جهاز يُشبه شَعر الإنسان لمراقبة نشاط الدماغ

يمكن ارتداؤه من دون أن يُلاحَظ مما يُعزّز راحة المريض

يثبّت الجهاز مباشرةً على فروة الرأس (جامعة ولاية بنسلفانيا)
يثبّت الجهاز مباشرةً على فروة الرأس (جامعة ولاية بنسلفانيا)
TT

جهاز يُشبه شَعر الإنسان لمراقبة نشاط الدماغ

يثبّت الجهاز مباشرةً على فروة الرأس (جامعة ولاية بنسلفانيا)
يثبّت الجهاز مباشرةً على فروة الرأس (جامعة ولاية بنسلفانيا)

ابتكر فريق من الباحثين من جامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية جهازاً (قطباً كهربياً) يُشبه شَعر الإنسان لمراقبة النشاط الكهربائي للدماغ على المدى الطويل، وبطريقة غير جراحية.

ووفق دراستهم المنشورة في دورية «إن بي جيه بيوميديكال إنوفيشينز»، يُثبّت هذا الجهاز الخفيف والمرن مباشرةً على فروة الرأس، وبشكل لا يلاحظه أحد، ليُقدّم تسجيلات ثابتة وعالية الجودة لإشارات الدماغ.

ويُعدّ تخطيط كهربية الدماغ أمراً بالغ الأهمية لتشخيص الحالات العصبية وتقييمها، مثل الصرع وإصابات الدماغ. وفي بعض الحالات، يحتاج الأطباء إلى مراقبة موجات الدماغ لفترات أطول، على سبيل المثال، لتقييم النوبات المرضية، واضطرابات النوم، والحالات التي تؤثّر في الأوعية الدموية وتدفُّق الدم في الدماغ.

ووفق الباحثين، أثبتت طريقة عمل الأقطاب الكهربائية الجديدة قدرتها على الحفاظ على أداء مستقرّ لأكثر من 24 ساعة من الاستخدام المتواصل، مشدّدين على أن هذه التقنية تُبشّر بإمكان استخدامها في منتجات العناية الصحية، بالإضافة إلى تطبيقات الرعاية الصحية السريرية.

وقال أستاذ الهندسة والميكانيكا بجامعة ولاية بنسلفانيا، والمؤلّف الرئيسي للدراسة، تاو تشو: «يمكن ارتداء هذا الجهاز من دون أن يُلاحَظ، مما يُعزّز الأداء الوظيفي وراحة المريض».

وأضاف في بيان نُشر، الجمعة، على موقع الجامعة: «تُوضَع أقطاب كهربائية معدنية صغيرة على فروة الرأس، وتلتقط النبضات الكهربائية الخافتة التي تُولّدها خلايا الدماغ. تُوصَل الأقطاب الكهربائية بأسلاك بجهاز يعرض نشاط الدماغ مثل أنماط تشبه الموجات».

وتابع: «قد تكون عملية مراقبة تخطيط كهربية الدماغ التقليدية مُرهقة ومعقَّدة في بعض الأحيان، مما يصعّب عمليات المراقبة المستمرّة وطويلة الأمد».

شروط محدّدة

وللحصول على تسجيل جيد لنشاط الدماغ، ينبغي أن تتوافق الأقطاب الكهربائية مع فروة الرأس؛ فأيّ فجوات بين القطب والجلد أو الشعر الكثيف قد تُقلّل من جودة الإشارة المُسجلة. وينبغي على الباحثين والأطباء وضع الجِلّ على فروة الرأس للحفاظ على اتصال جيد بين الأقطاب الكهربائية والجلد، بالإضافة إلى جودة الإشارة. ومع ذلك، قد يُسبّب الجلّ تهيُّجاً للجلد لدى بعض الأشخاص.

إنها عملية تستغرق وقتاً طويلاً، ويجب تكرارها عند جفاف الجلّ، خصوصاً لمَن يحتاج إلى مراقبة مستمرة أو على مدار جلسات متعدّدة. وهو ما علق عليه تشو: «سيؤدي هذا إلى تغيير المقاومة - أو السطح البيني - بين الأقطاب الكهربائية وفروة الرأس، وقد يؤثّر في إشارة الدماغ المسجلة».

ووفق نتائج الدراسة، فإنّ أقطاب تخطيط كهربية الدماغ التقليدية صلبة، ويمكنها التحرّك عند تحريك الرأس، حتى لو كان ذلك طفيفاً، مما قد يؤثّر في تجانُس البيانات.

ولمعالجة هذه القيود، صمَّم فريق البحث الجهاز الجديد الذي يُشبه خصلة شَعر الإنسان، ومصنوع من مادة هيدروجيل مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية البُعد.

ويستخدم الجهاز أيضاً حبراً حيوياً لاصقاً قابلاً للطباعة ثلاثية البُعد، يسمح للقطب الكهربي بالالتصاق مباشرة بفروة الرأس من دون الحاجة إلى أيّ مواد هلامية لزجة، أو أيّ تحضيرات جلدية أخرى. وهذا يقلّل الفجوة بين القطب الكهربي وفروة الرأس، مما يُحسّن جودة الإشارة.

وأظهرت النتائج أنّ أداء الجهاز الجديد يُضاهي أداء الأقطاب الكهربائية القياسية المُستَخدمة حالياً. وعلى عكس الأقطاب المعدنية التقليدية، تُحاكي الأقطاب الجديدة شَعر الإنسان، وهي غير ظاهرة على الرأس. ولأنّ الجهاز مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية البُعد، أوضح تشو أنه يُمكن طباعة القطب بألوان مختلفة لتتناسب مع لون شعر الشخص أيضاً.

وأضاف: «يشعر الأشخاص براحة أكبر عند ارتدائه، خصوصاً إذا كانوا بحاجة إلى مراقبة مستمرّة لفترة طويلة».


مقالات ذات صلة

«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

خاص البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

ترى «إرنست ويونغ» أن سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتطلب قدرات محلية ومواهب وحوكمة لا توطين البيانات والبنية فقط.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

خاص «تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تبحث «تحالف» في تحويل «Money20/20» إلى منصة ذات أثر مستدام عبر العملاء والاستثمارات والشراكات والتوسع المحلي والدولي للشركات.

نسيم رمضان (الرياض)
العالم شعار شركة «أنثروبيك» ولوحة مفاتيح ويد آلية في هذه الصورة الملتقطة في 5 يونيو 2026 (رويترز)

«أنثروبيك»: الصين وإيران ضمن دول استخدمت الذكاء الاصطناعي للتجسس

أعلنت شركة «أنثروبيك»، الخميس، أنها أغلقت عمليات تجسس عدة برعاية دول استخدمت نماذجها للذكاء الاصطناعي للمراقبة، من بينها الصين وإيران.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
خاص تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»

تنتقل المؤسسات السعودية من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تصميم التشغيل مع أولوية للسيادة والمرونة والأمن والحوكمة منذ البداية.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا بحسب متجر «أبل» السعودي تبدأ الطلبات المسبقة على «iPhone 18 Pro» و«iPhone 18 Pro Max» عند الساعة الثالثة بعد ظهر 12 سبتمبر بالتوقيت المحلي (إ.ب.أ)

كيف يمكنك طلب أحدث أجهزة «أبل» في السعودية؟ إليك المواعيد والأسعار وطرق الشراء

تبدأ «أبل» خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) طرح أحدث أجهزتها في السوق السعودية، مع جدول زمني مختلف بين مختلف المنتجات.

نسيم رمضان (لندن)

3 «بطاطات» صغيرة تولد في بريطانيا... وأقرباؤها فيلة

أول الدهشة أن يكون كلّ شيء أكبر منك (حديقة تشيستر)
أول الدهشة أن يكون كلّ شيء أكبر منك (حديقة تشيستر)
TT

3 «بطاطات» صغيرة تولد في بريطانيا... وأقرباؤها فيلة

أول الدهشة أن يكون كلّ شيء أكبر منك (حديقة تشيستر)
أول الدهشة أن يكون كلّ شيء أكبر منك (حديقة تشيستر)

شهدت إحدى حدائق الحيوان في بريطانيا ولادة 3 صغار من حيوان «الوبر الصخري»، الذي يصفه العاملون في الحديقة، على نحو طريف، بأنه أشبه بـ«بطاطا فوضوية الشكل»، رغم انتمائه إلى المجموعة التطوّرية نفسها التي تنتمي إليها الفيلة، أحد أضخم الحيوانات على وجه الأرض.

ووُلدت الصغار الثلاثة في حديقة تشيستر للأبوين ماريس وألبرت، وهي ذكران وأنثى، وأُطلقت عليها أسماء روس وسبَد وجاكي.

وذكرت مواقع بريطانية أنّ كلَّ واحد منها يزن نحو 350 غراماً، وهو جزء ضئيل من وزن الحيوانات البالغة، التي يمكن أن يصل وزن الواحد منها إلى 4 كيلوغرامات.

خطوات بحجم الكفّ تستكشف وسْعَ العالم (حديقة تشيستر)

ويُعرف الوبر الصخري أحياناً باسم «الأرنب الصخري» أو «الغرير الصخري»، وينتشر في مناطق واسعة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط.

وقالت إحدى العاملات في حديقة تشيستر، ميغان كاربنتر: «يشعر الناس دائماً بالدهشة عندما نخبرهم بأنّ حيوانات الوبر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفيلة».

وأضافت: «صحيح أنها تبدو مختلفة تماماً، لكن هناك بعض الدلائل التي تكشف عن تاريخها العائلي غير المعتاد. فعلى سبيل المثال، تشبه أسنانها الأمامية الطويلة أنياب الفيل، وإن كانت في صورة مصغَّرة، كما أن أقدامها تحمل بعض أوجُه الشبه بأقدام الفيلة؛ إذ تنتهي بأظافر مفلطحة تشبه الحوافر».

وتابعت: «من المذهل أن تنظر إلى أحد هذه الصغار الضئيلة، وتدرك أن هناك فيلاً في مكان ما من شجرة عائلته».

وأشارت إلى أنّ الصغار الثلاثة أشبه بـ«بطاطا صغيرة فوضوية الشكل»، قائلةً: «إنها بطاطا صغيرة فوضوية. فهي أكثر نشاطاً بكثير من والديها، وأحياناً تصاب بنوبات من النشاط المفاجئ، فتندفع هنا وهناك، وتختبر قدراتها على التسلق وحركاتها البهلوانية».

وأضافت: «وعلى النقيض من ذلك، غالباً ما تنزوي الحيوانات البالغة في الزوايا، وتتشبَّث بالمتحدّرات الصخرية شديدة الانحدار لساعات متواصلة. فهي متكيّفة بصورة مذهلة مع الحياة بين الصخور، كما أنها أفضل بكثير في التسلُّق مما قد يتوقّعه المرء».


عطارد ينكمش مثل حبّة عنب تذبل تحت الشمس!

عطارد يحمل عمره مكتوباً على سطحه (أ.ب)
عطارد يحمل عمره مكتوباً على سطحه (أ.ب)
TT

عطارد ينكمش مثل حبّة عنب تذبل تحت الشمس!

عطارد يحمل عمره مكتوباً على سطحه (أ.ب)
عطارد يحمل عمره مكتوباً على سطحه (أ.ب)

أظهرت دراسة حديثة أنّ كوكب عطارد الصغير، ذا السطح المتجعِّد، قد يكون في طريقه إلى الانكماش بوتيرة أسرع مما توقَّع العلماء، في صورة تُشبه حبّة عنب تذبل تحت أشعة الشمس حتى تتحول إلى زبيبة.

وقال علماء من معهد بحوث الفضاء التابع للمركز الألماني للطيران والفضاء، الخميس، إنّ انكماش عطارد قد يكون أكبر بنسبة 30 في المائة ممّا كان يُعتقد سابقاً، بما يعني فقدانه ما يصل إلى 14 ميلاً (23 كيلومتراً) من قُطره.

ويُعدّ ذلك تغيراً كبيراً بالنسبة إلى كوكب لا يتجاوز قُطره نحو 3 آلاف ميل (4900 كيلومتر).

ويرى الباحثون أنّ السطح الخشن لعطارد، الذي يُعاد تشكيله باستمرار بفعل الحطام الناتج عن المقذوفات التي تقذفها فوهات الاصطدام، ربما أخفى الحجم الحقيقي لهذا الانكماش.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «جيوفيزيكال ريسيرش ليترز» ونقلتها وكالة «أسوشييتد برس». وتأتي بعد أسبوع واحد من انفصال مركبتين فضائيتين، أوروبية ويابانية، عن منصة الرحلة التي حملتهما، وبدء تقدمهما باتجاه عطارد.

ومن المتوقّع أن تدخل المركبتان المرتبطتان، المعروفتان باسم «بيبي كولومبو»، مدار عطارد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، قبل أن تنفصلا لإجراء مسح أكثر شمولاً للكوكب.

من جهته، قال الباحث الرئيسي في الدراسة والمُشارك في المهمّة الفضائية، غاكو نيشياما، إنّ جهاز الليزر الموجود على متن «بيبي كولومبو» ينبغي أن يساعد في تأكيد حجم الانكماش الذي يتعرّض له عطارد نتيجة تبريد باطنه.

سطح يحتفظ بـ4 مليارات عام من التحوّلات (أ.ب)

وأضاف أنّ مقدار الانكماش قد يكون أكبر حتى من تقديرات فريقه، المستندة إلى القياسات التي أجرتها مركبة «ميسنجر» التابعة لوكالة «ناسا» خلال العقد الثاني من القرن الحالي.

ولم يسبق أن زار عطارد سوى مسبار فضائي آخر، هو «مارينر 10» التابع لـ«ناسا»، في سبعينات القرن الماضي.

ومنذ تشكُّله قبل نحو 4.5 مليار سنة، يواصل عطارد، أصغر كواكب النظام الشمسي وأقربها إلى الشمس، الانكماش.

ويبرد قلبه الحديدي الحارّ، الذي يتميّز بحجمه الضخم قياساً إلى حجم الكوكب الصغير، وينكمش بالتزامن مع انكماش الوشاح والقشرة، ممّا يؤدّي إلى شدّ سطح الكوكب كما لو كان حزاماً يلتفّ حوله ليُتلاءم مع حجمه الجديد الأكثر نحولاً.

وقارن نيشياما وفريقه خرائط توضح الصدوع وغيرها من العلامات الجيولوجية الدالّة على انكماش عطارد بخرائط أحدث تُبرز خشونة سطحه، ولاحظوا أنّ المناطق الأكثر خشونة أظهرت عدداً أقل من التجاعيد الناجمة عن الانكماش.

وقال الباحثون إنّ هذه التجاعيد المفقودة ربما تكون قد دُفنت تحت الحطام الناتج عن اصطدامات النيازك والكويكبات بسطح الكوكب.

وبعد أَخْذ المناطق التي حجبت فيها هذه الرواسب العلامات الجيولوجية في الحسبان، قدّم الباحثون تقديراً جديداً لمقدار انكماش عطارد، وهو ما قد يساعد أيضاً في الإضاءة على آليات انكماش عوالم أخرى، وفق نيشياما، المنتسب إلى جامعة هوكايدو في اليابان.

وقال نيشياما في رسالة بالبريد الإلكتروني: «نحن متحمّسون جداً»، مضيفاً أنّ الأمر يبدو كأننا «نقترب من فَهْم حقيقة تطوّر عطارد».


«مهرجانات بعلبك الدولية» تحتفي بـ70 عاماً من الإشعاع الإبداعي

العروض الغنائية الراقصة شكّلت جزءاً من «الليالي اللبنانية» (مهرجانات بعلبك)
العروض الغنائية الراقصة شكّلت جزءاً من «الليالي اللبنانية» (مهرجانات بعلبك)
TT

«مهرجانات بعلبك الدولية» تحتفي بـ70 عاماً من الإشعاع الإبداعي

العروض الغنائية الراقصة شكّلت جزءاً من «الليالي اللبنانية» (مهرجانات بعلبك)
العروض الغنائية الراقصة شكّلت جزءاً من «الليالي اللبنانية» (مهرجانات بعلبك)

من المفارقات الموجعة أن تحتفل «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور 70 سنة على انطلاقتها في عام حزين، لم تتمكن فيه من إضاءة القلعة التاريخية بحفلاتها السنوية، بسبب الحرب التي لم تهدأ في الجنوب، ولم توفّر البقاع من تهديداتها.

لكن «الجامعة الأميركية» في بيروت أخذت على عاتقها إحياء المناسبة طوال الأسبوع المقبل، الذي سيشهد 3 أنشطة متوالية: معرضاً توثيقياً، ومحاضرة استعادية، وحفلاً موسيقياً يحيي موسيقى بعلبك ولياليها العامرة.

ويُفتتح المعرض الاستعادي في 14 سبتمبر (أيلول) الحالي، ويستمر شهرين بقاعة «بطحيش» في «الوست هول» بالجامعة الأميركية، من تنظيم مكتبة «جافيت» وإدارة سمر ميقاتي. وتكمن أهميته في أنه يتضمّن صوراً فوتوغرافية مختارة تُلخّص 70 سنة من الحياة الفنية التي حوّلت القلعة الرومانية، بمعابدها وأعمدتها، إلى مسارح ومحطات لفرق عالمية في الرقص والغناء والموسيقى والتمثيل.

والتقط الصور المعروضة مصوّر المهرجان الشهير مانوك، الذي وثّق بكاميرته أجمل لحظات العصر الذهبي اللبناني، وعُرف بصوره البديعة لآثار بعلبك، بشكل خاص، وكنوزها التاريخية، وكذلك ليالي مهرجانها السنوي، حتى أصبح أرشيفه المحفوظ، بعد وفاته عام 1994، جزءاً من التراث البصري اللبناني.

البرنامج (الجامعة الأميركية في بيروت)

إضافة إلى صور مانوك الفوتوغرافية، يكتشف زائر المعرض جانباً غنياً من محفوظات المهرجان؛ بينها مقاطع موسيقية، وألبومات تذكارية أنيقة كانت تصدر سنوياً مواكبةً للحفلات، وكذلك الكُتيبات وأشياء أخرى. وتشرح لنا مديرة برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأميركية، الذي يُنظّم هذه الأنشطة، ليلى البساط، أنّ «في جعبة لجنة المهرجان أرشيفاً كبيراً وثرياً، لكن هذه المرة سيُعرض جزء من الموجودات بسبب محدودية المساحة، على أن يُعرض الباقي كلّما أتيحت الفرصة».

وتتجاوز الغاية من الأنشطة الاحتفال بتاريخ نابض إلى ما هو أعمق؛ فالمنظّمون يعون كمّ التحديات الثقافية التي تتعرّض لها المنطقة، وحجم الهجوم الحضاري على الذاكرة. وتشرح البساط: «في وقت يعيش فيه العالم تحولات وانقلابات قد تطيح بأسماء وأحداث وموسيقات وحقبات برمّتها، أخذنا على عاتقنا مهمّة تذكير جيل الشباب بأنّ أحداثاً فنية كثيرة حدثت طوال 70 سنة مضت من عُمر المهرجان».

ومع أن المهرجان توقّف مرات، ولفترات كان أطولها من عام 1975 وحتى التسعينات، بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، فإنه أكمل وعاد وانطلق عام 1997، ولا يزال مستمراً. والحروب المتواصلة في المنطقة تعطله بين حين وآخر، أو تجبر اللجنة على نقل بعض الحفلات، لكن مدينة بعلبك باقية لتستقبل المهرجان بمجرّد أن تهدأ الأوضاع وتعود القلعة منيرةً ومشرقةً.

وتؤكد البساط أنّ «شعوباً بلا ذاكرة لا يمكن أن تكون حيّة. يجب أن ترى الأجيال الجديدة ما سبق وأنجزنا، ونساعدها في نقل المعرفة إلى الجيل التالي. هناك ضرورة للبناء على ما سبق ليبقى المسار مستمراً ومتواصلاً».

«الليالي اللبنانية» فتحت الطريق أمام اكتشاف مواهب جديدة (مهرجانات بعلبك)

وبهذه الروح، تُعقد يوم الأربعاء 16 من الشهر ندوة بعنوان «تأثير مهرجانات بعلبك الدولية في تطور الموسيقى في لبنان وبلاد المشرق»، تشارك فيها رئيسة لجنة المهرجانات، نايلة دو فريج، ورئيس جامعة الكسليك، الأب الدكتور بديع الحاج، وعضوة لجنة مهرجانات بعلبك والمتخصّصة في الموسيقى، التي لها سلسلة من الكتب عن موسيقيين لبنانيين، زينة صالح الكيالي، وستوقّع بعد الندوة كتابها «زكي ناصيف مغني التراث».

وتعيدنا الندوة إلى أول مهرجان تأسّس في المنطقة العربية عام 1956، أيام الرئيس الراحل كميل شمعون، بعدما جاء الكاتب والأديب الفرنسي جان كوكتو، وأُعجب بسِحر بعلبك، وأقيمت مسرحية فرنسية صغيرة له. ومن هنا جاءت الفكرة لزوجة الرئيس حينها، زلفا شمعون، التي رأت أنّ جمالية المكان وآثاره العظيمة لا بد أن يُستفاد منها لإقامة أعمال فنية في رحابها. وتبيّن أن الرئيس شمعون وزوجته كانا على حقّ. وتخبرنا ليلى البساط بأنه «لم يأتِ ممثل أو مغنٍ أجنبي إلى بعلبك إلا وعبّر عن إحساسه بأنه في مكان فريد ومميّز بشكل خاص».

وعام 1957، أدّى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة «الليالي اللبنانية» التي أصبحت تقليداً وكشفت عن مواهب كبيرة. وتعاقب منذ ذلك الحين على المهرجان فنانون دوليون ومحلّيون، في حوار جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.

وتأتي ندوة بعلبك ضمن سلسلة ندوات سنوية ينظّمها برنامج زكي ناصيف للموسيقى، بمبادرة من سوسن مكتبي. وهي عضوة في لجنة البرنامج التي تضم، إلى جانب ليلى البساط؛ الدكتور نبيل ناصيف، وسلمى عويضة، ولبنى الخليل. واللجنة معنيّة بالموسيقى وإرث زكي ناصيف، ومنه تنطلق إلى إرث موسيقيين آخرين، فتُضيء عليهم وتحرص على إبقاء موسيقاهم حيّة ومتداولة ومحفوظة بشكل جيد. ومن هنا، تأسَّست فرقة موسيقية وكورال، بات عمرهما نحو 10 سنوات.

وبالعودة إلى الندوة، ستُطرح أهمية التأثير الإيجابي لمهرجانات بعلبك في الموسيقى بالمنطقة، والتغيير الذي أحدثته في النمط الموسيقي العربي؛ فقد كانت الأغنية طويلة فصارت أقصر، وكان إيقاعها بطيئاً فصار أسرع، بعد التجارب الموسيقية في مدينة الشمس.

ويُختتم الأسبوع بحفل موسيقي يُقام في 19 الحالي تحت عنوان «أصداء من التراث الموسيقي لمهرجانات بعلبك»، ويغطّي المدّة من عام 1957؛ أي بدء التأسيس، إلى 1974، وهي سنة التوقّف بسبب الحرب الأهلية، وتحييه الفرقة العربية في الجامعة الأميركية التابعة لبرنامج زكي ناصيف للموسيقى.

الفرقة الموسيقية وكورال برنامج زكي ناصيف للموسيقى (الجامعة الأميركية في بيروت)

وسيستمتع الحضور بأغنيات لفنانين شاركوا في مهرجانات بعلبك، من دون الوقوف عند الرحابنة، لأنّ الإرث الرحباني له خصوصيته، ويحتاج إلى حفل خاص. ويُلقى الضوء على إرث زكي ناصيف، الذي يُعدّ من المؤسِّسين الموسيقيين للأغنية الفولكلورية اللبنانية، ومعه صديقه الدكتور وليد غلمية، وهناك روميو لحود وفيلمون وهبي، ومشاهير مثل صباح ونصري شمس الدين. وتشرح البساط: «الحضور سيكتشف فنانين لم تُكتب لهم الشهرة، رغم مواهبهم. إحدى هؤلاء مجدلا، التي يقال إنها كانت صوتاً ملائكياً، وتوقفت عن الغناء بعد زواجها». ويجري التحضير لأداء أغنيات لكبار مثل وديع الصافي وجوزيف عازار، وكذلك عصام رجّي وسمير يزبك. زخم من الموسيقى الجميلة الاستذكارية التي لا يزال الناس يردّدونها، مع أن بعضهم لا يعرفون مَن غناها ومَن لحّنها وكتبها.

وبما أنّ لجنة برنامج زكي ناصيف تولي عناية خاصة للغناء الجماعي، فإن الدور الأكبر سيكون للجوقة، وسيؤدي بعض أعضائها أغنيات منفردة.

وتقول البساط: «لا يعنينا استقطاب نجوم للغناء، بل نركز على مهارة الكورال؛ فالغناء الجماعي هدف بذاته، ومطلب وضعته الجامعة الأميركية». أما الدعوة فمفتوحة للجميع للمشاركة في هذا الأسبوع، بتذاكر تُباع في مكتبة أنطوان، وأسعارها مقبولة، بما يتيح لأكبر عدد الاستفادة من المناسبة التي تجمع مؤسستين عريقتين تاريخيتين، «أم المهرجانات» مع مؤسّسة تربوية ثقافية علمية؛ أي «مهرجانات بعلبك» ذات الـ70 سنة و«الجامعة الأميركية» التي تجاوزت 130 عاماً، وكلتاهما تحفظ التراث الحيّ وتنقله معاً إلى الجيل الجديد.