مهرجان عمّان السينمائي بدورته السادسة... حكايات متحررة من القيود في «عالم خارج النص»

مديرة المهرجان ندى دوماني تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن أبرز الفعاليات والأفلام المشاركة

تمتدّ فعاليات مهرجان عمّان السينمائي الدولي بدورته السادسة من 2 إلى 10 يوليو (إدارة المهرجان)
تمتدّ فعاليات مهرجان عمّان السينمائي الدولي بدورته السادسة من 2 إلى 10 يوليو (إدارة المهرجان)
TT

مهرجان عمّان السينمائي بدورته السادسة... حكايات متحررة من القيود في «عالم خارج النص»

تمتدّ فعاليات مهرجان عمّان السينمائي الدولي بدورته السادسة من 2 إلى 10 يوليو (إدارة المهرجان)
تمتدّ فعاليات مهرجان عمّان السينمائي الدولي بدورته السادسة من 2 إلى 10 يوليو (إدارة المهرجان)

في دورته السادسة، اختار «مهرجان عمّان السينمائي الدولي - أوّل فيلم» شعار «عالم خارج النص» ليحتفي بـ«السينما العربية الصادقة والعفوية والمتحررة من القيود، وبالقصص الخارجة عن المألوف»، وفق مديرة المهرجان والشريكة المؤسسة ندى دوماني.

«هو شعارٌ ابنُ اللحظة الحرجة التي تمر بها المنطقة، وقد استوحي من الأحداث الإقليمية والعالمية غير المتوقعة، التي قلبت الصورة وخرجت عن النص. لكن رغم الصواريخ التي يهتزّ الإقليم على وقعها، فإنّ مهرجان عمّان مستمرّ ولم يعدّل برمجته حتى الساعة، على أن تمتدّ فعالياته بين 2 و10 يوليو (تموز) في العاصمة الأردنية»؛ حسب إشارة دوماني. «من الضروري أن نواصل النشاطات الثقافية التي تنقل سرديتنا وتؤكد هويتنا وتُسمع العالم صوتنا... بعيداً عن المظاهر الاحتفالية تقديراً لما يجري. المطلوب أكثر من أي وقت، أن نرفع راية الفن والثقافة في هذه الظروف العسيرة والتصدّي لمحاولات طمسها»، تقول دوماني في حديثها مع «الشرق الأوسط».

اختار المهرجان شعار «عالم خارج النص» احتفاءً بسينما عربية متحررة من القيود (إدارة المهرجان)

يفتح المهرجان، الذي ترأسه الأميرة ريم علي، صالات ثلاث دور عرض أساسية في عمّان أمام أكثر من 60 فيلماً آتياً من 23 دولة، إضافة إلى عروضٍ تجول على محافظات المملكة. ومن بين تلك الأفلام 16 في عرضها العالمي الأول. مع العلم بأن أحد عناصر فرادة مهرجان عمّان السينمائي يكمن في أنه يركّز على الإنجازات السينمائية الأولى لصانعي الأفلام، سواء أكان بالنسبة إلى المخرج(ة) أو الممثل(ة) أو المونتير(ة). وفي هذا الإطار، تؤكد دوماني أن «السينما العربية تثبت سنة تلو أخرى أنها تقدّم أفضل الأفلام في سياق التجارب الأولى».

من العالم العربي، مروراً بأوروبا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية وليس انتهاءً بالشرق الأقصى، تتعدّد هويات الأفلام الوافدة إلى مهرجان عمّان. لكن المشترك فيما بينها أنها تعكس جميعاً شعار «عالم خارج النص»، بما أنها تروي قصصاً خارجة عن المألوف. وفي لمحة عن المحتوى الذي ينتظر روّاد المهرجان، تلفت دوماني إلى أن «الدورة السادسة تسلّط الضوء على أصوات تكتب خارج السطر، وعلى شخصيات لا تنصاع لمسارات درامية مألوفة، بل تتكلم صمتاً بقَدر ما تنطق كلاماً».

رئيسة المهرجان الأميرة ريم علي ومديرته ندى دوماني (إدارة المهرجان)

ما بين الأفلام الروائية العربية الطويلة، وتلك الوثائقية، والقصيرة، والأعمال غير العربية، تَعِدُ الأفلام بألّا تلمّع الواقع، بل أن تنيره وترفع أصواتاً تكسر القوالب التقليدية. «ما سنشاهده هو سينما تشبه الحياة، لكنها لا تقلّدها بل تعيشها»، وفق تعبير دوماني.

تشمل هذه الدورة من مهرجان عمّان السينمائي 4 مسابقات رسمية، تُمنح فيها جوائز «السوسنة السوداء» لأفضل فيلم عربي روائي طويل، ولأفضل وثائقي عربي طويل، ولأفضل فيلم عربي قصير، ولأفضل فيلم غير عربي.

في خانة الأفلام العربية الروائية الطويلة، تتنافس 10 أفلام من بينها «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، و«دخل الربيع يضحك» من مصر. أما من فلسطين، فيشارك فيلما «إلى عالم مجهول»، و«شكراً لأنك تحلم معنا»، وثمة مشاركة سينمائية لافتة من الصومال مع فيلم «قرية قرب الجنّة»، إضافة إلى أفلام من العراق، والأردن، وتونس، والجزائر.

تتنافس 10 أفلام عربية روائية طويلة على جائزة السوسنة السوداء (إنستغرام)

تشمل فئة الأفلام الوثائقية 7 أعمال من كل من مصر، ولبنان، وسوريا، والأردن، والمغرب. أما الأفلام العربية القصيرة المتنافسة على جائزة السوسنة السوداء فوصل عددها إلى 19. وللسينما غير العربية حصتها كذلك، من خلال 7 أفلام متنافسة وهي من النرويج، وسويسرا، وجمهورية التشيك، والهند، واليابان، وكندا، والولايات المتحدة.

لن تقتصر الجوائز على تلك التي تمنحها اللجان التحكيمية المؤلّفة من شخصيات مخضرمة في عالم السينما، بل تنسحب على تلك التي يقررها الجمهور مانحاً صوته لأفضل فيلم ضمن الفئات الأربع المتنافسة.

ولإضفاء مزيدٍ من الثراء إلى محتوى المهرجان، وبهدف تقديم خيارات أكثر للجمهور، استحدث هذا العام قسمان غير تنافسيين يضمان أفلاماً لا تقع ضمن شروط المسابقات. يضم القسم الأول من الأفلام خارج المسابقة 13 فيلماً عربياً، معظمها يوثّق حكاياتٍ طالعة من المأساة الفلسطينية، ومن قلب جرح غزة تحديداً.

يشهد المهرجان كما في دورته السابقة إضاءات خاصة على أفلام آتية من غزة (إنستغرام)

تتحدّث دوماني بإسهاب عن هذه الفسحة السينمائية المميزة، التي تفتح هامشاً واسعاً للأفلام الفلسطينية «في تحية خاصة لصمود الغزيين وإبداعهم». تلفت مديرة المهرجان إلى أن غالبية تلك الأعمال «تروي قصصاً شخصية خارجة عن المتوقع من يوميات العيش في غزة». من بين هذه الأفلام، «المهمة» في عرضه العالمي الأول، وهو من إخراج اثنين من الكوادر الطبية في غزة فضّلا الإبقاء على اسمَيهما طي الكتمان. ويواكب الفيلم الجرّاح العراقي د. محمد طاهر خلال مهمته التطوّعية لإنقاذ الناس في غزة.

من الأعمال المنتظرة كذلك، «يلا باركور» للمخرجة الفلسطينية عريب زعيتر، التي عادت إلى غزة ليس لتصوير فيلمها الأول فحسب، بل لترميم جذورها وسط الدمار الشامل. إلى جانبها يعدو أحمد، بطل سباق «الباركور» الذي يتخطّى عثرات غير اعتيادية ليصل إلى وجهته، تحت عدسة زعيتر.

من الأعمال المشاركة عن فئة الأفلام غير المتنافسة (إنستغرام)

وفي القسم الثاني من الأفلام غير المتنافسة، إضاءة على السينما الآيرلندية بمناسبة اختيار آيرلندا «البلد ضيف الشرف» لهذه الدورة. وفي هذا السياق، يحل المخرج الآيرلندي جيم شيريدان صاحب الإنجازات السينمائية العالمية، ضيف شرف على المهرجان ليتحدّث إلى الجمهور ضمن فعالية «الأول والأحدث». رحلة 36 عاماً من الإبداع انطلقت مع فيلم «My Left Foot»، وكان آخر ثمارها فيلم «Re - Creation» من إنتاج عام 2025.

يحل المخرج الآيرلندي العالمي جيم شيريدان ضيف شرف على مهرجان عمّان السينمائي هذا العام (إدارة المهرجان)

إلى جانب العروض والمسابقات، يحتفي مهرجان عمّان بالسينما العربية الصاعدة على طريقته، متحوّلاً إلى ملتقى للمواهب الواعدة. فإحدى المحطات الأساسية ضمن الحدث الثقافي هي «أيام عمّان لصنّاع الأفلام»، حيث تقدّم لجنة متخصصة من مهنيين في قطاع السينما جوائز مالية وعينية لمشاريع عربية في مرحلتَي التطوير وما بعد الإنتاج. كما تتضمّن أنشطة «أيام عمّان» طاولات مستديرة وورش عمل وتدريب مع متخصصين من عالم السينما.

وفي إضافة جديدة هذا العام، تنطلق سلسلة «The Spark Series»، وهي المبادرة الأولى من نوعها في العالم العربي، لتسليط الضوء على مسلسلات الويب بوصفها مجالاً سردياً مبتكراً وسهل الوصول، يفتح آفاقاً جديدة أمام صناعة المحتوى.

أيام عمّان لصنّاع الأفلام مساحة تفتح أبواب الإبداع للمواهب العربية الشابة (إدارة المهرجان)

مهما تعدّدت الأنشطة وتجدّدت ضمن مهرجان عمّان السينمائي، فهي تسعى كلها إلى تقريب المسافات بين صانعي الأفلام من أينما أتوا. عن هذه الخصوصية تتحدّث ندى دوماني قائلة: «هو مهرجان أفقي وليس عمودياً، أي أنه يتيح الاختلاط بين الضيوف ولا يعزلهم عن بعضهم البعض. وهذا يسمح ببناء شبكات من العلاقات المهنية التي تفتح فرص التعاون، وهكذا يجري دعم السينما العربية بشكل فعلي».


مقالات ذات صلة

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

يوميات الشرق عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.