«محراب المدينة»... عمارة تُعيد تشكيل الذاكرة

المعماري اللبناني إتيان بستورماجي يؤطّر الحكاية بين الشارع والصالة

العمارة كائن حيّ يلامس الحواس ويتّسع للغموض (إتيان بستورماجي)
العمارة كائن حيّ يلامس الحواس ويتّسع للغموض (إتيان بستورماجي)
TT

«محراب المدينة»... عمارة تُعيد تشكيل الذاكرة

العمارة كائن حيّ يلامس الحواس ويتّسع للغموض (إتيان بستورماجي)
العمارة كائن حيّ يلامس الحواس ويتّسع للغموض (إتيان بستورماجي)

يعود المعماري والمصمّم اللبناني، إتيان بستورماجي، إلى المساحة البيروتية التي كانت يوماً مقرّاً لاستوديوه ويحوّلها إلى «محراب للمدينة». تركيبٌ معماري استضافته صالة «تيك أوفر»، كسر الحواجز بين الشارع والصالة، وبين الذاكرة والمادّة، وجعل من الفضاء لحظة لقاء وتأمُّل جماعي، مفتوحة على احتمالات المدينة وحركتها.

يمارس بستورماجي العمارة بمقاييس متعدّدة، ضمن مقاربة متجذّرة في بيروت، تستلهم انبثاقها من شذرات الأشياء والذكريات والآثار، وتتوسّع لتصبح أماكن تستدعي طبقات من الانتماء والتجربة. منذ تأسيس استوديوه، ارتكز على خلفيته الأكاديمية في العمارة والتخطيط الحضري، وعلى عقد من القيادة المفاهيمية، ليستكشف سرديات مكانية جديدة عابرة للتخصّصات والحدود الجغرافية.

مرآة مفتوحة على الشارع تنعكس فيها المدينة (إتيان بستورماجي)

عمله مقاومة للتصنيف. فسواء أكان المشروع مبنى، أو قطعة تصميم، أو تركيباً حضرياً، فإنّ المقاربة تبدأ من مساحة عدم يقين، وتتّسع لإمكانات غير متوقَّعة. من حديقة مُعلّقة فوق سطح روضة أطفال تُقرّب الطبيعة من حياة الناس، ومرآة من الألمنيوم المصبوب تُشكّل حواراً بصرياً بين الظلّ والضوء، إلى متجر يُعاد تصميمه انطلاقاً من عمل فنّي، أو شقّة تنبض بحكايات تُبنى بالحِرَف واللعب... لكل مشروع طابعه الخاص، وطريقته في التفاعل مع المكان، ورغبة في ابتكار شكل جديد للفضاء.

صلبُ هذه الممارسة استدعاءُ الخارج إلى الداخل، وتحويل الذاكرة إلى مادة. إنها ممارسة مَرِنة، تتطوّر بالتعاون مع فنّانين ومصمّمين وحرفيين، وتتعرّف إلى نفسها من خلال العلاقات بين المواد وصانعيها، وبين الأمكنة وساكنيها، والزمنين الماضي والحاضر.

تدخّل معماري يُصغي لإيقاع المارّة (إتيان بستورماجي)

يتبنّى بستورماجي هذه الازدواجية، ويتنقّل بين المقاييس بحساسية تجاه التحوّل. لغته التصميمية تُعيد تفسير رموز العمارة الوحشية بخفة شاعرية: زوايا حادّة تصطدم بمنحنيات غير متوقَّعة، وأشكال صلبة تلتفُّ على الحركة. والنتيجة، عمل عصيٌّ على التصنيف: نحتيّ وبنيويّ، شعريّ ومنهجيّ، متجذّر ومنفتح في آن.

واحتفالاً بعامَيْن على تأسيس صالة «تيك أوفر» في الأشرفية، عاد المعماري إلى المساحة التي احتضنت استوديوه، ليُعيد تأطير المشهد بتدخّل معماري مؤقّت يقترح عتبةً حضرية جديدة تُذيب الثنائيات بين الصالة والشارع، وبين الخاص والعام والشكل والسيولة. أُزيلت واجهة العرض، لتُفتَح المساحة على المدينة، في كسرٍ واعٍ لصورة الغاليريهات بكونها مواقع نخبوية مُغلقة.

نسج الحكاية بين الخاص والعام (إتيان بستورماجي)

و«تيك أوفر» فضاءٌ بيروتي يقوده فنانون ببرمجة ديناميكية وتجريبية، بالتعاون مع فنانين محلّيين. مهمّته تقاسُم الفضاء مع الطاقات الصاعدة، ورعاية التجريب والتعاون، وتشجيع نقل المعرفة من خلال ورشات عمل يقدّمها الفنّانون أنفسهم. يقع في شارع عبد الوهاب الإنجليزي، ويطمح إلى تفعيل محيطه والتفاعل مع النسيج الاجتماعي من خلال البرامج. كلّ «استيلاء» يُغيّر وظيفة المكان: من استوديو فنّي إلى صالة عرض؛ من تركيب إلى ورشة، ومن قاعة إلى فسحة حوار غير رسمية.

يقول بستورماجي لـ«الشرق الأوسط»: «العودة إلى (تيك أوفر) بتدخّل خاص في المكان الذي احتضن يوماً استوديو عملنا، يُشبه طيَّ الزمن داخل الشكل، وتحويل الذاكرة إلى عمارة. الأمرُ لا يتعلَّق بإدخال عمل فنّي إلى صالة، وإنما بالسماح للمدينة بأن تدخل هي نفسها. لطالما استكشفت ممارستنا الأجزاء داخل الأمكنة، والأمكنة داخل المدن، بحيث تكون العمارة وسيطاً وإطاراً للقاء والتأمّل ولسياق الحياة العامة، وليست مجرّد شكل».

والجناح يتّخذ مكاناً يتعمَّد الغموض: لا هو صالة ولا شارع، وإنما كلاهما معاً. «لا مكان» يتحوّل إلى موقعٍ مُحتَمل للانكشاف. مرآةٌ مقلوبة نحو الخارج تدعو المدينة إلى الدخول.

بتجذّره في المشهدية المدينيّة لبيروت، خصوصاً في «مقامات الشارع» ذات الواجهات العاكسة التي تُوازن بين الروحي واليومي، يُعيد هذا الهيكل تخييل «المحراب» على هيئة إيماءة حضرية معاصرة، تُشكّل مساحة على قَدْر الفرد، لكنها تتردَّد على مستوى الجماعة، داعية المارّة ليكونوا أبطال الحكاية المكانية التي تُكتب.

وكما في معظم أعمال «استوديو إتيان بستورماجي»، يتشكّل هذا التدخّل من إنصات دقيق للسياق الاجتماعي والمكاني والثقافي. يعمل ضمن شروط التقييد لاستخراج المعنى الكامن، وارتدادات المواد، وأشكال جديدة من التفاعل. عند هذا الحدّ، يَعبُر الغموض من العائق نحو كونه عدسة ناظرة.

الذاكرة تنصهر في الشكل (إتيان بستورماجي)

ومن خلال إشراك المعماريين في حوار مع الحالة المكانية، ودعوة الجمهور للمُشاركة في هذا الحوار، تُثار تساؤلات تتعلَّق بالدور المتحوِّل للعمارة في مدنٍ مُتشظّية ومُتحوّلة وصامدة. تدعو المبادرة صالات العرض إلى النظر للمعماريين بكونهم فاعلين ثقافيين، يصوغون السرديات المكانية بعين فنّية دقيقة لا تقلّ أهمية عن الفنان، ويُقدَّم لهم الفضاء وسيطاً ومساحة للتجريب والحوار والظهور. بهذا التبادل، تتحوّل الصالة من حاوية صامتة إلى كائن حيّ في الحياة الثقافية للمدينة.

لا يزعم هذا التدخّل تقديم حلّ، إذ يكتفي بالإقامة في شعرية الإمكانية. وعوض تحديد الفضاء، يُصغي إليه، وإلى ضوء يتبدّل، وصوت يمرّ، وخشونة سطح تدعو إلى اللمس.


مقالات ذات صلة

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.