«ملتقى النقد السينمائي» يضع المكان في قلب الحكاية السينمائية

جلساته ناقشت الديكور والذاكرة بكونها عناصر تشكيل للصورة والخيال

تناولت الجلسات أهمية الديكور في تشكيل المعنى البصري للفيلم (الشرق الأوسط)
تناولت الجلسات أهمية الديكور في تشكيل المعنى البصري للفيلم (الشرق الأوسط)
TT

«ملتقى النقد السينمائي» يضع المكان في قلب الحكاية السينمائية

تناولت الجلسات أهمية الديكور في تشكيل المعنى البصري للفيلم (الشرق الأوسط)
تناولت الجلسات أهمية الديكور في تشكيل المعنى البصري للفيلم (الشرق الأوسط)

أضاء أول مواعيد النسخة الثالثة من «ملتقى النقد السينمائي» على تقاطعات المكان مع السينما، وأطلق حوارات عن صناعة الأفلام بوحي من المكان، وتأثيره بكونه بُعداً رئيساً في تكوينها الإبداعي.

وفي حيّ المفتاحة بمدينة أبها، أحيت نخبة من السينمائيين والكتّاب والنقّاد حراكاً بصرياً ونقدياً يُثري المشهد الثقافي، ويفتح آفاقاً جديدةً للرؤية النقدية في أول ملتقيات «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» بنسخته الثالثة، الذي نظّمته هيئة الأفلام بمدينة أبها (الخميس) تحت شعار «السينما... فنّ المكان»، قبل أن ينتقل إلى مدينة القطيف في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ويختم رحلته لهذا العام في الرياض بشهر نوفمبر (تشرين الثاني)، جامعاً صنّاع الشاشة الكبيرة ونجومها تحت سقف واحد.

الملتقى يُعلي دور النقد في صناعة السينما المحلّية (الشرق الأوسط)

«الديكور» لغة بصرية تُعيد تشكيل الصورة

فتح الملتقى أفقاً للحوار حول العلاقة المتبادلة بين السينما والمكان، بوصفها علاقة ترسيخ هوية، وتمثيلاً سردياً، وتأمّلاً بصرياً، أثرى كلّ منهما الآخر تاريخياً. واستعرضت جلساته تجسيد المكان في السينما كونه رمزاً ومرآةً للواقع، أو نافذةً للخيال، وقدَّم المشاركون مقاربات نقدية وفلسفية متنوّعة.

وتناولت إحدى الجلسات قيمة توظيف الديكور وأهميته بكونه أداة نقدية وسردية في تشكيل المعنى البصري للفيلم، وكيف يصبح مدخلاً نقدياً لقراءة معمَّقة للأفلام، وذلك من خلال تجربة مهندس الديكور المصري أنسي أبو سيف؛ فذهب الحديث الذي أداره أحمد العياد بعيداً في تجربة أنسي أبو سيف من خلف الكاميرا، وكيف حوَّل الديكور إلى لغة بصرية أعادت تشكيل الصورة.

وتحدَّث الضيف عن تجربته الممتدّة لنحو 50 عاماً، وعن أهمية بناء المكان وتطوير وظيفته في التعبير الدرامي والأداء السينمائي، مشيراً إلى عدد من التجارب التي نفّذها في بناء الأحياء الشعبية التي لم تتكرّر، بل تفاوتت تبعاً لما ينبغي أن يؤدّيه المكان في تركيبة الفيلم وتصويره.

وأشار أبو سيف إلى أنه رغم تشابه الفكرة العامة للمكان في تجاربه لبناء الحيّ الشعبي في أفلام «الكيت كات» و«سارق الفرح»، وأخيراً «إبراهيم الأبيض»، فإنّ كلاً منها انطوى على اختلاف جذري في الملامح والتفاصيل، ويعود ذلك إلى بنية الفيلم وسرده.

وأكد على أهمية الدلالات في بناء المكان والتعبير الدرامي من خلال تفاصيل البناء، مستشهداً بتجربة بناء الأحياء الشعبية، لافتاً إلى أنّ المكان يوحي بمستوى الشقاء أو منسوب الارتياح والفرح وفق ما يتطلّبه تكوين الفيلم واتجاهه العام.

أقيم الملتقى وسط مدينة المفتاحة التراثية ليجتمع المكان بالموضوع (الشرق الأوسط)

«المكان» هو نقطة انطلاق القصة

خلال الملتقى، عُرض فيلم «هوبال»، وهو درامي سعودي أُنتج عام 2024، تدور أحداثه خلال حرب الخليج عام 1990، ويروي قصة عائلة بدوية تعيش في الصحراء وتواجه تحدّيات كبيرة بعد إصابة الابنة بمرض مُعدٍ.

وبعد العرض، تحدّث المخرج السعودي عبد العزيز الشلاحي عن حضور المكان وأثره في تشكيل التجربة السينمائية، وعن مفهوم الأصالة في السينما السعودية. وأكد أنه يهتم بالبحث عن المكان واختياره، مشيراً إلى أنّ المكان هو نقطة انطلاق القصة، وبناءً عليه يبدأ عملية البحث عن المكان الذي يتخيّل ملاءمته للسرد.

وفي فيلمه «هوبال»، توجّه إلى منطقة نيوم في السعودية لاستكشاف المكان، وواجه تنوعاً في التضاريس، ليقع اختياره على حيّز مكاني جاء موافقاً لتوقعاته، بوصفه متجاوزاً للحيّز المادي ليغدو عنصراً مُشاركاً في حركة السرد، يحمل رسالة هوياتية وثقافية تلتقي مع القصة.

ومن خلال تجارب الشلاحي الفيلمية الثلاث، حضر المكان بوضوح في تكوين أعماله، وشمل السوق الشعبية والحارة والصحراء في فيلمه «هوبال». وقال إنه كان حريصاً فيه على عكس معنى العزلة في الصحراء من خلال السرد والصورة، مضيفاً: «في تكوين اللقطات الواسعة في الفيلم، لم تكن جمالية بالضرورة، وإنما عناصر تعكس الفراغ الذي كان جزءاً من فلسفة العمل. وقد اتخذت قرارات فنّية مثل مسافات العدسة، وكلها صبّت في تعزيز الإحساس بقوة المكان وأثره التبادلي مع السرد».

المخرج علي السمين دعا سكان المدن السعودية لسرد حكايات أماكن انتمائهم (الشرق الأوسط)

الكاميرا مرآة لذاكرة المكان

«تتحوّل الكاميرا إلى مرآة لذاكرة المكان»؛ يقول المخرج السعودي علي السمين، داعياً سكان القرى والبلدات والمدن السعودية لسرد حكايات الأماكن التي ينتمون إليها، مؤكداً أنهم مؤتمنون على الذاكرة المحلّية لكثير من القرى والبلدات التي اندثرت، وأنّ العدسات تملك ذاكرة قوية تحفظ تفاصيلها.

وأشار السمين خلال مشاركته في جلسات الملتقى إلى ضرورة بذل مزيد من الجهد تجاه الأماكن والقصص والزوايا السعودية التي لم تحظَ بعد بالاهتمام الكافي.

وحضّ عموم صناع الأفلام والسينما في السعودية على التوازن بين استذكار الماضي بشخوصه وأماكنه وأفكاره، وبين التفاعل مع الواقع المعيش والملموس، الذي يتطلّب كثيراً من العمل لاستيعابه من خلال الإنتاجات والأعمال، وهو ما سيبقى ذاكرة حيّة وأرشيفاً نابضاً للأجيال المقبلة.


مقالات ذات صلة

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

سينما «العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

تقع أحداث «العميل السري» في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ما غاب... يتقدَّم في المشهد (الشرق الأوسط)

«?Do You Love Me»... مونتاج الذاكرة في هدنة غير مستقرّة

يعتمد الفيلم (يُعرض حصرياً في سينما «متروبوليس») بنية مونتاجية مُحكَمة المعالم، حيث تتوالى اللقطات من دون روابط سببية مباشرة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة بالمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

إرجاء جديد لـ«القومي للسينما» في مصر يثير تساؤلات

أثار قرار إرجاء المهرجان القومي للسينما في مصر مجدداً تساؤلات عن مدى إمكانية عودة المهرجان المتوقف منذ 4 سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.