لغز في أعماق بحر البلطيق يُحيِّر العلماء منذ سنوات

جسم غريب يُثير التكهَّنات بين فرضيات حضارات منسية وأسلحة نازية

أحد أكبر ألغاز أعماق البحار في العالم (يوتيوب)
أحد أكبر ألغاز أعماق البحار في العالم (يوتيوب)
TT

لغز في أعماق بحر البلطيق يُحيِّر العلماء منذ سنوات

أحد أكبر ألغاز أعماق البحار في العالم (يوتيوب)
أحد أكبر ألغاز أعماق البحار في العالم (يوتيوب)

يعتقد العلماء أنهم توصّلوا أخيراً إلى حقيقة أحد أكبر ألغاز أعماق البحار في العالم. ففي عام 2011، كان المستكشفان السويديان بيتر ليندبرغ ودينيس أسبرغ يبحثان عن الكنوز في بحر البلطيق، عندما اكتشفت رادارات السونار الخاصة بهما هيكلاً مذهلاً.

كان هذا الجسم يقع على عمق نحو 300 قدم (90 متراً) تحت سطح الماء، وكان دائرياً يبلغ قطره نحو 200 قدم (60 متراً)، وفقاً لتقرير قناة «ديسكفري».

وذكرت «الإندبندنت» أنّ الأكثر إثارة للدهشة هو أنّ شكله كان مزيّناً بخطوط زاويّة، ما دفع كثيرين إلى تشبيهه بمركبة الفضاء الشهيرة «ميلينيوم فالكون» من فيلم «حرب النجوم».

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو احتمال احتوائه على «تشكيلات تُشبه الدَّرَج» تؤدّي إلى حفرة مُظلمة، وجسم آخر مجهول على بُعد نحو 660 قدماً (200 متر).

وفي حديثه عن الاكتشاف في ذلك الوقت، قال أسبرغ لقناة «تي في 4» السويدية: «لقد فوجئنا، وحيَّرنا الأمر. كنا نفكر: ما الذي وجدناه هنا؟ هذا ليس حطاماً. في ذلك الوقت كنا متأكدين من أن هناك تفسيراً طبيعياً. أردنا التحقيق في الأمر أكثر، وقرّرنا التكتّم عليه تماماً. اتصلنا بعلماء جيولوجيا وعلماء أحياء بحريّة، وعندما قالوا إنهم لم يروا شيئا مثل هذا، أثار ذلك مزيداً من التساؤلات. قد يكون ما وجدناه شيئا رائعاً حقاً».

أثارت الطبيعة الغامضة للاكتشاف موجة من التكهّنات، فاقترح بعض مستخدمي الإنترنت أنه قد يكون بقايا حضارة قديمة، في حين اقتنع آخرون بأنه قشرة جسم غامض، وذهب بعضٌ ثالث إلى حد افتراض أنه قد يكون سلاحاً نازياً مخفياً، أو مدخلاً إلى مخبأ سرّي من الحرب العالمية الثانية.

من جانبه، كان ليندبرغ حريصاً على تقديم أفكاره الخاصة حول ماهية هذا الجسم: «يحتوي على تشكيلات دَرَج غريبة، وإذا كان مصطنعاً، فلا بد من أنه بُني قبل عشرات الآلاف من السنوات قبل العصر الجليدي»، كما قال في مقابلة إذاعية عام 2012 -وفق شبكة «إن بي سي» الإخبارية- علماً بأنّ العصر الجليدي الأخير بلغ ذروته قبل نحو 20 ألف سنة.

وأضاف ليندبرغ، في إشارة إلى القارة الأسطورية: «إذا كانت هذه أتلانتس، فسيكون ذلك مذهلاً جداً».

ومع ذلك، أقرَّ -بشكل أكثر واقعية- أنه قد يكون أيضاً تشكيلاً طبيعياً، مثل نيزك اصطدم بالأرض، أو بركان تحت الماء.

يكفي القول إنّ بعض هذه النظريات حظيت بصدقية أكبر من غيرها. ومع ذلك، لسنوات، لم يتّفق الخبراء على ماهية هذا الهيكل الذي أصبح يُعرف باسم «شذوذ بحر البلطيق».

وإذ خلُص معظم الباحثين إلى أنّ الشذوذ كان مصنوعاً من الصخور، أصرَّ آخرون على أنه كان في الواقع مصنوعاً من المعدن.

ما أدَّى إلى تعزيز هذه الفرضية الأخيرة هو الادّعاء الذي قدَّمه الغواص ستيفان هوغربورن الذي كان جزءاً من بعثة «أوشن إكس» التي قادها ليندبرغ وأسبرغ، والتي اكتشفت هذا الشذوذ في الأصل.

وقال للصحافيين إنّ المعدات الكهربائية والأقمار الصناعية تتوقّف عن العمل كلما اقتربوا من هذا الجسم، وفق منشور على مدوّنة «تك ساي بلوغ».

ونقلت التقارير عن هوغربورن قوله: «توقّف أي جهاز كهربائي هناك، وكذلك هاتف الأقمار الاصطناعية، عن العمل، عندما كنا فوق الجسم الغريب». وتابع: «ثم عندما ابتعدنا نحو 200 متر، عاد الجهاز إلى العمل مرّة أخرى».

في الأثناء، أجرى الجيولوجي ستيف وينر، من جامعة تكساس، اختبارات على الشذوذ، مما دفعه إلى استنتاج أنه مصنوع من «معادن لا يمكن للطبيعة أن تنتجها».

على مرّ السنوات، واصل فريق «أوشن إكس» استكشاف هذا اللغز، وأخذ عيّنات من الموقع، وحتى أنه أنتج وثائقياً عن ذلك كلّه عام 2016.

بدوره، درس فولكر بروشيرت، الجيولوجي بجامعة استوكهولم، بعض هذه العيّنات، وقال: «ما تجاهله فريق (أوشن إكس) بشكل كبير هو أنّ معظم العيّنات التي أحضروها من قاع البحر هي من الغرانيت والغنييس والحجر الرملي».

دفعته تحليلاته الخاصة إلى الإصرار على أنه لا يوجد أي شيء غامض في هذا الجسم على الإطلاق. قال: «فوجئتُ عندما بحثتُ في المادة ووجدتُ حجراً أسود كبيراً يمكن أن يكون صخرة بركانية. فرضيتي هي أنّ هذا الجسم -هذه البنية- تشكَّلت خلال العصر الجليدي منذ آلاف السنوات».

واعترف غوران إكبرغ، عالم الآثار البحرية في متحف استوكهولم البحري، بأن مظهر هذا الشذوذ «غريب» لأنه «دائري تماماً». ولكنه أشار إلى أن «الطبيعة أنتجت أشياء أغرب من ذلك».

وأثبتت البحوث التي أجراها خبراء من بينهم جيولوجيون، وعلماء، وعلماء آثار بحرية، وحتى جيومورفولوجيون كوكبيون، أنّ ظاهرة بحر البلطيق الشاذة هي نتيجة لظاهرة طبيعية.

تختلف تفاصيل نظرياتهم، ولكنهم يتّفقون بشكل كبير على أنها بقايا عملية تحرّكات جليدية حدثت خلال العصر الجليدي.

وتشمل الفرضيات أنه قد يكون مصنوعاً من الحجر الرملي أو البازلت؛ وهو صخرة تشكَّلت من الحمم البركانية المتصلّبة نتيجة بركان تحت الماء، كما تشير قناة «ديسكفري».

وقد يكون أيضاً من المورين؛ وهو كتلة من الصخور والرواسب التي ترسبت بواسطة نهر جليدي، وتُشكل عادة تلالاً على حوافها.

ومع ذلك، ظلَّ ليندبرغ، المُشارك في اكتشاف الهيكل، متفائلاً بشأن هذا الاكتشاف. وقال: «كنتُ أكبر المتشكّكين، ومستعداً نوعاً ما للعثور على مجرّد حجر. بالنسبة إليّ، كانت تجربة مذهلة»، مضيفاً: «أعتقد أن شكله غريب جداً. من الصعب تقديم تفسير لما قد يكون بالضبط؛ لأن العلماء المختلفين لديهم عدد من النظريات المختلفة».

وختم: «مهما كان، فهو شيء لا نجده عادة في الطبيعة في أعماق بحر البلطيق المظلمة والباردة».


مقالات ذات صلة

تكريم 150 من مديرات ومديري «مدارس المواطنية» في قصر بعبدا

يوميات الشرق اللبنانية الأولى نعمت عون

تكريم 150 من مديرات ومديري «مدارس المواطنية» في قصر بعبدا

استضاف قصر بعبدا حفلاً لتكريم 150 من مديرات ومديري «مدارس المواطنية» من جميع المناطق اللبنانية الذين شاركوا في النسخة الأولى من برنامج «مدرسة المواطنية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق تجري فعاليات «ليلة الأفكار» بين مدينتي بيروت وطرابلس (المركز الثقافي الفرنسي)

المركز الفرنسي يُطلق «ليلة الأفكار» في لبنان بعنوان «دروب وخيال»

يُنظِّم المركز الفرنسي في لبنان الدورة الـ11 من «ليلة الأفكار» في بيروت. وبالشراكة مع مؤسسة «شارل قرم» تقام هذه التظاهرة الثقافية بين مدينتي بيروت وطرابلس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أطول الحكايات تنتهي أيضاً (أ.ب)

شجرة روبن هود تفارق الحياة عن 1200 عام

يُعتقد أنّ شجرة بلوط ضخمة وقديمة، على صلة بأسطورة روبن هود، ربما ماتت بسبب «فرط الحبّ والاهتمام»...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

وجدت ترايسي شمعون في أحضان الطبيعة السكينة والطمأنينة، ومنها استمدّت الإلهام الذي تحوّل إلى لوحات تحتفي بالحياة والحرية والتجدّد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أجسادنا تحمل أكثر مما نعتقد من رسائل (شاترستوك)

لماذا يلدغ البعوض بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

يُحرز العلماء بعض التقدُّم في فكّ شيفرة المزيج الكيميائي المعقَّد الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر جاذبية بالنسبة إلى البعوض المُسبِّب للأمراض...

«الشرق الأوسط» (لندن)

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)
إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)
TT

من واشنطن إلى العالم... 5 حقائق عن جذور عيد الأب

إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)
إليكم أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب (بكسلز)

في 21 يونيو (حزيران) من كل عام يحتفي الملايين بـ«عيد الأب» في مناسبة تتجاوز طابعها الاجتماعي لتسلّط الضوء على الدور العميق الذي يلعبه الآباء والأجداد في تشكيل القيم وبناء الأسرة والمجتمع.

وتعود جذور عيد الأب إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث انطلقت أولى مبادرات تكريم الآباء في بدايات القرن العشرين قبل أن تتحول لاحقاً إلى مناسبة وطنية ثم احتفال عالمي.

وفيما يلي أبرز الحقائق التاريخية المرتبطة بعيد الأب وتطوره في الولايات المتحدة والعالم.

1. امرأة من واشنطن تُعدّ «مؤسسة» يوم الأب

يُنسب إلى سونورا سمارت دود، المقيمة في مدينة سبوكان بولاية واشنطن، أنها صاحبة فكرة «يوم الأب»، رغم أن بعض المؤرخين يرون أن دورها كان في إطلاق المبادرة محلياً أكثر من تأسيس المناسبة بشكل كامل.

وقد جاءت الفكرة بعد وفاة والدتها أثناء الولادة، ما دفع والدها إلى تربية ستة أطفال بمفرده. وبعد استماعها لعظة دينية في «يوم الأم» عام 1909، رأت أن الآباء الذين يقومون بأدوار مماثلة يستحقون تكريماً خاصاً.

وفي عام 1910، نظمت كنائس في سبوكان أول احتفالات معروفة بيوم الأب، حيث ارتدى السكان وروداً مخصصة للمناسبة، في وقت لم تكن فيه الفكرة قد تحولت بعد إلى تقليد وطني.

2. الاحتفال يُقام في الأحد الثالث من يونيو منذ أكثر من قرن

ارتبط موعد «يوم الأب» في الولايات المتحدة بالأحد الثالث من يونيو منذ بدايات القرن العشرين، بعدما اقترحت سونورا دود أن يكون الاحتفال في 5 يونيو، تزامناً مع عيد ميلاد والدها.

لكن التاريخ تم تعديله لاحقاً ليصبح الأحد الثالث من يونيو، وهو الموعد الذي استمر حتى اليوم في مختلف أنحاء البلاد.

3. أول احتفال معروف جاء بعد مأساة منجم

يعود أول احتفال موثق بيوم الأب في الولايات المتحدة إلى عام 1908، بعد كارثة منجم في ولاية فرجينيا الغربية، التي أسفرت عن مقتل مئات العمال، بينهم والد غريس غولدن كلايتون.

ودفع الحادث كنيسة محلية إلى إقامة قداس تكريمي للضحايا، في خطوة تُعد أول إحياء رمزي لمناسبة مرتبطة بالآباء، وإن بقيت حدثاً محلياً ولم تتكرر بشكل سنوي.

4. بعض الدول تحتفل بيوم الأب في «عيد القديس يوسف»

في حين تحتفل الولايات المتحدة وأغلب الدول الغربية بيوم الأب في يونيو، فإن دولاً ذات أغلبية كاثوليكية في أوروبا تحتفل به في 19 مارس (آذار)، تزامناً مع «عيد القديس يوسف»، الذي يُعد رمزاً للأبوة في التقليد المسيحي.

5. يوم الأب مناسبة عالمية بتواريخ مختلفة

رغم أن معظم الدول تعتمد الأحد الثالث من يونيو موعداً للاحتفال بعيد الأب، فإن دولاً أخرى تحتفل به في تواريخ مختلفة على مدار العام.

ففي دول مثل أندورا وكرواتيا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا، يُحتفل به في مارس، بينما تحتفل به دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية ورومانيا في مايو (أيار).

أما في أستراليا، فيُحتفل به في الأحد الأول من سبتمبر (أيلول)، بينما تعتمد دول مثل الهند واليابان الموعد ذاته المعتمد في الولايات المتحدة في يونيو.

وفي مصر والأردن ولبنان وسوريا والسودان والإمارات العربية المتحدة وتشيلي، يوافق عيد الأب يوم 21 يونيو من كل عام بغض النظر عن يوم الأسبوع.

أما في دول أخرى مثل البرازيل وساموا وتايوان، فيُحتفل به في يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، بينما تحتفل به دول مثل أستراليا ونيوزيلندا في سبتمبر، ودول مثل السويد والنرويج وفنلندا في نوفمبر (تشرين الثاني)، وصولاً إلى بلغاريا وتايلاند في ديسمبر (كانون الأول).


كهوف تحت الأرض في فرنسا تتحدَّى موجات الحرّ

ملاذٌ صنعته القرون لا التكنولوجيا (أ.ف.ب)
ملاذٌ صنعته القرون لا التكنولوجيا (أ.ف.ب)
TT

كهوف تحت الأرض في فرنسا تتحدَّى موجات الحرّ

ملاذٌ صنعته القرون لا التكنولوجيا (أ.ف.ب)
ملاذٌ صنعته القرون لا التكنولوجيا (أ.ف.ب)

بينما تُلقي موجة حرّ جديدة بظلالها على ملايين الفرنسيين، يمضي جان لوك إكليرسي ديتيربيني يومه في فيء الملاذ المنعش الذي توفره غرفة معيشة تقع داخل مقلع حجارة قديم. ويختصر الرجل البالغ 57 عاماً تجربته بالقول: «أشعر كأنّي أدخل إلى ثلاجة».

وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أنه خلال جائحة «كوفيد»، ترك إكليرسي ديتيربيني باريس وشققها الضيقة ومبانيها القديمة التي تفتقر إلى وسائل التبريد، وانتقل للإقامة في ترو بمنطقة فال دو لوار (وادي اللوار).

وتواجه العاصمة ومناطق عدة في فرنسا موجة حرّ ثانية هذا العام. ويربط العلماء تزايد وتيرة هذه الظواهر بالتغيُّر المناخي الناجم عن النشاط البشري.

لكن إكليرسي ديتيربيني يبدو قليل الاكتراث بما يواجهه مواطنوه. ويقول إنه وشريكه، رئيس بلدية القرية، «محظيان» لأن حديقتهما توفر لهما منفذاً إلى غرفة محفورة في الصخر. ويوضح: «يمكننا أن نبقى منتعشين طوال اليوم إذا لزم الأمر».

وتضم ترو، التي يقطنها نحو 300 شخص، منازل كاملة وغرفاً داخل أنفاق حُفرت لاستخراج حجر التوفو الجيري المستخدم في بناء المنازل والقلاع في المنطقة.

ووفق مكتب رئيس البلدية، يعيش سكان القرية في نحو 11 منزلاً محفوراً بالكامل في الصخر أو يؤجّرونها، بينما يحظى آخرون بمنفذ إلى غرفة - كهف.

وتتوافر أماكن إقامة أخرى مثل هذه هجرها السكان، لكنها ستكون صالحة للسكن مجدّداً إذا خضعت لإعادة تأهيل.

أقدم الملاجئ قد يكون أكثرها حداثة (أ.ف.ب)

ويقول إكليرسي ديتيربيني: «إذا نظرت إلى جدران مسكن في الكهف، فلن تجد وسائل عزل للحرارة. إنها ببساطة حجارة التوفو»، مشدّداً على أنها توفّر الدفء خلال فصل الشتاء كذلك.

ويضيف الرجل، الذي يرأس جمعية السياحة في ترو: «أعتقد أنه أفضل عازل طبيعي متوافر حالياً».

«مساكن صديقة للبيئة»

في القرية نفسها، يقيم دومينيك أوبيرون وزوجه جان بول، اللذان تركا كوخهما في منطقة النورماندي عام 2022، وانتقلا إلى منزل في ترو.

وتحت سقف من الحجر الجيري في غرفة معيشة فسيحة تزينها النباتات، يحمل أوبيرون مقياساً للحرارة يظهر الفارق الكبير بين درجات الداخل والخارج.

فحتى مع تجاوز الحرارة خارجاً 30 درجة مئوية، بقيت في الداخل عند 19 درجة.

ويقول المتقاعد البالغ 71 عاماً: «هنا تشعر بأنك محمي من الحرارة الخارجية»، مضيفاً أنّ استخدام هذه الحجارة يلائم «المساكن الصديقة للبيئة».

ويشير رئيس البلدية باتريك إكليرسي ديتيربيني، إلى أنّ في ترو ما بين 6 و8 كيلومترات من الأنفاق، ممّا قد يسمح بزيادة عدد المساكن الكهفية.

أما الجانب السلبي الوحيد، فهو النقص في أشعة الشمس الذي يعانيه أيُّ منزل كهفي إذا لم يكن مواجهاً للجهة الجنوبية، ما قد يجعله كئيباً جداً من الداخل.

كما أنّ الإقامة في مكان كان مقلعاً للحجارة تتطلَّب أعمال تأهيل واسعة، من بينها خفض الرطوبة والتحكم بها. وعادة ما يتعيَّن على المنتقلين حديثاً إنفاق المال على أنظمة التهوية وتصريف المياه وتلييس الجدران بالجص.

ورغم ذلك، يرى رئيس البلدية أن المساكن من هذا النوع قد تكون «نموذجاً لمساكن المستقبل» يصنعها الإنسان لمواجهة الاحترار المناخي.


زلزال 2011 في اليابان... دراسة تكشف كيف تحرَّكت البلاد بأكملها شرقاً

قارب شراعي يرقد بين الأنقاض في أوفوناتو بمحافظة إيواتيه اليابانية (رويترز)
قارب شراعي يرقد بين الأنقاض في أوفوناتو بمحافظة إيواتيه اليابانية (رويترز)
TT

زلزال 2011 في اليابان... دراسة تكشف كيف تحرَّكت البلاد بأكملها شرقاً

قارب شراعي يرقد بين الأنقاض في أوفوناتو بمحافظة إيواتيه اليابانية (رويترز)
قارب شراعي يرقد بين الأنقاض في أوفوناتو بمحافظة إيواتيه اليابانية (رويترز)

لم تكن تداعيات الزلزال الهائل الذي ضرب اليابان عام 2011 مقتصرة على الدمار البشري والمادي الذي خلَّفه؛ بل امتدت لتكشف عن ظواهر جيولوجية غير مسبوقة. فبعد دقائق فقط من الزلزال والتسونامي اللذين أوديا بحياة نحو 20 ألف شخص، بدأت الأرض نفسها تُظهر سلوكاً غير متوقع، دفع العلماء إلى إعادة النظر في فهمهم لآليات حركة القشرة الأرضية.

ووفقاً لصحيفة «إندبندنت»، تشير دراسة حديثة إلى أن ظاهرة «لم تكن معروفة من قبل» ربما تسببت في تحرُّك اليابان بأكملها باتجاه الشرق. وعادة ما تتبع الزلازل الكبرى سلسلة من الهزات الارتدادية التي تُحدث بدورها حركات إضافية في القشرة الأرضية، إلا أن العلماء يؤكدون أن الآليات الدقيقة التي تنشأ بها هذه الهزات لا تزال غير مفهومة بالكامل.

في هذا السياق، قام الباحثون بتحليل بيانات الأقمار الاصطناعية لدراسة زلزال «توهوكو-أوكي»، الذي بلغت قوته 9 درجات، وما تبعه من نشاط زلزالي. وكشفت النتائج أن الزلزال المدمر أدى إلى انزلاق مفاجئ لكتل صخرية بعضها فوق بعض على امتداد خط الصدع.

ولم يقتصر التأثير على ذلك؛ بل تسبب أيضاً في انطلاق موجات زلزالية عبر باطن الأرض، ارتدت لاحقاً عن لب الكوكب قبل أن تعود إلى السطح؛ حيث ساهمت في تنشيط حدود الصفائح التكتونية في المنطقة. وتُعرف هذه الموجات باسم «موجات القص»، وهي موجات تنتقل داخل الأرض وتُحدث اهتزازات جانبية في جزيئات الصخور.

المياه تجتاح المنازل عقب تسونامي وزلزال ضربا مدينة ناتوري في شمال شرقي اليابان عام 2011 (رويترز)

وتشير الدراسة المنشورة في مجلة «ساينس» إلى أن هذه الظاهرة كشفت عن خطر لم يكن معروفاً سابقاً، يتمثل في إمكانية إعادة تنشيط منطقة الزلزال الرئيسية نتيجة لهذه الموجات المرتدة.

وكتب الباحثون في دراستهم: «نُبلغ عن رصد غير عادي لحركة الأرض في اليابان، عقب زلزال (توهوكو-أوكي) عام 2011، والذي بلغت قوته 9 درجات على مقياس العزم، ويُعزى إلى انزلاق متعدد للصفائح التكتونية ناجم عن موجة قصَّية وصلت إلى لب الأرض ثم عادت».

وفي إطار هذه الدراسة، أعاد العلماء فحص بيانات الأقمار الاصطناعية بدقة، بحثاً عن تحركات طفيفة في الدقائق التي أعقبت الزلزال. وتبيَّن أن الموجات الزلزالية التي اخترقت باطن الأرض وارتدت عن لبها قد تسببت في تحرُّك اليابان بأكملها بمقدار يتراوح بين 5 و6 ملِّيمترات.

ورغم أن هذا المقدار من الحركة قد يبدو ضئيلاً، وهو أمر شائع عقب الزلازل الكبرى، فإن ما أثار دهشة الباحثين هو الامتداد الجغرافي الواسع لهذه الحركة؛ إذ أوضحوا أن الانزلاق الناتج «يتميز بأوسع منطقة تمزق تم توثيقها حتى الآن».

وأضافت الدراسة أن طول هذا التمزق يقارب طول البر الرئيسي لليابان، أي نحو 3 آلاف كيلومتر، متجاوزاً طول تمزق الزلزال الرئيسي بستة إلى سبعة أضعاف، وأكثر من ضعف طول تمزق زلزال سومطرة الكبير عام 2004.

ويرى الباحثون أن هذه الحركة الأرضية، رغم اتساع نطاقها، ربما لم تكن محسوسة لدى السكان، نظراً لكونها حدثت تدريجياً على مدى دقائق عدة، وليس بشكل مفاجئ كما هي الحال في الهزات الأرضية التقليدية.