«أرشيف بدوي»... فوتوغرافيا تُسجل 70 عاماً من ذاكرة الإسكندرية

معرض فني يضم 50 صورة لـ«عروس المتوسط»

صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
TT

«أرشيف بدوي»... فوتوغرافيا تُسجل 70 عاماً من ذاكرة الإسكندرية

صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)
صورة تبرز حرص الأسرة المصرية قديماً على زيارة الحدائق العامة (الشرق الأوسط)

التجوّل في حي «كوم الدكة» بمدينة الإسكندرية (شمال مصر) يبدو اليوم أشبه برحلة في ذاكرة الثغر؛ فحوائط البنايات والمنازل في هذا الحي العتيق تكتسي بمجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة لشخوص وأمكنة تعود إلى القرن الماضي، وتمتد لما يزيد على 70 عاماً.

وقد جاءت هذه الصور ضمن احتفالية «أيام التراث السكندري» بعنوان «بدوي من كوم الدكة»، التي انطلقت في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وكان من المقرر رفعها في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) بعد انتهاء المعرض، غير أن الجمهور رفض ذلك، وتمسّك ببقائها جزءاً من معالم المكان، بعدما لامست مشاعرهم وأيقظت ذكريات لم تفلح السنوات الطويلة في محوها من وجدانهم، على حد تعبير بعضهم.

أما المعرض، الذي يضم أعمال المصوّر الفوتوغرافي المصري أحمد بدوي، المولود في حي كوم الدكة والذي أسّس فيه الاستوديو الخاص به، فقد شكّلت صوره ذاكرة حيّة للمدينة تعكس مراحل من تاريخها وتحفظ ملامحها القديمة.

صور للجنازة الرمزية التي أقيمت للزعيم جمال عبد الناصر في الإسكندرية (الشرق الأوسط)

جاءت الفكرة انطلاقاً من «الرغبة في تقديم معرض مميّز يخرج من جدران الغاليريهات الفنية والقاعات والمراكز المتخصصة إلى براح الشوارع؛ ليذهب إلى الناس حيث يعيشون ويعملون، أو حتى يمرّون مصادفة، بدلاً من انتظار أن يتوجّهوا هم إليه في مكان مغلق وأنيق»، وفق المصوّر الصحافي عبد العزيز بدوي، مسؤول الأرشيف وحفيد صاحب الاستوديو الراحل.

وقد رأى عبد العزيز، ومعه الصديقان الصحافيان حازم جودة وأحمد ناجي، اللذان يشاركانه ترميم وإدارة «أرشيف بدوي»، أن الفكرة غير مسبوقة في المدينة، وربما في مصر كلها؛ لذلك تحمّسوا لها بشدّة، وطرحوا المشروع على إدارة احتفالية «التراث السكندري»، التي رحّبت بتنفيذه على الفور.

ويقول عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط»: «طبعنا نحو 25 صورة في البداية من أرشيف بدوي، وعلّقناها على حوائط البنايات والمقاهي والمتاجر في منطقة كوم الدكة، متّبعين المسار نفسه الذي كان يسلكه جدّي ذهاباً إلى الاستوديو الخاص به، بدءاً من منزله في الحي وصولاً إلى المحل الكائن في منطقة محطة الرمل. وفوجئنا يوم الافتتاح بترحاب كبير من أبناء المكان، حتى بدا الأمر وكأنه مناسبة عائلية».

الحفيد يُرمِّم بعض صور الأرشيف وفي الخلفية صورة للجد أمام الاستوديو (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن أبناء الحي أخذوا يرددون أن الصور تُجسِّد قصصهم وحكايات عائلاتهم وذكرياتهم، بل طالبوا بتعليق المزيد منها. ويتابع: «استجبنا لهم حتى وصل عددها إلى نحو 50 صورة، وعندما جاء موعد رفعها تمسّكوا ببقائها وطلبوا أن تظل معلّقة بشكل دائم؛ وقد كان لهم ما أرادوا».

ويعتقد عبد العزيز أن سِرَّ تعلّق الأهالي بهذه الصور هو أنها «لامست قلوبهم»، مضيفاً: «إنها تجسّد فعلاً حياة الناس وجذورهم وامتدادهم، كما أن مَن التقطها كان واحداً منهم». ويشير عبد العزيز إلى لفتة طريفة حين كان سكان الحي، بعد أن رأوا المنظمين يعلّقون صور الأرشيف، «هم الذين يعرّفوننا بالشخصيات الموجودة فيها، ويروون حكايات آبائهم وأجدادهم بفرح وحنين وشجن».

ومن المواقف التي لا ينساها الحفيد، تلك السيدة التي جاءت إليه وهي تحتضن صورة بيدها، وقالت له: «هذه آخر صورة لشقيقي... التقطها له جدّك في الاستوديو قبل أن يتطوّع للخدمة، واستُشهد في حرب أكتوبر بيوم واحد فقط، وكأنه أراد أن يترك لنا ذكرى لا تزول».

أهل حي «كوم الدكة» يشرحون للزائرين والأجيال الجديدة حكايات الصور (الشرق الأوسط)

يرى عم أحمد السيد، أحد سكان الحي، أن من أهم المكاسب التي حققها هذا المعرض الدائم أنه «أعاد الإحساس بالدفء إلى المكان، واستعاد المجتمع المصري كما كان في الزمن الجميل، كما أعاد الإحساس بالجمال». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أصبحت الناس تسير في شوارع الحي وتمارس حياتها الطبيعية، تبيع، وتشتري، وتجلس على المقاهي، والذكريات تحيط بهم في هيئة صور. وأصبحوا يتطوعون لسرد قصة المعرض والحديث عن شخوص الصور لكل من يمر بالمكان بفخر. إنه بمثابة تنشيط للسياحة، وأتوقّع زيادة المترددين على هذه المنطقة التي تُعد نقطة جذب سياحي لتعدّد معالمها».

لكن كيف وقع الحفيد وصديقاه على هذا الكنز من الصور الفوتوغرافية النادرة؟ يقول عبد العزيز: «كنا نذهب للعمل داخل استوديو جدّي، وكان أمامنا أرشيف من الصور يعود إلى الثمانينات. وذات يوم نزلنا إلى السرداب بحثاً عن كاميرا قديمة، فإذا بنا نعثر على مئات الآلاف من الصور التي يعود بعضها إلى الأربعينات من القرن الماضي».

ويضيف: «نُرمّم الآن هذه الأعمال، ونحاول الحصول على منح لمواصلة هذا المشروع. ولم يقتصر الأمر على الصور؛ فقد اكتشفنا أيضاً مراسلات بين جدّي وأحد أصدقائه المداومين على السفر إلى أوروبا، عرفنا منها أنه كان يطلب أحدث الكتالوغات والكاميرات المتوفرة آنذاك؛ ما يدلّ على أنه كان مواكباً لعصره. وقد تضافر ذلك مع موهبته، فكانت النتيجة تميّزه مصوّراً فوتوغرافياً يتفوّق علينا نحن الجيل الجديد رغم التطور واستخدامنا للتصوير الرقمي».

الصور أصبحت جزءاً من نسيج شوارع الحي (الشرق الأوسط)

وتابع: «داخل الاستوديو شاهدنا جانباً من أرشيف بدوي الذي عمل مصوّراً رسمياً لديوان المحافظة، ومصوّراً صحافياً لأشهر الصحف المصرية، مما أتاح له توثيق الأحداث المهمة في الإسكندرية أيضاً. وكان من أبرزها الجنازة الرمزية الموازية التي شهدتها المدينة عند رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، إضافة إلى صور لرموز مصرية في مؤتمرات ومهرجانات مختلفة».

وتغطي الصور فترة زمنية واسعة تمتد من أربعينات القرن الماضي حتى عام 2005، حين توقف الجد عن التصوير إلى أن رحل في عام 2013، وفق ما يوضحه الحفيد.

يشرح عبد العزيز أن «الصور تعكس نبض المدينة وتشكّل ذاكرتها الحيّة؛ فهي توضّح الطرز المعمارية والأماكن التي اندثرت، كما تُبرز موضات الملابس وتسريحات الشعر. وتُظهر كيف كانت الأسرة المصرية تحرص بين حين وآخر على التقاط (صورة الأسرة) داخل الاستوديو توثيقاً لتاريخها». ويتابع: «وتعكس كذلك حرص العائلات على الخروج الجماعي والتنزه معاً في المعالم السياحية».

صورة طفل يرتدي بيجامة «كستور» أنيقة وحذاءً أسود كلاسيكياً أمام ساعة الزهور (الشرق الأوسط)

ومن الصور التي لا ينساها عبد العزيز، وأثارت داخله كثيراً من الأسئلة، صورةٌ لطفل مصري يرتدي بيجامة «كستور» أنيقة وحذاءً أسود كلاسيكياً، يلعب بدراجة صغيرة أمام «ساعة الزهور». وقد نُشرت هذه الصورة في جريدة «الأهرام» خلال العيد عام 1964. ويقول عبد العزيز إنه يتمنَّى أن يعرف أين أصبح هذا الطفل اليوم؟ وهل وصلت إليه صورته يوماً؟

ومن المقرّر أن يشارك «أرشيف بدوي» بمجموعة من الصور المتنوعة في فعاليات عدّة بالقاهرة والإسكندرية، ليتعرَّف جمهور أوسع على حكايات من ذاكرة «عروس البحر المتوسط».


مقالات ذات صلة

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

يوميات الشرق تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية...

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

في فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني على كامل مساحة الجناح السعودي مثل سجادة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملونة، وينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة.

عبير مشخص (الرياض - لندن)
لمسات الموضة الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)

«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

مساء الاثنين الماضي، كانت الموضة فناً قائماً بذاته. هذا هو عنوان حفل الميتروبوليتان 2026، الحدث السنوي الذي يقيمه متحف ميتروبوليتان في نيويورك.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«تقاسيم»... معرض قاهري على إيقاع الأبيض والأسود

تطل أبراج الحمام فوق البيوت الريفية وفي الخلفية تعلو قامة النخيل الذي يحرس الأرض ويظللها من لهيب الشمس، فيما تسير المراكب أو ترسو بحنوٍّ على صفحة المياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عمل «حاسوبيا» للفنان مات كوليشو في «معرض من الأرض» (الشرق الأوسط)

«من الأرض»... معرض سعودي للفنون المعاصرة يكشف الوجه الخفي للتكنولوجيا

يتحول الفن في المعرض الذي يحتضنه مركز الدرعية لفنون المستقبل إلى أداة تفكير تتجاوز العرض البصري إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الإنسان والتكنولوجيا والطبيعة.

فاطمة القحطاني (الرياض)

ادعاء الإصابة بالسرطان... أحدث حيل جمع التبرعات إلكترونياً في مصر

صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
TT

ادعاء الإصابة بالسرطان... أحدث حيل جمع التبرعات إلكترونياً في مصر

صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)
صورة من حساب السيدة المصرية على (إنستغرام)

أثارت «بلوغر» مصرية تدعى «دنيا»، يتابعها أكثر من 60 ألفاً عبر حسابها بموقع «إنستغرام»، ضجة في مصر أخيراً، بعد ادعائها الإصابة بالسرطان، وجمع مبالغ مليونية إلكترونياً، في حيلة تعدّ هي الأحدث من نوعها في مصر لجمع التبرعات.

واعتادت «دنيا» قبل اكتشاف أمرها، نشر الفيديوهات والصور، والظهور على سرير المرض في المستشفى بحالة حرجة أحياناً، وكذلك بصحبة أصدقائها، ووالدتها وابنتها، والحديث عن معاناتها وطلب الدعاء، كما خرجت في «بث مباشر» لتعلن انتظارها نتيجة تحليل عينة بعد تحمل 3 سنوات من الألم، وفق حديثها.

بدورها، أعلنت وزارة الداخلية المصرية كشف ملابسات ما تم تداوله بشأن ادعاء إحدى السيدات بمحافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة) إصابتها بأمراض سرطانية، وجمع مبالغ مالية على سبيل التبرعات من المواطنين، عقب تقديم صحافية مصرية لبلاغ، أفادت خلاله بتضررها منها لقيامها بالنصب والاحتيال عليها، واستغلالها لجمع تبرعات.

وأكد بيان نشرته وزارة الداخلية، ضبط المشكو في حقها، بعد أن أقرت بقيامها بنشر مقاطع فيديو على حساباتها لجمع تبرعات مالية من المواطنين لمساعدتها في العلاج، عقب شعورها بآلام ظنت أنها «أورام سرطانية»، ولم تقدم أي مستندات تدعم أقوالها.

وعقب اكتشاف حيلتها الإلكترونية، تحولت التعليقات على حساب «دنيا» «السوشيالي»، من التعاطف والدعاء، وتمني الشفاء، للنقيض تماماً، والهجوم عليها واتهامها بالنصب، وادعاء المرض، والدعوة لعدم تصديق كل ما يثار، والتأكد من الحالات المرضية قبل التعاطف والتبرع.

الجهات الأمنية ألقت القبض على البلوغر (وزارة الداخلية المصرية)

من جانبه، أكد المحامي المصري أيمن محفوظ، أن «السيدة استغلت مشاعر الناس بادعائها محاربة السرطان على خلاف الحقيقة، للحصول على تبرعات»، لافتاً إلى أن «حالتها ليست الأولى فقد سبقها في ذلك شاب مصري يدعى (محمد ق) بمساعدة والدته، وادعاء الإصابة بالسرطان وتم القبض عليهما».

وأضاف محفوظ لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتهامات المُسندة لتلك السيدة ستكون في نطاق (نشر أخبار كاذبة)، و(تكدير الأمن والسلم العام)، و(النصب على المواطنين)، وتصل عقوبتها إلى السجن 3 سنوات، وغرامة مليون جنيه، طبقاً لنصوص المواد 98،160،187،336 من قانون العقوبات، ومخالفة قانون (مكافحة الجرائم المعلوماتية) رقم 175 لسنه 2018، حيث ادعت إصابتها بالمرض لغرض تحقيق الشهرة والثراء، بلا عمل مشروع».

في السياق، أكد المكتب القانوني للمدعى عليها، تنحيه عن القضية، بعد تواصلها مع مكتبهم لطلب الدفاع عنها، وشرح بعض التفاصيل الخاصة، بعد استقصاء الحقيقة كاملة، وذلك احتراماً لأهالي المحافظة، وفق بيان رسمي للمكتب.

وأوضحت أستاذة الدعاية والإعلان بإعلام القاهرة الدكتورة سارة فوزي لـ«الشرق الأوسط»، أن «التسول تحول من الحياة الواقعية، إلى تسول إلكتروني واستثمار للعاطفة الإنسانية للمستخدمين، خصوصاً أن فئات مجتمعية كثيرة باتت عرضة للتأثر بهذه الحالات دون تحقق ووعي رقمي».

وأضافت أن «السوشيال ميديا بطبيعتها عاطفية، وتدعم المحتوى الذي يثير العواطف الإيجابية أو السلبية، ويظهرها بكثافة من خلال الخوارزميات، بسبب التفاعل المكثف عبر التعليقات والمشاركات، وعلامات الإعجاب، التي تؤدي للتعاطف مع الحالة، بعيداً عن مدى مصداقيتها».

ولفتت إلى أن «التسول تطور بعيداً عن الواقع والشارع، وامتد إلى (السوشيال ميديا)، من خلال الفيديوهات المسجلة، والمنشورات المؤثرة، والبكاء».

ووصفت المتخصصة في الدعاية والإعلان ما يحدث بـ«العدوى الرقمية العاطفية، وتفاعل البعض إجبارياً خوفاً من اتهامهم بالقسوة والجمود، ومن ثمّ تزداد المتاجرة في محاولة لكسب مبالغ مالية أو شهرة»، مؤكدة أن ما يحدث يفوّت الفرصة على الحالات المحتاجة فعلاً لخوف الناس من الوقوع في فخ تبرعات ونصب جديد.

وبخلاف واقعة «دنيا»، قامت إحدى السيدات في أستراليا قبل سنوات بادعاء الإصابة بالسرطان وتعافيها، وتفعيل مؤسسة رقمية للحديث عن قصتها، إلى أن تم اكتشاف أمرها ومعاقبتها، وسيدة من أميركا، وأخرى من بريطانيا، جميعهن أكدن إصابتهن بالسرطان تحديداً، بهدف جمع مبالغ مالية عبر مواقع «سوشيالية» متنوعة، إلى أن اكتُشف أمرهن، وتعرضن لعقوبات قانونية.


رحلة الجنيه المصري من الذهب إلى خامات اقتصادية تعكس تآكل قيمته

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

رحلة الجنيه المصري من الذهب إلى خامات اقتصادية تعكس تآكل قيمته

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في أحد مشاهد فيلم «الرجل الثاني» الذي أُنتج عام 1959، تظهر الفنانة سامية جمال وسط أجواء الفيلم الأنيقة، تتحرك بخفة معتادة بينما يدور الحوار حول قيمة الجنيه المصري، قبل أن تشير إلى أن «الجنيه يساوي دولارين ونصف الدولار»، خلال حديثها عن الاتجار بالعملة في السوق الموازية، ورغم أنه مشهد لم يتوقف المشاهد طويلاً أمامه آنذاك، فإنه بات اليوم مشهداً توثيقياً لتآكل قيمة الجنيه.

قصة الجنيه المصري بدأت رسمياً عام 1834، حينما أصدر حاكم مصر محمد علي باشا فرماناً بإنشاء عملة مصرية تعتمد على الذهب والفضة، قبل أن تصدر أولى العملات عام 1836، وقتها لم يكن الجنيه مجرد وسيلة للتبادل، بل كان يحمل قيمة حقيقية مرتبطة بالمعدن نفسه، وحين أصدر البنك الأهلي أول جنيه ورقي عام 1899، كانت قيمته تعادل 7.43 غرام من الذهب، أي ما يساوي أكثر من 5 دولارات وفق أسعار الذهب آنذاك.

ظل الجنيه لعقود طويلة محتفظاً بمكانته، حتى مع ربطه بالدولار عام 1962، ظل محافظاً على جزء من قيمته التي تراجعت تدريجياً، حتى أصبح يسجل في البنوك متوسط 53.5 جنيه لكل دولار؛ هذا التراجع انعكس بدوره حتى على المادة التي يُصنع منها، فالعملة التي بدأت رحلتها من الذهب والفضة، انتهت إلى خامات اقتصادية منخفضة التكلفة، في محاولة لتقليل نفقات الإنتاج ومواجهة ظواهر مثل نقص «الفكة» و«صهر العملات».

تراجعت قيمة الجنيه المصري بشكل لافت خلال السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وعدلت مصر من المواصفات الفنية للعملات المعدنية وفي مقدمتها «الجنيه» ضمن إجراءات اتخذت لإتاحة كميات إضافية من الفكة في الأسواق، مع تأكيد رئيس مصلحة الخزانة العامة جمال حسين العمل على توفير «الفكة» مع استحداث عملة معدنية جديدة فئة «جنيهان» بما يساهم في دعم هيكل الفئات النقدية وتيسير عمليات التداول، وفق بيان رسمي الشهر الماضي.

وبدأت عملية ضخ الفكة بالفعل في الأسواق من خلال عدة مواقع مع إتاحة الفرصة للمواطنين للحصول على «الفكة» بشكل منظم ويومي في مواعيد العمل الرسمية، الأمر الذي لم يقتصر على القاهرة ولكن امتد ليشمل عدة محافظات؛ وفق «المصلحة».

تكلفة الفكة

أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان عمرو سليمان يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «تكلفة إصدار (الفكة) عالمياً ارتفعت مع ارتفاع أسعار المعادن على غرار النيكل والنحاس، وفي ظل معدلات التضخم العالمية تتحول قيمة العملة لتكون أكبر من تكلفة الإصدار بما قد يؤدي لإعادة صهر العملة من جانب المصنعين في صناعات محددة لاستخدام المعدن الموجود فيها لأن قيمتها السلعية تكون أعلى من قيمتها النقدية».

رأي يدعمه الخبير الاقتصادي كريم العمدة، الذي يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن تسجيل تراجعات في قيمة الجنيه بشكل تدريجي وعلى فترات لعب دوراً في اختيار المواد التي تصنع منها العملات المعدنية لتكون القيمة أقل مما تساويه العملة نفسها لتجنب تعرض العملة للصهر، وإعادة استخدام مكوناتها، لكن تراجع قيمة الجنيه في العقد الماضي بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المعادن عالمياً جعلا على سبيل المثال قيمة المعادن في الجنيه الفضة ربما تزيد على قيمته بنسبة تصل إلى 25 في المائة، الأمر الذي أعاد الحديث عن ظاهرة صهر العملات للاستفادة من مكوناتها المعدنية.

وحتى يناير (كانون الثاني) 2011 كان متوسط سعر صرف الدولار أمام الجنيه يعادل 5.5 جنيه، لكن الاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد، بالإضافة إلى تبني الحكومة خطة إصلاح اقتصادي تتضمن إصلاحات هيكلية في الاقتصاد المصري مع الاستقرار على سعر صرف مرن للعملة؛ ساهما في انخفاض قيمة الجنيه ليسجل 53.5 جنيه أمام الدولار هذا الأسبوع.

تطورت الفكة على مدار عقود (مصلحة سك العملة)

ويشتكي عدد كبير من المواطنين من نقص «الفكة» في الأسواق خلال الشهور الماضية، وهو أمر لم يقتصر فقط على المواطنين ولكن امتد للمسؤولين، ومنهم رئيس الهيئة القومية للأنفاق طارق جويلي، الذي تحدث في تصريحات تلفزيونية مطلع العام الجاري عن وجود «أزمة حادة» في توفير «الفكة» لتذاكر المترو.

وبحسب العمدة فإن توافر «الفكة»، حتى مع تراجع القيمة الشرائية للجنيه بشكل كبير، أمر ضروري لكونه يساهم في الحد من ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، خصوصاً في ظل الزيادات المضطردة في الأسعار والسلع والخدمات، الأمر الذي يلعب دوراً في محدودية التأثير، لافتاً إلى أن إعادة النظر في بعض الخامات المستخدمة في تصنيع «الفكة» أمر حتمي، حتى لو جرى استبدال بعضها من عملات معدنية إلى ورقية؛ باعتبارها أقل في التكلفة.

ويؤكد عمرو سليمان أن «زيادة معدلات النمو وعمليات الشراء والبيع في المعاملات» تتبعها بالضرورة الحاجة إلى «فكة»، وبالتالي يتطلب الأمر زيادة في المبالغ المالية التي يتم ضخها باستمرار.


«مانجا العربية» تواصل توسعها الدولي وتطلق مبيعاتها في شمال أفريقيا

توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
TT

«مانجا العربية» تواصل توسعها الدولي وتطلق مبيعاتها في شمال أفريقيا

توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)
توفر «مانجا» منصة احترافية تُسهم في صقل المواهب وتعريف القراء العرب بأعمال جديدة تحمل بصمة محلية وعربية أصيلة (الشرق الأوسط)

في خطوة جديدة ضمن مسارها التوسعي خارج السعودية، أعلنت شركة «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام SRMG»، عن بدء مبيعات إصداراتها في أسواق شمال أفريقيا وتحديداً المملكة المغربية، في إطار خطتها الرامية إلى توسيع حضورها في الأسواق الدولية، وتعزيز وصول المحتوى الإبداعي العربي إلى شرائح أوسع من القراء في المنطقة والعالم.

ويأتي هذا التوسع امتداداً لجهود «مانجا العربية» في بناء حضور دولي متنامٍ، عبر تطوير قنوات توزيعها، وتوسيع نطاق وصول منتجاتها وإصداراتها إلى أسواق جديدة، بما يدعم رؤيتها في تصدير الإبداع السعودي والعربي، وتقديم محتوى قصصي بصري يعكس الهوية الثقافية السعودية والعربية بأسلوب معاصر قادر على الوصول إلى جمهور متنوع، ومن خلال دخولها أسواق شمال أفريقيا، تفتح «مانجا العربية» نافذة جديدة أمام القراء والمهتمين بفن القصص المصورة للاطلاع على مجموعة من إصداراتها المتنوعة، بما يشمل الأعمال السعودية والعربية الأصلية والأعمال العالمية المترجمة رسمياً للغة العربية، ضمن تجربة مثرية تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتواكب الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الأعمال في عدد من الأسواق الدولية.

أعلنت «مانجا العربية» عن بدء مبيعات إصداراتها في أسواق شمال أفريقيا وتحديداً المغرب (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الخطوة امتداداً لمسيرة «مانجا العربية» في دعم صناعة المحتوى الإبداعي العربي، وتعزيز حضور المواهب الشابة في قطاع المانجا والقصص المصورة؛ إذ أطلقت الشركة قبل عدة أشهر مبادرة «واعدة»، الهادفة إلى تمكين جيل جديد من الكتّاب والرسامين العرب، وفتح آفاق أوسع أمام أعمالهم للوصول إلى الجمهور عبر منصاتها الرقمية المختلفة.

ومنذ إطلاقها، احتضنت مبادرة «واعدة»، 9 أعمال إبداعية قدّمها شباب وشابات من مختلف أنحاء العالم العربي، في خطوة تعكس التزام «مانجا العربية» بتطوير البيئة الإبداعية، وتوفير مسارات عملية لاكتشاف المواهب وصقلها ونشر إنتاجاتها، كما تواصل «مانجا العربية»، وللعام الرابع على التوالي، تنظيم مسابقتها السنوية المخصصة لدعم المبدعين العرب، بجوائز تجاوزت قيمتها 350 ألف ريال سعودي منذ انطلاقتها، بما يعزز دورها الريادي في تمكين الشباب، ورفد صناعة المانجا بمواهب قادرة على المنافسة محلياً ودولياً.

وقال المهندس فارس آل رشود، نائب المدير العام بـ«مانجا العربية»: «يمثل بدء مبيعات (مانجا العربية) في أسواق شمال أفريقيا خطوة مهمة ضمن توجهنا الاستراتيجي للتوسع في الأسواق الدولية، والوصول بإصداراتنا إلى جمهور أوسع خارج المنطقة، كما نؤمن بأن الأعمال العربية الإبداعية تمتلك اليوم فرصاً حقيقية للحضور والمنافسة عالمياً، متى ما قُدِّمت بجودة عالية، ورؤية واضحة، وقنوات توزيع فعالة».

وأضاف آل رشود: «نسعى في (مانجا العربية) إلى ترسيخ حضورنا الدولي، من خلال التوسع في نقاط البيع والتوزيع، وبناء شراكات نوعية، وتقديم أعمال تجمع بين الأصالة العريقة، والقوالب الحديثة في صناعة الأعمال الإبداعية، بما يسهم في تعزيز حضور الإبداع السعودي والعربي في الأسواق العالمية».

وتُعد هذه الخطوة جزءاً من مسيرة «مانجا العربية» في توسيع انتشارها وتطوير حضورها خارج الأسواق المحلية، مستفيدة من النمو الذي حققته خلال السنوات الماضية على مستوى النشر والتوزيع والتحول الرقمي، وتواصل الشركة العمل على تقديم محتوى قصصي وإبداعي موجه للصغار والشباب، عبر منظومة متكاملة تجمع بين الإصدارات المطبوعة والمنصات الرقمية.