كريمة السعيدي: المقابر في «الساهرون» صورة مصغَّرة عن عالم المهاجرين

المخرجة المغربية قالت لـ«الشرق الأوسط» إنّ فيلمها قائم على التأمُّل البصري

حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
TT

كريمة السعيدي: المقابر في «الساهرون» صورة مصغَّرة عن عالم المهاجرين

حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة المغربية البلجيكية كريمة السعيدي إنّ فكرة فيلمها الوثائقي «الساهرون» انطلقت من تجربة شخصية بعد وفاة والدتها، إذ اكتشفت حينها المقبرة المتعدّدة الأديان التي دُفنت فيها الراحلة في بلجيكا، فكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل في وعيها السينمائي، إذ رأت في المكان صورة مصغَّرة للعالم الحديث الذي يعيش فيه المهاجرون، حيث تتجاور الرموز الدينية وتتقاطع الطقوس في صمت وسلام.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها أرادت أن تجعل من الكاميرا أداةً للتأمُّل في معنى الانتماء والهوية، وكيف يمكن للمكان أن يصبح بيتاً أخيراً يجمع المختلفين في الحياة والموت، مؤكدةً أنّ «العمل في مقبرة مثل هذه لم يكن سهلاً على المستوى العاطفي، لأنني كنتُ أزور قبر والدتي يومياً خلال التصوير، مما جعل التجربة تمزج المشاعر الشخصية بالتأمُّل الفنّي».

ويتناول فيلم «الساهرون»، الذي عُرض للمرّة الأولى عالمياً ضمن مسابقة «الأفلام الوثائقية الطويلة» بمهرجان «الجونة السينمائي» في دورته الثامنة، حكاية المخرجة التي تُبقي كاميرتها داخل مقبرة المهاجرين في بروكسل لتوثيق ما يجري فيها من تواصل روحاني بين زوّار القبور ومَن يُدفن فيها من موتاهم، مُحيلةً الفيلم إلى تأمّل بصري وإنساني عميق في فكرة الموت بوصفه جزءاً من دورة الحياة الأزلية.

كريمة السعيدي قالت إنّ المقبرة في الفيلم تتحوّل إلى مرآة لهويات متداخلة (الشركة المنتجة)

وتُسجّل الكاميرا مشهد المقبرة التي اختارها مهاجرون من ديانات وأعراق مختلفة مكاناً جامعاً لهم في رحلتهم إلى العالم الأبدي، وتلتقط تفاصيل زيارات أهلهم وأقاربهم لقبورهم بما يعكس تشابُك حياتهم مع الراحلين رغم الغياب. وتُوثّق المخرجة أحاديث الزوّار مع موتاهم وبوحهم عن مشاعرهم وحنينهم، وتكرار مَشاهد تنظيف القبور والعناية بها، لتؤكد أنّ التواصل بين الأحياء والأموات لا ينقطع.

وأكدت أن علاقتها بالمكان لم تتغيَّر خلال الفيلم وبعد انتهائه، بل ازدادت عمقاً: «كنتُ كلّ صباح أمرُّ على قبر والدتي لإلقاء التحية قبل أن أبدأ التصوير، ثم أعود مساءً لأُخبرها كيف مرَّ اليوم، كأنها تشاركني تفاصيل العمل خطوة بخطوة».

وأوضحت أن «هذه العلاقة الحيّة مع المكان منحت الفيلم صدقه الإنساني، لأنّ الكاميرا لم تكن مجرّد عين راصدة، بل شاهدة على حوار مستمرّ بين الذاكرة والواقع»، لافتةً إلى أنّ المقبرة التي صُوّر فيها العمل تضمّ أقساماً لجنسيات وديانات مختلفة، من مسلمين سنَّة وشيعة، إلى مسيحيين كاثوليك وأرثوذكس، وصولاً إلى اليهود، مما يجعلها نموذجاً مصغَّراً للتنوُّع البشري في بروكسل.

وأضافت أنّ «هذا التنوُّع انعكس على شكل الفيلم وبنيته، إذ أردتُ أن يكون كلّ مشهد مساحةً للحوار بين الثقافات، لا مجرّد توثيق لطقوس الدفن والزيارة»، لافتةً إلى أنّ الزائرين الذين يظهرون في الفيلم لم يكونوا ممثلين، بل أشخاص حقيقيون جاءوا لزيارة أحبائهم، وأكدت أنها حاولت احترام خصوصيتهم في كلّ لقطة.

وقالت كريمة السعيدي: «عملية التصوير امتدّت على مدى طويل بسبب طبيعة المشروع، إذ احتجتُ إلى بناء علاقات إنسانية حقيقية مع العاملين في المقبرة والزوار، قبل أن أبدأ التصوير الفعلي»، مؤكدةً ترحيبهم بها لأنها كانت تزور المكان في الأصل لزيارة والدتها، فوثقوا بها وعدّوا الفيلم جزءاً من حكايتهم الجماعية.

وأشارت إلى أنّ هذه الثقة جعلت التصوير يسير بسلاسة، رغم أنّ المَشاهد المُلتقطة تجاوزت مئات الساعات، مما جعل عملية المونتاج لاحقاً بالغة الصعوبة، لأنها اضطرت إلى التضحية بكثير من القصص الجميلة التي لم يسعها الفيلم النهائي.

بَنَت المخرجة علاقات مع الزائرين والعاملين في المقابر (الشركة المنتجة)

وبيَّنت المخرجة المغربية أنّ المونتاج كان من أصعب المراحل، لأنها كانت تسعى إلى «بناء فيلم يحمل إيقاعاً روحانياً متدرّجاً، يُوازن بين الشاعرية والواقعية، من دون أن يفقد المُشاهد الإحساس بوحدة الفكرة»، موضحة أنّ كلّ قرار في المونتاج كان يطرح سؤالاً حول معنى البقاء والفقد، وأنها فضَّلت البساطة على المبالغة في التفسير، تاركةً للمُشاهد حرّية التأمُّل في ما يراه ويسمعه.

وأضافت أنّ الفيلم في جوهره رحلة نحو التصالُح مع فكرة الموت، وإدراك أنّ الوداع ليس نهاية، بل استمرار لعلاقة أخرى أكثر هدوءاً وصدقاً، وهي الفكرة الأساسية التي دفعتها إلى حذف شخصيات رغم أهميتها لكنها لم تكن في سياق رسالة العمل، مع تصويرها لأكثر من 100 ساعة على مدار مدّة طويلة.

وعن الإنتاج، أوضحت السعيدي أنّ الفيلم مُوِّل من جهات حكومية بلجيكية وفرنسية، إلى جانب دعم من مؤسّسة «الدوحة للأفلام» ومهرجان «الجونة»، لافتة إلى أنّ عملية التصوير تطلَّبت وقتاً وجهداً كبيرَيْن بسبب الطابع التأمُّلي للعمل، مشيرةً إلى أنّ التمويل الحكومي في بلجيكا أسهم في إتاحة الفرصة لصناعة فيلم يتناول موضوعاً إنسانياً بعمق بعيداً عن الحسابات التجارية.

عُرض الفيلم للمرّة الأولى عالمياً في مهرجان «الجونة» (الشركة المنتجة)

وعن الجانب الشخصي من التجربة، قالت: «قرار والدتي أن تُدفن في بلجيكا كان له أثر بالغ في تكوين رؤيتي، لأنني رأيتُ فيه تعبيراً عن جيل من المهاجرين قرَّر أن يجعل من البلد المضيف موطناً أبدياً له ولأبنائه»، مشيرة إلى أنّ هذا القرار، الذي بدا غريباً للبعض، منحها فهماً جديداً لفكرة الوطن، إذ «لم يعد مقصوراً على مكان الميلاد، بل امتدَّ ليشمل المكان الذي عاش فيه الإنسان وترك فيه أثره»، وفق قولها.

وأوضحت أنّ كثيراً من العائلات المُهاجرة تتّخذ القرار نفسه اليوم، ليس تخلّياً عن الجذور، بل حفاظاً على التواصل مع الأبناء الذين يعيشون في أوروبا ولا يستطيعون العودة باستمرار إلى بلدانهم الأصلية، مؤكدةً أنّ «الفيلم يثير هذا السؤال المؤلم حول معنى العودة والانتماء، وكيف يختار المهاجر مكان دفنه كما يختار مكان حياته».

وختمت: «المقبرة في الفيلم تتحوَّل إلى مرآة لهويات متداخلة، لا تعرف حدوداً بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية واليهودية، لأنّ الجميع في النهاية يلتقون في مصير واحد».


مقالات ذات صلة

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

يوميات الشرق أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.