«حكايات من باريس»... قصص لم تُروَ عن «مدينة النور»

في معرض قاهري يضم 40 لوحة

لوحات معرض «حكايات من باريس» (الشرق الأوسط)
لوحات معرض «حكايات من باريس» (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات من باريس»... قصص لم تُروَ عن «مدينة النور»

لوحات معرض «حكايات من باريس» (الشرق الأوسط)
لوحات معرض «حكايات من باريس» (الشرق الأوسط)

كيف ألهمت باريس الفنان العربي؟ وإلى أي مدى تداخلت مساراته واهتماماته ولحظاته مع المجتمع الغربي الذي انتقل للعيش فيه؟ وكيف أصبحت رؤيته للهوية بعد خوض تجربة الغربة؟ هذه بعض الأسئلة التي يستكشفها معرض جديد للتشكيلي والروائي المصري عبد الرازق عكاشة.

طوال عقود طويلة، كانت باريس موطناً لفنانين من جميع أنحاء العالم العربي، انتقل بعضهم للدراسة، وأقام بعضهم الآخر بشكل دائم هناك، وتعاونوا مع صالات العرض والفنانين والشعراء الفرنسيين؛ فكانت باريس ملاذاً ومكاناً للاستقرار بالنسبة لهم؛ وجاءت أعمالهم انعكاساً لسنوات الفن والغربة والبحث عن الهوية.

الفنان المصري عبد الرازق عكاشة (الشرق الأوسط)

يروي معرض «حكايات من باريس» للفنان عبد الرازق عكاشة في غاليري «بيكاسو» بالزمالك قصصاً لم تُروَ بهذه الطريقة من قبل؛ ويطرح عبر أعماله قضية الهوية، محاولاً تقديم مفهوم جديد لها، ربما ينأى بها عن الرؤية المحدودة إلى عوالم أكثر اتساعاً تربط بين الهوية والإنسانية بشكل عام.

يقول عكاشة لـ«الشرق الأوسط»: «أستطيع أن أرجع الهوية إلى الإنسانية؛ فهي الكيان الذي تُبنى داخله وتكسبها كل ملامحها وعناصرها ومقوماتها من شكل ولون وجوهر، لتصبح فيما بعد ما يمكن أن نطلق عليه (الهوية البصرية)، ويأتي بعد ذلك دور الشعوب في منحها طابعها الخاص والاختلاف وفقاً لتاريخه ومعتقداته وإرثه الحضاري».

تكوينات لونية رمزية تجمع بين البالتة الساخنة والباردة (الشرق الأوسط)

وعلى الرغم من طول ترحاله وأسفاره ومعايشته لعواصم العالم، خصوصاً باريس؛ حيث يقيم، يعدّ الفنان ذكرياته في قريته بقلب الريف المصري بذوراً إنسانية تنبت من جديد في لوحاته، يقول: «تجسد ذاكرتي صوراً طفولية حية تزدان بحكايات جدتي (آمنة أم السباع)، وألوان قريتي البسيطة؛ حيث الملابس المزركشة وألوان المحاصيل الزراعية، وقطارها الذي كان يحمل العمال والفلاحين والطلبة من القرية إلى القاهرة».

اللون الأزرق يحمل مشاعر الغربة والحنين في «مدينة النور» (الشرق الأوسط)

وهنا يقودنا مرة أخرى إلى قضية العلاقة ما بين الهوية والإنسانية؛ حيث يزيل المسافة في بعض لوحاته ما بين الثقافتين المصرية والفرنسية لتتداخلا معاً، حتى إننا نكاد نرى للفنان شخصية منقسمة إلى نصفين؛ الأول مصري، والآخر فرنسي، عبر ما تتضمنه أعمال من رموز وعناصر تتأثر بذاكرته البصرية في وطنه الأم.

أما النصف الثاني فيتأثر بثقافته الأوروبية ويومياته في باريس، يقول: «تنبثق الهوية من رحم الإنسانية، ولا يمكن فصلهما، وإلا سينعزل الفنان عن جوهره الحقيقي».

يروي عكاشة قصصاً لم تُروَ بهذه الطريقة من قبل (الشرق الأوسط)

ولذلك، فإن عكاشة في صوغه المشاهد الحياتية اليومية في باريس، وفي فكره وتقنيته المتأثرتين بفلسفة الأكاديميات الأوروبية نجده كذلك متأثراً ومستلهماً دفء الشرق في لوحاته؛ فهو يبني مشاهد جديدة وخيالية، مستوحاة من العالم الحديث، وفي الوقت نفسه يستدعي حركات الناس والمناظر المألوفة في وطنه.

ونراه في هذا المعرض المستمر حتى 1 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لا يُصور لنا المدينة الفرنسية من منظور خارجي جمالي بحت، أو يسعى لإبراز الأناقة الباريسية في الشوارع والبنايات والتفاصيل الكلاسيكية المميزة لها وحدها، لكنه يُقدم كذلك لنا حكايات مفعمة بالدفء الإنساني والضجيج والتواصل بين البشر الذين يأتي بعضهم بسمات وإطلالات شرقية.

صرخة ضد العزلة (الشرق الأوسط)

ويستوقف المتأمل في اللوحات حشدُ الشخوص واتجاهها في مسار واحد، بما يبعث إحساساً بوجود حوارات جماعية بينها، وكأنها مشاهد من مدينة مصرية خالصة، وكأنه في الوقت نفسه يُقيم جسوراً بين الثقافتين، يقول: «أتمنى أن يكون هذا المعرض نتاجاً لامتزاج الألوان والثقافات الإنسانية المتنوعة، وأن يكون بمثابة صرخة ضد العزلة والصب في قوالب جاهزة».

ومن خلال جرأة الفنان في التقنية الفنية المستخدمة في لوحاته، وعددها نحو 40، يظهر المعرض أن باريس لم تكن من نواحٍ عديدة ملاذاً فحسب، بل كانت أيضاً أرضاً خصبة للاكتشاف الفني والتجريب والحرية الفنية.

وما بين الألوان الساخنة والباردة يعيش المتلقي الصراع الداخلي الخفي لعكاشة؛ ففي حين جاء اللون الأحمر على سبيل المثال تعبيراً عن المشاعر الفياضة والعاطفة القوية، وانعكاساً لدفء الحكايات التي تنسجها لوحاته، برز اللون الأزرق على المسطح رمزاً للأحاسيس المحايدة والانعزال، وربما الغربة والحنين.

يطرح الفنان قضية الهوية في أعماله (الشرق الأوسط)

يُذكر أن عبد الرازق عكاشة حصل على دبلوم الفنون من باريس، وحاضر وشارك في طاولات الحوار الدولي في الفنون والآداب لأكثر من 21 دولة. ترأس وشارك في عدد من لجان التحكيم حول العالم من اليابان والبرازيل والمكسيك والأرجنتين، ودول أوروبا وأفريقيا وآسيا، وله أكثر من 18 كتاباً بين النقد والروايات، وعمل مستشاراً للفنون في «اليونيسكو» من 1996 حتى 1998.


مقالات ذات صلة

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم،…

إميلي لابارج