كريمة السعيدي: المقابر في «الساهرون» صورة مصغَّرة عن عالم المهاجرين

المخرجة المغربية قالت لـ«الشرق الأوسط» إنّ فيلمها قائم على التأمُّل البصري

حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
TT

كريمة السعيدي: المقابر في «الساهرون» صورة مصغَّرة عن عالم المهاجرين

حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)
حرصت المخرجة على مراعاة خصوصية الزوّار (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة المغربية البلجيكية كريمة السعيدي إنّ فكرة فيلمها الوثائقي «الساهرون» انطلقت من تجربة شخصية بعد وفاة والدتها، إذ اكتشفت حينها المقبرة المتعدّدة الأديان التي دُفنت فيها الراحلة في بلجيكا، فكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل في وعيها السينمائي، إذ رأت في المكان صورة مصغَّرة للعالم الحديث الذي يعيش فيه المهاجرون، حيث تتجاور الرموز الدينية وتتقاطع الطقوس في صمت وسلام.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها أرادت أن تجعل من الكاميرا أداةً للتأمُّل في معنى الانتماء والهوية، وكيف يمكن للمكان أن يصبح بيتاً أخيراً يجمع المختلفين في الحياة والموت، مؤكدةً أنّ «العمل في مقبرة مثل هذه لم يكن سهلاً على المستوى العاطفي، لأنني كنتُ أزور قبر والدتي يومياً خلال التصوير، مما جعل التجربة تمزج المشاعر الشخصية بالتأمُّل الفنّي».

ويتناول فيلم «الساهرون»، الذي عُرض للمرّة الأولى عالمياً ضمن مسابقة «الأفلام الوثائقية الطويلة» بمهرجان «الجونة السينمائي» في دورته الثامنة، حكاية المخرجة التي تُبقي كاميرتها داخل مقبرة المهاجرين في بروكسل لتوثيق ما يجري فيها من تواصل روحاني بين زوّار القبور ومَن يُدفن فيها من موتاهم، مُحيلةً الفيلم إلى تأمّل بصري وإنساني عميق في فكرة الموت بوصفه جزءاً من دورة الحياة الأزلية.

كريمة السعيدي قالت إنّ المقبرة في الفيلم تتحوّل إلى مرآة لهويات متداخلة (الشركة المنتجة)

وتُسجّل الكاميرا مشهد المقبرة التي اختارها مهاجرون من ديانات وأعراق مختلفة مكاناً جامعاً لهم في رحلتهم إلى العالم الأبدي، وتلتقط تفاصيل زيارات أهلهم وأقاربهم لقبورهم بما يعكس تشابُك حياتهم مع الراحلين رغم الغياب. وتُوثّق المخرجة أحاديث الزوّار مع موتاهم وبوحهم عن مشاعرهم وحنينهم، وتكرار مَشاهد تنظيف القبور والعناية بها، لتؤكد أنّ التواصل بين الأحياء والأموات لا ينقطع.

وأكدت أن علاقتها بالمكان لم تتغيَّر خلال الفيلم وبعد انتهائه، بل ازدادت عمقاً: «كنتُ كلّ صباح أمرُّ على قبر والدتي لإلقاء التحية قبل أن أبدأ التصوير، ثم أعود مساءً لأُخبرها كيف مرَّ اليوم، كأنها تشاركني تفاصيل العمل خطوة بخطوة».

وأوضحت أن «هذه العلاقة الحيّة مع المكان منحت الفيلم صدقه الإنساني، لأنّ الكاميرا لم تكن مجرّد عين راصدة، بل شاهدة على حوار مستمرّ بين الذاكرة والواقع»، لافتةً إلى أنّ المقبرة التي صُوّر فيها العمل تضمّ أقساماً لجنسيات وديانات مختلفة، من مسلمين سنَّة وشيعة، إلى مسيحيين كاثوليك وأرثوذكس، وصولاً إلى اليهود، مما يجعلها نموذجاً مصغَّراً للتنوُّع البشري في بروكسل.

وأضافت أنّ «هذا التنوُّع انعكس على شكل الفيلم وبنيته، إذ أردتُ أن يكون كلّ مشهد مساحةً للحوار بين الثقافات، لا مجرّد توثيق لطقوس الدفن والزيارة»، لافتةً إلى أنّ الزائرين الذين يظهرون في الفيلم لم يكونوا ممثلين، بل أشخاص حقيقيون جاءوا لزيارة أحبائهم، وأكدت أنها حاولت احترام خصوصيتهم في كلّ لقطة.

وقالت كريمة السعيدي: «عملية التصوير امتدّت على مدى طويل بسبب طبيعة المشروع، إذ احتجتُ إلى بناء علاقات إنسانية حقيقية مع العاملين في المقبرة والزوار، قبل أن أبدأ التصوير الفعلي»، مؤكدةً ترحيبهم بها لأنها كانت تزور المكان في الأصل لزيارة والدتها، فوثقوا بها وعدّوا الفيلم جزءاً من حكايتهم الجماعية.

وأشارت إلى أنّ هذه الثقة جعلت التصوير يسير بسلاسة، رغم أنّ المَشاهد المُلتقطة تجاوزت مئات الساعات، مما جعل عملية المونتاج لاحقاً بالغة الصعوبة، لأنها اضطرت إلى التضحية بكثير من القصص الجميلة التي لم يسعها الفيلم النهائي.

بَنَت المخرجة علاقات مع الزائرين والعاملين في المقابر (الشركة المنتجة)

وبيَّنت المخرجة المغربية أنّ المونتاج كان من أصعب المراحل، لأنها كانت تسعى إلى «بناء فيلم يحمل إيقاعاً روحانياً متدرّجاً، يُوازن بين الشاعرية والواقعية، من دون أن يفقد المُشاهد الإحساس بوحدة الفكرة»، موضحة أنّ كلّ قرار في المونتاج كان يطرح سؤالاً حول معنى البقاء والفقد، وأنها فضَّلت البساطة على المبالغة في التفسير، تاركةً للمُشاهد حرّية التأمُّل في ما يراه ويسمعه.

وأضافت أنّ الفيلم في جوهره رحلة نحو التصالُح مع فكرة الموت، وإدراك أنّ الوداع ليس نهاية، بل استمرار لعلاقة أخرى أكثر هدوءاً وصدقاً، وهي الفكرة الأساسية التي دفعتها إلى حذف شخصيات رغم أهميتها لكنها لم تكن في سياق رسالة العمل، مع تصويرها لأكثر من 100 ساعة على مدار مدّة طويلة.

وعن الإنتاج، أوضحت السعيدي أنّ الفيلم مُوِّل من جهات حكومية بلجيكية وفرنسية، إلى جانب دعم من مؤسّسة «الدوحة للأفلام» ومهرجان «الجونة»، لافتة إلى أنّ عملية التصوير تطلَّبت وقتاً وجهداً كبيرَيْن بسبب الطابع التأمُّلي للعمل، مشيرةً إلى أنّ التمويل الحكومي في بلجيكا أسهم في إتاحة الفرصة لصناعة فيلم يتناول موضوعاً إنسانياً بعمق بعيداً عن الحسابات التجارية.

عُرض الفيلم للمرّة الأولى عالمياً في مهرجان «الجونة» (الشركة المنتجة)

وعن الجانب الشخصي من التجربة، قالت: «قرار والدتي أن تُدفن في بلجيكا كان له أثر بالغ في تكوين رؤيتي، لأنني رأيتُ فيه تعبيراً عن جيل من المهاجرين قرَّر أن يجعل من البلد المضيف موطناً أبدياً له ولأبنائه»، مشيرة إلى أنّ هذا القرار، الذي بدا غريباً للبعض، منحها فهماً جديداً لفكرة الوطن، إذ «لم يعد مقصوراً على مكان الميلاد، بل امتدَّ ليشمل المكان الذي عاش فيه الإنسان وترك فيه أثره»، وفق قولها.

وأوضحت أنّ كثيراً من العائلات المُهاجرة تتّخذ القرار نفسه اليوم، ليس تخلّياً عن الجذور، بل حفاظاً على التواصل مع الأبناء الذين يعيشون في أوروبا ولا يستطيعون العودة باستمرار إلى بلدانهم الأصلية، مؤكدةً أنّ «الفيلم يثير هذا السؤال المؤلم حول معنى العودة والانتماء، وكيف يختار المهاجر مكان دفنه كما يختار مكان حياته».

وختمت: «المقبرة في الفيلم تتحوَّل إلى مرآة لهويات متداخلة، لا تعرف حدوداً بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية واليهودية، لأنّ الجميع في النهاية يلتقون في مصير واحد».


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
TT

تفسير جديد لنشأة إحدى أعظم العجائب الطبيعية في أميركا

قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)
قطرةٌ تلو أخرى حتى تغيَّر شكل المكان (رويترز)

يُمثّل أخدود «غراند كانيون»، أو الخانق العظيم، في شمال ولاية أريزونا أحد أبرز العجائب الطبيعية في الولايات المتحدة، إذ يمتدّ لمسافة 277 ميلاً بمحاذاة نهر كولورادو الذي يبلغ طوله 1450 ميلاً.

ورغم اتفاق العلماء على أنّ الأخدود تشكّل بفعل تأثير النهر قبل ما بين 5 و6 ملايين سنة، لم يتمكن الباحثون من التوافق بشأن العمليات التي أدت إلى ذلك وتوقيتها.

وتشير دراسة حديثة نقلتها «الإندبندنت» إلى أنّ النهر ربما بدأ في نحت مساره عقب فيضان بحيرة قديمة قبل نحو 6.6 مليون سنة، وهو ما يقدّم دعماً جديداً لفرضية طُرحت منذ ثلاثينات القرن الماضي.

ماءٌ صبور نَحَتَ الصخر وترك حكايته (رويترز)

ووفق العلماء، فإنّ تدفق المياه نحو حوض «بيداهوتشي» أدَّى إلى امتلائه ثم فيضانه، متجاوزاً الحاجز الطبيعي وعابراً قوس «كايباب» شديد الانحدار، وهي منطقة مرتفعة بين ولايتي أريزونا ويوتا، ليتشكّل لاحقاً ما نعرفه اليوم باسم «غراند كانيون».

وأوضح عالم الجيولوجيا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، جون هي، أن هذه اللحظة يمكن عدّها «ولادة نهر كولورادو بشكله الحالي»، مشيراً إلى أن وصوله إلى هذا الحوض ربما غيّر النظام البيئي بأكمله في المنطقة.

وجاء هذا الاستنتاج بعد دراسة تركيب الحجر الرملي المأخوذ من «غراند كانيون» ومن حوض «بيداهوتشي»، إذ تبيَّن أنّ كليهما يحتوي على حُبيبات مجهرية متشابهة تُعرف ببلورات «الزركون». وتتميَّز هذه البلورات بقدرتها على مقاومة التحلُّل عبر الزمن، ممّا يجعلها أداة دقيقة لتتبّع تاريخ الصخور ومصادرها.

وباستخدام تقنيات تعتمد على أشعة الليزر، تمكّن الباحثون من تحديد البصمة الكيميائية لهذه البلورات، ليتبيَّن تطابقها مع رواسب نهر كولورادو، ممّا يعزّز فرضية تدفّقه نحو الحوض قبل فيضانه.

كما كشفت طبقات الصخور العائدة إلى الفترة عينها عن آثار تموّج، تشير إلى تدفُّق نهر قوي في مياه ساكنة، وهو ما يدعم سيناريو الفيضان.

في صمت الماء تشكّلت الحكاية (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال تساؤلات قائمة بشأن طبيعة هذا الحدث، سواء كان فيضاناً مفاجئاً أو عملية تعرية تدريجية، كما لم تحظَ النتائج بإجماع علمي كامل.

وفي هذا السياق، أبدى بعض الباحثين تحفّظهم، مشيرين إلى أنّ تفاصيل فرضية فيضان البحيرة تحتاج إلى مزيد من الاختبار، فيما تحدَّث آخرون عن احتمال وجود مسارات بديلة لتدفُّق النهر.

ومع ذلك، يجد فريق الدراسة أنّ سيناريو الفيضان يظلُّ التفسير الأقرب لفهم تشكّل هذا المَعْلم الطبيعي، في وقت لا تزال فيه أسرار «غراند كانيون» تتكشَّف تدريجياً أمام العلماء.


دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
TT

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)
خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني، لجأوا خلالها إلى حيلة تمثَّلت في الاستعانة بشخص يرتدي زيّ دبّ لافتعال أضرار مُصطنعة في سيارات فارهة.

وكان مقطع فيديو قد انتشر على نطاق واسع قد قُدِّم لشركات التأمين على أنه دليل يُظهر ما بدا أنه دبّ داخل سيارة «رولز رويس غوست» موديل 2010 في منطقة ليك أروهيد يوم 28 يناير (كانون الثاني) 2024. كما قُدِّمت مطالبات مشابهة في اليوم نفسه والموقع ذاته تتعلَّق بسيارتين فاخرتين من طراز «مرسيدس».

وذكرت «بي بي سي» أنّ علماء أحياء في إدارة الأسماك والحياة البرّية في كاليفورنيا راجعوا الصور واللقطات، وخلصوا إلى أنها تُظهر إنساناً يرتدي زيّ دبّ، وليس حيواناً حقيقياً.

وعلى إثر ذلك، أطلقت إدارة التأمين في الولاية تحقيقاً حمل اسم «عملية مخلب الدبّ»، نُفذت خلاله مذكرة تفتيش أسفرت عن العثور على زيّ دبّ داخل منزل المتّهمين. وبلغت قيمة المبالغ التي حاولوا الحصول عليها 141,839 دولاراً.

ولم يطعن كلّ من ألفيا زوكرمان (39 عاماً)، وروبن تمرزيان (26 عاماً)، وفاهيه مرادخانيان (32 عاماً)، على تهمة الاحتيال التأميني، وصدر بحقهم حكم بالسجن لمدة 180 يوماً، إضافة إلى عامين من المراقبة ضمن الإفراج المشروط.

وقال مفوض التأمين في الولاية ريكاردو لارا: «ما بدا في ظاهره غير قابل للتصديق، تبيَّن أنه حدث بالفعل، وها هم المسؤولون عنه يواجهون المساءلة».


«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
TT

«هوايات الجدّات»... اكتشف سرّ الهدوء النفسي في عصر الإرهاق الرقمي

العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)
العودة لهوايات الجدات تساهم في تحسين الصحة النفسية (بكسلز)

في زمن الإرهاق الرقمي، والاعتماد المفرط على الشاشات، تتجه الأنظار مجدداً نحو «الهوايات الهادئة»، أو ما يُعرف بـ«هوايات الجدّات»، مثل الحياكة، والخَبز، والتطريز، وحلّ الألغاز. هذه الأنشطة اليدوية لا تُعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت ملاذاً نفسياً يساعد على تخفيف التوتر، وتعزيز التركيز، واستعادة التوازن الذهني في حياة سريعة الإيقاع.

ويسلط تقرير لموقع «فيريويل مايند» الضوء على أسباب عودة هذه الهوايات إلى الواجهة، وكيف تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر، وتعزيز الشعور بالاتزان في الحياة اليومية.

ما المقصود بـ«هوايات الجدّات»؟

مصطلح «هوايات الجدّات» ليس تقليلاً من شأنها، بل وصفٌ لطيف لهوايات ارتبطت تقليدياً بالأجيال الأكبر سناً، وتتميز بأنها بسيطة، ويدوية، وبعيدة عن التكنولوجيا.

ومن أبرز هذه الهوايات:

- الحياكة، والكروشيه.

- التطريز (الكروس ستيتش).

- صناعة الفخار.

- الرسم، والتلوين.

- الزراعة المنزلية، أو زراعة الأعشاب.

- الخَبز المنزلي من الصفر.

- كتابة الرسائل.

- حلّ الألغاز، والألعاب اللوحية.

- مراقبة الطيور.

- الخياطة، والرقع (اللحف).

وتقول إميلي شارب، وهي معالجة فنية في نيويورك لـ«فيريويل مايند»: «هذه الهوايات البطيئة والحسية تمنحنا مساحة من الهدوء، والانغماس الإبداعي من دون ضغط، وهي أمور نفتقدها بشدة في الحياة الحديثة. كثيراً ما أدمجها في جلسات العلاج، لأنها تساعد على تنظيم المشاعر، وتقليل القلق، وإيجاد لحظات صغيرة من الفرح».

لماذا تعود هذه الهوايات إلى الواجهة؟

في السنوات الأخيرة بدأ كثيرون يبحثون عن بدائل واقعية بعيداً عن الشاشات، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول أندي ريفز، كاتبة وفنانة في مجال الألياف ومؤسسة «Cape Town Craft Club»: «الجيل الجديد يبحث عن تجارب ملموسة بعيداً عن العالم الرقمي. هناك رفض لثقافة الضغط، والإنتاج المستمر، واتجاه أكبر نحو العناية بالذات، والاستدامة. الحِرف اليدوية تتماشى تماماً مع هذا التوجه».

وتضيف أن هذه الهوايات أصبحت أيضاً وسيلة للتعبير عن التفرد: «في عالم متشابه جداً، يصبح ما تصنعه بيدك جزءاً من هويتك».

الفوائد النفسية لهوايات الجدات

وتشير دراسات حديثة إلى أن الأنشطة الإبداعية يمكن أن تساهم في تحسين الصحة النفسية، وتقليل التوتر.

اليقظة الذهنية وحالة «التدفق»

هذه الهوايات لا يمكن ممارستها أثناء التشتت، أو التمرير على الهاتف، بل تتطلب حضوراً ذهنياً كاملاً.

توضح المستشارة كيم ريبي: «الحِرف اليدوية تُبطئ نشاط الدماغ، وتدخله في حالة من التركيز الهادئ. إنها تُبعدنا عن القلق، وتعيدنا إلى اللحظة الحالية».

هذه الحالة تُعرف نفسياً باسم «حالة التدفق»، حيث ينغمس الشخص بالكامل في النشاط ويشعر بالهدوء، والتركيز.

تخفيف التوتر

حتى الحركات البسيطة والمتكررة -مثل الحياكة، أو الرسم- يمكن أن تساعد في تهدئة الجهاز العصبي.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تنشّط الجهاز العصبي المسؤول عن الراحة، والهضم، ما يساعد على تقليل التوتر، واستعادة التوازن».

المتعة ليست بالكمالية

من خلال هذه الهوايات يتعلم الكثيرون أن الهدف ليس الكمال، بل المتعة في العملية نفسها.

تقول ريبي: «يتعلم الأشخاص السماح لأنفسهم بأن يكون الناتج غير مثالي، وهذا يخفف من ضغط الكمالية في حياتهم اليومية».

الابتعاد عن العالم الرقمي

من الصعب المرور على الهاتف أثناء التطريز، أو الخياطة، وهذا بحد ذاته ميزة.

تقول شارب: «هذه الأنشطة تعيدنا إلى متعة حسية بسيطة، وتبعدنا عن العالم الرقمي المرهق».

تعزيز التواصل الاجتماعي

هذه الهوايات قد تكون أيضاً جسراً للتواصل مع الآخرين من خلال النوادي، وورش العمل.

وتقول ريفز: «جزء كبير من هذه اللقاءات هو العمل اليدوي، والجزء الآخر هو الشعور بالانتماء، والتواصل الإنساني».

كيف تبدأ من دون ضغط؟

لا تحتاج إلى خبرة مسبقة أو مهارات عالية للبدء:

- ابدأ بهواية بسيطة، مثل التلوين، أو التطريز السهل.

- اسمح لنفسك بأن تكون مبتدئاً.

- شارك في ورش عمل، أو مجموعات محلية إن رغبت.

- تذكّر أن الهدف ليس الإتقان، بل الاستمتاع.

وتختتم شارب: «الأمر لا يتعلق بإنتاج شيء مثالي، بل بخلق مساحة للمتعة، والتجربة، والإبداع من دون حكم مسبق».