في الحل والترحال... بينالي الدرعية للفن المعاصر يعود إلى الرياض

بمشاركة 70 فناناً عربياً وعالمياً

حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

في الحل والترحال... بينالي الدرعية للفن المعاصر يعود إلى الرياض

حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)

لا يغيب بينالي الدرعية كثيراً عن جمهوره، فبعد انتهاء الدورة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية في جدة في شهر مايو (أيار) الماضي، تستعد الرياض في شهر يناير (كانون الثاني) القادم لاستقبال النسخة الجديدة والثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر الذي يأتي تحت عنوان: «في الحل والترحال»، ويستضيفه حي جاكس الإبداعي.

وأعلنت مؤسسة بينالي الدرعية اليوم عن العنوان والقائمة الأولية للفنانين المشاركين الذين يبلغ عددهم أكثر من 70 فناناً، وسيعرض البينالي أكثر من 20 عملاً فنياً جديداً. يشرف على النسخة الثالثة من البينالي المديران الفنيان نورا رازيان وصبيح أحمد، إلى جانب فريق دولي من القيّمين الفنيين، في حين يعمل استوديو فارما فانتازما على تصميم المعرض ضمن مساحات متعددة في الموقع.

حي جاكس الإبداعي في الرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)

في الحل والترحال

التقت «الشرق الأوسط» بالمديرين الفنيين للبينالي نورا رازيان وصبيح أحمد للحديث عن الموضوع، والأعمال المشاركة، والفعاليات التي ستشغل جمهور الفنون في العاصمة السعودية لأسابيع.

موضوع البينالي «في الحل والترحال» يطلق حديثنا مع نورا رازيان وصبيح أحمد. بداية تشير رازيان إلى أن العنوان بصيغته العربية يشير إلى حالة من الحركة الدائمة: «هي حالةٌ من التقلب بين الاستقرار والحركة، ولكنه أيضاً يعكس فكرة الاستمرارية والتضامن في ذلك، وهو ما يتضمنه قول (سأكون معك في الحل والترحال)». وتستكمل: «أردنا استحضار عالم التقلبات المستمرة، وفي الوقت نفسه هناك نوع من المرونة والاستمرارية، نتعامل هنا مع فكرة الانتقال، فكرة الارتباط الطويل بالماضي، والمضي قدماً نحو المستقبل». عنوان الدورة القادمة له دلالات أخرى بعضها يظهر من خلال استخدام التعبير العربي الشهير، ولكن أيضاً من خلال النسخة الإنجليزية للعنوان، وهي «In Interludes and Transitions» تشير رازيان إلى أن العنوان بالإنجليزية يعكس مزيجاً إضافياً من المعاني. من جانبي أعلق أنه يبدو أقل شاعرية عن التعبير العربي، وتجيب: «نعم، قد يكون أقل شاعرية، لكنه فعال. فكل لغة لها مرجعيتها الخاصة، ورسالتها. أما في الإنجليزية، فهو يُلمّح أكثر إلى النوتات الموسيقية، والفواصل المسرحية، وأيضاً إلى فكرة استحضار الإيقاعات والتوقفات، مع الرغبة في الحفاظ على فكرة التحول».

نورا رازيان (مؤسسة بينالي الدرعية)

بشكل عام وبعنوانيه العربي والإنجليزي يتحول موضوع البينالي ليشمل أطيافاً من وسائل التعبير، وبحسب البيان الصحافي فإن الرؤية الفنية التي يطرحها البينالي القادم تعتمد على الحكايات المشتركة ما بين التاريخ والأجداد والأحلام والهواجس من خلال الأغاني والحكايات وهدير الرياح. يستفيض القيم صبيح أحمد في شرح ما سيقدمه البينالي: «بطريقة ما، يتعلق الأمر بدورات التوقف والحركة في عالم في حالة حركة مكثفة. الأشياء في حركة مستمرة، والعناصر في حركة، والناس في حركة، أحياناً باختيارهم، وأحياناً رغماً عنهم. لذا، فإن الوعي بالحركات التي تُشكل العالم الآن هو ما يحاول البينالي استحضاره. أن ننظر إلى العالم من خلال عدسة المواكب التي تُشكله الآن، مواكب الناس، مواكب القصص، التواريخ المختلفة، والمتشابكة جميعاً مع بعضها البعض». الحركة التي يتحدث القيم عنها هنا تشمل موجات الهجرة والشتات التي صنعت على مدى قرون جسوراً من التواصل والتبادل بين مواطن الخليج العربي، «كلها ظواهر حملت معها حكايات وأغاني ومفردات، ونتجت منها إيقاعات وبحور شعرية».

20 عملاً جديداً

نتحدث عن الأعمال المشاركة، وما الذي نفذ خصيصاً للبينالي، تقول رازيان: «هناك مجموعة واسعة من الأعمال الجديدة، لدينا أكثر من 20 عملاً جديداً، ولدينا كثير من الأعمال التي تُعدّ إعادة صياغة لأعمال موجودة عن الموضوع أو المكان. ولدينا أيضاً، بالتأكيد، أعمال محلية». يضيف صبيح أحمد عنصراً جديداً للأعمال المشاركة، ويقول: «كما ذكرت نورا، لأن العنوان الإنجليزي مستوحى من لحظة موسيقية وأدائية. لذا، هناك حضور قوي للموسيقى والشعر والأداء والمحاضرات الأدائية، وهذا النوع من الإيماءات الأدائية للفنانين إلى جانب المعرض ليست مجرد مصاحبات للعرض، بل هي جوهرية». يستفيض في الشرح: «ستكون هناك حفلات موسيقية وقراءات شعرية وتفاعلات متنوعة مع التاريخ الشفوي والتاريخ الموسيقي، وتاريخ حرفة صنع الآلات الموسيقية. بالإضافة إلى ذلك، هناك فنانون يبحثون، على سبيل المثال، في تاريخ الموسيقى، وحتى في تاريخ النطاقات النغمية في الموسيقى العربية، وكيف تطورت وأصبحت أكثر توحيداً».

صبيح أحمد (مؤسسة بينالي الدرعية)

اختلاف الجغرافيا والأجيال

يشير القيم أيضاً إلى أن اختيار الفنانين جاء متنوعاً: «هناك تنوع في المناطق الجغرافية التي تتفاعل مع بعضها البعض، ولذلك لدينا فنانون من مناطق جغرافية مختلفة، ومن أجيال مختلفة. على سبيل المثال، لدينا فنانة من فيتنام، يُعد عملها في الواقع حواراً مع فنانة من الجيل الأكبر سناً، والتي أنجزت عملاً يُخلّد ذكراها في أعمالها الفنية في البينالي، لذا لديك مناطق جغرافية وأجيال مختلفة في حوار مع بعضها البعض. وطريقة تنظيمنا للبينالي ليست باعتبارها تخصيص معرض واحد للحداثيين، وآخر للفنانين الشباب، وآخر. نحن لا نقسم بناءً على الموضوعات، أو بالأحرى، نحن نقسم بناءً على الوسائط أو الأجيال أو الأساليب، وننظمها في سياق حوارات مختلفة تحدث أحياناً في الواقع أو تاريخياً وبعضها خيالي وتخميني».

فنانو السعودية

يتجه الحديث إلى الفنانين السعوديين المختارة أعمالهم في البينالي، ويعلق صبيح أحمد: «من المؤكد أن هناك حضوراً قوياً لفنانين من المملكة العربية السعودية»، ويشير إلى أن الأعمال المشاركة من المملكة ستمثل «حواراً شيقاً بين الأجيال» بين بعض الفنانين من جيل الشباب، مثل ربى السويل، وعهد العمودي، بالإضافة إلى بعض الفنانين الكبار.

من الدورة الثانية لبينالي الدرعية للفن المعاصر (الشرق الأوسط)

تشمل قائمة الفنانين المشاركين الأسماء التالية: بيو أباد، رند عبد الجبار، يوسف أغبو-أولا [استوديو أولانيي]، عهد العمودي، تيسير البطنيجي، رافين تشاكون، روهيني ديفاشر، عفراء الظاهري، ميرفه إرطفان، إيفانا فرانكه، رحيمة غامبو، بيتريت هاليلاي، محمد الحمدان (حمدان)، عزيز هزارة، ألانا هانت، يزن الخليلي، جورج ماهاشي، تيو ميرسييه، نور مبارك، نانسي منير، حسين ناصر الدين، دانيال أوتيرو توريس، تاو نغوين فان، غالا بوراس-كيم، ساركر بروتيك، مجموعة رقص ميديا، أوسكار سانتيان، رُبى السويل، تشونغ كونغ تونغ، وولف للعمارة، أغوستينا وودغيت، ويو جي.

تعددية الانتماء

وعن اختلاف الخلفيات الجغرافية بين الفنانين المشاركين يقول القيم: «هناك نوعٌ من الانتماء ليس إلى مكانٍ واحد، بل إلى أماكنَ مُتعدِّدة. أن تكون مُستقرًّا في أماكنَ مُتعدِّدة، فنحنُ جميعاً، على الأقلِّ في هذا الجزءِ من العالم، لسنا فقط ثنائيَّي اللغةِ. نحنُ لا ننتمي إلى لغاتٍ مُتعدِّدةٍ فحسب، بل ننتمي أيضاً إلى مناطقَ زمنيةٍ مُتعدِّدة. هناك شيء ما ناقشته أنا ونورا، إلى جانب فريقنا، وهو استخدام البينية باعتبارها فرصة، ليس لإظهار كيف يبدو هذا المكان لبقية العالم، بل كيف يبدو العالم من هذه الزاوية. ويظهر ذلك من خلال لغات متعددة، ومسارات سياحية متنوعة، مع نقل القصص والأغاني والتاريخ الذي يجد مواقع جديدة للفولكلور والذاكرة الجماعية. أعتقد أن هذا هو النهج الذي نتبعه. يبدو العالم جلياً من خلال هذه المجازات عندما تكون هنا، أليس كذلك؟» أعلق قائلة: «حسناً، إذاً، لسنا قلقين بشأن كيف يرانا العالم الخارجي، بل كيف نرى العالم الخارجي»، ويجيب مؤكداً: «نعم، نتعامل مع العالم الخارجي كما يظهر من هنا في صوره المختلفة».



تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».


مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر، يرجح أنها تعود لعصر الرعامسة، وتتكون المقبرة الموجودة ضمن مقابر طيبة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن التخطيط المعماري للمقبرة يتوافق مع الطراز المعتاد لمقابر الأفراد في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، موضحاً في البيان أن «فناء المقبرة يضم عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي إلى مدخل المقبرة».

وأشار إلى أن المقبرة تضم عدداً من المناظر التي تحمل اسم صاحبها ويدعى «باسر»، بينما تغطي طبقة رقيقة من الأتربة أجزاءً من الرسوم الجدارية الملونة، والتي تُظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير، كما تصوره مع زوجته أمام مائدة للقرابين.

نقوش جنائزية على حائط المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، ثمّن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، جهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، مؤكداً في البيان أنها «تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، بما يعزز من مكانة مصر كوجهة عالمية».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المقبرة المكتشفة تقع إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم (45) حيث ينفذ الفريق مشروعاً بحثياً وميدانياً منذ عام 2018، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، بهدف تنفيذ برامج للحفاظ الوقائي وإدارة المخاطر بالمنطقة، إلى جانب إعداد أول دراسة أثرية متكاملة لها، ولفت إلى أنه من الأسلوب الفني لنقوش المقبرة فمن المرجح أنها تعود لعصر الرعامسة.

مؤكداً أن فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة، بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى.

وأكدت الدكتورة كارينا فان دن هوفن، رئيسة البعثة من جامعة لايدن، أن البعثة ستبدأ خلال المواسم المقبلة تنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي والصيانة والترميم للزخارف الملونة بالمقبرة، معربة عن تطلعها إلى مواصلة أعمالها بالموقع وتحقيق المزيد من الاكتشافات الأثرية خلال المواسم المقبلة.

لوحات تصور مشاهد تقديم القرابين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، هذا الكشف «يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية في البر الغربي بالأقصر، الذي لا يزال يثبت أنه من أغنى المواقع الأثرية في العالم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «العثور على مقبرة تضم مشاهد جنائزية يرجح أنها من عصر الرعامسة يمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الفن والعقيدة الجنائزية والحياة اليومية في الدولة الحديثة».

وتكمن أهمية مثل هذه المقابر، بحسب عبد البصير، في أن «مناظرها ليست مجرد زخارف، بل هي وثائق تاريخية تسجل أسماء أصحاب المقابر ووظائفهم، وتصور الطقوس الجنائزية والمعتقدات الدينية، وتكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالمجتمع المصري القديم».

وفي النهاية، يؤكد هذا الاكتشاف أن البر الغربي في الأقصر لا يزال يخفي الكثير من أسراره، وأن العمل الأثري المنهجي يواصل إثراء فهمنا لحضارة مصر القديمة وإبراز مكانتها العالمية.

وتضم الأقصر العديد من الآثار المصرية الشهيرة من بينها معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت ووادي الملوك وجبانة طيبة، وتعمل بالأقصر في مواسم مختلفة، العديد من البعثات الأثرية المصرية والأجنبية والمشتركة وفق بروتوكولات تعاون علمي وبحثي بين مصر وجامعات ومؤسسات علمية متخصصة في علم الآثار.

وترى المتخصصة في في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن هذا الكشف الأثري وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، هذا الكشف الأثري «إضافة علمية مهمة إلى سجل مقابر الأفراد في جبانة طيبة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «قيمته لا تكمن في العثور على مقبرة جديدة فحسب، وإنما فيما تحمله من شواهد قادرة على إعادة قراءة جانب من المجتمع الطيبي خلال عصر الرعامسة»، وأوضحت أن «المقابر الخاصة كانت بمثابة سجل بصري يجمع بين العقيدة، والوظيفة، والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كل عنصر معماري أو نقش أو منظر جداري مصدراً تاريخياً قائماً بذاته».

وتكتسب المقبرة أهمية خاصة؛ لأن أسلوبها المعماري ينسجم مع تقاليد مقابر النخبة في الدولة الحديثة، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى، «بينما تعكس مناظرها الجنائزية استمرار المفاهيم الدينية المرتبطة بالبعث والخلود، حيث لم تكن مشاهد التعبد والقرابين مجرد زخارف فنية، بل كانت تؤدي وظيفة عقائدية تضمن لصاحب المقبرة استمرار الحياة في العالم الآخر، وفق التصور المصري القديم».


مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
TT

مصر لإعادة إنشاء مقابر تراثية بشواهدها القديمة

إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)
إعادة إنشاء مقابر لها طابع تراثي بمصر (الباحث إبراهيم طايع)

بدأت مصر إنشاء مقابر تراثية بشواهدها الأصلية وطرزها المعمارية المميزة، تعويضاً عما تمت إزالته ضمن خطط توسعة المحاور المرورية في مناطق الإمام الشافعي والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، وكانت تضم رفات شخصيات ورموز مهمة في تاريخ مصر. ومن بين هذه المقابر مدافن محمد فاضل باشا الدرملي، والسردار راتب باشا، والأمير يوسف كمال. ورآها الباحث في الشؤون التاريخية إبراهيم طايع خطوة مهمة ومُقدَّرة، تُعيد الأمور، بصورة من الصور، إلى نصابها.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن المدافن الجديدة التي بُنيت في منطقة الإباجية حافظت على الطراز المعماري نفسه الذي كانت عليه المدافن الأصلية من حيث البناء، والأجمل من ذلك حرص القائمين على إنشائها على الحفاظ على الشواهد والتراكيب الأصلية والنصوص التأسيسية، باستثناء باب مدفن السردار راتب الذي لم يعد موجوداً، وكان يضم كثيراً من النقوش والتركيبات والمشغولات النحاسية ذات القيمة الفنية الكبيرة. وأشار إلى أن هذا المدفن هو الوحيد الذي قارب على اكتمال إنشائه، أما مدافن الدرملي والأمير يوسف كمال فما زالت تحت الإنشاء.

مدفن الدرملي تحت الإنشاء (الباحث إبراهيم طايع)

وقال الباحث التاريخي، صاحب الكتابات المتخصصة عن القرافات التاريخية، إن التركيبات أُعيد تجميعها بطريقة جيدة تليق بقيمتها التاريخية والأثرية في مدفن راتب باشا. وأضاف أن بناء المدافن الجديدة بجوار مدفن عميد الأدب العربي طه حسين بمنطقة الإباجية، الذي لم تطله معاول الهدم، يجعل من المنطقة مركزاً لإعادة بناء باقي المدافن التي تم هدمها، بالقدر نفسه من الاهتمام والتقدير الذي جرى في حالتي الدرملي وراتب باشا، اللذين كانا موجودين من قبل في شارع عين الحياة بمنطقة الإمام الشافعي، أما الأمير يوسف كمال فكان مدفنه بالقرب من شارع الطحاوية.

وكان محمد راتب باشا القائد العام للجيش المصري في عهد الخديو إسماعيل، وقاد الحملة العسكرية المصرية في حرب الحبشة عام 1875، كما تولّى رئاسة مجلس شورى النواب (البرلمان المصري) لفترتين. أما الأمير يوسف كمال فكان واحداً من أهم رواد الثقافة والفنون في مصر، وقد أسس مدرسة الفنون الجميلة (كلية الفنون الجميلة حالياً) عام 1908، وأسهم كذلك في تأسيس «جمعية محبي الفنون الجميلة». وكان محمد فاضل الدرملي (المتوفى عام 1870) من كبار رجال الدولة، إذ تولّى منصب مفتش عام الصعيد وحاكم (مأمور) قنا لمدة تصل إلى 20 عاماً، ونُسب إليه الإشراف على بناء وتطوير عدد من الموانئ البحرية، وتدشين المنشآت الحيوية في صعيد مصر وساحل الجيزة. وكانت مقبرته ذات طراز معماري مميز وقيمة تاريخية في منطقة الإمام الشافعي (قرافة القاهرة).

مدفن السردار راتب باشا بعد الانتهاء من بنائه (الباحث إبراهيم طايع)

ولم يتوقف دور الحكومة المصرية عند هذا الحد، بل قامت ببناء مقابر أخرى أُعيد إنشاؤها، وفق ما قاله طايع، في متحف الخالدين، وتضم عدداً قليلاً من مقابر رموز وشخصيات مصرية، أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي. وهناك مدافن بُنيت خلف قبة الإمام الشافعي للإمام ورش، أحد أعلام القرّاء السبعة، وصاحب الرواية الشهيرة «ورش عن نافع» المنتشرة في دول المغرب العربي وشمال أفريقيا. والأمر نفسه حدث مع الإمام وكيع، أحد كبار المحدّثين وشيوخ الإمام الشافعي؛ حيث أُنشئت المقبرتان بقبتين حديثتين تختلفان، وفق طايع، عن قبتيهما الأصليتين.