«الملكة والحفيدة»... معرض مصري يستعيد فنون الأسرة العلوية

يضم 65 لوحة تحمل رائحة الماضي

لوحة من المجموعة الصوفية للفنانة ياسمين بيريتن (الشرق الأوسط)
لوحة من المجموعة الصوفية للفنانة ياسمين بيريتن (الشرق الأوسط)
TT

«الملكة والحفيدة»... معرض مصري يستعيد فنون الأسرة العلوية

لوحة من المجموعة الصوفية للفنانة ياسمين بيريتن (الشرق الأوسط)
لوحة من المجموعة الصوفية للفنانة ياسمين بيريتن (الشرق الأوسط)

في أجواء تحمل عبق الماضي، وتستدعي ملامح الحقبة الملكية للأسرة العلوية في مصر، يقدم معرض «الملكة والحفیدة» 65 لوحة تتمتع بقوة تعبيرية لافتة، وحساسية جمالية نحو اللون والإيقاع والبناء الفني.

ويجمع المعرض الذي يُقام في غاليري «ليوان» بالقاهرة بين بصمة الملكة المصرية السابقة فریدة (1921-1988)، ورؤیة حفيدتها الأمیرة یاسمین بیریتن في تجربة فنیة ممیزة، فوفق الناقد الفني مصطفى عز الدين مدير الغاليري «یتيح المعرض للزوار فرصة اكتشاف مجموعات من اللوحات الممتدة عبر الزمن».

صورة للملكة في شبابها بالمعرض (الشرق الأوسط)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب الحدث أهمية خاصة كونه أول معرض يضم أعمالهما معاً. كما أنه يمثّل فرصة نادرة للجيل الجديد من محبي الفن ممن لم يتعرفوا إلى أعمال الملكة فريدة من قبل أن يشاهدوها على الطبيعة، ويستكشفوا الرابط الفني بينها وبين الحفيدة؛ فهو لا يُعدّ مجرد معرض عادي، إنما لقاء بين جيلَيْن».

وتابع: «ربما يكون أجمل ما في الأمر التشابه البارز بينهما في أشياء كثيرة، حتى في الملامح؛ فياسمين هي الأقرب في الشبه إلى الملكة السابقة».

لا يكتفي الحدث المستمر حتى 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بتسليط الضوء على فريدة الفنانة، لكنه كذلك يهتم بإبراز أهم ملامح شخصيتها، وتحدي المصاعب عبر الفن، وذلك من خلال مجموعة من الصور التوثيقية لمراحل مختلفة من حياتها إلى جانب أعمالها.

تكوينات درامية في لوحات فريدة تعكس حسها الفني (الشرق الأوسط)

ويقول عز الدين: «تركت الملكة فريدة إرثاً رائعاً من الأناقة والإبداع والقوة؛ بعد سنوات عاشتها ما بين الطفولة الأرستقراطية السعيدة والحياة الملكية بكل خصوصيتها، ثم المشاعر الإنسانية التي عاشتها بعد انفصالها عن الملك فاروق».

ووُلدت الملكة فريدة -واسمها الحقيقي صافيناز ذو الفقار- في الإسكندرية (شمال مصر)، وتلقت تعليماً فرنسياً رفيعاً، وحصلت على دروس في الموسيقى والرسم، وفي أثناء زيارة ملكية إلى لندن، التقت الملك فاروق، وبعد شهرين تمت خطبتهما، وتزوجا عام 1938، وكانت أول ملكة مصرية تنال محبة الشعب بصدق، وبعد انفصالهما، كرست حياتها للرسم، وأصبحت فنانة مرموقة.

إحدى لوحات الملكة فريدة (الشرق الأوسط)

ويوضح الناقد الفني أن «العالم عرف فريدة بوصفها ملكة، لكن ربما لا يعرف الكثيرون أن ولعها بالفن بدأ منذ طفولتها، ورسمت الكثير من اللوحات، وشجعها خالها الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد على تنمية موهبتها، لكن مسؤولياتها الملكية أبعدتها عن مواصلة إبداعها، حتى عادت إلى ممارسة الرسم عام 1954».

وأقامت فريدة العديد من المعارض الفنية في مدريد وجزيرة مايوركا، وأقامت 13 معرضاً في باريس وحدها، فضلاً عن جنيف وبلغاريا وتكساس والقاهرة، وذلك في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. كما عرضت أعمالها في معارض جماعية دولية، ونالت تقديراً واسعاً في الأوساط الفنية، وفق القيم على المعرض.

ويعكس المعرض من خلال 15 لوحة بدايات الملكة فريدة الفنية، حيث الاحتفاء بالشخوص، ثم اتجاهها في الستينات إلى رسم المناظر الطبيعية في مصر. كما يظهر احتلال النيل والريف مكانة بارزة في فن فريدة؛ لعشقها للجمال والهدوء.

يميل أسلوب فريدة إلى الفن العفوي الفطري (الشرق الأوسط)

ويميل أسلوب فريدة إلى الفن العفوي؛ حيث الانطلاق بعيداً عن القواعد التقليدية للمدارس الفنية، داعية المشاهدين إلى التواصل مع رؤيتها الشخصية ومشاعرها، في تحدٍّ لفكرة أن الفن لا يمكن أن يُبدعه إلا الدارسون له، وقد أسهم المزيج المتناغم من الألوان، والجمع بين الأشخاص والطبيعة، في التعبير عن المشاعر الإنسانية في قصة اللوحة.

ويتجلى الأسلوب العفوي لفريدة وروحه الجمالية في أعمال تعكس الثقافة الحضرية والريفية و«اللاند سكيب» وحياة الناس، وتتلاقى لوحات فريدة وياسمين في أسلوبهما الفطري، حيث انعكس مولد الحفيدة في الريف السويسري، وتأثرها بجمال الطبيعة، على رسم المناظر الطبيعية، وتجسيد الحيوانات والطيور فضلاً عن الخيل؛ إذ مارست الفروسية في طفولتها المبكرة بتشجيع من والدتها الأميرة فريال.

الحصان... صديق الفنانة ياسمين بيريتن في الحياة والفن (الشرق الأوسط)

ويقول مدير الغاليري: «وُلدت ياسمين بيريتن ونشأت في سويسرا لأب سويسري، وسط عائلة احتفت بالفن عبر أجيالها». ويتابع: «خلال فترة صعبة في حياتها، اكتشفت أسلوب (الرسم بالمشاعر) المعتمد على الحدس والإحساس؛ ليصبح وسيلتها للتعبير واكتشاف الذات، ثم بدأت لاحقاً تعليمه للآخرين». ويواصل: «بعد انتقالها إلى مصر، واصلت ياسمين الرسم والتدريس، وظل الفن مرساة لها ومصدراً لتجديد إبداعها، وتعيش راهناً مع زوجها في مزرعة بين الخيول وأشجار النخيل، حيث تستلهم الطبيعة في أعمالها».

الأميرة ياسمين بيريتن (الشرق الأوسط)

وتمزج الحفيدة ياسمين في أعمالها بالمعرض وعددها 50 لوحة بين التجريد والواقعية، وبين الألوان الهادئة والنابضة بالحياة، وبين العاطفة والطبيعة والرمزية، وتظهر الحيوانات كرموز للرشاقة والقوة والارتباط العميق بالطبيعة. كما يعد احتفاؤها بالحيوانات وسيلة لتحسين الروح وتغذيتها، وتأكيداً لقيم الحياة، لتجعل من كل لوحة لحظات تأمل ورحلة شفاء للنفس.

الأميرة ياسمين ترحب بالضيوف في المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها الصوفية «عشق - عشق إلهي» والمستوحاة من جوهر التفاني الصوفي؛ تتأمل ياسمين بيريتن حركات الناي، والدوران، والقوس بوصفها ثلاثة تعبيرات عن الحب، تتجاوز من خلالها حدود الشكل.


مقالات ذات صلة

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.