من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

في مؤسسة لبنانية... المصابون بالتثلّث الصبغي يبتسمون للحياة ويبنون غدَهم بأيديهم

TT

من متلازمة «داون» إلى متلازمة الحب... الشغف والمثابرة يصنعان المعجزات

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)
يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

هم ليسوا أطفالاً عاديين. تفضحهم عيونهم وملامحُهم المختلفة عن السائد. يقول العلم إنهم مصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي «داون»، في حين يؤكد المشرفون عليهم أنهم مصابون بمتلازمة الحب.

في مؤسسة «سيزوبيل (SESOBEL)» اللبنانية، لا يقتصر إحياء اليوم العالمي لمتلازمة «داون» على تاريخ 21 مارس (آذار)، فالتعامل مع الأطفال والشبّان الذين يحملونها هو بمثابة احتفاليّةٍ يوميّة. احتفاليةٌ قوامُها طاقتُهم الإيجابية وطموحهم للعلمِ والإبداع والعمل.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» بإيجابيّتهم وقدرتهم على بثّ الفرح (سيزوبيل)

من ربط الحذاء إلى حب الذات

تحتضن المؤسسة عشرات المصابين بمتلازمة التثلّث الصبغي، إلى جانب عدد آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة المختلفة كالتوحّد، والضمور العضلي والعصبي، والشلل الدماغي.

في صفّ الحضانة، وكما سائر الأطفال، يكتشفون قدراتهم الحسّيّة ويتعلّمون أيام الأسبوع والفصول الأربعة ويُلقّنون عبارات الترحيب بالآخر. ثم ينتقلون إلى صفوفٍ أعلى حيث يتعلّمون القراءة والكتابة، ولاحقاً اللغة والعلوم والحساب.

كما سائر الأطفال يتعلّم المصابون بمتلازمة «داون» القراءة والكتابة (الشرق الأوسط)

توضح مديرة القسم التربوي د. أنيتا يوسف الحاج لـ«الشرق الأوسط» أنّ «البرنامج الأكاديمي المعتمد يؤهّل الأطفال للدراسة وفق قدراتهم، لا سيّما أنّهم يعانون عجزاً فكرياً وصعوبةً في الأداء التكيّفي». لِذا فإنّ التعليم يمتدّ كذلك إلى مساعدتهم في اكتساب الاستقلاليّة الذاتيّة، كتناول الطعام أو تنظيف الأسنان أو ربط شريط الحذاء بمفردهم.

يتميّز المصابون بمتلازمة «داون» عن سواهم من البشر، وفق الحاج، بأن «لا حدود لحبّهم كما أنهم لا يحقدون، وهذا ناتج عن عدم قدرتهم على تقييم المواقف والحُكم المسبق على الناس». وهنا، يعود البرنامج التربوي ليلعب دوره بأن يؤهّلهم لحماية أنفسهم، وحب ذاتهم من أجل بناء علاقة جيّدة مع الآخر.

يتابع الأطفال برنامجاً أكاديمياً متكاملاً ينمّي القدرات الذهنية والمجتمعية (سيزوبيل)

أولويّة الدمج

جولةٌ سريعة بينهم تُثبت أنهم يمتلكون موهبة طبيعية في بثّ الفرح والحب. لديهم لهفة للزوّار ولكل مَن يمنحهم انتباهه واهتمامه. بنظر الحاج، فإنّ هذه الميزة هي سببٌ كافٍ من أجل «النظر إليهم كبشرٍ أبعد من الإعاقة، ما قد يسهّل اندماجهم مجتمعياً، وأكاديمياً، وفنياً، ورياضياً، وحتى مهنياً».

وضعت «سيزوبيل» موضوع الدمج الأكاديمي نصب عينَيها، وقد حقّقت الهدف باختراق المدرسة الرسمية اللبنانية. شرّعت الأخيرة أبواب صفوفها أمام عددٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليندمجوا مع الطلّاب الأصحاء. هذا ما تؤكّده مديرة المؤسسة فاديا عقل صافي.

دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع أترابهم الأصحاء في المدارس اللبنانية هو أولوية (سيزوبيل)

تقول صافي، في حديثها مع «الشرق الأوسط»: «منذ انطلاقتها عام 1976، آمنت (سيزوبيل) بضرورة انخراط الطفل المصاب واندماجه في المجتمع والمدرسة وسوق العمل». ولعلّ أول ما تراهن عليه المؤسسة، هو اندماج الطفل ضمن عائلته، لذلك فهي تعتمد مقاربة شاملة تضمّ الأبَوين والأشقّاء: «نواكب عائلات الأطفال من خلال متابعة اجتماعية وصحية ونفسية، في مسعى للتخفيف من أعبائهم، وتقريبهم قدر المستطاع من حالة أولادهم، وإيصالهم إلى التكيّف التام معها».

لوحات زاهية وأذن موسيقية

كلّما تقدّم السنّ بهم، اتضحت أكثر ملامح الإصابة بمتلازمة «داون» على مظهر الأطفال وتصرّفاتهم. وكأنّهم في سباقٍ مع الوقت لاكتساب كل ما استطاعوا من مهارات وتحصين أنفسهم بها. يبدون على قدر هذا التحدّي، إذ يُظهرون منذ الصغر قدرةً على التركيز والابتكار. تشهد على ذلك حصص الرسم والتلوين حيث يتّسمون بهدوءٍ استثنائي، غالباً ما تنتج عنه لوحاتٌ زاهية بألوانها ومفاجئة بتفاصيلها.

يتفاعل الأطفال المصابون بمتلازمة «داون» مع حصص الفنون بشكل كبير (الشرق الأوسط)

أما في حصص الموسيقى التي ينتظرونها بفارغ الصبر، فتلاحظ مدرّستُهم فاليري البويري كم أنّ آذانهم الموسيقية يقِظة، وكم أنّهم قادرون على حفظ الإيقاع بسرعة. تؤكّد البويري أنّ «ما يساعدهم في التفاعل مع الموسيقى هي أحاسيسهم العالية وشغفهم الكبير».

يمتلك ذوو الاحتياجات الخاصة أذناً موسيقية حسّاسة (الشرق الأوسط)

من الدراسة إلى العمل

لا يدرك المصابون بمتلازمة التثلّث الصبغي أنّ قدراتهم مختلفة عن سواهم، وبالتالي فإنّ لا شيء يُحبط عزيمتهم. مثلُهم مثلُ الأصحّاء، وربّما أكثر، يريدون التعلّم واللعب واستكشاف مواهبهم. وبعد، هم يرغبون في العمل ويحلمون بالاستقلال الماديّ.

تُعدُّهم «سيزوبيل» لسلوك هذا الدرب من خلال مركز المساعدة في العمل المنبثق عنها. أثمر هذا المركز محترفاً للأشغال اليدوية ومصنعاً للحلويات، إضافةً إلى سلسلة من المتاجر التي تبيع منتجات المؤسسة فيعود الريعُ لدعم الطلّاب. وهذا الدعم الماديّ بات ضرورياً، وسط ظروفٍ صعبة ترخي بثقلها على المؤسسة وتتهدّد بقاءها.

أرخت الأزمة الاقتصادية في لبنان بثقلها على سير العمل في المؤسسة (سيزوبيل)

توضح المسؤولة عن مركز المساعدة في العمل ليلى زغيب أنّ التدريب على المهارات اليدويّة والمهنية يبدأ من داخل الصفوف الدراسية. ليس كل الطلّاب مؤهّلين لدخول المشاغل لاحقاً، وتلعب قدراتهم الجسديّة والذهنية دوراً في هذا الإطار. أما مَن يستطيعون فيتوجّهون إمّا إلى المشاغل الإنتاجيّة حيث ينصبّ التركيز على تصنيع الشوكولاته والحلويات والأشغال اليدويّة، أو إلى المشاغل العمَليّة حيث يتعلّمون كيفية المساعدة في الحصص الدراسية وفي الأعمال المنزليّة والمطبخيّة.

تلفت زغيب إلى أنّ «أهل المصابين بمتلازمة داون غالباً ما يتهيّبون من فكرة انتقالهم إلى سوق العمل الفعلي خارج (سيزوبيل)، إلّا أنّ هذا الإنجاز تحقّق من خلال 4 طلّاب حصلوا على وظائف في قطاع المطاعم».

تغليف حبات الشوكولاته في المشغل التابع للمؤسسة (الشرق الأوسط)

انضباط ودقّة وصبر

داخل مشاغل الشوكولاته والحلويات، تنشغل الحواس بالرائحة الزكيّة المنبعثة من الأفران، وبموسيقى خافتة يبثّها جهاز الراديو لتسلية الطلّاب في حين يعملون بصمتٍ وتركيزٍ من الصعب اختراقُهما. منهم مَن يغلّف الحلويات بالورق، ومنهم مَن يلفّ الشريط اللاصق حول حبّات الشوكولاته. لدى سؤال ماريا، وهي مصابة بمتلازمة «داون»، عمّا تفعل تجيب: «أنا أحقق حلم حياتي بأن أعمل هنا».

وفق رضا إبراهيم السخن، مسؤولة وحدة النظافة وضمان الجودة في المشاغل، يتميّز الطلّاب العاملون بانضباطهم ودقّتهم وصبرهم: «لا يتحرّكون من أماكنهم قبل أن ينهوا المهمة الموكلة إليهم. قد يمضون ساعاتٍ في تقطيع البسكويت أو لصق الشريط على الشوكولاته، لكننا لا نسمعهم يتذمّرون».

أعمال قد تبدو بسيطة لكنها تتطلّب دقّة وصبراً كبيرَين (الشرق الأوسط)

رغم قدراتهم الحسّيّة غير المكتملة، فإنّ هؤلاء الطلّاب باتوا يشكّلون جزءاً أساسياً من العملية الإنتاجية، ومن بين أيديهم تخرج منتجات ذات جودة عالية. والأهمّ، أنّ هذا العمل، على البساطة التي يبدو عليها بالنسبة إلى الأصحّاء، فإنه «يمنحهم ثقةً بالنفس وهدفاً في الحياة كما يضاعف قوّة شخصيتهم»، وفق السخن.

الامتنان سمةٌ خاصة لدى المصابين بمتلازمة داون. يفرحون بالتفاصيل الصغيرة التي تبدو كبيرة بنظرهم؛ يهلّلون لبسمة، يصفّقون لزائر، ويدمعون تأثّراً إن نالوا مكافأة مالية صغيرة مقابل ساعات العمل. يبصرون البشر بقلوبهم وليس بعيونهم، لأنّ طاقاتهم مهما كانت محدودة توسّعها طاقة الحب.



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.