هل تكسر الموجة الحارة في نهاية يوليو الأرقام القياسية المُسجلة عربياً؟

العراق يبلغ 50 درجة ومصر تصل إلى 47

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
TT

هل تكسر الموجة الحارة في نهاية يوليو الأرقام القياسية المُسجلة عربياً؟

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)
عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)

تشهد المنطقة العربية هذه الأيام موجة حر شديدة وغير معتادة، وسط تحذيرات من استمرار ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في بعض المناطق.

وتُشير تحليلات موقع «طقس العرب» إلى اتساع رقعة تأثر المنطقة خلال الأيام المقبلة بما يُعرف بـ«القبة الحرارية»، وهي كتلة هوائية شديدة السخونة تتمركز في طبقات الجو العليا، وتتركّز بشكل خاص فوق العراق والكويت وشرق السعودية. ومن المتوقع أن يؤدي تمركز هذه الكتلة اللاهبة فوق العراق إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة، قد يتجاوز 50 درجة مئوية في العاصمة بغداد، ما يضعها بين أكثر مدن العالم حرارة مطلع الأسبوع.

ويُعزى هذا الارتفاع أيضاً إلى تعاظم تأثير المرتفع الجوي شبه المداري، الذي يُعزز من شدة القبة الحرارية، لتبلغ ذروتها في العراق والكويت وشرق السعودية، وهي تُعد حالياً من بين المناطق الأشد حرارة على سطح الأرض. كما تمتد تأثيرات هذه الكتلة إلى بلاد الشام، حيث تسود أجواء أكثر حرارة من المعتاد، في حين سجلت مصر درجات حرارة تقترب من 44 درجة مئوية في مناطق عدة.

موجة طويلة

من جانبه، أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ في جامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، أن فصل الصيف يشهد عادة موجات حر شديدة لا تتجاوز مدتها يومين أو ثلاثة أيام.

لكن اللافت العام الحالي، حسب قوله، هو استمرار الموجة الحالية إلى أكثر من أسبوع متواصل، حيث تتجاوز درجات الحرارة العظمى حاجز الـ40 درجة مئوية في مصر ومعظم أنحاء المنطقة العربية.

الخرائط الجوية تشير إلى اتساع رقعة تأثر المنطقة العربية بكتلة هوائية شديدة الحرارة (موقع طقس العرب)

وأوضح الدكتور علي قطب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الموجة الطويلة والحارّة أثّرت على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وتزامنت مع ارتفاع ملحوظ في نسب الرطوبة، ما أدى إلى زيادة الإحساس بشدة الحرارة لدى المواطنين.

وبيّن أن السبب الرئيسي وراء هذه الموجة يعود إلى تأثر المنطقة بمنخفض الهند الموسمي، بالتزامن مع وجود مرتفع جوي في طبقات الجو العليا، وهو ما ساهم في استمرار ارتفاع درجات الحرارة، مشيراً إلى أن توزيع الضغط الجوي في الطبقات العليا ساعد كذلك في تعميق تأثير الحرارة.

وأضاف أن هناك علاقة عكسية بين نشاط الرياح ونسب الرطوبة النسبية؛ فكلما هدأت حركة الرياح، زادت قدرة الهواء على حمل بخار الماء، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الرطوبة وبالتالي زيادة الإحساس بحرارة الطقس.

من جانبه، قال الدكتور محمود شاهين، مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر في الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، إن مصر والمنطقة العربية تمرّ حالياً بموجة شديدة الحرارة نتيجة امتداد منخفض الهند الموسمي العميق، الذي يغطي جميع المناطق والمدن.

وأشار إلى أن ما يميز هذه الموجة عن سابقاتها هو أن ارتفاع درجات الحرارة يتزامن مع ارتفاع ملحوظ في نسب الرطوبة وبخار الماء في الكتل الهوائية، ما يزيد من شعور المواطنين بحرارة الطقس.

سيدة عراقية تحمي وجهها من أشعة الشمس (أ.ف.ب)

وأوضح الدكتور محمود شاهين لـ«الشرق الأوسط» أن الكتل الهوائية التي ترفع درجات الحرارة تكون عادة جافة إلى حد ما، لكن الكتل المؤثرة حالياً رطبة بشكل كبير، حيث تقترب نسبة الرطوبة الصغرى في مصر من 50 في المائة.

وأشار إلى أن ذلك يزيد من الإحساس بالحرارة بشكل كبير، مقارنة بدرجات الحرارة المسجلة فعلياً، التي تُقاس عادة في الظل. وأضاف أن درجات الحرارة تفاوتت خلال ساعات النهار في أنحاء متفرقة من مصر، حيث وصلت في بعض المناطق إلى ما بين 44 و45 درجة مئوية.

هل يستمر الارتفاع؟

وحسب متخصصين في مركز «طقس العرب» الإقليمي، تُظهر الخرائط الجوية تموّجات في التيار النفاث مع أواخر يوليو (تموز) ومطلع أغسطس (آب)، مما يُتيح تقدّم كتلة هوائية أقل حرارة وأكثر رطوبة نحو شرق البحر المتوسط.

ويُتوقّع أن تنكسر الموجة الحارة في مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، مع تراجع ملحوظ في درجات الحرارة وعودتها إلى معدلاتها المعتادة. وتبدو تأثيرات هذه الكتلة أوضح في بلاد الشام، حيث تعود الأجواء الصيفية المعتدلة، وتزداد نسب الرطوبة مع نشاط الرياح البحرية وظهور السحب المنخفضة، التي قد تؤدي إلى هطول أمطار محلية على السواحل السورية واللبنانية، حسبما أفاد به «طقس العرب».

كما يُتوقع أن يمتد تأثير الكتلة الهوائية المعتدلة إلى العراق، ما يُسهم في كسر حدة الموجة الحارة هناك، وانخفاض درجات الحرارة، مع نشاط الرياح المثيرة للغبار والأتربة.

مصر تشهد موجة حرارة مرتفعة للغاية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وحول احتمالية تسجيل درجات حرارة قياسية في المنطقة العربية، أشار قطب إلى أن هناك احتمالاً لتسجيل درجات حرارة قياسية أو قريبة منها في بعض المناطق العربية، خاصةً مع استمرار تأثير منخفض الهند الموسمي وارتفاع نسب الرطوبة، ما يزيد من الإحساس بالحرارة.

لكنه أضاف أن هذه الموجة، رغم شدتها وطول مدتها غير المعتاد، لا تعني بالضرورة كسر الأرقام القياسية المسجّلة سابقاً، حيث تجاوزت درجات الحرارة العظمى 48 درجة مئوية في بعض مناطق الشرق الأوسط، بل وصلت إلى أكثر من 50 درجة مئوية في دول مثل الكويت وجنوب مصر، لكن تكرار مثل هذه الموجات خلال شهر أغسطس وارد جداً، في ظل استمرار التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري.

فيما لفت مدير عام التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية إلى أن التغيرات المناخية تلعب دوراً بارزاً في إطالة مدة الموجة، حيث تجاوزت الأسبوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متوقعاً أن تبدأ الموجة بالانكسار في مصر يوم الأربعاء المقبل.

وأضاف شاهين أن هذه التغيرات أسهمت في زيادة تطرف موجة الحر، حيث تزامن ارتفاع درجات الحرارة مع ارتفاع كبير في نسب الرطوبة.

وتوقّع شاهين أن تكون الموجة الحالية هي الأشد خلال صيف 2025، مرجحاً ألا تسجل مصر درجات حرارة أعلى خلال ما تبقى من فصل الصيف، حيث ستكون الموجات المقبلة أقل حدة.

ارتفاعات قصوى

تاريخياً، سجّلت مدن حول العالم درجات حرارة قصوى على مدار العقود، وصلت في بعضها إلى مستويات قياسية تهدّد الحياة.

وفي منطقة «وادي الموت» بولاية كاليفورنيا (الولايات المتحدة)، سُجلت أعلى درجة حرارة في التاريخ الحديث عند 56.7 درجة مئوية عام 1913، في حين بلغت حرارة سطح الأرض هناك نحو 93.9 درجة مئوية في عام 1972، وفق شبكة «بي بي سي».

عراقي يواجه درجات الحرارة المرتفعة بغسل وجهه بالماء (أ.ف.ب)

وجاءت مدينة قبلي التونسية في المرتبة الثانية عالمياً بدرجة حرارة بلغت 55 مئوية سُجلت عام 1931، تلتها مدينة الأهواز الإيرانية التي سجلت 54 مئوية في عام 2017.

وفي قائمة أكثر المدن حرارة حول العالم، برزت مدينتا الكويت والبصرة في العراق بدرجات حرارة بلغت 53.9 درجة مئوية، متفوقتين على مدينة تُربت في باكستان التي سجلت 53.7 درجة مئوية. كما شهد معبر الجزيرة الحدودي في الإمارات حرارة بلغت 52.1 درجة مئوية، فيما سُجلت في مدينة ميكسيكالي المكسيكية 52 درجة مئوية.

أما مدينة جدة السعودية، فقد سجّلت أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 52 درجة مئوية في يونيو (حزيران) 2010، في حين بلغت الحرارة في مدينة أسوان المصرية 51 درجة مئوية في يوليو 1918، و49.6 درجة مئوية في يوليو 2024، ما يعكس بوضوح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من بين أكثر مناطق العالم تأثراً بالموجات الحارة.


مقالات ذات صلة

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )
آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.