رواد الفن المصري يستكشفون «الجانب المشرق» للحياة

معرض قاهري يضم 70 عملاً من أجيال عدة

معرض «الجانب المشرق» في غاليري بيكاسو (الشرق الأوسط)
معرض «الجانب المشرق» في غاليري بيكاسو (الشرق الأوسط)
TT

رواد الفن المصري يستكشفون «الجانب المشرق» للحياة

معرض «الجانب المشرق» في غاليري بيكاسو (الشرق الأوسط)
معرض «الجانب المشرق» في غاليري بيكاسو (الشرق الأوسط)

يمثل السياق التاريخي للفن كياناً غنياً منسوجاً من خيوط التجربة الإنسانية والتحولات الثقافية؛ مما يسمح باستكشاف المشاعر ونبض الحياة.

فمثلما يمنح العمل الفني صوتاً لمن يبدعه من خلال وسائط مثل اللون والملمس والخط والشكل والهيئة، فإنه أيضاً ـ سواء كان لوحة فنية مثل الموناليزا، أو منحوتة مثل تمثال داوود لمايكل آنجلو، أو موسيقى لبيتهوفن، أو فيلماً لسكورسيزي ـ له قدرة كامنة على إلهام البشر، واستكشافهم لـ«الجانب المشرق» من الحياة واستمتاعهم به.

لوحة للفنان عمر النجدي (الشرق الأوسط)

«يمكن القول إن الفن يضفي إشراقاً على الحياة نفسها، وجعلها أكثر جمالاً، ومن ثم فإن التعمق في عالم الإبداع يمكن أن يحدث تغييراً حقيقياً في الحياة»، وفق تعبير إبراهيم عبد الرحمن مدير غاليري «بيكاسو» في القاهرة، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «انطلاقاً من هذا المفهوم اخترت ثيمة وعنوان (الجانب المشرق) للمعرض الصيفي السنوي للغاليري في نسخته الـ27».

مضيفاً: «يجمع الحدث بين أكثر من 70 عملاً، لنحو 30 فناناً مصرياً من مختلف التيارات الفنية، ويستمر حتى نهاية أغسطس (آب) الحالي».

لوحة للفنان عمر النجدي (الشرق الأوسط)

ويضم الحدث لوحات للرواد والفنانين المعاصرين، إضافة إلى جيل الوسط والشباب في حوار عابر للأجيال، ويحتفي كذلك بانطلاقة الصيف وروح الإبداع، وإشراقة الحياة من منظور الفنانين.

ويتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «يفتح تغير الفصول آفاقاً جديدة للقاءات غنية بالفن، ذات قيمة إبداعية خاصة، تتعدد مواضيعها، ومدارسها واتجاهاتها التي تخص كل فنان عن غيره، ومن هنا تنبع أهمية المعرض الصيفي بنسخه المتتابعة».

ومن خلال الحدث ينصت الزائر إلى قصص بصرية ملهمة ومحفزة على الاستمتاع بإشراقة الحياة لمجموعة من الفنانين المصريين، ومنها تلك القصص الرمزية التي سردها الفنان الراحل عمر النجدي في لوحاته، والزاخرة بالذاكرة الثقافية الغنية، وتناغم اللون، والتكوين، والرمزية في تجسيدها لمشاهد من الحياة المصرية.

خطفت أم كلثوم قلوب السامعين والعشاق بشباك صوتها، ولا تزال تفعل عبر أغنياتها، ولا تكتفي بذلك فهي تسجل حضوراً بارزاً أيضاً على مسطح لوحات كثير من التشكيليين المصريين.

ومن أبرز هؤلاء الفنانين جورج بهجوري الذي لا يتوقف تميزه في رسمها على الكم فقط؛ إنما يفاجئنا بأسلوبه المختلف القائم على الدمج بين الكاريكاتور والفن التكعيبي؛ ما يتماهى مع كون «كوكب الشرق» هي أيقونة الغناء العربي وشديدة القرب من جمهورها، وهو ما تستطيع استكشافه بنفسك عند تأمل لوحات بهجوري في هذا المعرض.

أم كلثوم بريشة جورج بهجوري (الشرق الأوسط)

يقول بهجوري لـ«الشرق الأوسط»:«لا أرسم الوجوه كما قد تبدو ظاهرياً، لكنني أقدمها انطلاقاً من إحساسي بها، كما يتجسد إحساسي بأم كلثوم بوصفها رمزاً للفن المصري».

فيما يتجلى عالم الفنان الراحل عفت حسني الخيالي في هذه التركيبة النابضة بالحياة التي تحتضنها لوحته بالمعرض؛ حيث الاحتفال الثري بالألوان والخيال والعاطفة.

يحمل العمل مشهداً تصويرياً سيريالياً، لكنه وثيق الصلة بسياجه البيئي؛ فنراه مستغرقاً كعادته في الواقع الشعبي بطقوسه، ومعتقداته السحرية.

ومن المعروف أنه عمل طويلاً في مجال الرسم الصحافي، ورسومات مجلات الأطفال التي شكلت وجدان أجيال كثيرة، فضلاً عن تشييد أبنية الديكور للأعمال المسرحية والسينمائية المختلفة، وقد انعكس ذلك على لوحاته التي جاءت محملة بأفكار ورؤى متنوعة ومزدانة بالزخارف والمفردات التي تشبع عين المتلقي جمالاً، وتتوافق مع التراث والطبيعة في مصر.

بخطوط جريئة وإيقاع فولكلوري، جسد الفنان الراحل حلمي التوني روح المرأة المصرية في أعماله؛ حيث عدّ أن عالمها لا ينفصل عن الحب؛ فجاءت نبيلة مشرقة وعميقة.

المرأة عند الفنان الراحل حلمي التوني ترمز إلى الحب والوطن (الشرق الأوسط)

كما جاءت شابة قوية تتمسك بأحلامها وجذورها في التراث؛ لأنها كانت بالنسبة له أيضاً رمزاً للوطن الذي يحفظ هويته، ويتطلع إلى مستقبل مشرق، وذلك من خلال لوحات مشبعة بالحس الشعبي.

وفي لوحة الفنان عدلي رزق الله التي رسمها عام 1995 ـ ألوان مائية على ورق ـ يطل علينا التناغم الدقيق بين اللون والضوء والشكل، ومن المعروف أن الألوان المائية في أعمال الراحل كانت تستمد قوتها من ذكرياته في قريته بأسيوط (جنوب مصر)، وتتشكل من سنواته في باريس أيضاً.

وعبر تصادم مبهج ومرح يجمع بين الملمس والذاكرة والرمزية توازن أعمال التشكيلية جيهان فايز في المعرض بين الكولاج والرسم، وسرد القصص والعفوية، وتفوح منها رائحة التاريخ، والأصالة الممتزجة بالمعاصرة.

الكولاج والرسم وسرد القصص في لوحة للتشكيلية جيهان فايز (الشرق الأوسط)

وجاءت أعمال جيهان سخية في الألوان من خلال بالتة مستلهمة من دفء الشمس المصرية، ومقتصدة في استخدام التفاصيل والخطوط؛ حيث الاختزال والتجريد من سمات فنها، فضلاً عن الوعي في معالجة الأسطح، وإبراز نكهة تاريخية مفعمة بالأصالة والمعاصرة في الوقت نفسه.

وبالقرب من تلك الأعمال، يملأ سكون شاعري أعمال الحبر للتشكيلي الراحل جميل شفيق بالمعرض؛ حيث تشكل الخطوط الدقيقة رقصةً حالمةً بين الشكل والطائر، وقد اشتهر شفيق ببراعته في استخدام الألوان الأحادية والتنقيطية، ونجده يركز على المشاعر والحركة في تفاصيل لوحاته.

في السياق نفسه، تبحر شخصيات الفنان عادل السيوي في عالم خاص، وتأخذ زائر المعرض في رحلة طويلة يلتقي خلالها بوجوه وشخوص تترك بصمتها داخله، ورغم تنوعها فإن لوحاته الزيتية أحادية اللون، المستوحاة من مناظر الصحراء المصرية، تتلاقى في تميزها بإشراقة لافتة وإحساس حسي.

عمل للفنانة هالة شافعي في المعرض (الشرق الأوسط)

تستوحي الفنانة هالة شافعي لوحاتها من إيقاعات الطبيعة وأسرار الكون، وتجمع بين المرئي والخفي، مستخدمة وسائط متعددة على الورق، ويجد المتلقي داخلها طاقات من الفرح والونس، وجرأة التحرر من الخوف، في عوالم يتخلص فيها المرء من الإحساس بالغربة والوحشة، متتبعاً جمال الحياة، ومستمتعاً بجماليات الفن.

وفي لوحاتها التي تشارك بها توثق الفنانة أميمة السيسي للتراث المصري، حيث تصدح فيها الألوان الزاهية المتوافقة مع إشراقة ودفء البيوت والحارات في مصر، وتمزج بين ثناياها بين الرسم والكلمات المأخوذة عن الأمثال الشعبية المصرية.


مقالات ذات صلة

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً انطلاقاً من منظور يرى في السفر فعلاً جسدياً وفكرياً (مسك للفنون)

34 فناناً يستكشفون مفهوم الترحال ‏وإرث الخرائط التاريخية في معرض دولي بالرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
TT

المطبخ المصري يستعيد تراثه بأكلات العصور القديمة

أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)
أحد الأطباق المصرية بالمسابقة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

يتميز المطبخ المصري بمكوناته وأكلاته ووصفاته التي تحمل أبعاداً تراثية بعضها يعود للعصور القديمة. وقد نظمت فعاليات وأنشطة حول الطعام المصري بما يمثله من خصوصية تثري الأبعاد السياحية، خصوصاً في مجال السياحة الثقافية بالتركيز على ثقافة الطعام.

وفي هذا الإطار نظمت جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، الأحد، فعاليات مسابقة «المطبخ المصري تراث وهوية» بين طلاب كليات ومعاهد السياحة والفنادق في مختلف أنحاء مصر، بهدف الحفاظ على الموروث الغذائي المصري، والتعريف بالمطبخ المصري بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية والتراث والثقافة المصرية.

وقدم الطلاب مجموعة متنوعة من الأطباق المصرية المتميزة، التي عكست ثراء وتنوع المطبخ المصري، واختلاف البيئات والثقافات التي شكلت هويته على مر العصور.

و«تنوعت الأطباق المشاركة بين وصفات مستوحاة من التراث المصري القديم، وأطباق من المطبخ البدوي، إلى جانب عدد من أشهر الأكلات التي ارتبطت بالمائدة المصرية، ومن بينها (أم علي)، و(المندي)، و(الفتة المصرية)، و(المسقعة)، و(محشي الكرنب)، و(البامية باللحمة)، وغيرها من الأطباق التراثية»، وفق بيان لجمعية الحفاظ على السياحة الثقافية.

وضمت لجنة التحكيم نخبة من المتخصصين في مجال الطهي والضيافة، من بينهم الشيف حسام سليمان، رئيس مجلس إدارة جمعية الطهاة المصريين.

وحضر الفعاليات التي أقيمت في المعهد العالي للدراسات النوعية بميدان الحجاز، الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري والمشرف على الطبق الفرعوني، وعدد من قيادات وأعضاء جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية، من بينهم محمد الحسانين، رئيس مجلس الإدارة، ومحمد المنتصر، الأمين العام.

جانب من تحكيم المسابقة حول الطعام المصري (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

وأكدت الجمعية أن «المسابقة تأتي في إطار رؤيتها للحفاظ على عناصر التراث المصري، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، مع ربط الموروث الغذائي بصناعة السياحة، كون الطعام أحد المكونات المهمة للهوية الثقافية، وأحد عناصر التجربة السياحية».

واستهدفت المسابقة «منح طلاب السياحة والفنادق فرصة عملية للتعرف على قيمة الأكلات المصرية التراثية، وتشجيعهم على تطوير طرق تقديمها والحفاظ على وصفاتها وذاكرتها المرتبطة بالبيئات والمناطق المختلفة في مصر»، وفق البيان.

وتتضمن الفعاليات التي تمتد إلى يوم 24 سبتمبر (أيلول) الحالي جلسة حوارية تتناول أهمية التراث المصري والحفاظ عليه، ودور المطبخ المصري بصفته أحد عناصر التراث والهوية، وكيفية توظيف هذا التراث في دعم السياحة والثقافة المصرية.

المطبخ المصري يضم أكلات تراثية متنوعة (جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية)

ويأتي مشروع «المطبخ المصري تراث وهوية» ضمن جهود جمعية الحفاظ على السياحة الثقافية لتوثيق الموروث الغذائي المصري والتعريف بأكلاته من مختلف مناطق مصر، وربط هذا التراث بصناعة السياحة والثقافة والهوية المصرية، بما يسهم في تقديم المطبخ المصري كأحد عناصر التجربة السياحية المصرية.

وتحرص مصر على تقديم أنماط متنوعة من السياحة، من بينها السياحة الثقافية والترفيهية والبيئية والعلاجية والرياضية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وأطلقت وزارة السياحة والآثار برنامجاً ترويجياً في هذا الإطار بعنوان «مصر... تنوع لا يُضاهى».

وكان المتحف القومي للحضارة المصرية قد استضاف من قبل فعاليات حول الأكلات المصرية الشعبية والتراثية ضمن مبادرة «طبلية مصر»، وتقدمت مصر بملف لـ«اليونيسكو» لتسجيل الكشري المصري ضمن الأكلات المصرية الأصيلة، وبالفعل تم تسجيل «الكشري المصري» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بـ«اليونيسكو» عام 2025.


خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
TT

خمسة أجيال من عائلة واحدة... وعيد ميلاد واحد

خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)
خمسة أجيال من عائلة واحدة (إنستغرام)

في عائلة هارلو لا يقتصر الاحتفال بعيد الميلاد على مناسبة شخصية لكل فرد، بل يجتمع خمسة أجيال في اليوم نفسه من كل عام. فقد وُلد أفراد خمسة أجيال متتالية من العائلة في 14 سبتمبر (أيلول)، في مصادفة نادرة تحولت إلى رقم قياسي عالمي موثّق في موسوعة «غينيس».

وتضم السلسلة ويلبر، ثم ابنته آدي، وحفيدها فريد هارلو، وابنته إيما بيل، وصولاً إلى حفيده آرثر، الذي جاء إلى الدنيا في التاريخ نفسه، ليكمل سلسلة من خمسة أجيال تشترك في يوم الميلاد ذاته، وفقاً لشبكة «سي تي في» الكندية.

ويقول فريد إن العائلة لطالما عدّت هذا التزامن أمراً مميزاً، لكنها لم تتخيل أنه قد يتحول يوماً إلى رقم قياسي عالمي. ويضيف: «عندما تُرزق بأطفال، فإنهم هدية، وهذه هدية فريدة جداً. كنا دائماً نرى الأمر شيئاً رائعاً، لكنني لم أفكر يوماً في أنه قد يجعلنا أصحاب رقم قياسي. كنت أعتقد ببساطة أن كل شيء يحدث لسبب».

ولم تبدأ العائلة التفكير جدياً في توثيق الرقم إلا في الآونة الأخيرة. وتقول إيما إن أفراد الأسرة كانوا يمزحون دائماً بشأن الأمر، خصوصاً بعد أن أصبح لديهم أربعة أجيال يتشاركون اليوم نفسه.

وتوضح: «كنا نقول دائماً: لدينا أربعة أجيال، ولا بد أن يكون ذلك رقماً قياسياً عالمياً».

واكتشفت إيما لاحقاً أن أربع عائلات أخرى كانت تتقاسم رقماً قياسياً مماثلاً، مع أربعة أجيال مولودة في اليوم نفسه. لكن الفكرة لم تتحول إلى إجراءات رسمية إلا بعد وفاة جدتها آدي، حين اكتشفت إيما أنها حامل بطفلها الثاني، وأن موعد ولادته المتوقع يصادف 14 سبتمبر.

وتقول إيما إن جدتها كانت تكرر عليها منذ طفولتها أمنية طريفة: «يجب أن يكون لديك ولد في 14 سبتمبر»، مضيفة أنها كانت تسمع هذه العبارة منها كل عام.

وكانت إيما قد أنجبت طفلها الأول قبل موعده، لذلك، عندما حملت بطفلها الثاني، كانت تأمل أن يصل هذه المرة في الموعد المنتظر. وبالفعل، وُلد آرثر في 14 سبتمبر، ليصبح بذلك الحلقة الخامسة في السلسلة العائلية، ويمنح أسرته رقماً قياسياً جديداً.

ويقول فريد، في تعليق على وصول أصغر أفراد العائلة: «وها هو ذا، لقد أصبح صاحب رقم قياسي».

ورغم أن آدي تُوفيت قبل ولادة آرثر، فإن أفراد العائلة يتخيلون مدى سعادتها بهذا الإنجاز. وتقول إيما: «أعتقد أنها كانت ستشعر بالفخر والإعجاب، لأننا نجحنا بالفعل في تحقيق ذلك، وأن المولود كان ولداً في يوم 14».

ولا تتوقف المصادفة عند التاريخ، إذ يلفت أفراد العائلة إلى نمط آخر رافق الأجيال الخمسة؛ فالتسلسل جاء بالتناوب بين الذكور والإناث: ولد، ثم بنت، ثم ولد، ثم بنت، ثم ولد.

وتقول إيما: «بدأ الأمر مع ويلبر، ولذلك يأتي التسلسل: ولد ثم بنت ثم ولد ثم بنت ثم ولد».

ومع ذلك، لا تنوي العائلة تحويل هذا الرقم القياسي إلى تقليد يتعين على الأجيال المقبلة الحفاظ عليه. وفي الوقت الحالي، يكفي أفراد هارلو أن يجتمعوا كل عام للاحتفال بأعياد ميلادهم معاً، بعدما منحتهم مصادفة عائلية نادرة مناسبة إضافية للاحتفال.

ويختصر فريد الحكاية قائلاً: «إنه أمر مذهل حقاً».

أما إيما فتكتفي بوصف التجربة بكلمتين: «لقد كان الأمر ممتعاً».


نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
TT

نيويورك في قبو المنزل

يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)
يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

لم يكن جو ماكين يخطط لبناء مدينة، ولم يكن يتوقع أن تتحول هوايته التي بدأها في قبو منزله إلى عمل فني يستقطب زوار المتحف. كل ما أراده، على ما يبدو، كان أن يستعيد شيئاً من نيويورك التي تركها خلفه.

على مدى أكثر من 20 عاماً، أمضى سائق الشاحنة المولود في كوينز أوقات فراغه في بناء نيويورك مصغّرة من أخشاب البلسا وألواح الفوم. مبنى تلو آخر، وشارعاً بعد آخر، كبرت المدينة على طاولة العمل، حتى أصبحت تضم أكثر من 800 ألف مبنى ومنشأة، وتمتد على أكثر من 300 لوح كبير.

مجسم كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

وحين انتهى ماكين من مشروعه، أقنعته ابنته بتصويره ونشره على تطبيق «تيك توك». لم يتوقع الأب أن تحظى المقاطع بهذا الاهتمام، لكن أكثر من 10 ملايين شخص شاهدوها خلال أسبوع واحد، قبل أن يصل صدى المدينة الصغيرة إلى متحف مدينة نيويورك. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وهكذا خرجت نيويورك من قبو منزل ماكين إلى قاعة متحف، ضمن معرض «He Built This City»، الذي يستمر حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول).

يبلغ طول المجسّم نحو 15 متراً وعرضه نحو 9 أمتار، ويضم تفاصيل من الأحياء الخمسة للمدينة، إضافة إلى أجزاء من نيوجيرسي ولونغ آيلاند. ويمكن للزائر أن يجد فيه كل شيء تقريباً؛ من ناطحات السحاب في مانهاتن إلى المنازل المتواضعة في كوينز، ومن جسر بروكلين إلى تمثال الحرية واستاد يانكي.

زائر لمتحف مدينة نيويورك يتأمل مجسماً لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين في نيويورك (أ.ب)

لكن ماكين لم يبنِ مدينة مثالية، بل بنى المدينة كما يتذكرها.

تعود الفكرة إلى طفولته، عندما شاهد خلال رحلة مدرسية «بانوراما مدينة نيويورك» في متحف كوينز، وهو مجسّم ضخم للمدينة أثار إعجابه. وبعد سنوات، وعندما انتقل مع زوجته وأطفاله من لونغ آيلاند إلى ألباني، بدأ هو ببناء نسخته الخاصة.

ويقول ماكين إنه ربما كان «يفتقد نيويورك، من دون أن يدرك ذلك تماماً».

بدأ من مركز روكفلر وبرج «30 روك»، ثم احتاج إلى نحو عشر سنوات لبناء وسط مانهاتن. وكان مبنى إمباير ستيت من أصعب الأجزاء، خصوصاً أنه لم يكن يملك أي خبرة في صناعة المجسّمات أو الهندسة. لكنه تعلّم مع الوقت، وأصبح بناء أحد المباني بالنسبة إليه أسرع بكثير مما كان عليه في البداية.

يظهر تمثال الحرية على مجسم كبير لمدينة نيويورك — صنعه جو ماكين — في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

حتى إن المشروع بدأ يزاحم بقية تفاصيل حياته. كان يحمل مواد البناء معه في رحلات العائلة، ويستغل فترات التوقف أثناء العمل لمواصلة البناء. وفي بعض الليالي، كان يجلس أمام المجسّم وهو يشعر بالتعب، ثم يبقى هناك ساعات إضافية، وأحياناً يغفو فوق طاولة العمل.

ولأنها نيويورك الخاصة به، لم يهتم ماكين دائماً بأن تكون مطابقة للمدينة الحالية. أبقى على مطعمه المفضل من طفولته رغم تغير المكان، واحتفظ بجسر كوشيوشكو القديم، كما أبقى برجي مركز التجارة العالمي قائمين إلى جانب المباني التي ظهرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول).

ويقول: «احتفظت بالكثير من الأجزاء التي تمثل نيويورك بالنسبة إليّ... من أجلي أنا فقط».

وربما لهذا السبب يبحث زوار المعرض عن شيء أكثر من مجرد مبانٍ صغيرة. فكل واحد منهم يحاول العثور على نيويوركه الخاصة؛ منزل قديم، شارع يعرفه، مدرسة، جسر أو مكان ارتبط بذكرى.

أما ماكين فلا يبدو مستعداً للتوقف. بعد انتهاء المعرض، يأمل في أن تنتقل مدينته إلى أماكن أخرى، بينما يخطط هو لإضافة أكثر من 50 مبنى جديداً.

فالمدينة التي بناها بيديه لم تنتهِ بعد، وربما لا يريد لها أن تنتهي.