الموت يُسدل الستار على أزمات «مُكتشف الحمض النووي»

جيمس واتسون تُوفي عن عمر ناهز 97 عاماً

جيمس ديوي واتسون عام 1993 (أرشيفية - أ.ف.ب)
جيمس ديوي واتسون عام 1993 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الموت يُسدل الستار على أزمات «مُكتشف الحمض النووي»

جيمس ديوي واتسون عام 1993 (أرشيفية - أ.ف.ب)
جيمس ديوي واتسون عام 1993 (أرشيفية - أ.ف.ب)

في صباح ضبابي في أحد أيام عام 1953، كان هناك شاب أميركي نحيف طويل القامة، يبلغ من العمر 24 عاماً، يعبث بيديه بأشكال من الورق المقوى. كانت تُمثل أجزاءً من جزيء الحمض النووي، وكان هذا الشاب يحاول فهم كيفية تناسقها معاً بطريقة تُمكّن هذا الجزيء السحري من أداء وظيفته بوصفه عنصراً أساسياً في الجينات.

فجأة، أدرك أنها تتحد معاً لتُشكل «درجات» سلم طويل ملتوٍ، وهو الشكل المعروف اليوم باسم الحلزون المزدوج. فكان اكتشاف بنية الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين، أو ما عرف على أنه الحمض النووي، إنجازاً كبيراً أسهم في فتح الطريق أمام ثورة في الطب وعلم الأحياء ومجالات أخرى متنوعة.

وتوفي واتسون صاحب هذا الاكتشاف بعد مسيرة علمية طويلة عن عمر يناهز 97 عاماً، الخميس، قبل أن يُعلن عن وفاته، السبت، ورغم إنجازاته المهمة، فإن إرثه معقد بسبب تصريحاته المثيرة للجدل حول العِرق، والتي أدت إلى إدانته وخسارته للألقاب الفخرية.

وفاز واتسون بجائزة نوبل عام 1962 بالمشاركة مع فرانسيس كريك وموريس ويلكنز لاكتشافهم أن الحمض النووي DNA)) عبارة عن حلزون مزدوج، يتكون من خيطين ملتفّين حول بعضهما البعض لتكوين ما يشبه سلماً طويلاً ملتوياً برفق.

كان هذا الاكتشاف إنجازاً كبيراً. فقد أظهر للعلماء على الفور كيفية تخزين المعلومات الوراثية، وكيف تُضاعف الخلايا حمضها النووي عند انقسامها.

حتى بين غير العلماء، أصبح الحلزون المزدوج رمزاً معروفاً للعلم. ولقد ساعد هذا الاكتشاف على فتح الباب أمام تطورات أحدث، مثل تعديل التركيب الجيني للكائنات الحية، وعلاج الأمراض عن طريق إدخال الجينات في المرضى، وتحديد هوية الرفات البشري والمشتبه بهم جنائياً من عينات الحمض النووي، وتتبع شجرة العائلة وأسلاف البشر القدماء. لكنه أثار أيضاً مجموعة من التساؤلات الأخلاقية، مثل ما إذا كان ينبغي علينا تعديل مخطط الجسم البشري لأسباب تجميلية أم بطريقة تؤدي لانتقال ذلك التغيير إلى نسل الشخص.

إرث هائل

ويقول الدكتور هيثم شعبان، أستاذ مشارك الفيزياء الحيوية وعالم متخصص في علوم الجينوم، إن «واتسون ذو إرث علمي هائل فهو أحد رواد علم الأحياء الجزيئي وأحد مكتشفي البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي (دي إن إيه)، وهو ما غيّر فهمنا لكيفية تخزين المعلومات الوراثية وكيفية انتقالها من خلية إلى أخرى».

وأضاف شعبان الذي يعمل أيضاً قائداً لمجموعة بحثية لدى معهد أجورا لأبحاث السرطان بلوزان، وكلية الطب بجامعة جنيف بسويسرا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «دعم واتسون العديد من المشاريع البحثية الكبيرة، كان أبرزها مشروع الجينوم البشري العالمي الذي يعد الأساس الآن لما يعرف بالطب الدقيق أو الطب الشخصي».

«تصريحات عنصرية»

كان واتسون شخصية مرموقة في عالم البيولوجيا والطب. ولكن مع اقتراب نهاية حياته، واجه إدانةً واستنكاراً مهنياً لتصريحاته العنصرية المسيئة، بما في ذلك قوله إن «السود أقل ذكاءً من البيض».

وكما أفاد بيان نشر، السبت، على منصة «ساينس إكس»، فإن واتسون قال ذات مرة: «لقد حققت أنا وفرانسيس كريك اكتشاف القرن». وكتب لاحقاً: «لم يكن من الممكن أن نتوقع التأثير الهائل للحلزون المزدوج على العلم والمجتمع».

لم يحقق واتسون أي اكتشاف مختبري آخر بحجم (دي إن إيه)، ولكن في العقود السابقة ألّف كتباً دراسية مؤثرة ومذكرات من أكثر الكتب مبيعاً، وأسهم في توجيه مشروع رسم خريطة الجينوم البشري، واختار علماء شباباً لامعين وساعدهم. واستغل مكانته ومعارفه للتأثير على السياسات العلمية، وفق تقارير.

وكان ابنه قد أعلن، الجمعة، عن وفاة واتسون في دار رعاية المسنين بعد مرض قصير. قال دنكان واتسون عن والده: «لم يكفّ عن النضال من أجل من يعانون من الأمراض».

وحظي واتسون باهتمام استثنائي مثير للقلق عام 2007، عندما نقلت عنه مجلة «صنداي تايمز» البريطانية قوله إنه «متشائم بشأن مستقبل أفريقيا؛ لأن جميع سياساتنا الاجتماعية مبنية على حقيقة أن ذكاءهم مماثل لذكائنا، بينما تشير جميع الاختبارات الطبية إلى عكس ذلك تماماً». وقال إنه بينما يأمل أن يكون الجميع متساوين، يجد الأشخاص الذين يتعاملون مع الموظفين السود أن هذا غير صحيح.

لكن بعد ضجة دولية اعتذر عن تصريحاته، وأُوقف عن العمل مستشاراً لمختبر «كولد سبرينغ هاربور» المرموق في نيويورك. وتقاعد بعد أسبوع من هذه الضجة الكبيرة، بعد أن شغل مناصب قيادية مختلفة هناك لما يقرب من 40 عاماً.

آراء لم تتغير

وفي فيلم وثائقي تلفزيوني عُرض أوائل عام 2019، سُئل واتسون عما إذا كانت آراؤه قد تغيرت، فأجاب: «لا، إطلاقاً». ورداً على ذلك، ألغى «مختبر كولد سبرينغ هاربور» العديد من الألقاب الفخرية التي منحها لواتسون، قائلاً إن تصريحاته «مستهجنة»، و«لا تستند إلى أساس علمي».

ويقول شعبان: «من الناحية العلمية، فإن ادعاءات واتسون مرفوضة تماماً؛ لأن دراسات الجينوم البشري أثبتت أن الاختلافات الجينية داخل المجموعات البشرية أكبر من الاختلافات داخل المجموعات التي تصف على أنها تمثل أعراقاً بشرية معينة».

وأوضح أن الجينات بصفة عامة لا تحدد عنصر الذكاء البشري على مستوى جماعي، فالذكاء صفة بشرية معقدة جداً متعددة العوامل، وتتشكل من تفاعل دقيق ما بين الوراثة والتعليم والبيئة والصحة والنشأة الاجتماعية، وليس الجينات فقط».

ويرفض العلماء، وفق شعبان، أي محاولة لتفسير التفاوت البشري والاجتماعي على أساس جيني، أياً كان مصدرها، حتى ولو كان مصدرها عالماً في وزن وثقل واتسون العلمي، ومهما كانت مكانته العلمية المرموقة، فلا يشترط أبداً أن تكون آراؤه صحيحة على المستوى الإنساني».

ويؤكد شعبان أن «رحيل واتسون يذكرنا بأن العبقرية العلمية لا تعصم صاحبها من الخطأ، فالعلم مهما بلغ من دقة وأهمية له حدود وأطر ينبغي عدم تجاوزها، فهو يحتاج دائماً إلى ضمير أخلاقي والشعور بالمسؤولية المجتمعية».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال افتتاح الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مكتب المنظمة بجنيف 23 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: عدد القتلى المدنيين في حرب السودان زاد ضعفين عام 2025

أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الخميس، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان بلغ عام 2025 أكثر من ضعفَي ما كان عليه.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية رجال إطفاء يخمدون حريقاً بشاحنة أُضرمت فيها النيران بأحد شوارع ميناء أكابولكو بولاية غيريرو المكسيكية يوم 22 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل 74 شخصاً عقب مصرع زعيم عصابة مخدرات بالمكسيك

أعلنت السلطات المكسيكية أن 74 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم، بمن فيهم 25 من عناصر الحرس الوطني، وذلك في أعقاب العملية الأمنية التي أسفرت عن مقتل زعيم عصابة مخدرات.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
أوروبا صحافيون يتجمّعون خارج مبنى اندلع فيه حريق أسفر عن مقتل 5 أشخاص في مانليو بالقرب من برشلونة 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل 5 أطفال جراء حريق بغرفة تخزين في إسبانيا

قال مسؤولون، الثلاثاء، إن حريقاً اندلع في غرفة تخزين في الطابق العلوي من مبنى سكني بشمال شرقي إسبانيا، ما أسفر عن مقتل خمسة أطفال حوصروا داخل الغرفة.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.


عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».