دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
TT

دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)

لا تستطيع السينما أن تغيّر الواقع، لكنها قادرة على جعله أقلّ توحّشاً وأكثر لُطفاً. سنةً تلو أخرى، يحرص «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» على فتح طاقة حلمٍ صغيرة وسط منطقة تشتعل سماؤها بالصواريخ وسائر أدوات القتل.

في دورته السادسة، التي افتُتحت في «مركز الحسين الثقافي» في العاصمة الأردنية، رفع المهرجان شعار «عالم خارج النص». ففي كوكبٍ خرج عن طَوره، لا بُدّ أن تُخلق مساحة تُروى من خلالها حكايات الناس العاديين الذين يدفعون ثمن هذا الجنون.

يرفع المهرجان شعار «عالم خارج النص» من وحي الأحداث في المنطقة والعالم (الشرق الأوسط) كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

للسنة الثانية على التوالي، وتقديراً لمعاناة أهل غزة، تراجعت مظاهر البهجة في حفل الافتتاح مقتصرةً على عرضٍ راقص مميّز من التراث الشركسي لـ«نادي الجيل الجديد» لاقى تفاعلاً كبيراً من الحضور. يقدّم المهرجان نفسه على أنه متجذّر في أرضه، يضيء على قصصها، لكنه لا يمانع في المقابل أن يفرد جناحَيه لملاقاة التجارب السينمائية العالمية التي تتكلّم لغة الإنسانية.

انطلاقاً من تلك القناعة، تحدّثت الأميرة ريم علي في كلمتها الافتتاحية عن ضرورة «كسر الصمت وبعث التعاطف في عالمٍ يزداد قسوة». حيّت مؤسسة المهرجان ورئيسته صنّاع الأفلام الذين يقدّمون قصصاً إنسانية لعالمٍ خرجَ عن النص والإحساس.

افتتاح المهرجان بعرض راقص من التراث الشركسي (إدارة المهرجان)

قبل أسبوعَين، ارتجّ الأردن والجوار على وقع المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية، إلا أنّ المهرجان استمرّ رغم القلق. «قررنا أن نقيم هذه الدورة لأننا نرفض الموت ثقافياً حتى لو كانت أدوات الموت والدمار تحلّق فوق رؤوسنا»، أضافت الأميرة ريم علي في كلمتها. المهرجان مؤشّر حياة في منطقةٍ تبدو غارقةً في رمادها: «القصص لا تمنع الإبادة، لكنها تعيد الاسم والوجه لِمَن قُتلوا. الكوميديا الرومانسية والفيلم التشويقي لا يشتّتان نضالنا، بل يقولان إن هناك حياة بعد النضال».

يشارك في هذه الدورة أكثر من 60 فيلماً من العالم العربي والعالم، يتنافس معظمها على جوائز «السوسنة السوداء» في حين يبقى قسمٌ منها خارج المنافسة، ومن بينها مجموعة من الأفلام الآيرلندية في تحية خاصة لهذه السينما. تتنقّل العروض بين قاعات عمّان وتتيح فرصةً لأهالي المحافظات كي يشاهدوا الأفلام بدَورهم، حيث تزورهم السينما في بلداتهم وقراهم البعيدة عن العاصمة.

كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

«نضج المهرجان ونضجَ معه وعي الناس وجهوزيّتهم لمشاهدة نصوص مغايرة عمّا اعتادوا في الأفلام التجارية»، هذه إحدى الثمار التي جناها الحدث السينمائي الأردني وفق مديرة البرمجة فيه المخرجة الفلسطينية عريب زعيتر التي تحدّثت لـ«الشرق الأوسط». ولأن المهرجان يحمل جرح غزة، فهو يقدّم 6 وثائقيات من قلب القطاع المهشّم. «هي أفلام صُنعت بالكامل في غزة لتقول للعالم: نحن لسنا أرقاماً ولن تنزعوا إنسانيتنا عنا»، وفق تعبير ريم علي.

المخرج الفلسطيني رشيد مشهرواي، المشرف على مشروع «من المسافة صفر» والمتواصل للسنة الثانية على التوالي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الأفلام التي عُرضت السنة الماضية في إطار المهرجان جالت العالم وأثّرت جداً بمشاهديها؛ لذلك كان لا بدّ من تكرار التجربة. «من المسافة صفر وأقرب» هو عصارة نضال مخرجين موجودين حالياً في غزة تحت القصف ووسط الجوع والدمار.

تتنقّل فعاليات وعروض المهرجان بين العاصمة عمّان وسائر المحافظات الأردنية (إدارة المهرجان)

للسينما الأردنية مساحتها كذلك وعلى جدول العروض 11 فيلماً أردنياً، تتنوّع ما بين أعمال روائية ووثائقية وقصيرة «في دليل على النموّ المتصاعد في صناعة السينما لدينا»، على حدّ قول رئيسة المهرجان.

ومن بين النجوم الصاعدين لهذه السينما المحلّية، المخرج أمجد الرشيد الذي شارك العام الماضي من خلال فيلمه «انشالله ولد» وانضمّ هذه السنة عضواً في لجنة تحكيم الأفلام القصيرة. «مهمّة صعبة ومثيرة للحماسة أن ألعب دوراً في اختيار أفضل فيلم قصير»، يقول رشيد لـ«الشرق الأوسط». وهو يرى في المهرجان «نقطة ضوء وسط البشاعة ندافع عنها جميعاً كي لا تموت إنسانيتنا وسط ما يحدث».

تنوّع ضيوف الافتتاح ما بين مخرجين عرب وعالميين على رأسهم ضيف الشرف المخرج الآيرلندي جيم شيريدان، إضافةً إلى ممثلين ونقّاد ومجموعة كبيرة من صنّاع السينما. وبحضور رئيس الهيئة الملكية الأردنية للأفلام الأمير علي بن الحسين، جرى تقديم أعضاء لجان التحكيم التي ستُفتي بأفضل الأفلام عن فئات الروائي الطويل، والوثائقي، والفيلم القصير، والأفلام الأجنبية.

أعضاء اللجان التحكيمية برفقة الأميرة ريم علي (إدارة المهرجان)

تحلّ الممثلة اللبنانية ديامان أبو عبّود ضيفةً للمرة الأولى على المهرجان ولجانه التحكيمية، وهي شاركت «الشرق الأوسط» فرحتها بالعودة إلى عمّان بعد سنوات طويلة. ولفتت إلى أنّ أكثر ما يلمسها في الأفلام عموماً هي «القصص التي تشبه نفسها والأرض الطالعة منها. فقط من خلال الصدق يصل الفيلم إلى قلوب الناس».

أما الممثل والمخرج والكاتب اللبناني جورج خبّاز، فضيفٌ دائم على مهرجان عمّان السينمائي وعضو في لجانه التحكيمية. يرى في هذا الحدث دليلاً على أنّ «إرادة الحياة في منطقتنا فوق كل اعتبار». أما أكثر ما يجذبه في المهرجان فهي الألفة السائدة فيه التي تُشعر كل ضيف وكأنه من أهل البيت، إضافةً إلى أنه يُصيب دائماً في اختيار الضيوف والأفلام.

المخرج والممثل اللبناني جورج خباز عضو اللجنة التحكيمية في المهرجان (إدارة المهرجان)

يتكلّم المهرجان لغة مجتمعه العربي ولا يهمل طموحات الفئات الشابة. لذلك فهو يحتفي، وكما في كل دورة، بالإنجازات الأولى لصنّاع الأفلام، ويقيم فعاليات «أيام عمّان لصنّاع الأفلام»، والتي تشمل حلقات نقاش وندوات وورش عمل، إضافةً إلى تشكيلها منصةً لتقديم المشاريع السينمائية والحصول على دعم لتنفيذها وتحويلها من أفكارٍ إلى أفلام.

يفرد المهرجان مساحة واسعة للمواهب السينمائية العربية الشابة (إدارة المهرجان)

بعد التصفيق للجان التحكيم وضيوف الشرف والعروض الراقصة، آن موعد الصمت الدامع الذي فرضه فيلم الافتتاح. «ما بعد» فيلمٌ قصير للمخرجة الفلسطينية مها حاج لم يقع الاختيار عليه عبثاً.

ربما تترك بدايته انطباعاً بأننا أخيراً أمام مشهدٍ جميل من قلب فلسطين، حيث الطبيعة الخلّابة وقصة زوجَين متقدمَين في السن ينتظران عودة أولادهما الخمسة إلى البيت، ويلوّنان الصمت بالحديث عن كلٍ منهم. غير أنّ المقلب الآخر للحكاية أعمق وأقسى.

وكأنّ «لبنى» (عرين عمري) و«سليمان» (محمد بكري) اختصرا بملامحهما وقصتهما مأساة غزة كاملةً، رغم أن أحداث الفيلم تدور قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع. لكنّ الإجرام يعيد نفسه؛ ولذلك اقتضى تصويب الصورة والخروج عن النصوص المفروضة من خلال أفلام كتلك التي يقدّمها مهرجان عمّان السينمائي لجمهوره.


مقالات ذات صلة

«صقر وكناريا»... لقاء محمد إمام وشيكو في مغامرة تجمع الأكشن والكوميديا

يوميات الشرق محمد إمام وشيكو في أحد مشاهد فيلم «صقر وكناريا» (الشركة المنتجة)

«صقر وكناريا»... لقاء محمد إمام وشيكو في مغامرة تجمع الأكشن والكوميديا

الكوميديا التي تحتل مساحة بارزة من الأفلام المتنافسة حالياً، هي الأنسب لموسم الصيف السينمائي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يقدَّم الفيلم للمرة الأولى ضمن سوق مهرجان «أنسي» في فرنسا (الشركة المنتجة)

آلان سميث: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

«ألعاب المملكة» يُمثّل فرصة لإظهار ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا والإبداع البشري جنباً إلى جنب.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ هارفي وينستين يمثل أمام المحكمة العليا في مانهاتن بنيويورك 25 يونيو 2026 (أ.ب)

الادعاء العام الأميركي سيُسقط تهمة اغتصاب ضد المنتج السينمائي وينستين

أعلن مدّعو نيويورك، الخميس، إسقاط تهمة الاغتصاب الموجهة ضد المنتج السينمائي هارفي وينستين، بدلاً من محاكمته للمرة الرابعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق المخرج المصري الراحل شادي عبد السلام (وزارة الثقافة المصرية)

لماذا يُعد شادي عبد السلام أحد رموز السينما المصرية رغم قلة أعماله؟

بعد 40 عاماً من رحيل المخرج المصري شادي عبد السلام، لا تزال أفلامه رغم قلة عددها تثير اهتماماً لافتاً في مصر، ودول العالم.

انتصار دردير (القاهرة)
سينما التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)

حفل للمطرب السوري الشامي يفجّر جدلاً في جمعية إسلامية ليبية

المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
TT

حفل للمطرب السوري الشامي يفجّر جدلاً في جمعية إسلامية ليبية

المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)

أثار إعلان تنظيم حفل غنائي للمطرب السوري الشهير الشامي، الجمعة، ضمن فعاليات افتتاح «مول قرجي الاستثماري» في العاصمة الليبية طرابلس، جدلاً واسعاً داخل «جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، بعدما عُدَّ متعارضاً مع الرسالة الدينية التي أُنشئت من أجلها المؤسسة قبل أكثر من 5 عقود.

ويُعدُّ «مول قرجي الاستثماري» أحد أحدث الأصول التابعة لـ«جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، التي أسَّسها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي عام 1972 بهدف نشر الدعوة الإسلامية خارج ليبيا، لا سيما في أفريقيا وآسيا وأوروبا، عبر إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية، وبناء المدارس والمعاهد، وتقديم المنح الدراسية والمساعدات الإنسانية.

غير أنَّ افتتاح المجمع بحفل غنائي للفنان السوري الشامي فتح باباً جديداً للخلافات التي تعصف بالجمعية، وسط انقسام مستمر بشأن إدارتها وملكية أصولها الاستثمارية.

ومن دون توجيه اتهام إلى جهة بعينها، أعربت الإدارة التي تصف نفسها بأنَّها الممثل الشرعي للجمعية، في بيان، عن «بالغ استنكارها ورفضها» لما وصفته بـ«قيام الجهة المغتصبة لمقرات الجمعية» بتسليم مجمع قرجي إلى شركة تحمل اسم «فيرست»، التي باشرت استغلال المجمع بتنظيم حفل غنائي واستقدام فنانين من خارج ليبيا.

وأضاف البيان أن هذه التصرفات «لا تمت إلى رسالة الجمعية الدعوية والدينية بصلة، وتُشكِّل إساءةً إلى تاريخها ومكانتها»، مؤكداً أنَّ هذه الأنشطة «لا تنسجم مع هوية المجتمع الليبي والقيم التي تأسَّست عليها الجمعية».

دارسون من دول أفريقية وآسيوية في مسجد تابع لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية الليبية (الصفحة الرسمية للجمعية)

وأعلنت الجمعية براءتها من الحفل، مُحمِّلةً الجهات التي مكَّنت من تنظيمه «المسؤولية القانونية والأدبية»، مشيرة إلى أنَّها سبق أن خاطبت مكتب النائب العام والجهات الرقابية، واتخذت إجراءات قانونية لوقف ما وصفته بـ«العبث» بأملاكها وسمعتها.

وتصاعدت الأزمة مع إعلان صالح بورقية، مدير مكتب الشؤون القانونية بالجمعية، استقالته من منصبه احتجاجاً على إقامة الحفل. وقال، في بيان استقالته، إن تنظيم مثل هذه الفعاليات الفنية «لا يتناسب مع الرسالة الدينية والأهداف الأساسية التي تأسَّست من أجلها الجمعية»، عادّاً أنَّ استقالته تُمثِّل موقفاً رافضاً لهذا التوجُّه.

وقبيل اندلاع هذا السجال، كان الشامي قد أعلن استعداده لإحياء حفله في ليبيا عقب مشاركته في مهرجان «موازين» بالمغرب. وشارك متابعيه عبر حسابه الرسمي على «إنستغرام» الملصق الدعائي للحفل، وأرفقه بتعليق قال فيه: «رح خلص حفل موازين بكرا، وجاي على ليبيا».

وفي خضم الجدل، قالت رئيسة مفوضية المجتمع المدني بالمجلس الرئاسي، فرع طرابلس، الدكتورة انتصار القليب: «إن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، رغم عدم تبعيتها للمفوضية، فإنَّها تخضع، كغيرها من الجمعيات والمؤسسات الأهلية والدعوية، للقوانين واللوائح المُنظِّمة للعمل المدني والجمعيات غير الربحية».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «إن التشريعات المُنظِّمة لهذا القطاع تلزم الجمعيات بالالتزام بالأهداف التي أُنشئت من أجلها، وتحظر استغلال مقراتها أو أصولها في أنشطة تتعارض مع أغراضها التأسيسية»، عادّةً أنَّ «أي تجاوز لهذه الأهداف أو توظيف للأصول في غير ما خُصِّصت له قانوناً يُعدُّ مخالفةً تستوجب المساءلة أمام الجهات القضائية والرقابية المختصة». وشدَّدت على أنَّ احترام الإطار القانوني المُنظِّم لعمل الجمعيات يُمثِّل ضمانةً لحماية أهدافها وصون المصلحة العامة.

ولا ينفصل الجدل المثار حول الحفل عن نزاع إداري وقانوني مستمر بشأن رئاسة «جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، إحدى أبرز المؤسسات الدينية والاستثمارية في ليبيا. فقبل عامين، شكَّل رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مجلس إدارة جديداً للجمعية، في خطوة قالت الحكومة إنَّها تستهدف إعادة تنظيم إدارتها.

غير أنَّ مجلس النواب، واللجنة التسييرية للجمعية برئاسة صالح الفاخري، رفضا القرار، بوصف أنَّ تعيين مجلس الإدارة يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية. ورغم صدور أحكام قضائية مستعجلة بوقف تنفيذ قرار الحكومة، فإنَّ استمرار الانقسام السياسي حال دون حسم النزاع، لتبقى إدارة الجمعية وأصولها محل خلاف بين الأطراف المتنازعة.

وألقى هذا الانقسام بظلاله على أوضاع المؤسسة، إذ تسبب في تجميد بعض حساباتها، وتأخر صرف مرتبات الموظفين والدعاة داخل ليبيا وخارجها، كما أثار مخاوف بشأن سلامة استثماراتها وأصولها المالية، في ظلِّ استمرار الصراع على إدارتها وشرعية القائمين عليها.


لماذا امتد نجاح «الملك لير» لأكثر من ربع قرن في مصر؟

عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

لماذا امتد نجاح «الملك لير» لأكثر من ربع قرن في مصر؟

عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)

لنحو ربع قرب استمرَّ عرض «الملك لير» في مواسم منفصلة، وحظي بنجاح لافت تمثَّل في رفع لافتة «كامل العدد» خلال عرضه على المسرح القومي بالقاهرة راهناً.

ويواصل العرض المسرحي حالياً نجاحه الجماهيري، بوصفه من أبرز التجارب المسرحية التي أعادت تقديم النصِّ الشكسبيري الخالد برؤية فنية معاصرة، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

ويحكي العرض قصة «الملك لير» وبناته الثلاث، وتعرُّضه للغدر من ابنتيه بعد أن وزَّع تركته وقسّم مملكته بينهما، في حين حرم ابنته الصغرى - التي رفضت أن تنافقه - من ممتلكاته، وقرَّر أن يعيش لفترة مع كل ابنة من بناته، ليكتشف أنَّه تعرَّض للخديعة، وتم الاستيلاء على أملاكه.

العرض الذي يقوم ببطولته الفنان يحيى الفخراني، يشارك في بطولته طارق دسوقي، وحسن يوسف، وأحمد عثمان، وتامر الكاشف، وأمل عبد الله، وإيمان رجائي، ولقاء علي، وبسمة دويدار، وطارق شرف، ومحمد العزايزي، وعادل خلف، ومحمد حسن. والمسرحية من تأليف ويليام شكسبير، وترجمة فاطمة موسى، وإخراج شادي سرور.

مواصلة عرض «الملك لير» لأكثر من ربع قرن (وزارة الثقافة المصرية)

وانطلق عرض «الملك لير» للمرة الأولى من بطولة يحيى الفخراني وأشرف عبد الغفور وأحمد سلامة وإخراج أحمد عبد الحليم قبل 25 عاماً، وتحديداً في 2001، ويقول الدكتور أسامة أبو طالب، الأستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية: «عرض (الملك لير) أشرفت على إنتاجه حين كنت أتولى مسؤولية البيت الفني للمسرح في عام 2001، ويرجع نجاحه إلى عوامل عدة، أولها أنَّه إحدى التراجيديات الشكسبيرية الكبرى المعروفة عالمياً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «السبب الثاني في نجاح النص هو ما يحمله من محتوى معرفي إنساني، وانفعالات قوية مؤثرة، وقابليته للتأويل من المأساة السطحية المباشرة في قصة الأب وبناته الثلاث، إلى مستويات أخرى في التأويل تشير إلى علاقة الإنسان بالكون وقوى الطبيعة وحواره مع القدر».

وتابع: «هناك مستوى أعمق للفهم، وهي منطقة محاورة القدر، التي أسميها لمسة الميتافيزيقا في النصِّ المسرحي المأساوي».

وأشار إلى عناصر العرض المتنوعة ما بين «السينوغرفيا»، ومعمار خشبة المسرح، و«الميزانسين» ممثلاً في الحركة والانتقال بين الفنانين على المسرح من بعد هندسي إلى آخر، وهي عناصر مرتبطة بالإخراج.

وقال أبو طالب: «هذا العرض يعتمد على مسرح الممثل الذي يحمل على عاتقه نجاح النص الشكسبيري الرائع. والمخرج أحمد عبد الحليم عندما اختار يحيى الفخراني كان موفقاً جداً في هذا الاختيار، وتغيَّر عليه كثير من الفنانين مثل أحمد سلامة وريهام عبد الغفور وسلوى محمد علي ونرمين كمال، وإبراهيم الشرقاوي، لكن الذي حمل العرض على عاتقه هو يحيى الفخراني لأنه لم يرَ خشبة المسرح على الإطلاق بعينيه، وإنما رآها من خلال النص الشكسبيري، وخلق لنفسه صورة ذهنية كاملة عن المسرحية، وربما هذا هو سبب النجاح الكبير».

عرض «الملك لير» يلقى نجاحا لافتا (وزارة الثقافة المصرية)

عُرضت «الملك لير» للمرة الأولى على المسرح القومي عام 2001 من إخراج أحمد عبد الحليم، ثم تتابعت مواسمها بعد ذلك ومن بينها موسم 2019 والموسم الحالي، كما سافر العرض إلى أكثر من دولة، وكان أحدثها عرضه في افتتاح الدورة الـ26 من مهرجان أيام قرطاج المسرحية بتونس، وتكريم الفنان يحيى الفخراني.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن استمرار نجاح مسرحية «الملك لير» منذ عرضها للمرة الأولى قبل ربع قرن له أسباب كثيرة، أولها وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «النص المسرحي المتخذ من عمل من أهم تراجيديات شكسبير، كما أنَّ المسرحية قُدِّمت على مدى ربع قرن بأشكال وأبطال وإخراج مختلف، وظلت حية ومتوهجة».

ووصف الناقد الفني بطل العرض، يحيى الفخراني، بأنه «أكبر نجم مسرحي موجود على الساحة حالياً، كما أن وجوده على مسرح الدولة له قيمة ورمزية كبيرة، فهذا المسرح له قيمته وبريقه الخاص منذ أربعينات القرن الماضي، منذ زمن زكي طليمات ويوسف وهبي وأمينة رزق وسميحة أيوب وغيرهم من الأجيال المتتابعة، فوجود العرض على مسرح الدولة يضاعف من جماهيريته وقيمته الفنية العالية التي تضمن نجاحه».


قصر باكنغهام بعد التجديدات... للعمل فقط

قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)
قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)
TT

قصر باكنغهام بعد التجديدات... للعمل فقط

قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)
قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)

قصر باكنغهام في لندن ليس معلماً عادياً، بل هو رمز لتاريخ ممتد في بريطانيا؛ شهد تتويج ملوك وملكات، واحتضن احتفالات ومآدب، وكان الخلفية لعائلة مجتمعة تطل من الشرفة الشهيرة لتحيي أفراد شعبها. ارتبط الشعب البريطاني بالقصر واحتشد أمامه في المناسبات المهمة، وأغرق بواباته بأطنان الزهور في المناسبات الحزينة. واليوم يحتشد أمام بوابات القصر جمع كبير من المواطنين والسياح لالتقاط الصور بعد إعلان أن الملك تشارلز والملكة كاميلا لن يستخدما القصر كمكان للإقامة.

حشد من السياح أمام قصر باكنغهام (رويترز)

إعادة تجديد

قصر باكنغهام البالغ من العمر 323 عاماً بات في حاجة للاهتمام والرعاية، وهو ما حدث بالفعل حيث خضع لعملية إعادة تجديد استغرقت عشرة أعوام، بتكلفة 369 مليون جنيه إسترليني، سيعود بعدها لكامل رونقه، غير أن التغييرات شملت طريقة حياة سكانه؛ إذ سيصبح مركزاً لعمل العائلة الملكية فقط، وليس منزلاً كما كان في السابق؛ فقد أعلن الملك تشارلز والملكة كاميلا أنهما لن يستخدما القصر كمنزل خاص لهما، وسيستمران في السكن في قصر كلارنس هاوس حيث يقيمان حالياً.

وأثار قرار الملك والملكة الكثير من الأسئلة، وخاصة بعد المبالغ الطائلة التي أُنفقت على عملية التجديد، ولكن البيان الملكي أشار إلى أن القرار جاء بعد دراسة متأنية، وبرغبة أن تزيد فرص الجمهور لزيارة القصر. وأكد متحدث: «يكنّ الملك مودةً كبيرة لقصر باكنغهام واحتراماً عميقاً لدوره في الحياة الملكية والعامة».

وحالياً يفتح القصر بعض الغرف الرسمية وجانباً من الحدائق للزيارة في فصل الصيف، إضافة إلى معرض «ذا كنجز غاليري» والإسطبلات الملكية التي فتحت أبوابها للزيارة للمرة الأولى في فترة أعياد «الكريسماس» من العام الماضي.

يفتح القصر أبوابه للزيارة في فصل الصيف (الشرق الأوسط)

ويُتوقع أن يفتح القصر أبوابه لفترات أطول بعد انتهاء التجديدات في شهر مارس (آذار) القادم، مما يدرّ مزيداً من الدخل لـ«صندوق المجموعة الملكية» (Royal Collection Trust)، وهي مؤسسة خيرية تتولى مسؤولية رعاية الأعمال الفنية الملكية والحفاظ عليها.

الملك تشارلز وعائلته في شرفة قصر باكنغهام أثناء الاحتفال بعيد ميلاده الرسمي يوم 13 يونيو الحالي (رويترز)

مقر للعمل لا للعيش

ومع ذلك لا يعني القرار أن الملك والملكة سيهجران القصر كلياً؛ فهو سيتحول إلى مقر عمل رسمي للعائلة، وسوف يخصص لهما غرف خاصة للاستعمال الشخصي وللمبيت إن لزم الأمر. ويصف محاسب الملك وأمين المحفظة الخاصة جيمس تشالمرز، قصر باكنغهام بأنه «جوهرة التاج» وسط المباني الوطنية في بريطانيا، ويضيف بحسب صحيفة «ذا غارديان»: «القصر سيظل المقر الرئيسي للعائلة المالكة وحيث يرفرف علم الملك فوق سطحه كلما وُجد في لندن». وبعبارة رشيقة قال إن المكان سيشهد «نشاطاً ملكياً دؤوباً وصاخباً من جميع النواحي الأخرى»، مضيفاً: «سيظل القصر - بكل تقاليده - القلب النابض للمؤسسة الملكية، وإن لم يعد المقر الذي تأوي إليه للراحة».

وليمة رسمية في قصر باكنغهام (غيتي)

وأكد البيان أن الملك سيواصل استضافة مجموعة متنوعة من الفعاليات في القصر، بدءاً من مآدب الدولة وحفلات الحدائق، ووصولاً إلى حفلات الاستقبال واللقاءات الرسمية مثل اللقاء الأسبوعي مع رئيس الوزراء واعتماد السفراء الجدد.

«كلارنس هاوس»

يجد الملك والملكة الراحة في مكان إقامتهما بقصر كلارنس هاوس المجاور لقصر باكنغهام، وهو كان مقراً للملكة الأم، وانتقل الملك تشارلز للإقامة فيه معها في عام 2003، واستمر في استخدامه مسكناً بعد زواجه من الملكة كاميلا في عام 2005.

ويعزو البعض القرار إلى أن الملك والملكة لا يريدان فوضى تغيير السكن لهما في ظل بلوغهما الآن أواخر السبعينيات من العمر، ويشار أيضاً إلى أن وجود الزوجين في قصر باكنغهام بشكل دائم قد يعوق خطط فتح القصر للزيارة بشكل أكبر.

الملك تشارلز والملكة كاميلا يقرران الإقامة بشكل دائم في قصر كلارنس هاوس (غيتي)

يعود استخدام القصر لإقامة الملك أو الملكة إلى الملكة فيكتوريا التي قررت بعد توليها العرش في عام 1837 الإقامة فيه.

وكانت أول عاهلة تتخذ من قصر باكنغهام مقراً رسمياً للبلاط، وبعد زواجها من الأمير ألبرت عملت على تعديل المبنى -الذي يضم 775 غرفة - ليلائم احتياجات أسرتها المتنامية وحاشيتها؛ فقد كلفت المهندس المعماري إدوارد بلور ببناء «الواجهة الشرقية»، التي أغلقت الفناء المركزي وأوجدت الشرفة الشهيرة عالمياً التي تطل منها العائلة المالكة لتحية الجمهور.

الملكة الراحلة إليزابيث الثانية مع عائلتها في قصر باكنغهام (غيتي)

كما ارتبط القصر ارتباطاً وثيقاً بالملكة إليزابيث الثانية؛ إذ وضعت فيه كلاً من الأمير تشارلز والأمير أندرو، وكانت تمتلك شقة خاصة داخل القصر. وقد قضت الملكة الراحلة آخر ليلة لها في القصر بتاريخ 18 مارس 2020، في حين أمضت معظم فترة الإغلاق المرتبطة بجائحة «كوفيد-19» برفقة دوق إدنبرة الراحل في قلعة وندسور.

كابلات كهرباء وسخانات ماء

احتاج القصر الضخم لعملية تجديد جذرية شملت تغيير كابلات الكهرباء والمواسير الرصاصية وسخانات الماء المتهالكة (بعضها يُستبدل للمرة الأولى منذ 60 عاماً) عقب مخاوف من أضرار محتملة قد تنجم عن الحرائق أو تسرب المياه.

ويُتوقع أن تمتد عمليات الصيانة إلى قصور أخرى، وأن تساهم في تعزيز الأمن السيبراني في المقرات الملكية، وتركيب أنظمة تدفئة موفرة للطاقة. كما تم تخصيص نحو 11 مليون جنيه إسترليني لاستبدال سخانات الماء التي أوشكت على بلوغ نهاية عمرها الافتراضي في قلعة وندسور.