دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
TT

دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)

لا تستطيع السينما أن تغيّر الواقع، لكنها قادرة على جعله أقلّ توحّشاً وأكثر لُطفاً. سنةً تلو أخرى، يحرص «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» على فتح طاقة حلمٍ صغيرة وسط منطقة تشتعل سماؤها بالصواريخ وسائر أدوات القتل.

في دورته السادسة، التي افتُتحت في «مركز الحسين الثقافي» في العاصمة الأردنية، رفع المهرجان شعار «عالم خارج النص». ففي كوكبٍ خرج عن طَوره، لا بُدّ أن تُخلق مساحة تُروى من خلالها حكايات الناس العاديين الذين يدفعون ثمن هذا الجنون.

يرفع المهرجان شعار «عالم خارج النص» من وحي الأحداث في المنطقة والعالم (الشرق الأوسط) كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

للسنة الثانية على التوالي، وتقديراً لمعاناة أهل غزة، تراجعت مظاهر البهجة في حفل الافتتاح مقتصرةً على عرضٍ راقص مميّز من التراث الشركسي لـ«نادي الجيل الجديد» لاقى تفاعلاً كبيراً من الحضور. يقدّم المهرجان نفسه على أنه متجذّر في أرضه، يضيء على قصصها، لكنه لا يمانع في المقابل أن يفرد جناحَيه لملاقاة التجارب السينمائية العالمية التي تتكلّم لغة الإنسانية.

انطلاقاً من تلك القناعة، تحدّثت الأميرة ريم علي في كلمتها الافتتاحية عن ضرورة «كسر الصمت وبعث التعاطف في عالمٍ يزداد قسوة». حيّت مؤسسة المهرجان ورئيسته صنّاع الأفلام الذين يقدّمون قصصاً إنسانية لعالمٍ خرجَ عن النص والإحساس.

افتتاح المهرجان بعرض راقص من التراث الشركسي (إدارة المهرجان)

قبل أسبوعَين، ارتجّ الأردن والجوار على وقع المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية، إلا أنّ المهرجان استمرّ رغم القلق. «قررنا أن نقيم هذه الدورة لأننا نرفض الموت ثقافياً حتى لو كانت أدوات الموت والدمار تحلّق فوق رؤوسنا»، أضافت الأميرة ريم علي في كلمتها. المهرجان مؤشّر حياة في منطقةٍ تبدو غارقةً في رمادها: «القصص لا تمنع الإبادة، لكنها تعيد الاسم والوجه لِمَن قُتلوا. الكوميديا الرومانسية والفيلم التشويقي لا يشتّتان نضالنا، بل يقولان إن هناك حياة بعد النضال».

يشارك في هذه الدورة أكثر من 60 فيلماً من العالم العربي والعالم، يتنافس معظمها على جوائز «السوسنة السوداء» في حين يبقى قسمٌ منها خارج المنافسة، ومن بينها مجموعة من الأفلام الآيرلندية في تحية خاصة لهذه السينما. تتنقّل العروض بين قاعات عمّان وتتيح فرصةً لأهالي المحافظات كي يشاهدوا الأفلام بدَورهم، حيث تزورهم السينما في بلداتهم وقراهم البعيدة عن العاصمة.

كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

«نضج المهرجان ونضجَ معه وعي الناس وجهوزيّتهم لمشاهدة نصوص مغايرة عمّا اعتادوا في الأفلام التجارية»، هذه إحدى الثمار التي جناها الحدث السينمائي الأردني وفق مديرة البرمجة فيه المخرجة الفلسطينية عريب زعيتر التي تحدّثت لـ«الشرق الأوسط». ولأن المهرجان يحمل جرح غزة، فهو يقدّم 6 وثائقيات من قلب القطاع المهشّم. «هي أفلام صُنعت بالكامل في غزة لتقول للعالم: نحن لسنا أرقاماً ولن تنزعوا إنسانيتنا عنا»، وفق تعبير ريم علي.

المخرج الفلسطيني رشيد مشهرواي، المشرف على مشروع «من المسافة صفر» والمتواصل للسنة الثانية على التوالي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الأفلام التي عُرضت السنة الماضية في إطار المهرجان جالت العالم وأثّرت جداً بمشاهديها؛ لذلك كان لا بدّ من تكرار التجربة. «من المسافة صفر وأقرب» هو عصارة نضال مخرجين موجودين حالياً في غزة تحت القصف ووسط الجوع والدمار.

تتنقّل فعاليات وعروض المهرجان بين العاصمة عمّان وسائر المحافظات الأردنية (إدارة المهرجان)

للسينما الأردنية مساحتها كذلك وعلى جدول العروض 11 فيلماً أردنياً، تتنوّع ما بين أعمال روائية ووثائقية وقصيرة «في دليل على النموّ المتصاعد في صناعة السينما لدينا»، على حدّ قول رئيسة المهرجان.

ومن بين النجوم الصاعدين لهذه السينما المحلّية، المخرج أمجد الرشيد الذي شارك العام الماضي من خلال فيلمه «انشالله ولد» وانضمّ هذه السنة عضواً في لجنة تحكيم الأفلام القصيرة. «مهمّة صعبة ومثيرة للحماسة أن ألعب دوراً في اختيار أفضل فيلم قصير»، يقول رشيد لـ«الشرق الأوسط». وهو يرى في المهرجان «نقطة ضوء وسط البشاعة ندافع عنها جميعاً كي لا تموت إنسانيتنا وسط ما يحدث».

تنوّع ضيوف الافتتاح ما بين مخرجين عرب وعالميين على رأسهم ضيف الشرف المخرج الآيرلندي جيم شيريدان، إضافةً إلى ممثلين ونقّاد ومجموعة كبيرة من صنّاع السينما. وبحضور رئيس الهيئة الملكية الأردنية للأفلام الأمير علي بن الحسين، جرى تقديم أعضاء لجان التحكيم التي ستُفتي بأفضل الأفلام عن فئات الروائي الطويل، والوثائقي، والفيلم القصير، والأفلام الأجنبية.

أعضاء اللجان التحكيمية برفقة الأميرة ريم علي (إدارة المهرجان)

تحلّ الممثلة اللبنانية ديامان أبو عبّود ضيفةً للمرة الأولى على المهرجان ولجانه التحكيمية، وهي شاركت «الشرق الأوسط» فرحتها بالعودة إلى عمّان بعد سنوات طويلة. ولفتت إلى أنّ أكثر ما يلمسها في الأفلام عموماً هي «القصص التي تشبه نفسها والأرض الطالعة منها. فقط من خلال الصدق يصل الفيلم إلى قلوب الناس».

أما الممثل والمخرج والكاتب اللبناني جورج خبّاز، فضيفٌ دائم على مهرجان عمّان السينمائي وعضو في لجانه التحكيمية. يرى في هذا الحدث دليلاً على أنّ «إرادة الحياة في منطقتنا فوق كل اعتبار». أما أكثر ما يجذبه في المهرجان فهي الألفة السائدة فيه التي تُشعر كل ضيف وكأنه من أهل البيت، إضافةً إلى أنه يُصيب دائماً في اختيار الضيوف والأفلام.

المخرج والممثل اللبناني جورج خباز عضو اللجنة التحكيمية في المهرجان (إدارة المهرجان)

يتكلّم المهرجان لغة مجتمعه العربي ولا يهمل طموحات الفئات الشابة. لذلك فهو يحتفي، وكما في كل دورة، بالإنجازات الأولى لصنّاع الأفلام، ويقيم فعاليات «أيام عمّان لصنّاع الأفلام»، والتي تشمل حلقات نقاش وندوات وورش عمل، إضافةً إلى تشكيلها منصةً لتقديم المشاريع السينمائية والحصول على دعم لتنفيذها وتحويلها من أفكارٍ إلى أفلام.

يفرد المهرجان مساحة واسعة للمواهب السينمائية العربية الشابة (إدارة المهرجان)

بعد التصفيق للجان التحكيم وضيوف الشرف والعروض الراقصة، آن موعد الصمت الدامع الذي فرضه فيلم الافتتاح. «ما بعد» فيلمٌ قصير للمخرجة الفلسطينية مها حاج لم يقع الاختيار عليه عبثاً.

ربما تترك بدايته انطباعاً بأننا أخيراً أمام مشهدٍ جميل من قلب فلسطين، حيث الطبيعة الخلّابة وقصة زوجَين متقدمَين في السن ينتظران عودة أولادهما الخمسة إلى البيت، ويلوّنان الصمت بالحديث عن كلٍ منهم. غير أنّ المقلب الآخر للحكاية أعمق وأقسى.

وكأنّ «لبنى» (عرين عمري) و«سليمان» (محمد بكري) اختصرا بملامحهما وقصتهما مأساة غزة كاملةً، رغم أن أحداث الفيلم تدور قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع. لكنّ الإجرام يعيد نفسه؛ ولذلك اقتضى تصويب الصورة والخروج عن النصوص المفروضة من خلال أفلام كتلك التي يقدّمها مهرجان عمّان السينمائي لجمهوره.


مقالات ذات صلة

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

يوميات الشرق حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

بعد 4 سنوات من الغياب يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة».

انتصار دردير (القاهرة )
الولايات المتحدة​ صورة مركبة للجندي الأميركي جون بينيت (يميناً) والمجند الأميركي إيدي دونالد سلوفيك (يساراً)

تاريخ الإعدام العسكري في أميركا... من سلوفيك وبينيت إلى الرائد نضال حسن

من رصاص سلوفيك ومشنقة بينيت إلى زنزانة نضال حسن، تسلسل تاريخي لقرارات الإعدام العسكري السيادية التي وقعها رؤساء أميركا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق المخرجة هناء العمير أثناء كواليس تصوير الفيلم (الشرق الأوسط)

هناء العمير لـ«الشرق الأوسط»: شعبية «جحيم العابرين» تحدٍ سينمائي

بعد سنوات من العمل في الأفلام القصيرة والدراما التلفزيونية تخوض المخرجة السعودية هناء العمير تجربتها الأولى في إخراج فيلم روائي طويل هو «جحيم العابرين».

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

لا يكتفي الفيلم باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية.

مانولا دارغيس (نيويورك)
يوميات الشرق الرئيس المصري واستقبال كورال الأطفال الكوري له (منصة «إكس»)

«القوة الناعمة»... ورقة مصر الرابحة لتعزيز حضورها في أقصى الشرق

في العاصمة الكورية الجنوبية سول، استقبل كورال من الأطفال الرئيس المصري بأغنية «فيها حاجة حلوة»، التي اشتهرت بصوت المطربة ريهام عبد الحكيم.

منى أبو النصر (القاهرة)

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
TT

في سابقة تاريخية... إسرائيل تعيد إلى اليونان 22 قطعة أثرية

القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)
القطع الأثرية تعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد (إ.ب.أ)

أعادت إسرائيل، الثلاثاء، إلى اليونان 22 قطعة أثرية أُخرجت من البلاد «بشكل غير قانوني» وتعود في معظمها إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وفق ما أعلنت وزيرة الثقافة لينا ميندوني.

ورحّبت ميندوني بهذه الخطوة قائلة إنها «المرة الأولى التي تعيد فيها إسرائيل قطعاً أثرية إلى اليونان»، معتبرة أن ذلك يمثل «نقطة انطلاق لتعاون أوثق بين البلدين لحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار بالآثار»، ومشيدة بعملية تكتسي «أهمية استثنائية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسُلّمت هذه القطع «التي هُرّبت من البلاد بطريقة غير قانونية» إلى الوزيرة من جانب سفيرة إسرائيل لدى اليونان بنينات ياناي.

وتم تحديد موقع هذه القطع الأثرية التي شملت أوانيَ تعود أصولها إلى منطقة أتيكا وأخرى من ورش عمل كورنثية بالإضافة إلى تمثال برونزي صغير يمثل هيئة أنثوية، ومصادرتها من جانب وحدة منع الاتجار غير المشروع التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية.

وعززت اليونان تعاونها مع إسرائيل في السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن.


الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».