أغسطس يحدث فيها اضطراب حركة الملاحة البحرية وارتفاع الأمواج.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «في النصف الثاني من أغسطس عادة ما تظهر فروق في درجات الحرارة على مسطح البحر المتوسط نتيجة تغيّر وتنوع مصادر الكتل الهوائية، وعادة ما ينشأ عن فروق درجات الحرارة نشاط الرياح، مما يؤدي لارتفاع الموج بنسب مختلفة من عام لآخر».

وأضافت أن هذه الأسباب عادة ما تؤدي لاضطراب في حركة الملاحة البحرية، فلا يكون البحر مناسباً للصيد ولا الملاحة البحرية ولا التنزه، وهذا ما حذرت منه «الهيئة».

وأكدت أن «بعد هذه التحذيرات تم التنبيه من السلطات المحلية لإغلاق بعض الموانئ وبعض الشواطئ أو منع نزولها، وعادة ما تستمر هذه الحالة ليوم أو يومين، وتختلف شدة الأمواج وارتفاعها من شاطئ إلى آخر». وعدّت أن ذلك «يرتبط بفترة انتقالية من فصل الصيف إلى فصل الخريف الذي يفصلنا عنه نحو 3 أسابيع؛ إذ يحدث تذبذب في درجات الحرارة، ومصادر الكتل الهوائية واختلاف الحرارة بين منخفض الهند الموسمي والكتل الهوائية المعتدلة القادمة من جنوب أوروبا، مما يؤدي لنشاط الرياح على مسطح البحر المتوسط، ومن المتوقع أن تعود الأمور لطبيعتها تدريجياً يوم الثلاثاء».


لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
TT

لحماية الصحة والأحياء السكنية... الرياض تنتهج «إطاراً تنظيمياً ملزماً» يتحكم في غبار الأعمال الإنشائية

صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)
صورة لمشاريع من العاصمة السعودية (واس)

أصدرت الهيئة الملكية لمدينة الرياض دليلاً لإجراءات التحكم والسيطرة على الغبار الناتج عن الأعمال الإنشائية، يشمل التخطيط وتهيئة الموقع والحفر وحركة المركبات وتخزين المواد والهدم وتشغيل الكسارات، ومراقبة جودة الهواء وتوثيق الإجراءات.

ويضع الدليل ضمن أهدافه الحفاظ على الصحة العامة من التأثيرات الناجمة عن الغبار المتطاير، وتقليل الأضرار التي قد يسببها للمواقع المحيطة بالأعمال الإنشائية، وحماية المناطق الحضرية والبنية التحتية ومرافق المدينة من ترسباته، مع ترشيد استهلاك المياه المستخدمة في تثبيطه.

3 فئات للمشاريع

يصنف الدليل المشاريع إلى 3 فئات وفق مستوى مخاطر الغبار، وتشمل الفئة الأولى، منخفضة الخطورة، المواقع التي تقل مساحتها عن 2000 متر مربع، فيما تضم الفئة الثانية، متوسطة الخطورة، المشاريع التي تتراوح مساحتها بين ألفين و5 آلاف متر مربع. أما الفئة الثالثة، عالية الخطورة، فتشمل المواقع التي تزيد مساحتها على 5 آلاف متر مربع، أو تتجاوز فيها حركة الشاحنات 50 رحلة يومياً، أو تحتوي على كسارات أو محطات خلط خرسانة.

ويطلب من المشاريع المتوسطة والعالية إعداد خرائط للحساسية البيئية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتحديد المناطق الأكثر عرضة للغبار بناءً على اتجاه الرياح. كما يطلب تحديد المدارس والمستشفيات والمساجد والأحياء السكنية القريبة التي قد تتأثر به، وتطبيق الإجراءات اللازمة لحمايتها.

الحفر والأسطح المكشوفة

تشمل إجراءات تجهيز الموقع تخصيص مسارات للشاحنات والمعدات مرصوفة بالحصى أو كشط الأسفلت المعاد تدويره أو مادة تحد من تطاير التربة، قبل بدء الأعمال. وتتضمن رش أسطح التربة أثناء التجهيز والحفر، مع تجنب غمرها بالمياه، ودك التربة بعد انتهاء الأعمال.

وإذا توقفت الأعمال الترابية أكثر من 5 أيام، يجب استخدام مثبتات للغبار، مثل البوليمرات والمياه والمحاليل الملحية. ويحدد الدليل ارتفاع تفريغ حمولة التربة من المعدات بما لا يتجاوز 1.5 متر، ويخفضه إلى متر واحد في حالات الرياح الشديدة، مع استخدام رذاذ المياه.

ويعطي الدليل الأولوية لمصادر المياه غير الصالحة للشرب، ومنها المياه المعالجة أو المعاد تدويرها، ويلزم مرافق غسل الإطارات بإعادة تدوير المياه قدر الإمكان. كما يشترط وجود مصدر مياه احتياطي، وإيقاف الأنشطة المولدة للغبار إذا تعطلت أنظمة الرذاذ أو الرشاشات.

حركة المركبات والطرق

حدد الدليل سرعة الشاحنات والمعدات داخل المواقع بما لا يتجاوز 10 كيلومترات في الساعة على الطرق غير المسفلتة، و20 كيلومتراً في الساعة على الطرق المسفلتة. كما ألزم برش الطرق غير المسفلتة بالماء يومياً أو استخدام مثبطات التربة، وكنس الطرق المجاورة للمشروع بالمعدات الآلية مرة كل ساعة للمشاريع المتوسطة والكبيرة. ويشترط تغطية جميع حمولات الشاحنات وفحصها قبل مغادرة الموقع، على أن تمتد الأغطية فوق جوانب صندوق الشاحنة بما لا يقل عن 30 سنتيمتراً. ويجب تنظيف أي مواد منسكبة على الطرق الخدمية خلال 15 دقيقة.

غسل الإطارات وضبط المخارج

ينص الدليل على سفلتة أو تمهيد الطرق الممتدة من الطرق القائمة إلى مدخل المشروع، وتركيب أجهزة لغسل الإطارات أو استخدام نظام غمر لإزالة التربة والعوالق من الشاحنات والمعدات قبل خروجها. وفي حال استخدام وحدة الغسل، يجب ألا تقل دورة غسل كل محور عن 20 ثانية، مع تركيب مصيدة للرمال وفاصل للزيوت. أما نظام الغمر، فيتطلب شبكة مانعة للانزلاق بطول لا يقل عن 8 أمتار وحوضاً سفلياً لجمع المخلفات. كما يشترط عدم وجود آثار للمخلفات أو المياه على مسافة تتجاوز 15 متراً من بوابة الخروج.

الأكوام والكسارات

يحظر الدليل تخزين المواد أو إنشاء محطات خلط على مسافة تقل عن 200 متر من المدارس والمستشفيات والمساجد والمناطق السكنية. ويحدد ارتفاع أكوام المواد بثلاثة أمتار كحد أقصى، مع تشكيلها بصورة منخفضة ومستديرة، وتغطية الأكوام غير المستخدمة.

ويشترط استخدام صوامع محكمة الإغلاق مزودة بمرشحات للجسيمات العالقة «PM10» بكفاءة لا تقل عن 99 في المائة لتخزين الإسمنت ومواد البناء. كما يقصر استخدام الكسارات على مشاريع الفئة الثالثة، ويلزم بتغطية وحداتها، وتزويد نقاط التحميل والتنزيل والنقل بأنظمة الرذاذ أو الضباب، وتغطية السيور الناقلة وتركيب أنظمة لشفط الغبار وفلترته.

الهدم والرياح

في مواقع الهدم الكبيرة، ينص الدليل على استخدام مدافع رذاذ يصل مداها إلى ما بين 20 و30 متراً، إلى جانب الرش المستمر أثناء الهدم واستخدام المناشير المزودة بالمياه أو أنظمة شفط الغبار. كما تقتصر مساحة الهدم النشطة على 100 متر مربع في المرة الواحدة، وتتوقف أعمال الهدم إذا تجاوزت سرعة الرياح 15 كيلومتراً في الساعة.

وعند تراوح سرعة الرياح بين 15 و25 كيلومتراً في الساعة، تطبق إجراءات تثبيط إضافية، تشمل رش الطرق الترابية كل ساعة، وكنس الطرق المعبدة مرتين في كل وردية، وفحص نظام غسل الإطارات كل ساعة. وإذا تجاوزت السرعة 25 كيلومتراً في الساعة، تعلق أعمال الحفر والتسوية والخنادق والهدم والتكسير ومناولة الأكوام وتحميل النفايات.

الرصد وتوثيق الإجراءات

يلزم الدليل المشاريع متوسطة الخطورة بتركيب جهاز واحد أو أكثر لرصد جودة الهواء، والمشاريع عالية الخطورة بجهازين أو أكثر، لقياس الجسيمات العالقة «PM10» وسرعة الرياح واتجاهها، وربط البيانات بالمنصة الموحدة للهيئة والمركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي. كما يوجب تركيب كاميرات عند جميع نقاط الدخول والخروج والاحتفاظ بالمقاطع لمدة لا تقل عن 90 يوماً.

ويصدر تحذير عند وصول تركيز «PM10» إلى 250 ميكروغراماً للمتر المكعب. وإذا تجاوز 340 ميكروغراماً لأكثر من دقيقتين، تسجل مخالفة وتوقف الأعمال المسببة للغبار، فيما يستدعي استمرار التجاوز 30 دقيقة تطبيق بروتوكول تعليق الأعمال. وقبل تجهيز الموقع، يجب رصد بيانات «PM10» والرياح لمدة لا تقل عن أسبوعين على حدود المشروع، كما يلزم المقاولين باستخدام سجل يومي يوثق الرش، وحالة الأكوام والطرق وغسل الإطارات والرياح وأعطال المعدات والإجراءات التصحيحية، وحفظ النماذج ضمن سجلات خطة إدارة الغبار وتقديمها إلى الجهات التنظيمية عند طلبها.


«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
TT

«فخر الدين» يستعيد «مأساة سربرنيتسا» بلغة مبتكرة

المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)
المخرج شعر بالمسؤولية تجاه تجسيد تجربة شخص حقيقية (الشركة المنتجة)

يعود الفيلم الوثائقي القصير البوسني «فخر الدين» (Fakhrudin) إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في تاريخ البوسنة والهرسك الحديث، من خلال قصة طفل كان في السابعة من عمره عندما نجا من إبادة «سربرنيتسا» عام 1995، وعُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «سراييفو السينمائي» في البوسنة والهرسك، مقدماً حكاية شخصية ومكثفة عن النجاة وسط واحدة من أكبر مآسي الحرب البوسنية، من خلال لغة سينمائية مبتكرة تجمع بين الرسوم المتحركة والمواد الأرشيفية والشهادات المرتبطة بمحاكمات جرائم الحرب.

ولا يتعامل الفيلم مع سربرنيتسا باعتبارها حدثاً تاريخياً واسعاً فحسب، بل يختار الاقتراب منها من خلال مصير شخص واحد، فخلف الأرقام والوقائع والشهادات التي ارتبطت بالمجزرة، يقف طفل كان في السابعة، وجد نفسه وسط أحداث أكبر من قدرته على الاستيعاب، ثم نجا ليحمل ذاكرة تلك الأيام معه حتى مرحلة الرشد، ومن خلال هذا المدخل، يحاول الفيلم استعادة الجانب الإنساني من المأساة، وإبقاء الذاكرة حية عبر قصة فردية يمكن للمشاهد أن يقترب منها ويتفاعل معها.

بداية القصة

ويقول كاتب ومخرج الفيلم ألن درلييفيتش في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن المشروع لم يبدأ من فكرة كانت في ذهنه، وإنما جاء بعد أن طلب منه المنتج الرئيسي دينيس دريديتش، من شبكة التحقيقات البلقانية «BIRN»، صناعة فيلم عن فخر الدين، موضحاً أنه لم يكن يعرف الكثير عن القصة في البداية، رغم سماعه عنها من قبل، لكنه عندما بدأ في قراءة المواد المتعلقة بالطفل الذي نجا من الإبادة «اهتز تماماً» أمام تفاصيل الحكاية.

كان وقع القصة سريعاً على المخرج إلى درجة أنه كتب السيناريو خلال يومين فقط، ويؤكد أن تلك الفترة شهدت انغماسه في المواد التي كانت متاحة أمامه، وهو ما سمح له بتكوين تصور أولي سريع عن الشكل الذي يمكن أن يتخذه الفيلم.

لكن المشروع لم يكن تقليدياً منذ البداية؛ فقد كان لدى المنتج فكرة مختلفة تتمثل في صناعة فيلم رسوم متحركة، ويعترف المخرج بأن الفكرة بدت له في البداية غريبة بعض الشيء؛ إذ لم يكن من السهل، للوهلة الأولى، تصور استخدام الرسوم المتحركة لتناول موضوع يرتبط بالإبادة والحرب والموت.

غير أن هذا الانطباع تغير عندما بدأ في البحث بصورة أعمق عن القصة، وعثر على مواد وشهادات مرتبطة بمحكمة جرائم الحرب الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي. وكان من بين المواد التي أثارت اهتمامه شهادة جندي من جيش صرب البوسنة، وهو الرجل الذي أنقذ فخر الدين.

هنا، كما يقول المخرج، بدأت الصورة تتضح أمامه، وأدرك أن الرسوم المتحركة يمكن أن تصبح جزءاً من معالجة وثائقية أكثر اتساعاً، بدلاً من أن تكون مجرد أسلوب بصري. ومن ثم تشكلت فكرة الفيلم باعتباره مزيجاً من «الوثائقي والأرشيف والرسوم المتحركة».

استغرق العمل على الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

واستغرق العمل على الفيلم نحو عام ونصف العام، بينما امتدت العملية كاملة، بما في ذلك المراحل السابقة للإنتاج، نحو عامين. ويشير المخرج إلى أن المنتج دينيس دريديتش كان قد أمضى وقتاً طويلاً في الإعداد للمشروع وإجراء مقابلات مع فخر الدين نفسه، قبل أن يبدأ هو في بناء الفيلم اعتماداً على المواد التي جُمعت.

ورغم خبرته الطويلة في الإخراج وكتابة السيناريو والعمل الوثائقي والروائي، كان «فخر الدين» أول مشروع يخوض فيه المخرج تجربة العمل بالرسوم المتحركة، ولا يصف التجربة بأنها كانت صعبة بالمعنى المباشر، لكنه يقر بأنها كانت تتطلب جهداً كبيراً ولم تكن سهلة. ومع ذلك، يرى أن هذا الأسلوب فتح أمامه مساحة إبداعية مختلفة، خصوصاً أن الرسوم المتحركة حملت معنى إضافياً داخل الفيلم.

سنوات البراءة

فالرسوم المتحركة، في وعي الجمهور، ترتبط عادة بالطفولة، وبسنوات البراءة الأولى، وبالأفلام التي يشاهدها الأطفال. وفي «فخر الدين»، يصبح هذا الارتباط جزءاً من البناء الدرامي والإنساني للعمل؛ لأن الشخصية الرئيسية نفسها كانت طفلاً في السابعة عندما وقعت الأحداث.

ويقول المخرج إن هذه العلاقة بين الرسوم المتحركة والطفولة ساعدت الفريق على الوصول إلى جوهر القصة، موضحاً أن الأسلوب البصري أصبح بمثابة جسر نحو «براءة الطفل» في مواجهة المأساة التي أحاطت به.

لكن الجانب الأصعب في صناعة الفيلم، وفقاً للمخرج، لم يكن تقنياً بقدر ما كان إنسانياً، فسربرنيتسا ليست بالنسبة إلى البوسنيين مجرد واقعة تاريخية يمكن التعامل معها من مسافة آمنة، وإنما تمثل مأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجماعية.

ويقول المخرج إن العمل على أي موضوع يرتبط بسربرنيتسا يظل أمراً صعباً؛ لأنها تمثل نوعاً من المأساة الكبرى أو «المأساة الملحمية» في الذاكرة البوسنية. لكن الأمر كان أكثر حساسية في حالة «فخر الدين»؛ لأن الفيلم يضع طفلاً في قلب هذه المأساة.

ويضيف أن أحد أكبر مخاوفه أثناء العمل كان ألا يرتكب خطأ في التعامل مع قصة فخر الدين، وألا يضيف شيئاً إلى الصدمة التي عاشها، فالشخصية التي يتناولها الفيلم لم تعد طفلاً اليوم، بل أصبح رجلاً بالغاً، لكن تجربة الطفل هي جوهر الفيلم.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولهذا، كان المخرج يفكر باستمرار في المسؤولية التي تقع على عاتقه عندما يعيد تمثيل تجربة شخص حقيقية، خصوصاً تجربة مرتبطة بحدث بالغ القسوة. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد اختيار زوايا أو صور أو أسلوب سرد، وإنما محاولة للعثور على الطريقة الأكثر احتراماً لقصة الناجي.

ويبدو هذا الحرص واضحاً في اختيار الفيلم ألا يقدم سربرنيتسا من خلال خطاب سياسي أو تاريخي واسع، وإنما من خلال قصة إنسان واحد، فبدلاً من محاولة اختصار تاريخ الإبادة في دقائق محدودة، يركز الفيلم على مصير طفل، وعلى الشهادة التي توثق لحظة إنقاذه.

مشاهد مكثفة

ويعتقد المخرج أن هذا المزيج بين اللحظة التاريخية المحددة، والشهادة القضائية، والرسوم المتحركة، والمواد الأرشيفية، يمنح الفيلم كثافة تسمح له بتناول قصة أكبر من زمنه القصير، مشيراً إلى أن هذا النوع من المزج ليس شائعاً بالضرورة في الأفلام، سواء كانت قصيرة أو طويلة، ولذلك كان التحدي هو الوصول إلى صيغة تستطيع أن تختصر المأساة من دون أن تفقد معناها، فالهدف لم يكن أن يخرج المشاهد من الفيلم وهو يمتلك كل المعلومات عن سربرنيتسا، وإنما أن يخرج وهو يتذكر فخر الدين.