«قطار الأطفال»... رحلة إنسانية إلى الزمن السينمائي الجميل

فيلم إيطالي على «نتفليكس» يروي فصلاً غير معروف من الحرب العالمية الثانية

يتَّخذ الفيلم الإيطالي من الحرب العالمية الثانية خلفية تاريخية له (نتفليكس)
يتَّخذ الفيلم الإيطالي من الحرب العالمية الثانية خلفية تاريخية له (نتفليكس)
TT

«قطار الأطفال»... رحلة إنسانية إلى الزمن السينمائي الجميل

يتَّخذ الفيلم الإيطالي من الحرب العالمية الثانية خلفية تاريخية له (نتفليكس)
يتَّخذ الفيلم الإيطالي من الحرب العالمية الثانية خلفية تاريخية له (نتفليكس)

يحار المايسترو أي حذاءٍ ينتعل قبل الوقوف على الخشبة لقيادة الأوركسترا. ولكن قبل الحذاء، عليه أن يردّ على اتّصالٍ من والدته ينبئه بوفاة والدته! نعم، للمايسترو والدتان ستتّضح هويّتاهما وقصتاهما لاحقاً.

بهذا المشهد الذي يدور عام 1994، ينطلق فيلم «قطار الأطفال» (The Children’s Train) على «نتفليكس». وما إن يقف المايسترو على المسرح حاملاً كمانَه أمام الحضور والعازفين، حتى تبدأ رجعة زمنيّة طويلة تروي حكاية «أميريغو سبيرانزا» المستوحاة من أحداث حقيقية، والمقتبسة عن رواية صدرت عام 2019 للكاتبة فيولا أردوني.

وإذا كانت شخصية سبيرانزا متخيّلة، فإنّ القصة بتفاصيلها التاريخية والاجتماعية مستقاة من أرض الواقع.

الفيلم الإيطالي يأخذ مشاهديه إلى الفترة الممتدّة ما بين 1944 و1946، أي إلى نهايات الحرب العالمية الثانية. كان سبيرانزا في الثامنة من عمره، يتعلّم العمليات الحسابية من خلال عدّ أحذية المارّة، بينما قدماه حافيتان. عصفت الحرب بمجاعتها وظلمها ودمارها بالجنوب الإيطاليّ، فتحوّل أطفال نابولي إلى متسوّلين يأكلون القطط إن جاعوا، ويلعبون وسط الركام، ويجمعون الخرق البالية لمساعدة أهلهم في المصروف.

وسط هذه المأساة، تجد والدة أميريغو، «أنطونييتا»، نفسها عاجزة عن تأمين الطعام والرداء والتعليم لابنها الذي خسرت قبله ولداً. الأبُ سافر ولم يعد، فاضطرّت أنطونييتا للقيام بأي شيء من أجل سدّ جوع طفلها.

ملصق الفيلم الإيطالي «قطار الأطفال» (نتفليكس)

في تلك الأثناء، ينشط الحزب الشيوعي الإيطالي في مجال الاهتمام بضحايا الحرب. من بين مبادراته: «قطار السعادة» الذي يقلّ أطفالاً من الجنوب إلى الشمال، للمكوث لدى عائلاتٍ باستطاعتها أن تؤمّن لهم حياة لائقة، لبضعة أشهر على الأقلّ.

بين أقاويل الجيران الذين يصرّون على أنّ «القطار الشيوعيّ» يأخذ الأطفال إلى المحارق وقطع الرؤوس في سيبيريا، وبين نصائح مسؤولي الحزب بضَمّ أميريغو إلى الرحلة، تقع أنطونييتا في الحيرة. غير أنّ قسوة الفقر والجوع لا تترك أمامها خياراً سوى إرساله. مثله مثل 70 ألف طفل آخر، ينسلخ أميريغو عن والدته التي تتسلّح بالقسوة كي يسهل عليها التخلّي.

أرغمت الحرب العالمية الثانية عدداً من الإيطاليين على التخلِّي عن أطفالهم من أجل تجنيبهم الجوع (نتفليكس)

ثمّة سحرٌ ما في الأفلام الإيطالية؛ خصوصاً تلك التي تروي التاريخ. فكيف إذا كان أبطال الفيلم أطفالاً يركبون قطاراً يعبر الطبيعة الإيطالية الخلّابة، آخذاً إياهم إلى مصيرٍ مجهول؟

ليس «قطار الأطفال» من صنف الأفلام التي تضيّع وقت المُشاهد. فقد أتقنت المخرجة كريستينا كومنشيني مهمتها، ساردة حقبة لا يعرفها كثيرون عن تاريخ إيطاليا، من دون أن تغفل عن التفاصيل الإنسانية. وما يساعدها في إيصال الرسالة، السيناريو البسيط والسلس، إضافة إلى أداءٍ مميّز للممثّلين، ولا سيما الصغار منهم، وعلى رأسهم كريستيان تشيرفوني بشخصية أميريغو.

يقدِّم الطفل كريستيان تشيرفوني أداءً مميَّزاً بشخصية أميريغو سبيرانزا (نتفليكس)

على متن القطار، لا ثياب بالية على الأجساد الصغيرة الهزيلة؛ بل ملابس دافئة ومعاطف، ولا أقدام حافية هنا. يرفض أميريغو خلع حذائه الجديد، رغم مقاسه الضيّق، حتى خلال النوم. مع ذلك، فإنّ الأطفال قلقون ويعبّرون صراخاً وتمرّداً. ولكن في المحطة الشمالية؛ حيث يستقبلهم أهالي مودينا ومسؤولو الحزب بعطفٍ كبير، وبطعامٍ لم يتذوّقوا مثله من قبل، تبدأ النفوس في الهدوء، ويخفت الشكّ بأنّ المصير هو المحرقة.

يجد كل ولدٍ عائلة باستثناء أميريغو الذي عليه الاكتفاء بشابّة من أعضاء الحزب حاضنةً موقّتة. لا علاقة لها بالأمومة، وشخصيّتها القاسية لا توحي بأنها قادرة على الاعتناء بطفل. ولكن سرعان ما يذوب جليدها أمام طيبة أميريغو وعاطفته البريئة. يجد في «ديرنا» وعائلة شقيقها دفئاً حُرم منه. تكتمل طفولته وسطهم؛ حيث يأكل حتى الشبع، ويذهب إلى المدرسة، ويتلقّى دروس العزف على الكمان على يدَي شقيقها. لا يخلو الأمر من مواقف يواجه فيها التنمّر من أترابه، بينما الشوق إلى والدته لا يفارقه، وينتظر مرور أشهر الشتاء حتى يعود إلى نابولي.

ديرنا... الناشطة الحزبية التي اكتشفت أمومتها مع أميريغو (نتفليكس)

ينجح الفيلم في تقديم المشهد الاجتماعي الإيطالي في تلك الآونة بكل تفاصيله. التفاوت بين أهل الجنوب والشمال في إيطاليا لناحية انعكاسات الحرب على كلٍّ من المنطقتَين، والنظرة إلى الحركات السياسية التي نمَت على ضفاف الحرب كالفاشيّة والشيوعيّة، والتماسك الوطني الذي دفع الشماليين إلى احتضان الجنوبيين.

تتوطّد العلاقة بين ديرنا وأميريغو، وتشغّل المخرجة عدستها والحوار هنا من أجل إظهار وجهَين للأمومة سادا في إيطاليا آنذاك. مشاعر الطفل متأرجحة بين أمَّين: الأولى التي أنجبته ورعته قدر ما استطاعت ثم اضطرّت للتخلّي عنه كي لا يجوع ويتشرّد، والثانية التي اكتشفت أمومتها من خلاله فحضنته ومنحته العاطفة والأمان.

إلى أن تواجه ديرنا الامتحان ذاته الذي كان على أنطونييتا مواجهته. انتهى الشتاء وعلى أميريغو العودة إلى والدته. تودّعه بالدموع والطعام والكمان الذي صنعه له شقيقها في عيد ميلاده. ولكن في نابولي، يجد الطفل نفسه على موعدٍ مع القسوة والحرمان من جديد.

يتعامل الفيلم بسلاسة مع إشكاليَّة الأم البيولوجية والأم الحاضنة (نتفليكس)

ستعبر سنواتٌ خمسون قبل أن يستوعب أميريغو القرار الصعب الذي كان على والدته البيولوجيّة أن تتخذه. سنواتٌ لا يدخل الفيلم في تفاصيلها؛ بل يكتفي بالقليل عن أميريغو المايسترو الخمسينيّ، مركّزاً على السنتَين اللتَين أخذتاه من نابولي إلى مودينا في الثامنة من عمره.

قد يشعر المُشاهد بأنّ ثمة عناصر ناقصة في الحكاية، وبأنه يرغب في معرفة مزيد عن سيرة أميريغو الفنية، وكيف تطوّرت علاقته بوالدتَيه. ولكن تلك الثغرات لا تُفرغ «قطار الأطفال» من معانيه العميقة، بدليل أنّ الفيلم نال إجماعاً إيجابياً من النقّاد وتقييماتٍ جماهيرية عالية.


مقالات ذات صلة

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق اختتم مسلسل بريدجرتون موسمه الرابع بنهاية ينتصر فيها الحب على المنطق (نتفليكس)

للحالمين فقط... عدالة الحب لا تتحقق إلا في عالم «بريدجرتون» الساحر

وكأنّ سيناريو «بريدجرتون 4» كُتبَ للحالمين حصراً، لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنّ الحب الحقيقي قادرٌ على تحطيم القيود التي كبّله بها المنطق والمجتمع.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)
السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)
السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحفِ الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

وقال شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، إن هذا المشروع يأتي ضمن استراتيجية الوزارة الهادفة إلى تحديث أساليب العرض المتحفي، وتقديم تجربة سياحية ثقافية متكاملة للزائرين، مشيراً إلى أن قاعة الخبيئة، بعد تطويرها، ستقدّم نموذجاً متقدماً في عرض القطع الأثرية من خلال محاكاة واقعية للحظة اكتشاف الخبيئة.

وتكمن أهمية مشروع التطوير في عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى داخل القاعة الخاصة بها بالمتحف، والتي تضم 26 قطعة أثرية متنوعة، حسب الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الذي أوضح أن تحديث العرض المتحفي يهدف إلى تعزيزِ تجربة الزائر، من خلال تقديم القطع في سياق بصريٍّ يحاكي لحظة اكتشاف الخبيئة، وظروفها التاريخية، بما يمنح الزائر تجربة معرفية وبصرية متكاملة.

مسؤولون مصريون خلال تفقدهم للقاعة بعد تطويرها بمتحف الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

شمل مشروع التطوير تنفيذ حزمة من الأعمال الإنشائية داخل القاعة تضمنت إزالة الأرضيات والوزرات الرخامية القديمة، وإحلال رخام جديد محلّها، وإنشاء سقف حديث من ألواح الجبس بتصميم مقوّس، إلى جانب إزالة جزء من السلَّم، وإنشاء منحدر يسهّل حركة الزائرين. كما شملت الأعمال إحلال القواطع الحجرية الطبيعية محلّ التجاليد الخشبية، فضلاً عن إضافة فاترينتين للعرض عند مدخل القاعة، وذلك وفقاً لمؤمن عثمان، رئيس قطاع المشروعات والترميم في المجلس الأعلى للآثار.

وأوضح الدكتور أحمد حميدة، رئيس قطاع المتاحف في المجلس الأعلى للآثار، أن أعمال التطوير تضمّنت إعداد سيناريو عرض متحفي متكامل وضعته اللجنة العليا لسيناريو العرض المتحفي برئاسة الدكتور علي عمر، ليُبرز القيمة التاريخية والفنية للقطع الأثرية، ويعكس سياق اكتشاف الخبيئة، إلى جانب إدخال عناصر فنية داخل القاعة تحاكي مشهد الاكتشاف.

أسفر مشروع التطوير عن زيادة عدد القطع المعروضة إلى 26 قطعة بدلاً من 17، عبر إضافة قطع جديدة، وإعادة توزيعِ بعضها بما يبرزها بصورة أفضل. كما شملت الأعمال استكمال تمثال الكوبرا، وترميم عدد من القطع، إلى جانب تزويد القاعة بقواعد عرض حديثة، ولوحات تعريفية، ونظام إضاءة متخصص، وشاشات عرض تفاعلية، وذلك حسب محمود مبروك، عضو لجنة سيناريو العرض المتحفي.

أحد تماثيل الخبيئة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تضمّ خبيئة الأقصر مجموعة متميزة من التماثيل الملكية والإلهية، إلى جانب عدد من القطع الأثرية الأخرى التي تعكس تطوّر الفن المصري القديم عبر عصور مختلفة.

يُذكر أن خبيئةَ الأقصر كُشف عنها عام 1989 أثناء أعمال فحص التربة في فناء الملك أمنحتب الثالث بمعبد الأقصر، حيث عُثر بالصدفة على حفرة عميقة أسفل أرضية الفناء تضم مجموعة من التماثيل الملكية والإلهية التي تعود إلى الفترة من الأسرة الـ18 حتى الأسرة الـ25. وقد كُشف عنها بواسطة بعثة هيئة الآثار المصرية برئاسة الدكتور محمد الصغير، حيث وُثِّقت القطع، ورُمِّمت بعناية قبل نقلها إلى أماكن حفظ آمنة.

وتزامناً مع قرب افتتاح قاعة الخبيئة، جرى الانتهاء من تطوير البطاقات الشارحة بالمتحف، وإعداد بطاقات جديدة، ويجري حالياً العمل على تركيبها داخل فاترينات العرض.

وأطلق المصريون القدماء على معبد الأقصر اسم «إيبت رسيت» أي «الحرم الجنوبي»، نظراً لموقعه داخل طيبة القديمة (الأقصر حالياً). ويقع المعبد على بُعد نحو 3 كيلومترات إلى الجنوب من معبد الكرنك، وكان يرتبط به قديماً طريق مسير يحدّه على جانبيه تماثيل أبو الهول، ويُعرف حالياً باسم «طريق الكباش».

ويرجع أقدم دليل على هذا المعبد إلى الأسرة الـ18 (نحو 1550–1295ق.م). ولم يكن معبد الأقصر، على خلاف معظم المعابد المصرية القديمة، مُقاماً على محور شرق-غرب، بل كان موجّهاً نحو الكرنك؛ إذ كان يمثّل الموقع الرئيس لأحد أهم الاحتفالات الدينية في مصر القديمة، حيث كانت تُنقل تماثيل المعبود آمون وزوجته موت وابنهما خونسو، إله القمر، من معابدهم في الكرنك في موكب مهيب إلى معبد الأقصر لزيارة المعبود المقيم هناك «آمون إم أوبت»، وذلك ضمن الاحتفال المعروف باسم عيد «الأوبت».

قاعة الخبيئة تضم 26 قطعة أثرية متنوعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ولم يُبنَ معبد الأقصر على يد ملك واحد؛ إذ كان أقدم بناء فيه عبارة عن مقصورة ترجع إلى عهد الملكة حتشبسوت (نحو 1473–1458ق.م)، في حين شُيِّد قلب المعبد في عهد أمنحتب الثالث (نحو 1390–1353ق.م).

أما رمسيس الثاني (نحو 1279–1213ق.م)، فقد أضاف كثيراً من المنشآت إلى المعبد؛ فشيّد أمام ممر الأساطين صالة أعمدة، وصرحاً ضخماً يتكوّن من جناحين يُمثّلان مدخل المعبد، إلى جانب مجموعة من التماثيل الضخمة. كما ضمّ الصرح زوجاً من المسلات بارتفاع نحو 25 متراً، لم يتبقَّ منهما سوى واحدة، في حين نُقلت الأخرى إلى ميدان الكونكورد بباريس عام 1836م.


200 عام من علاقة التاج بالكاميرا: معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» يجوب بريطانيا

معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
TT

200 عام من علاقة التاج بالكاميرا: معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» يجوب بريطانيا

معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)
معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في متحف أميليا سكوت (قصر كنسينغتون)

من قاعات قصر كنسينغتون العريقة في وسط لندن، ينطلق معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» في جولة بصرية آسرة، حاملاً أكثر من مائة صورة تختزل قرنين من العلاقة المتشابكة بين التاج البريطاني وعدسة الكاميرا، حسب «بي بي سي» البريطانية.

افتتح المعرض أبوابه أولاً في قصر كنسينغتون، قبل أن ينطلق في جولة تبدأ من «أميليا سكوت» في بلدة تونبريدج ويلز.

في هذا الإطار، قال جيريمي كيميل، مدير الفنون والتراث والتفاعل في «أميليا سكوت»: «لقد تشكَّلت ملامح (رويال تونبريدج ويلز) عبر قرون من الصلات الملكية، بدءاً من أول زيارة ملكية في أوائل القرن السابع عشر؛ حين كانت المنطقة مجرد غابات، وصولاً إلى تحولها إلى المصيف المفضل للأميرة فيكتوريا».

وأضاف كيميل أن معرض «الحياة من خلال عدسة ملكية» لا يقتصر على العائلة المالكة فحسب، موضحاً: «تعكس الصور لحظات من الهوية الوطنية، والتحولات الثقافية، والتجارب المشتركة».

وتُعد العائلة المالكة البريطانية من أكثر العائلات إقبالاً على التصوير في العالم، ويجسِّد المعرض مراسم الدولة والجولات الملكية، إلى جانب صور شخصية تتيح لمحة عن الحياة خلف الكواليس.

كما يضم المعرض آخر صورة علنية التُقطت للملكة إليزابيث الثانية في السادس من سبتمبر (أيلول) 2022، أي قبل يومين فقط من وفاتها، عن عمر ناهز 96 عاماً.

وأوضح كيميل: «التُقطت الصورة في قلعة بالمورال، قبل مراسم (تقبيل الأيدي) التاريخية، التي أعلنت خلالها تعيين رئيسة الوزراء البريطانية (رقم 15 خلال فترة حكمها) ليز تراس».

ويمكن للجمهور أيضاً مشاهدة صور بورتريه وصور صحافية، من الأعوام الثلاثة الأولى من عهد الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا.

جدير بالذكر أن «هيستوريك رويال بالاسز»، مؤسسة خيرية مستقلة تتولى رعاية قصر كنسينغتون، وتولت مسؤولية إنشاء المعرض.

وقالت إليري لين، القيِّمة الرئيسة في «هيستوريك رويال بالاسز»، إن العرض الذي يضم صوراً تمتد عبر 300 عام من جلسات التصوير العائلية، والبورتريهات التي جاءت بتكليف رسمي، والارتباطات الرسمية، سينطلق في جولة مخطط لها أن تتضمن أنحاء المملكة المتحدة.


«ميموريا»... نافذة على ثقافات العالم في صور تختصر الإنسان بلا كلمات

صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
TT

«ميموريا»... نافذة على ثقافات العالم في صور تختصر الإنسان بلا كلمات

صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)
صورة تظهر العقال المقصب المنسوج يدوياً بخيوط الذهب أو الفضة كرمز أصيل من التراث السعودي (إنستغرام)

ليست كل المعارض الفنية تُشاهَد بالعين المجردة؛ فالبعض منها يُختبر بالقلب، وخير دليل أن ما يحدث في دار فرنسا بجدة، لم يكن «ميموريا»، أو مجرد مساحة لعرض الصور، بل مساحة للإنصات للوجوه، وللتفاصيل، ولحكايات جاءت من مسافات بعيدة لتستقر في ذاكرة الزائر. وفيه قدَّم المصور السعودي، محمد محتسب، خلاصة سنوات من الترحال، جمع خلالها أكثر من 100 عمل فوتوغرافي، لا توثق العالم بقدر ما تعيد تعريفه إنسانياً.

طالبات في مدرسة تحفيظ قرآن ببنغلاديش متوشحات بلون واحد عدا طالبة... نالت الصورة 150 جائزة منها 48 ميدالية ذهبية (إنستغرام)

فخلال فترة امتدت 4 سنوات، تنقّل محتسب بين نحو 15 دولة، التقط خلالها تفاصيل الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، والموروثات الثقافية والدينية. ومن بين هذه الرحلة الطويلة، اختار مجموعة تمثل «جزءاً من الحصيلة» ليقدّمها في «ميموريا».

يقول لـ«الشرق الأوسط» إن المعرض يحمل رسالتين واضحتين: «رسالة محبة وسلام»، هدفها تعريف المجتمع السعودي والخليجي بثقافات الشعوب الأخرى وجمال إرثها، ورسالة أخرى تؤكد «أننا بشر، ويجب أن نحترم اختلافاتنا، وأن الاختلاف يجب ألا يتحول إلى كره».

بهذا المعنى، لا تبدو الصور مجرد لقطات عابرة، بل دعوة مفتوحة للانفتاح، حيث يتحول الآخر من فكرة بعيدة إلى تجربة قريبة.

رقصة كيتشاك تقليد شعبي ثقافي شهير في بالي بإندونيسيا (إنستغرام)

ويرى محتسب أن المصوّر «لا يصنع اللحظة بل ينتظرها»، وهي فلسفة تنعكس بوضوح في أعماله؛ فالصورة، في رأيه، لا تكتسب قيمتها من جمالها البصري فقط، بل من قدرتها على الوصول إلى إحساس الإنسان مباشرة.

ويؤكد أن الصورة التي تعيش طويلاً في الذاكرة هي تلك التي تحمل قصة؛ إما في لقطة واحدة تختصر مشهداً كاملاً، أو في سلسلة صور تروي تفاصيله. «إذا لامست الصورة مشاعر الإنسان، فإنها تبقى، حتى لو لم يرها مرة أخرى».

ومن بين عشرات الحكايات، تبرز صورة من الهند لا تغادر ذاكرة المصوّر ولا جمهور المعرض؛ طفلة في السادسة تحمل شقيقها الرضيع تحت شمس أغسطس (آب) الحارقة، بينما يعمل والداها في جمع الملح مقابل أجر يومي لا يتجاوز دولاراً واحداً.

صورة من مهرجان باكو جاوي يقام في سومطرة بإندونيسيا بعد موسم حصاد الأرز (إنستغرام)

يستعيد محتسب تفاصيل اللحظة: دهشة، ثم صدمة، ثم سؤال عن قسوة الواقع الذي يدفع طفلة لهذا الدور المبكر. لكن الإجابة كانت أكثر قسوة: «من الحاجة». فالصورة، كما يقول، لم تحتج إلى شرح، بل كانت كافية لتوصيل القصة كاملة، ولإثارة مشاعر كل مَن رآها. هنا، تتجاوز الفوتوغرافيا حدود الجمال، لتصبح شهادة إنسانية على واقع لا يُرى كثيراً.

في قراءة لدور هذا النوع من الفعاليات، يرى القنصل محمد نهاض أن التصوير الفوتوغرافي يملك قدرة فريدة على تجاوز الحواجز اللغوية، والوصول مباشرة إلى الإنسان؛ ما يجعله أداة فعّالة لتعزيز التفاهم بين الثقافات.

ويشير إلى أن استضافة «ميموريا» تعكس إيماناً بأن الثقافة ليست نشاطاً هامشياً، بل وسيلة حقيقية لبناء جسور بين فرنسا والسعودية، حيث تتيح هذه المبادرات للجمهور اكتشاف رؤى فنية مختلفة، وتفتح المجال لتفاعل أوسع بين المبدعين، بما يعزز التقارب الثقافي، مؤكداً أن العمل الدبلوماسي لا ينحصر في السياسة، بل يمتد ليشمل دعم المبادرات التي تحمل قيمة إنسانية، خصوصاً تلك التي تربط الإبداع بالمسؤولية الاجتماعية.

ومع نهاية الأمسية، بدا واضحاً أن المعرض لم يكن مجرد حدث فني عابر، بل تجربة متكاملة تعيد طرح أسئلة كبرى حول الإنسان، والاختلاف، والعدالة.

في «ميموريا»، لا تُعرض الصور لتُشاهد فقط، بل لتُحفظ. لأنها ببساطة كما أرادها محتسب ليست صوراً عن العالم، بل عنّا نحن البشر أيضاً.

مشهد صباحي في قرغيزستان لنساء يحلبن الأبقار (إنستغرام)

.

طفلة تحمل شقيقها الرضيع في حين يعمل والداها في جمع الملح بالهند (إنستغرام)

التبوريدة فن مغربي عريق في عالم الفروسية (إنستغرام)

الشيخ يحيى الفيفي متوشحاً بلحافه الجنوبي في مزرعته بجبال فيفاء (إنستغرام)

صورة لعائلة تمتهن العمل الزراعي (إنستغرام)