توفيق الزايدي: السينما السعودية تسير بخطى واثقة نحو العالمية

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه عاش في عزلة خلال التحضير لفيلم «نورة»

توفيق الزايدي خلال عرض فيلمه في العاصمة السويدية (إدارة مهرجان مالمو)
توفيق الزايدي خلال عرض فيلمه في العاصمة السويدية (إدارة مهرجان مالمو)
TT

توفيق الزايدي: السينما السعودية تسير بخطى واثقة نحو العالمية

توفيق الزايدي خلال عرض فيلمه في العاصمة السويدية (إدارة مهرجان مالمو)
توفيق الزايدي خلال عرض فيلمه في العاصمة السويدية (إدارة مهرجان مالمو)

قال المخرج السعودي توفيق الزايدي إنَّ عرض فيلمه «نورة» في عدد من المهرجانات السينمائية حول العالم أتاح له اختبار قدرته على التواصل مع جمهور متنوّع، مضيفاً أنّ السينما السعودية تسير عموماً بخطى واثقة نحو العالمية، خصوصاً من خلال التجارب التي ترتكز على المشتركات الإنسانية وتتجاوز الحواجز اللغوية واللهجية. وأكد أنَّ الفيلم المنبثق من تجربة ذاتية صادقة قادر على ملامسة الآخرين في أماكن بعيدة.

وعُرض «نورة» للمرّة الأولى في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» عام 2023، وشارك في العام التالي ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»، وحصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم، فيما نال بطله يعقوب الفرحان جائزة أفضل ممثل في النسخة الأخيرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية».

وأضاف الزايدي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنّ مشاركة فيلمه في «كان» شكّلت لحظة مفصلية في مسيرته، مؤكداً أنّ هذا الحضور العالمي كشف له عن ملامح المرحلة الجديدة من تجربته الفنّية والشخصية على السواء، فالتجربة أفسحت له المجال لرؤية المشهد من زاوية مختلفة، خصوصاً ما يتعلق بالدوائر الاجتماعية التي تحيط بالفنان.

ورأى أنّ فيلم «نورة» قدَّمه إلى العالم بشكل مباشر، وتحوَّل إلى نافذة حقيقية أطلَّ من خلالها الجمهور العالمي على السينما السعودية، مضيفاً: «تلك التجربة جعلتني أكثر وعياً بمسؤولية تمثيل بلدي فنّياً أمام جمهور متعدّد الثقافة والخلفية».

خلال حضور عرض الفيلم في آسيا (الشرق الأوسط)

وتدور أحداث «نورة» في قرية سعودية خلال التسعينات، حول فتاة تُدعى «نورة» تحلم بعالم يتجاوز حدود قريتها، ويشكّل قدوم مُدرِّس جديد إلى القرية حافزاً يدفع بأحلامها نحو آفاق جديدة، تكتشف من خلالها صوت الإبداع والفنّ. وتؤدي ماريا بحراوي دور «نورة»، بمشاركة الفنانَيْن عبد الله السدحان ويعقوب الفرحان.

وأشار الزايدي إلى أنه «حين عُرض الفيلم في مهرجان (البحر الأحمر)، تجاوزت ردود الفعل توقّعاتي، ما حفَّزني على تقديمه إلى مهرجان (كان)، وكانت المفاجأة حين اختير ضمن المسابقة الرسمية»، مضيفاً أنّ حضور الفيلم في «كان»، وحصوله على تنويه خاص من لجنة التحكيم، «شكّلا لحظة استثنائية، ليس لي شخصياً فحسب، وإنما لجميع صانعيه، ولصناعة السينما السعودية التي تخطو خطوات متقدّمة نحو العالمية».

ورأى أنّ «نورة» لا يمثل إنجازاً شخصياً فقط، وإنما خطوة متقدّمة في مشروع أشمل لصناعة سينمائية سعودية آخذة مكانها على الخريطة العالمية، مشدداً على أنَّ هذه النقلة لم تكن وليدة المصادفة، وإنما ثمرة سنوات من العمل والتجريب والعزلة أحياناً.

وأوضح أنه بدأ مشواره في صناعة الأفلام القصيرة منذ 2006، لكنه شعر عام 2012 بأنّ ما يقدّمه لا يعكس طموحه أو رؤيته الفنّية، فقرَّر حينها التوقف وإعادة ترتيب أولوياته، ودخل في عزلة اختيارية انشغل خلالها بالمطالعة ومشاهدة الأفلام ودراسة السينما بشكل ذاتي.

خلال تسلّمه تنويه لجنة التحكيم من مهرجان «كان» (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه لم يدرس الفنّ أكاديمياً، لأنه يرى أنّ التكوين النظري يمنح الأدوات، لكنه لا يصنع الفنان. فهو يرى أنّ صانع الأفلام الحقيقي ينبع من داخله، وأنّ التجربة والصدق والتأمل عناصر لا توفّرها الكتب وحدها.

وأوضح أنّ تلك العزلة كانت ضرورية ومهَّدت لكتابة سيناريو «نورة» عام 2015؛ وهو مشروع وضع فيه تفاصيل شخصية كثيرة، بدءاً من اسم والدته الذي اختاره عنواناً للفيلم، وصولاً إلى ملامح بصرية ومكانية عاشها أو تأثَّر بها.

وتحدَّث الزايدي عن تفاصيل صغيرة داخل الفيلم ترتبط بذكرياته، مثل السيارة التي ظهرت في أحد المَشاهد، والتي كانت أول سيارة يقودها في حياته، أو الإشارات البصرية التي استلهمها من مخرجين عالميين تأثَّر بأعمالهم.

خلال حضوره في «مالمو» (إدارة المهرجان)

وأكد أنّ الفيلم كان فرصة للتعبير عن الذات بأدقّ تفاصيلها، وهذه الصيغة الشخصية منحته شعوراً بالتماسك والصدق، ما جعله يرفض التنازل عن أي جانب من رؤيته رغم الصعوبات، موضحاً أنّ عملية الحصول على تمويل لم تكن سهلة، إذ لم تكن الجهات المموِّلة واثقة من قدراته الإخراجية، رغم إعجابها بالنصّ، لكنه قرَّر البحث عن داعمين يؤمنون به هو، لا بالنص فقط.

وأضاف: «الإيمان بالمُخرج شرطٌ أساسي لأي مشروع ناجح، وقد فضّلتُ الانتظار على أن يُنتَج الفيلم تحت ضغوط أو تحفّظات تُفسد روحه»، مشيراً إلى أنه لم يكن يسعى للوصول إلى مهرجان «كان»، وإنما صبَّ تركيزه على إنجاز عمل صادق يحمل قيمة.

وعن أسلوبه في الإخراج، أوضح الزايدي أنه يتعامل مع الممثلين بكونهم شركاء حقيقيين، يمنحهم حرّية التفاعل مع الشخصية، ويُشجّعهم على التعبير والمشاركة في صياغة الأداء، مؤكداً أنه لا يعتمد على شهرة الممثل، وإنما على مدى تطابقه مع الشخصية نفسياً وجسدياً، مشيراً إلى أنّ العمل مع مواهب جديدة لا يقلقه، وإنما يراه فرصة لاكتشاف طاقات غير مستثمرة.

وتطرَّق إلى تجربة الكتابة، موضحاً أنه كتب سيناريو «نورة» لعدم عثوره على كاتب يكتب للشاشة بالشكل الذي يبحث عنه، لافتاً إلى أنّ القصة هي نقطة البداية، لكن الفيلم يُعاد خلقه في مرحلتَي الإخراج والمونتاج، إذ يُعاد ترتيب المَشاهد أو حذفها أو إضافة أخرى وفق ما يخدم السرد.

وأشار إلى أنَّ بعض المَشاهد تطلب يوماً كاملاً من التصوير، لكنه لم يُدرَج في النسخة النهائية، مؤكداً أنّ هذا القرار لا ينتقص من الجهد المبذول، وإنما ينبع من الحرص على الحفاظ على إيقاع الفيلم وجودته السردية والبصرية. وقال: «نجاح الفيلم لا يُقاس بعنصر واحد، فهو حصيلة عدد من العوامل. أن يبحث الجمهور عن (نورة) حتى اليوم، بعد أكثر من عام ونصف عام على عرضه، هو برأيي دليل على الأثر العميق الذي تركه العمل».

وأكد الزايدي أنه يفضّل أن يصنع أفلاماً تبقى في الذاكرة، لا مجرّد أعمال مؤقتة تُنسى بمجرد مغادرة صالة العرض، مشيراً إلى أنه بعد تصوير «نورة» في العُلا، اضطر للبقاء عاماً كاملاً في المونتاج، واصفاً حالته آنذاك بأنه كان مثل مَن يحمل جنيناً على وشك الموت.

وأوضح أنَّ لكل مرحلة من مراحل صناعة الفيلم صعوباتها، سواء في الكتابة أو الإخراج أو الإنتاج، لكنه يرى نفسه مُخرجاً أولاً، ويؤمن بأنّ المخرج الناجح لا بدَّ أن يكون بداخله كاتب ومنتج أيضاً. وأشار إلى أنه لا يسعى لتقديم فيلم ثانٍ لمجرّد المتابعة، وإنما يبحث عن مشروع يُحرّكه ويشعر تجاهه بالحماسة.

وختم الزايدي مؤكداً أنه يتعلّم من أخطائه باستمرار، وأنّ كل تجربة تضيف إلى وعيه الفنّي وتساعده في اتخاذ قرارات أكثر دقة مستقبلاً.


مقالات ذات صلة

جيونا نازارو: جوهر صناعة السينما يكمن في الجرأة والاختلاف

يوميات الشرق نازارو تحدث عن جرأة السينما (إدارة مهرجان لوكارنو)

جيونا نازارو: جوهر صناعة السينما يكمن في الجرأة والاختلاف

قال المدير الفني لمهرجان «لوكارنو السينمائي» الناقد الإيطالي جيونا أ. نازارو إن «خصوصية المهرجان تنبع من قدرته على الجمع بين أكثر من اتجاه في الوقت نفسه».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ناقش قضايا اجتماعية ونفسية (الشركة المنتجة)

صدقي صخر: «لا ترد ولا تستبدل» يُبرز الدوافع النفسية للمواقف الصادمة

قال الفنان المصري، صدقي صخر، إن شخصية «نادر» التي قدّمها في «لا ترد ولا تستبدل» تنتمي إلى النماذج الإنسانية الجدلية التي تثير انقساماً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فردوس عبد الحميد (مهرجان المسرح العربي)

فردوس عبد الحميد: «المسرح القومي» جزء من هويتي الفنية

أعربت الممثلة المصرية فردوس عبد الحميد عن سعادتها الكبيرة بتكريمها في النسخة الحالية من مهرجان المسرح العربي، مؤكدة أن هذا التكريم يحمل لها معنى خاصاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
خاص الممثلة أندريا طايع تطلّ قريباً كمقدّمة برنامج «ذا فويس كيدز» (صور طايع)

خاص أندريا طايع من «مدرسة الروابي» إلى «ذا فويس كيدز»... رحلةٌ بأحلامٍ كثيرة

هي (مريم) في «مدرسة الروابي» و(لارا) في «مش مهم الإسم» وأندريا طايع في «ذا فويس كيدز». حوار خاص مع الممثلة التي تخوض التقديم ولا تتنازل عن طموح السينما والدراما

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق يرى أنّ الجدل حول الأعمال الفنية ظاهرة صحية (الشرق الأوسط)

عبد الكريم دراجي: الجدل حول «الست» دليل وصوله إلى الجمهور

استعان الممثل، خلال تقمّصه شخصية «المعجب الجزائري»، بعقله الباطن ومخزونه من الحركات غير الطبيعية التي أعدّها لترسيخ إعجابه الكبير بأم كلثوم...

داليا ماهر (القاهرة )

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.