«اليونيسكو» تسمّي 16 حديقة جيولوجية عالمية... بينها اثنتان في السعودية

ضمت القائمة حدائق شهيرة بآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية

حديقة شمال الرياض (واس)
حديقة شمال الرياض (واس)
TT

«اليونيسكو» تسمّي 16 حديقة جيولوجية عالمية... بينها اثنتان في السعودية

حديقة شمال الرياض (واس)
حديقة شمال الرياض (واس)

منحت «اليونيسكو» أول من أمس 16 حديقة جديدة تسمية «حديقة جيولوجية عالمية لليونيسكو»، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للمواقع في شبكة «اليونيسكو» العالمية للحدائق الجيولوجية إلى 229 موقعاً موزعاً في 50 بلداً. وتغطي هذه الشبكة اليوم مساحة تناهز 855 ألف كيلومتر مربع.

تضم شبكة «اليونيسكو» العالمية للحدائق الجيولوجية التي تحيي هذا العام الذكرى السنوية العاشرة لإنشائها، أراضي تتمتَّع بتراث جيولوجي استثنائي يتجسّد في التكوينات الصخرية، والسلاسل الجبلية أو البركانية، والكهوف، والأخاديد، والمواقع الأحفورية، والمناظر الصحراوية القديمة... التي تقف شاهداً على تاريخ كوكب الأرض وتطوره الجيولوجي والمناخي. وتُعدّ هذه المواقع أيضاً فضاءات رئيسية لحماية البيئة وتعزيز التثقيف البيئي، وتُتيح للمجتمعات المحلية والسكان الأصليين إبراز ثقافتها.

الحدائق الجيولوجية في السعودية (واس)

وقالت المديرة العامة لـ«اليونيسكو»، أودري أزولاي: «أصبحت الحدائق الجيولوجية العالمية لـ(اليونيسكو)، في غضون عشرة أعوام فقط، نموذجاً يُحتذى به في مجال صون التراث الجيولوجي، لكن دورها يتخطى حدود حماية التراث الجيولوجي لتشمل دعم المشاريع التعليمية، وتعزيز السياحة المستدامة، وضمان استدامة معارف وتقاليد هذه الأراضي من خلال إشراك المجتمعات المحلية والسكان الأصليين بصورة فعالة. وهذا هو حال حديقة كاتلا الجيولوجية في آيسلندا، على سبيل المثال، حيث تشارك المدارس المحلية بفاعلية في البحوث العلمية التي تنفَّذ في هذا المنظر الطبيعي الذي يحفظ حتى يومنا هذا ذاكرة النظم البركانية والجليدية عبر تدفقات الحمم البركانية وشواطئ الرمل الأسود».

وتُضاف سنوياً مواقع جديدة إلى شبكة الحدائق الجيولوجية بناءً على قرار يتخذه المجلس التنفيذي لـ«اليونيسكو»، بعد أن تخضع الطلبات المقدَّمة لتقييم مجلس الحدائق الجيولوجية العالمية المؤلف من خبراء دوليين.

وتقع الحدائق الجيولوجية الست عشرة التي حصلت حديثاً على هذه التسمية، في الصين، وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية التي سجلت أول حديقة جيولوجية لها وأول إسهام لها في حماية سلسلة الجبال المشتركة مع الصين، وإكوادور وإندونيسيا وإيطاليا والنرويج، والمملكة العربية السعودية التي تستضيف أول حديقتين جيولوجيتين لها، وإسبانيا والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وآيرلندا الشمالية وفيتنام.

وتستمر «اليونيسكو» في تعزيز برنامج الحدائق الجيولوجية في مناطق تكون فيها الحدائق الجيولوجية أقل شيوعاً، ولا سيما في أفريقيا والدول العربية والدول الجزرية الصغيرة النامية. وتقوم «اليونيسكو» بذلك عبر إرسال بعثات للخبراء، وتنظيم جلسات تدريبية مخصصة، وتقديم استشارات فردية على الصعيدين الوطني والمحلي، من أجل توجيه عملية تحضير الطلبات للحصول على تسمية حديقة جيولوجية عالمية لـ«اليونيسكو».

حديقة شمال الرياض (واس)

ومن بين حدائق شهيرة في آسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية، وردت حديقتان في المملكة العربية السعودية؛ أولاهما حديقة شمال الرياض الممتدّة عند سفوح جبل طويق في قلب شبه الجزيرة العربية. وجاء في بيان «اليونيسكو» أنها موقعٌ يأسر القلوب بمعالمه الجيولوجية والإيكولوجية والثقافية. وتُعدّ جبالها المسطحة المهيبة بمنحدراتها الشاهقة وقِممها المستوية، العنصر المحوري في تراث علم أشكال الأرض في الحديقة. وتُعد التكوينات الصخرية التي تعود إلى العَصرَين الجوراسي والطباشيري، موقعاً ذا أهمية تعليمية وثقافية بالغة، باعتبارها الركائز الجيولوجية لتراث المملكة النفطي المهم. ويُعدّ وادي عبيثران من المعالم البارزة الأخرى في الحديقة، وهو محمية خضراء تؤدي دوراً حاسماً في ضمان استدامة إمدادات المياه في المنطقة، وتوفّر إطلالات بانورامية على الجبال المحيطة. ويؤوي الوادي أيضاً نظماً قديمة من الشعاب المرجانية؛ ما يجعله موقعاً تعليمياً مهماً للزوّار.

وتقع مدينة ثادق في قلب الحديقة الجيولوجية، ويعود تاريخها إلى التجمع السكاني لبعض القبائل التي وُجدت في المنطقة قبل أكثر من 370 عاماً. وتجسّد واحتها المزدهرة الصلة المتجذّرة بين الإنسان والبيئة في هذه المنطقة. وتدعم الحديقة الجيولوجية المجتمعات المحلية، وتعزّز التنمية المستدامة على نحو فعّال.

وكان تحويل قرية غمرة إلى وجهة سياحية بارزة مبادرة مجتمعية تكللت بالنجاح. وتوفّر الحديقة مجموعة واسعة من الأنشطة، من بينها رحلات المشي الجبلي، ومشاهدة النجوم، والتجارب التقليدية مثل إشعال النار في الهواء الطلق والعروض الشعبية. وتُتيح المبادرات المحلية في الحديقة الجيولوجية للزوّار فرصة فريدة للانخراط في المجتمعات المحلية، وخوض تجارب ثقافية، واستنشاق عبق الضيافة الذي يميّز أهل المنطقة. وتعزّز الحديقة أيضاً الزراعة المستدامة من خلال مبادرة «المنتجات الجيولوجية» التي تسلط الضوء على المنتجات المحلية مثل التمور والعسل؛ ما يساهم في تعزيز حضور المزارعين المحليين في السوق.

حديقة «سلمى جيوبارك» في السعودية (واس)

الحديقة الثانية هي حديقة سلمى التي وصفها البيان بأنها ذات منزلة نافذة فريدة وأخّاذة نطل منها على التاريخ القديم لكوكب الأرض. وتُعدّ الحديقة، نظراً إلى ما تكتنزه من صخور بركانية وماغماتية يعود تاريخها إلى أكثر من 740 مليون عام، أرشيفاً يسهل الوصول إليه لاستكشاف العمليات التي تحدث في باطن الأرض. وتُعدّ فوهة الهُتَيْمة واحدة من أبرز المعالم الجغرافية في الحديقة، حيث يمكن للزوار مشاهدة التشكيلات البركانية المدهشة التي تشكلت بفعل الانفجارات البركانية والتعرية عبر آلاف السنين. وتؤوي الحديقة مجموعة متنوعة من أشكال الحياة النباتية والحيوانية في الصحراء، من بينها الوعل النوبي المهدد بالانقراض، والمهاة العربية التي تتأقلم بصورة فريدة مع البيئة الجافة.

وتجسّد المنطقة أيضاً تراثاً ثقافياً نابضاً بالحياة يشمل درب زبيدة، وهو طريق حج قديم كان يربط بين مدينة الكوفة التاريخية وسط العراق ومكة المكرمة التي تكتنز أهمية دينية كبيرة في المملكة العربية السعودية. ويمتاز هذا الطريق باحتوائه على العديد من الآبار والبرك وواحة فَيْد الشهيرة التي كانت محطة توقف مهمة للحجاج بسبب مياهها العذبة وتربتها الخصبة. وتعتبر القلعة القديمة وآبارها الخمس والأربعون رموزاً راسخة في تاريخ المنطقة.

جانب من سلسلة جبال «أجا وسلمى» بمنطقة حائل شمال السعودية (واس)

وتندرج قرية طابة الأثرية أيضاً في عداد المواقع البارزة في المنطقة، وهي تضم «مصايد صحراوية» تأتي على شكل هياكل حجرية كانت تستخدم للإمساك بالحيوانات البرية، وتقف اليوم شاهداً على ممارسات الصيد القديمة والتجمعات السكانية المبكرة. وإن المجتمعات المحلية وطلاب المدارس منخرطون على نحو كامل في الحديقة من خلال برنامج فعّال من الأنشطة التثقيفية. وتشمل الفعاليات موائد إفطار خلال شهر رمضان، ومسار درب زبيدة على طول الطريق القديم للحج، وطريق طابة التاريخي، حيث يستكشف الزوار الأطلال الأثرية المحفوظة على نحو استثنائي لإحدى أقدم المدن في المنطقة؛ ما يعزز روح الوحدة ويذكي الوعي بشأن تراث المنطقة الثقافي.


مقالات ذات صلة

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

يوميات الشرق «الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان كمدن تراثية في المنظمة الدولية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
عالم الاعمال سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط)

جائزة «اليونيسكو الفوزان» الدولية تعزز حضور العلماء الشباب

سجّلت جائزة «اليونيسكو عبد الله الفوزان» الدولية حضوراً بارزاً في المنتدى العالمي الرابع لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تدعم أطر بناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي إعداد كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل (واس)

السعودية تطلق 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي

أطلقت السعودية 5 أطر لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي، تشمل التعليم العام والجامعي والتدريب والمعايير المهنية، خلال منتدى «اليونسكو» بالعاصمة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض

الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… فهل يستطيع أن يوفرها؟

علاقة مزدوجة بين الخوارزميات والطاقة تضع الاستدامة أمام اختبار جديد

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)

وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي سيراً على الأقدام إلى منزل والدته في مدينة هال، شمال شرقي إنجلترا، يوم الاثنين، مختتماً رحلة ملحمية حول العالم كان قد بدأها في أميركا الجنوبية قبل 28 عاماً، وتحديداً في عام 1998، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كان بوشبي في التاسعة والعشرين من عمره حين انطلق في رحلته، وهو اليوم في السابعة والخمسين.

اجتاز بوشبي مساحات من الجليد المتحرك عبر مضيق بيرينغ، وسبح عبر بحر قزوين والقناة الإنجليزية (بحر المانش). لكن الجزء الأكبر من رحلته كان برياً؛ إذ قادته قدماه عبر أدغال خطرة، وغابات مطيرة، وصحارٍ، ومناطق تندرا متجمدة، في ظل ظروف مناخية متنوعة للغاية.

حشد من المهنئين يحيط بالمغامر البريطاني كارل بوشبي خلال توجهه إلى منزل والدته في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة امتدت نحو 50 ألف كيلومتر (أ.ف.ب)

فيما يلي نظرة إلى مغامرة بوشبي بالأرقام:

75 مليون خطوة

لو كانت أجهزة تتبّع اللياقة البدنية موجودة عندما بدأ بوشبي رحلته، فمن المرجّح أنها لم تكن لتتمكّن من مواكبة العدد التراكمي لخطواته.

50 ألف كيلومتر

تعادل المسافة الإجمالية التي قطعها، والبالغة نحو 50 ألف كيلومتر، خوض 10 آلاف سباق جري على الطرق، طول كل منها خمسة كيلومترات.

10229 يوماً

قدّر بوشبي في البداية أنه يستطيع قطع المسافة خلال خمس سنوات.

قال إنه لاحقاً «كان يظن أنها ستستغرق 12 عاماً أو أكثر... لكننا لم نتخيّل قط، حتى في أبعد تصوّراتنا، أنها ستستغرق (الرحلة) 28 عاماً».

وهذا يعادل 10229 يوماً.

كارل بوشبي يتحدث خلال استقبال رسمي في ساحة الملكة فيكتوريا بمدينة هال البريطانية عقب عودته الاثنين من رحلة بدأت في تشيلي قبل 28 عاماً (د.ب.أ)

31 يوماً

عندما سدّت النزاعات الجيوسياسية طريقه عبر روسيا وإيران، قرّر بوشبي عبور بحر قزوين سباحة، وهو أكبر مسطح مائي داخلي في العالم.

وخلال العبور الذي استغرق 31 يوماً، استخدم أسلوباً يطلق عليه اسم «فلوتيمينغ»، يجمع بين الطفو والسباحة. وكان يرتدي سترة طفو وبدلة غوص، ويدفع نفسه إلى الخلف بتحريك ذراعيه في الماء.

30 دولة

انطلق من تشيلي وأنهى رحلته في المملكة المتحدة، ودخل أو مرّ عبر 30 دولة قبل عودته إلى منزله.

10 أعوام

لم يستغرق عبور أي دولة وقتاً أطول مما استغرقه اجتياز روسيا، حيث امتدّت رحلته لنحو عقد.

فقد احتجز وواجه الترحيل بتهمة الدخول بصورة غير قانونية بعد عبوره مضيق بيرينغ عام 2006، ولم يسمح الطقس القاسي بالسفر إلا لبضعة أشهر كل عام، فيما أجبرته التأخيرات البيروقراطية مراراً على مغادرة البلاد.

وبعدما رفضت روسيا منحه تأشيرة عام 2012، أمضى عاماً يمشي مسافة 3500 ميل، أي نحو 5600 كيلومتر، من لوس أنجليس إلى السفارة الروسية في واشنطن احتجاجاً على القرار. وقد زوّدته السفارة بعد ذلك بالأوراق اللازمة.

المغامر البريطاني كارل بوشبي يتحدث إلى مؤيديه خلال إتمام المرحلة الأخيرة من رحلة المشي التي استمرت 28 عاماً في هال ببريطانيا يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أربع قارات

قادت الرحلة بوشبي عبر أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية وآسيا وأوروبا؛ أي أربع قارات من أصل قارات العالم السبع.

قصتا حب

وقع في الحب مرتين، وانكسر قلبه في المرتين. فقد جمعته علاقتان طويلتان بامرأة من كولومبيا وأخرى من اليابان، لكن أياً منهما لم تصمد أمام الضغوط التي فرضتها رحلته.

أحذية «كثيرة»

يقدّر بوشبي أنه أبلى 10 أزواج من الأحذية في الأميركتين قبل أن يتوقف عن العدّ. وكان ذلك قبل 20 عاماً.


«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.