مئوية جاذبية سري... 7 عقود من الضوء واللون والجرأة

ذاكرة الفنّ المصري في معرض يستحضر مسيرتها

جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
TT

مئوية جاذبية سري... 7 عقود من الضوء واللون والجرأة

جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)

احتفالاً بالذكرى المئوية لميلاد الفنانة المصرية جاذبية سري (1925 - 2021)، يُقيم «غاليري الزمالك للفنّ» معرضاً يُقدّم فيه مجموعة مختارة من الأعمال النادرة والمُبكرة لها، إلى جانب مقتنيات وصور توثّق مسيرتها الطويلة التي امتدّت لأكثر من 7 عقود من الإبداع والعطاء.

وتُعدّ جاذبية إحدى رائدات الفنّ التشكيلي في مصر والعالم العربي، وقد عُرفت بجرأتها في التعبير، واستقلال شخصيتها الفنّية، وارتباطها الوثيق بالواقع الاجتماعي والإنساني من حولها.

ويرى الفنان مصطفى الرزاز أنّ «هذا المعرض يكتسب أهميته من كونه فرصة حقيقية لمعايشة شخصية مصرية وهبت حياتها للفنّ، وقدَّمت تراثاً إبداعياً جديراً بالتأمل، وأن يتعلّم منه كذلك الدارسون ومحبّو الفن الكثير».

ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «تربَّعت جاذبية سري على عرش الفنّ في مصر، وكان أهم ما يميّزها أنها كانت من القلائل الذين احتفوا بتصوير الحياة المحيطة بهم، في حين كان أغلب الفنانين خلال هذه الحقبة الزمنية يُحلّقون بعيداً عن الواقع، في تجلّيات مختلفة وابتكارات من الخيال أو الارتباط بالتراث وإعادة تفسيره، أو كانوا يقدّمون أعمالاً شديدة التأثُّر بالغرب».

احتفت بالناس والأمكنة (الشرق الأوسط)

ومن خلال المعرض الذي يضمّ 60 لوحة ويستمرّ حتى 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تتجلّى المراحل الفنّية المختلفة لسري؛ فمن المعروف عنها تعدُّد التحوّلات في أسلوبها، وفي كلّ مرحلة كانت تتمتّع بشخصية مختلفة وجديدة في مجالها. فهناك مجموعة لوحاتها التي تعكس المرحلة التعبيرية الرمزية، ويظهر خلالها اهتمامها بتجسيد اليوميات التقليدية للمرأة، مثل تمشيط الشعر، والتزيُّن أمام المرآة، ونشر الغسيل، والاهتمام بأطفالها.

وهناك أيضاً لوحاتها التي تتبنّى فيها موضوعات مهمّة ترتبط بقضايا اجتماعية مثل الطلاق، وتعدُّد الزوجات، والبطالة، وهنا يُعلّق الرزاز: «كانت التعبيرية بداية تسجيل حضورها بكونها فنانة حقيقية؛ لأنّ ما قبل ذلك عُدَّ اجتهاد فنانة حديثة التخرُّج في بدايتها الفنّية».

ويوضح: «ربما لا يعرف كثيرون أنّ الأعمال الأولى لجاذبية سري حتى منتصف الخمسينات كانت أقرب إلى الأعمال المدرسية ذات الطابع الزخرفي، وتخلو من الوعد بأنّ مَن يقدّمها سيكون فناناً كبيراً، وهو ما يُمثّل درساً لشباب الفنانين، مفاده أن تثقيف النفس والسفر، والاشتباك مع الحياة والتفاعل معها، أمور تصقل الموهبة وتأخذها إلى وجهتها الحقيقية الصحيحة».

ويتابع الرزاز: «السفر وإقامتها في مدن عدّة مثل لوس أنجليس وواشنطن وبرلين، أتاح لجاذبية التعامل مع كبار الفنانين والنقاد، وأشهر قاعات العرض والمتاحف، مما أسهم في اتّساع أفقها الفنّي، ونقله من الحدود المحلّية إلى العالمية».

اقتربت من المُهمَّشين (الشرق الأوسط)

ويتتبع المعرض خروج جاذبية سري من المرحلة التعبيرية إلى مرحلة أخرى جديدة شهدت خلالها تحوّلاً أسلوبياً وموضوعياً لافتاً، إذ يضمّ لوحات من التكعيبية المُسطَّحة، ذات ألوان مساحية من دون تظليل، وأشكالاً مُتراكمة فوق بعضها البعض، فضلاً عن حركية الخطوط والشخوص التي رسمتها.

يقول الرزاز تعليقاً على هذه التجربة: «قدَّمت جاذبية سري لوحات مهمّة عُرفت وتميّزت بها خلال هذه المرحلة، مثل لوحات الطفولة والحركة؛ فرسمت المراجيح، ولعبة الحجلة، والصغيرات اللواتي يَجرين وراء الطائرة الورقية، بينما كان هذا موضوعاً جديداً تماماً على الفنّ المصري، كما أنه حمل قدراً كبيراً من الديناميكية في حركية الخطوط والمساحات والشخوص، وفي تراكمات المساحات اللونية أيضاً».

كانت التعبيرية بداية تسجيل حضورها الفنّي الحقيقي (الشرق الأوسط)

ومن خلال المعرض المُقام بعنوان «مئوية جاذبية سري»، يتعرَّف الجمهور على أهم مراحلها الفنّية التي تجلّت في مجموعة لوحات تُعرف باسم «المدينة»، يقول عنها الرزاز: «تمتّعت هذه التجربة بتجلّيات في رسم المدينة عبَّرت من خلالها عن تكدُّس البيوت وزحام الناس حولها والانفعالات اللونية القوية التي تعبّر عن الصخب في المدن». ويتابع: «وفيها تَحوّر أسلوبها فأصبحت تستخدم عجائن لونية سميكة، وضربات فرشاة عريضة، وخطوطاً بالسكين وتجريحاً بالخطوط في حركات بندولية لتقدّم خدوشاً فيبدو كما لو أنها أعمال حفر لا رسم».

واستغرقت هذه المرحلة ذات الصدى المدوّي في الألوان والخطوط والتقنية مدّة زمنية طويلة من مشوارها؛ إذ امتدت خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقدَّمت خلالها أكبر عدد من اللوحات، واستعارت فيها الصفة التي ابتكرها السرياليون في مفارقة «الحيوية والجماد»، وبمقتضاها تجعل الأشياء الحيّة متجمدة، والأشياء الجامدة تكاد تنبض بالحركة والحياة.

ويستطيع المتلقّي الاستمتاع بتأمل نتاج مرحلة المدينة في المعرض؛ فيشاهد مجموعة من البيوت والشرفات المتحرّكة، ذات العيون والنظرات اليقظة، والتي يبدو داخلها الناس كأنهم خشب.

تركت بصمة في الفنّ المصري (الشرق الأوسط)

وتبع ذلك اهتمامها بالطبيعة، فرسمت البحر والصحراء، واحتفت خلالها بتجسيد انفعالات الأمواج والرياح، وهو ما أسهم في تحضيرها للمرحلة اللاحقة؛ مرحلة التجريدية التعبيرية في الثمانينات، وفيها استخدمت الألوان بجرأة مع مجرات كبيرة للفرشاة، ومساحات كروما قوية جداً.

أما على المستوى الشخصي، فيتذكر الفنان مصطفى الرزاز ملامح شخصيتها قائلاً: «كانت تتمتَّع بطموح غير محدود واندفاع وجَلَد وخبرة مهنية واسعة؛ فنستطيع القول إنّ التصوير عندها عبارة عن شهادة سيكولوجية عن شخصيتها، بمعنى أنه حتى بالنسبة إلى مَن لم يلتقِ بها يوماً لكنه شاهد أعمالها، كأنه عاشرها عن قرب؛ لأن أعمالها انعكاس حقيقي لشخصيتها».

الفنانة جاذبية سري... بورتريه ذاتي (الشرق الأوسط)

لكن كيف يمكن تفسير أنها، رغم كونها من أبرز رائدات الفنّ الحديث في مصر، لم تنجح بصفتها معلّمة في المعهد العالي للفنون الجميلة للمعلّمات في بداياتها، ولم يتخرَّج تلامذة من تحت يديها؟ يُفسّر الرزاز: «لأنها كانت صاحبة مشروع طموح، فكانت تعطيه كلّ فنّها، ولم يكن لديها من الوقت ما يسمح لها بمتابعة دارسي الفنّ».

ويتابع: «كما أنها اتّسمت بالنزعة الذاتية في الفنّ؛ ففي مراحل متقطّعة كان يدور اهتمامها حول نفسها، ولعلّ ذلك يكشف سرّ رسمها عدداً من البورتريهات الشخصية لنفسها خلال المراحل المختلفة من مشوارها».


مقالات ذات صلة

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

يوميات الشرق من أعمال حسن الشرق (غاليري خان المغربي)

«مدد مدد»... لوحات فطرية لتجليات الفلكلور في عالم حسن الشرق

 يبدو عالم الفنان المصري الراحل حسن الشرق، بفضائه الحالِم المشبع بموتيفات الفلكلور الشعبي، متناغماً مع الأصداء الروحية التي يستدعيها معرض «مدد... مدد».

منى أبو النصر (القاهرة )
يوميات الشرق طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

تحت عنوان «رمضانيات» استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر، وتعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)

فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

تعتمد اللوحات على مواد هادئة مثل الألوان المائية ودرجات الباستيل، وهو اختيار يمنح السطح نوعاً من الشفافية البصرية.

فاطمة عبد الله (بيروت)
لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 8 مارس (آذار) نظّم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.