«بين الضباب والمسار»... كيف تحولت الذاكرة العربية إلى لوحات؟

3 فنانين عرب جمعتهم موسكو وأعادتهم جدة إلى سؤال الهوية

جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
TT

«بين الضباب والمسار»... كيف تحولت الذاكرة العربية إلى لوحات؟

جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)
جانب من معرض «بين الضباب والمسار» تبرز فيه إحدى لوحات الفنان حكيم العاقل (حافظ جاليري)

ليس من السهل أن يجتمع فنان يمني وآخر سعودي وثالثة كويتية في معرض واحد، ثم يكتشف الزائر أن ما يجمعهم ليس المدرسة الفنية ولا الأسلوب التشكيلي، بل الذاكرة نفسها. ذاكرة حملها كل واحد منهم من وطنه، واحتفظ بها سنوات طويلة، قبل أن يُعيد رسمها على جدران معرض «بين الضباب والمسار» في جدة.

قبل عقود، جلس حكيم العاقل، وعبد الستار الموسى، وثريا البقصمي في قاعات أكاديمية سوريكوف للفنون الجميلة في موسكو، يتعلمون قواعد الرسم، وبناء الضوء، وتشريح الجسد، وفلسفة اللون. لكن المدينة الروسية البعيدة لم تصنع منهم نسخاً متشابهة؛ بل أعادت كل واحد منهم إلى بلده وهو يحمل لغة بصرية مختلفة، لكن بقي سؤال الهوية والذاكرة هو الخيط الذي لم ينقطع بينهم.

لوحة غسلة الرجل للفنان عبد الستار الموسى (حافظ جاليري)

بالنسبة للفنان اليمني حكيم العاقل، لا تبدأ اللوحة من الجبل، ولا من المرأة، ولا حتى من الضباب الذي يتكرر في أعماله، بل من الذاكرة. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الذاكرة ليست خزاناً للماضي، بل النواة الصلبة التي تشكل المستقبل»، مؤكداً أن الفن لا يؤدي وظيفة التوثيق وحدها، وإنما يتحول إلى «الحارس البديل» للهوية، حين تتبدل الأمكنة وتتغير ملامح المجتمعات. ولهذا، لا يرى في المرأة والجبال عناصر تشكيلية بقدر ما يراها ركائز للوجود اليمني؛ فالمرأة بالنسبة له تُمثل الاستمرار والخصوبة، والجبل يرمز إلى الكبرياء والثبات، في حين يتحول الضباب إلى مساحة بين الواقع والخيال، يخفي الماضي بقدر ما يكشفه.

لوحة حوريات الجبال للفنان عبد الحكيم العاقل (حافظ جاليري)

ويستعيد العاقل سنوات دراسته في موسكو بوصفها لحظة تأسيس فني، لكنه يؤكد أنه عاد إلى اليمن ليبحث عن ضوء مختلف. يختصر تلك الرحلة بقوله «في موسكو تعلّمت كيف أرى الضوء، وفي اليمن تعلمت كيف أتنفس اللون».

ويضيف، المدرسة الروسية منحته الانضباط في بناء اللوحة، لكنه لم يحملها كما هي، بل جعلها إطاراً يحتضن الروح اليمنية، حتى أصبحت الجبال والوجوه والقرى في أعماله أقرب إلى الأسطورة منها إلى المشهد الواقعي.

وحين يُسأل عن اليمن بعد سنوات طويلة من التحولات، لا يتحدث عن الخراب، بل عن البقاء، قائلاً إنه إذا أعاد رسم ذاكرة بلاده اليوم فسيرسمها «ناجياً أبدياً يرتدي جباله عباءة، وينتظر الصباح».

وفي الطرف الآخر من المعرض، تبدو ثريا البقصمي كأنها تكمل الجملة نفسها، ولكن من زاوية مختلفة، فالمرأة التي يرسمها العاقل بوصفها امتداداً للأرض، تراها ثريا البقصمي محوراً للتغيير الاجتماعي، لا مجرد رمز للجمال.

لوحة الأرض الطيبة للفنانة ثريا البقصمي (حافظ جاليري)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»، المرأة في الفن العربي خرجت عن دورها التقليدي داخل اللوحة، ولم تعد مجرد حضور يزين المشهد، بل أصبحت تُمثل الطموح، والقدرة على التغيير، وصناعة المستقبل.

وترى أن هذا التحول جاء نتيجة تطور الحركة الفنية الخليجية، وانفتاح الفنانين على تجارب العالم، ومن بينها تجربتها الشخصية في الاتحاد السوفياتي؛ حيث كان الإنسان محور الدراسة الأكاديمية، في وقت كانت فيه العديد من التجارب الخليجية لا تزال تميل إلى رسم المناظر الطبيعية والعناصر الفلكلورية.

وتؤكد أن هذه التحولات انعكست مباشرة على أعمالها، التي تناولت قضايا المرأة وحقوقها، قبل أن تبلغ ذروتها مع لوحتها الشهيرة «لا للاحتلال»، التي رسمتها بعد أيام قليلة من الغزو العراقي للكويت.

وتستعيد تلك اللحظة بوصفها واحدة من أكثر محطات حياتها تأثيراً، موضحة أن اللوحة صُممت لتوزع سراً على أفراد المقاومة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى عمل اقتنته متاحف ومجموعات فنية، وظلت بالنسبة إليها التعبير الأصدق عن رفض الكويتيين للاحتلال.

ورغم أنها تجمع بين الرسم والكتابة، فإنها ترى أن لكل منهما لغته الخاصة، وتقول إن اللوحة لا تولد بالأبجدية نفسها التي تولد بها الكلمة، وإن ما يجمعهما هو الخيال، أما أدوات التعبير فتبقى مختلفة تماماً. ولعل أكثر ما يلفت ثريا البقصمي في معرض جدة أن اختيار الأعمال جرى بصورة مستقلة، لكن المرأة حضرت بوصفها القاسم المشترك بين الفنانين الثلاثة، رغم اختلاف أوطانهم وتجاربهم.

وهنا يكتسب عنوان المعرض، «بين الضباب والمسار»، معنى آخر، فالضباب لا يُحيط بالجبال في لوحات حكيم العاقل وحدها، بل يحيط أيضاً بالذاكرة العربية نفسها؛ تلك الذاكرة التي يحاول فيها كل فنان إنقاذها بطريقته. العاقل يبحث عن ذاكرة المكان، وثريا تتمسك بذاكرة الإنسان، في حين يوثق عبد الستار الموسى ذاكرة المجتمع من خلال وجوهه وحياته اليومية، لتلتقي التجارب الثلاث عند سؤال واحد: كيف يمكن للفن أن يحفظ ما يعجز الزمن عن الاحتفاظ به، وربما لهذا السبب لا يبدو المعرض مجرد لقاء لثلاثة فنانين درسوا في موسكو، بل يبدو حواراً بين 3 أوطان عربية، اختارت أن تروي قصصها بالألوان بدلاً من الكلمات، وأن تجعل من اللوحة مكاناً تقيم فيه الذاكرة، حتى عندما يتغير كل شيء خارج إطارها.


مقالات ذات صلة

«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

يوميات الشرق يبدو أصحاب النمط المسائي أقل تمتعاً بالصحة ويواجهون صعوبات أكثر في العمل (بيكسلز)

«عُشّاق السهر» أكثر عُرضة للتقاعد المبكر

كشفت دراسة جديدة أن الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى النشاط أكثر في المساء أو كما يعرفون بـ«عشاق السهر» هم أكثر عُرضة للتقاعد المبكر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كلّ هذه العيون عليه... وعيناه على البحر (أ.ف.ب)

قرش عالق يخطف الأضواء... 600 ألف زائر لمشاهدته

أصبحت سمكة قرش تقطعت بها السُّبل في قناة بميناء بوسان الكوري الجنوبي أحدث ظاهرة في عالم الحياة البرّية بالبلاد...

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق عمال يغرسون شجرة نخيل في أحد شوارع الجيزة (محافظة الجيزة)

هل تُعوَّض آلاف الأشجار الجديدة المقطوعة في شوارع مصر؟

اعتمدت الحكومة المصرية مؤخراً خطة لتخضير القاهرة، بعد انتقادات حادة طالتها بسبب قطع أشجار عتيقة في شارع «جامعة الدول».

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أمامها رقعة من 64 مربعاً... وخلفها 11 عاماً فقط (رويترز)

على رقعة الكبار... طفلة بريطانية تصنع تاريخ الشطرنج

أصبحت طفلة بريطانية موهوبة في الشطرنج أصغر لاعبة في التاريخ تنال لقب «غراند ماستر» للسيدات...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات ارتبطت بانخفاض التحصيل الدراسي العام وصعوبات في تكوين صداقات (رويترز)

دراسة: قضاء وقت طويل أمام الشاشات قد يضر الأطفال أكثر من الفقر

كشفت دراسة جديدة عن أن قضاء الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات قد يلحق أضراراً بهم تفوق تلك الناجمة عن الولادة في ظل ظروف الفقر.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.