«صرتُ أماً في الخمسين»... فِدى أبو عاصي تروي رحلة الألف دمعة وابتسامة

فدى حيدر أبو عاصي (56 عاماً) وابنتُها آيلا (6 سنوات) (صور أبو عاصي)
فدى حيدر أبو عاصي (56 عاماً) وابنتُها آيلا (6 سنوات) (صور أبو عاصي)
TT

«صرتُ أماً في الخمسين»... فِدى أبو عاصي تروي رحلة الألف دمعة وابتسامة

فدى حيدر أبو عاصي (56 عاماً) وابنتُها آيلا (6 سنوات) (صور أبو عاصي)
فدى حيدر أبو عاصي (56 عاماً) وابنتُها آيلا (6 سنوات) (صور أبو عاصي)

كل ما دار من أحداثٍ في حياة فِدى حيدر أبو عاصي، كان أشبه بتحدياتٍ لا نهاية لها. إلى أن أتى التحدّي الأكبر الذي رسم لها بدايةً جديدة وجعلها تعيش «العمر عمرَين»، وفق تعبيرها.

قبل شهرَين، أطفأت آيلا شمعتها السادسة. وفيما كانت الطفلة تفتح بلهفةٍ هدايا العيد، فكرةٌ واحدة دارت في خاطر الأمّ: «هذه هي هديّتي التي رُزقت بها، في سنٍ يكون قد خمد فيه عادةً حلم الأمومة».

لم تُرِد فدى هذه الهدية لنفسها فحسب، بل للرجل الذي أحبّت و«تحدّى الدنيا» من أجلها. كانت في الـ44 من العمر يوم تزوّجت جو، وهو في الـ36. حصل ذلك الارتباط بعد 5 سنواتٍ من الحب المسيّج بالأشواك، ليس بسبب فارق العمر فحسب. «واجهنا صعوباتٍ كثيرة لأننا من طائفتَين مختلفتَين، كما أنني مطلّقة ولديّ ابن من زواجي الأول. هو كان في الـ14 عندما ارتبطنا جو وأنا»، تقول السيّدة اللبنانية في حوارها مع «الشرق الأوسط».

فدى وجو أبو عاصي يوم زفافهما (صور أبو عاصي)

أردتُ أن أجعل جو أباً

سبحَ الثنائيّ عكس التيارات وصارع الأمواج إلى أن اجتمع تحت سقفٍ واحد. كان لا بدّ من ضوءٍ ساطع لهذا البيت، «وكان عليّ أن أجعل من جو أباً، هو الذي لم يختبر الشعور من قبل».

منذ الشهر الأول بعد الزواج، باشرت فدى بمحاولات الحمل لاجئةً إلى العلاجات الهرمونية والتلقيح الاصطناعي. «لم أرِد أن أضيّع دقيقة من الوقت، بينما ساعتي البيولوجيّة تسابقني». تنقّلت بين أطبّاء كثر وكانت تخضع لتلقيحٍ اصطناعيّ وأحياناً اثنين في السنة الواحدة. وفي كلِ مرةٍ زرعت الأمل في أحشائها وباءت المحاولة بالفشل، كانت تتراكم الخيبات في قلبها وبيتها.

في الأثناء، تردّدت في أذنَيها عباراتٌ كثيرة مثل «شو عم تعملي يا مجنونة؟»، «صحّتك مش لعبة»، «صرتي كبيرة على الحمل»... وحدَه جو كان السنَد، أما الأمل الثابت فبزغ من عيادة آخر طبيب زارته. «كان الدكتور زياد مسعد صريحاً وصارماً معي عندما قال لي إنها محاولتك الأخيرة»، لأن لا سنّ فدى ولا صحتها كانا يسمحان بمزيدٍ من المخاطرة. وعلى هذا الأساس، أخذت علاجها الهرمونيّ الأخير واختتمت مشوار التلقيح الاصطناعي.

حملٌ مَشوبٌ بالرعب

«صحيح أنني ثابرتُ وصبرت كثيراً، لكن لم أتوقّع أن أصبح أماً وأنا في الخمسين من عمري». غير أنّ هذا ما حصل مع فدى. حملت بآيلا وهي أمٌّ لشابٍ في الـ19 من عمره. اليوم وعندما تعود بالذاكرة إلى السلّم الشاقّ الذي تسلّقته لتجد طفلةً في أعلاه، تعلّق: «أؤمن بأن قبل القدرة الطبية، ثمة قدرة إلهيّة تحدّد لنا التوقيت الأمثَل».

فدى خلال حملها وهي في الـ50 من العمر (صور أبو عاصي)

ليس الحمل في سن الـ50 كما الحمل في الـ30. هذا أول ما اختبرته فدى بعد أن بدأ يتكوّن الجنين في أحشائها. كان عليها الاحتراز كثيراً وإمضاء معظم الوقت مستلقية. أما الأصعب من ذلك فكان الهاجس الذي رافقها طوال الأشهر التسعة. تقول: «انتابني الرعب من أن يكون الجنين مصاباً بتشوّهات أو أمراض بسبب كل ما خضعت له من علاجات، لذا كنت أجري فحوصاً دقيقة بوتيرةٍ أسبوعيّة».

في 28 فبراير (شباط) 2019، اتّخذ الخوف اتّجاهاً آخر فقد دقّت ساعة الولادة. وكما أنّ الحمل في سن الـ50 مهمّة شاقّة، فالإنجاب كذلك. لم تصدّق فدى المشهد عندما حملت آيلا للمرة الأولى بين ذراعيها. «ظننتها لحظةً من الخيال، لكن سرعان ما صفعني الواقع وتساءلت لماذا؟».

آيلا وشقيقها صافي ابن فدى من زواجها الأول (صور أبو عاصي)

آيلا صغّرتني

احتضنت الأمّ الخمسينية ابنتها في ذراع، وفي الذراع الثانية حملت ذنبها. «هل ارتكبتُ فعلاً أنانياً؟ هل ظلمت آيلا بأنني أنجبتها في هذه السنّ المتقدّمة؟ هل سيُكتب لي ما يكفي من العمر حتى أرافقها في زفافها؟».

يقولون: «يأتي الولد ويأتي رزقُه معه». جاءت الطفلة وجلبت الفرح والصِبا معها. بابتسامةٍ عريضة وعينَين بارقتَين تقول فدى: «آيلا صغّرتني، صنعت لي حياةً جديدة. أنا ألعب وأقفز وأضحك معها. منحتني متعة الحياة رغم العمر والتعب».

آيلا في عيدها السادس متوسطةً والدتها فدى ووالدها جو (صور أبو عاصي)

في الـ56، تعيش فدى اليوم الأمومة بدوامٍ كامل. تستفيق باكراً لتحضير آيلا قبل الذهاب إلى المدرسة. تهتمّ بتفاصيلها الصغيرة، تدرّسها، وترافقها إلى أعياد ميلاد صديقاتها. «هل سألتكِ مرةً لماذا تبدو الأمهات الأخريات أصغر منك؟»، تجيب: «لا، لكنها تطالبني بأخت وهذا أكثر ما يحزنني».

نصيحة فدى: لا لليأس

بين القلق على ابنتها وما خلّفت العلاجات من آثارٍ على صحتها الجسدية والنفسية، تقف فدى أمام تحدٍ جديد: «الصمود من أجل آيلا، من أجل ألّا أظلمها أكثر». بواقعيةٍ وحنكة، تعمل على تمتين العلاقة بين الفتاة وأبيها وأخيها الأكبر. تستعدّ للإجابة على أي سؤالٍ محرج قد تطرحه الطفلة: «سأكون صريحة معها وأخبرها قصتنا الجميلة والدها وأنا، وكيف تحدّينا الفوارق كلها لنكون معاً ولننجبها».

أما للسيّدات اللواتي ينتظرن الأمومة منذ وقتٍ طويل ولم يحالفهنّ الحظّ بعد في الحمل، فتقول: «اشغلن أنفسكنّ باهتمامات أخرى ولا تضعن كل التركيز على هذا الموضوع». تتابع مسلّمةً تلك السيّدات المنتظِرات سرّها: «كرّرن المحاولة بإصرار إذا كانت صحّتكنّ تسمح بذلك، ومهما كانت النتيجة لا تدعن اليأس يكون الغالب».

تحرص فدى على تمتين العلاقة بين آيلا ووالدها وشقيقها (صور أبو عاصي)

ماذا يقول طبيب فدى؟

في حديثٍ مع «الشرق الأوسط»، يقول اختصاصي الجراحة النسائية والتوليد والتقنيات المساعِدة للحمل الدكتور زياد مسعد إن فدى ليست أول سيدة تخطّت الـ50 عالجَها؛ «الحالة الاستثنائية كانت لسيّدة تُدعى سوسن، وهي حملت وأنجبت في الـ60 من عمرها».

لكن دون ذلك محاذير يضيء عليها الطبيب: «كل امرأة ترغب في الحمل بعد سن الـ45 يجب أن تخضع لفحوص دقيقة، لنتأكد أنها لا تعاني من الضغط أو السكري أو مشكلات في القلب. وفي حال تبيّن أن هذه الأمور سليمة، نوافق على علاجها. لكن قبل المباشرة، نبلغها بأنّ كل مَن تحمل بعد الـ45 من الممكن أن يكون حملها صعباً ومحفوفاً بالمخاطر».

الطبيب اللبناني د. زياد مسعد اختصاصي جراحة نسائية وتوليد (فيسبوك)

أما الآثار السلبيّة المحتملة فهي الضغط والسكّري والإصابة بتجلّطات الدم، «لذلك المتابعة الدقيقة إلزاميّة». يضيف مسعد: «من الخطوات الاحترازية أننا نعطي السيدة كميات إضافية من مثبّتات الحمل ومسيّلات الدم. أما إذا لاحظنا أي تعقيدات خلال الحمل مثل عدم نموّ الجنين بشكلٍ كافٍ، فنحاول معالجة الأمر. وأحياناً تلد هذه السيدات بشكلٍ مبكر».


مقالات ذات صلة

بعض أنواع العدوى أثناء الحمل قد تزيد احتمالات التوحد لدى الأطفال

صحتك إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل قد ترفع احتمالات تشخيص طفلها بالتوحد (أ.ب)

بعض أنواع العدوى أثناء الحمل قد تزيد احتمالات التوحد لدى الأطفال

كشفت دراسة جديدة عن أن إصابة الأم ببعض أنواع العدوى أثناء الحمل مثل الحصبة الألمانية والهربس قد ترفع احتمالات تشخيص طفلها بالتوحد وتؤدي لتدنّي مستواهم الدراسي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
صحتك يعاني كثير من النساء الحوامل حالات من النسيان وضبابية التفكير (أ.ب)

لماذا يزداد النسيان لدى النساء الحوامل؟

يعاني كثير من النساء الحوامل حالات من النسيان وضبابية التفكير، في ظاهرة تُعرف غالباً باسم «دماغ الحمل». وكشفت دراسة جديدة عن سبب هذه الظاهرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الأمهات اللواتي استخدمن الباراسيتامول خلال الحمل أنجبن فتيات كان حجم المبايض لديهن أصغر بنسبة 40 % في المتوسط (بيكسلز)

دراسة تحذّر: الباراسيتامول خلال الحمل قد يؤثر في خصوبة البنات مستقبلاً

أثارت نتائج بحثية جديدة تساؤلات بشأن التأثيرات المحتملة لتناول الباراسيتامول في أثناء الحمل على الخصوبة المستقبلية للإناث.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
صحتك لا ينبغي تطبيق أنظمة إنقاص الوزن التقليدية على الأمهات الجدد (بيكسلز)

7 نصائح لفقدان الوزن بعد الولادة

خسارة الوزن بعد الولادة ليست رحلة عادية لإنقاص الوزن فالجسم في هذه المرحلة يمر بعملية تعافٍ وتغيرات هرمونية إلى جانب قلة النوم ومتطلبات الرضاعة

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قد تبدو بعض رغبات الحوامل غريبة أو غير مألوفة (أ.ب)

من الطباشير إلى التراب... لماذا ترغب بعض الحوامل في تناول أشياء غريبة؟

قد تبدو بعض رغبات الحوامل غريبة أو غير مألوفة، خصوصاً عندما تتجه الشهية إلى أشياء لا تُؤكل أصلاً، مثل الثلج أو الطباشير أو الورق أو التراب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».