الخط العربي وعالم الدراويش في معرض فني بالقاهرة

يضمّ 30 عملاً تتمتَّع بأجواء روحانية

أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
TT

الخط العربي وعالم الدراويش في معرض فني بالقاهرة

أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)

حوار تتناغم فيه لوحات الخط العربي وعالم الدراويش، في معرض جماعيٍّ يُنظَّم تحت عنوان «ذكر» في غاليري «سفرخان» بالقاهرة.

تُجسِّد أعمال المعرض أبعاداً روحانية، تتداخل مع التقنيات التشكيلية لتخلق أشكالاً بصرية غيبية، ترنو إلى السَّلام والصفاء، عبر اقتحامها عوالم مغايرة للمألوف، تستمد سماتها الدَّلالية ومعانيها الرمزية، من زخم التُّراث الفني الإسلامي.

وتتكون غالبية المجموعة الفنية في المعرض، الذي يستمر حتى 30 مارس (آذار) الحالي، من أعمال فنان الخط العربي محمد حسن في 3 أساليب تنفيذية متميزة هي: الكلاسيكية، والمُعاد تصورها، والتجريدية.

ويستكملها تصوير الفنانتين رنا شلبي، وكاثرين باخوم للدراويش في أسلوب انطباعي وتقليدي على التوالي؛ حيث تُلتقط ممارسة الذِّكر بعمقٍ في جميع الأعمال التي تتجاوز الثلاثين عملاً.

سحر الشرق وأسراره في لوحة للفنانة كاترين باخوم (إدارة الغاليري)

وتعكس هذه الأعمال من جهةٍ حالة التأمل الدقيق للكون، حتى أنها تُعدّ بمنزلة إحدى مراتب التَّصوف، ومن جهة أخرى يستشعر المتأمل للوحات الإحساس بالتجريد المتمثل في الحالة الصُّوفية، الذي يُشابه إلى حدٍّ بعيد التجريد التشكيلي.

وكأن التقاء الصُّوفية والفن التشكيلي في هذا المعرض يحمل دعوة إلى التَّعمُق في قُدرة الخالق خلال شهر رمضان، إذ تستدعي الأعمال شاعرية الوجدان والبصيرة.

التنوع، من حيث الخط والتقنية والرؤية الفنية للعمل على السواء، هو السِّمة الأساسية للأعمال التي شارك بها الفنان محمد حسن وتبلغ 18 عملاً، ما بين اللوحات والمجسَّمات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن أعمالي مقسَّمة إلى مجموعتين في المعرض، القسم الكلاسيكي أو التقليدي، والقسم الآخر يتمتَّع برؤية تشكيلية مختلفة، والرابط بينهما هو الخط العربي».

عمل مجسَّم للخط العربي للفنان محمد حسن (إدارة الغاليري)

وفي حين تتناول بعض اللوحات نصوصاً قرآنية وأحاديث نبوية وأشعاراً ومأثورات، فإن هناك أعمالاً أخرى تتضمن حروفاً غير منطوقة؛ و«الأمر الذي يسمح بالتواصل الفكري والوجداني مع مختلف الثقافات؛ فكما هو معروف أن الخط العربي يؤثِّر، ويجذب حتى غير الناطقين باللغة العربية، وغير المسلمين»، وفق حسن؛ الذي يتابع: «يكون الأمر أصعب بالنسبة للوحات الحروف غير المنطوقة؛ لأني أستخدم الأكريلك، وهو خامة تجفُّ بسرعة، ومن ثم يستدعي العمل بها سرعة أكبر».

ويوضح أن «الخطَّاط ما لم تكن لديه فكرة حاضرة في ذهنه قبل بدء الرسم، فإن اللوحة لن تخرج في النهاية بالشكل المطلوب».

تتنوَّع كذلك الخطوط التي يستخدمها حسن في أعماله بشكل لافت، وهو ما يبرِّره قائلاً: «إن النص يُنادي خطَّه، وكذلك طبيعة الرؤية التشكيلية أو التكوين»، ويُشير إلى أن «أنواع الخط تزيد عن 120 نوعاً، ولا أفضِّلُ نوعاً أكثر من آخر، فاللوحة نفسها هي التي تفرض خطاً بعينه».

لا يقتصر التَّنوع في أعمال حسن على تعدد أنواع الخط والرؤى فقط، إنما يمتد ليشمل الخامات أيضاً، فالمعرض يضمُّ أعمالاً يقدِّم من خلالها الفنان الخط على الورق والعملات المعدنية والكانفاس والجلد والخشب والرق.

«إلهي ما أحببتك وحدي ولكن أحببتك وحدك»... لوحة للفنان محمد حسن (إدارة الغاليري)

وتتماهى أعمال محمد حسن مع رؤية أوسع يمتلكها التَّصوف تجاه الحرف، باعتباره المبدأ الموحد للكون، وأنه «سلسلة من النقاط المتتابعة التي تشكِّل وحدات للقياس، وتمثل وجود الإله في الكائن الذي يتحرَّك بمشيئته سبحانه وتعالى»، وفق حسن.

لحظات صوفية عميقة يعيشها أيضاً الزائر للمعرض، عند تأمل لوحات الفنانة المصرية رنا شلبي، التي تُصوِّر عالم الدراويش الراقصين، بهالة من الزهد في تركيبة بسيطة.

وترسم رنا، وهي من ممارسي التَّصوف بنفسها، أداءَ السَّماع (الاستماع)، وهو مرتبط بالعبقرية الصُّوفية في القرن الـ13، والفولكلور المحيط بالدراويش الراقصين.

ومن خلال الأعمال يعيش المتلقي رحلة روحانية داخل عوالم الدراويش، خصوصاً مع دورانهم بملابسهم البيضاء الفضفاضة، وتطلُّع نفوسهم إلى السماء، بينما أجسادهم على الأرض في حركات منظَّمة ومنسَّقة، تتحدَّث عنها الفنانة لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «إن الحركة هي الحياة، ومن خلال أعمالي أريد أن يشعر المشاهد بهذه الحركة».

رنا شلبي تخوض رحلة سموٍّ روحي داخل عوالم الدروايش (إدارة الغاليري)

وتستخدم الفنانة قليلاً من الخطوط والألوان؛ فكما أن المتصوِّف لا يعرض الحقائق دفعة واحدة أمام الخلائق، وإنما يخفيها وراء الرُّموز، فإن اللوحات التشكيلية عند رنا شلبي، باعتمادها لكثيرٍ من إشارات التَّصوف في اللون والشكل، تعمد إلى إخفاء بعض المعاني القدسية، لكنها في الوقت نفسه تقدم كثيراً من الزَّخارف التي ترفع من جماليات اللوحات.

من جهة أخرى، تسرد الفنانة كاثرين باخوم في لوحاتها قصصاً من عالم الصُّوفية، وسحر الشرق وأسراره، متَّبعة قواعد كلاسيكية في بناء اللوحة وتكويناتها، متأثرة بزياراتها المتعددة إلى بلاد المغرب العربي؛ حيث بهاء وجمال القصور العربية التاريخية في أرجائه، بزخارفها، وألوانها، التي استلهمتها في أعمالها.

فيُطلُّ الدراويش علينا بثقة في حين تزخر خلفية اللوحات بالزَّخارف، مع احتفاء بالحواف أو الهوامش في محاكاة لعالم التَّصوف؛ حيث يسمح الرقص للدرويش بالانتقال من المركز إلى الهوامش، والتحليق في عالم التأمل.


مقالات ذات صلة

«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

يوميات الشرق النسيج في متحفه بفرنسا قبل نقله إلى بريطانيا (رويترز)

«نسيج بايو» الأشهر في التاريخ يعود إلى إنجلترا بعد قرون

رغم اسمه، فإنّ «نسيج بايو» ليس نسيجاً بالمعنى التقليدي، بل قطعة من الكتان مطرَّزة بخيوط صوفية ملوّنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بوتيرو مع لوحته عن الموناليزا (الدار)

موناليزا طفلة في معرض للوحات بوتيرو في نيويورك

للفنان الكولومبي الراحل فرناندو بوتيرو طابع يميزه عن غيره ولا يمكن تخطيه فلوحاته تنظر للعالم عبر عدسة مكبرة، الأشخاص عنده يسيطرون على اللوحات بأحجامهم الضخمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رنا بستاني تُكرّم بلدات الجنوب في معرض «اللون يتحدّى الصمت» (الشرق الأوسط)

معرض «اللون يتحدّى الصمت»... ولادة الأمل من ذاكرة لبنان الصامد

تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي اللبناني، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الوجوه تعيش أكثر من أصحابها (وينتورث وودهاوس للحفاظ على التراث)

لغز لوحة رئيس خدم يُحيّر أحفاده بعد أكثر من 170 عاماً

يأمل أقارب رئيس خدم كان يعمل في قصر ريفي بمقاطعة جنوب يوركشاير، في كشف لغز فنان مجهول الهوية جسَّد ملامحه في لوحة قماشية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ديالا خضري أمام مجموعة من لوحات معرضها «اشتراك» (الشرق الأوسط)

معرض «اشتراك»... توصيلات المولّدات الكهربائية ندوب على وجه بيروت

تُحيك ديالا خضري لوحاتها بأكسسوارات وأدوات مختلفة، لتبدو كأنها نسخة طبق الأصل عن المشهد اليومي...

فيفيان حداد (بيروت)

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
TT

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)

في إطار الاحتفالات بالعيد القومي الـ1057 لمحافظة القاهرة، شاركت وزارة الثقافة، ممثلةً في «أكاديمية الفنون» بتقديم برنامج فني متميِّز ضمن فعاليات «شارع الفن» بوسط المدينة، بحضور أكثر من 50 سفيراً ومبعوثاً دبلوماسياً.

​وقدَّمت أكاديمية الفنون خلال الاحتفالية «باقةً متنوعةً من العروض الإبداعية التي عكست ثراء وتنوع الهوية المصرية، حيث تضمَّنت الفعاليات مزيجاً فنياً راقياً جمع بين سحر التخت الشرقي والأغاني التراثية، وبين رقي الغناء الأوبرالي واللوحات الاستعراضية المبهرة»، وفق بيان للأكاديمية.

​وقالت رئيسة أكاديمية الفنون، الدكتورة نبيلة حسن: «إن وجود الأكاديمية شريكاً فاعلاً في هذه الاحتفالية الوطنية ترجمة لرسالتنا في مدِّ جسور التواصل بين الفن والمجتمع»، مؤكدة حرص الأكاديمية الدائم على دعم الفعاليات التي تثري الحياة الثقافية في العاصمة.

وشهد برنامج «شارع الفن»، الخميس، فعاليات متنوعة عكست ثراء وتنوع الإبداع المصري، حيث استمتع الضيوف بعروض الفنون الفلكلورية الشعبية، وفنون السمسمية، والغناء الأوبرالي، إلى جانب باقة من الأغنيات المصرية الأصيلة، في لوحة فنية جسَّدت أصالة التراث المصري وتنوعه.

ويُعدُّ مشروع «شارع الفن» إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تتبناها أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية؛ لنشر الفنون في الفضاء العام، وتعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع، وتقديم صورة حضارية تليق بمكانة مصر الثقافية، وفق رئيسة الأكاديمية، مشيرة إلى أنَّ استضافة هذا العدد الكبير من السفراء والدبلوماسيين تعكس نجاح المشروع في تقديم القوة الناعمة المصرية بصورة مشرفة أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم.

وبدأت عروض «شارع الفن» بالموسيقى والغناء بمشاركة المعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالى للكونسرفتوار، والفرقة القومية للموسيقى الشعبية، والفنانة ليديا سليمان، وتنوعت الفقرات بين الغناء الشرقي، والأوبرالي، والفلكلور الشعبي.

فعاليات شارع الفن تضم فقرات مختلفة (محافظة القاهرة)

كما اشتمل البرنامج على عروض فنون الأداء الاستعراضي، بمشاركة المعهد العالي للفنون الشعبية والمعهد العالي للباليه، وتضمنت استعراضات فلكلورية وإسبانية، إلى جانب أنشطة الفنون التفاعلية والبصرية، التي شملت ورشاً للرسم والتلوين، والرسم على الوجه، بمشاركة المكتبة المتنقلة لمكتبة مصر الجديدة، ومدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية.

واختُتمت الفعاليات بعروض فنون الأداء، والتي تضمَّنت عروض المطبخ الصيني، والسيرك القومي، و«شو ماريونت» الذي يقدمه مسرح القاهرة للعرائس.

وكان محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، استقبل في حديقة الأزهر نحو 50 سفيراً، ومبعوثاً دبلوماسياً، وعدداً من أعضاء السلك الدبلوماسي بالقاهرة، شاركوا في احتفالات محافظة القاهرة بعيدها القومي 1057.

واصطحبهم المحافظ في جولة حول سور القاهرة التاريخي داخل حديقة الأزهر، أعقبتها زيارة مسجد المارديني، والجامع الأزرق اللذين يعدان من أقدم المساجد التاريخية بمنطقة الدرب الأحمر، وانتهت الجولة بالتوجه لحضور احتفالية «شارع الفن» بمنطقة الشريفين بوسط المدينة.

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فعاليات «شارع الفن» في مايو (أيار) الماضي بوصفه برنامجاً يتضمَّن فعاليات فنية تعزِّز القوى الناعمة المصرية، وتثري السياحة التراثية في منطقة القاهرة الخديوية (وسط البلد)، خصوصاً مثلث البورصة وشارع الشريفين.

وسبق أن وقعت محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون المصرية بروتوكول «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة»، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة «شارع الفن»، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون.


أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
TT

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

قال المخرج المكسيكي، أكسل بيرثا، إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك، لكنه لم يكن معنياً بإعادة سرد تفاصيل الجريمة أو البحث في ملابساتها، بقدر ما رأى فيها مدخلاً للتأمل في أسئلة تتعلق بالعنف والطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم.

وأضاف بيرثا، في حديث مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن فكرة إخراج فيلمه الأول كانت تراوده منذ سنوات، إلا أنه لم يكن قد عثر على القصة التي يرغب في تقديمها، حتى صادف تقريراً صحافياً عن جريمة قتل، فشعر أن الواقعة تحمل ما هو أبعد من الحدث نفسه، وهو ما دفعه إلى قضاء فترة طويلة في المنطقة التي شهدت الحادثة، حيث ترك المكان وسكانه أثراً مباشراً في تطور السيناريو، حتى أصبح الفيلم عملاً مستقلاً يستلهم الواقع دون أن يعيد تقديمه.

ويُعرض فيلم «ضد الطبيعة» ضمن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداثه حول «جوناس» الذي يعود إلى بلدته ويعمل في نحت الحجارة، قبل أن يجد نفسه منجذباً إلى قوة خفية تتغلغل في المكان والناس والزمن، بينما ينزلق تدريجياً نحو مأساة تبدو وكأنها امتداد لصراع قديم بين الإنسان وطبيعته.

وأوضح المخرج المكسيكي أن اختياره الابتعاد عن معالجة الجريمة بوصفها حدثاً بوليسياً كان قراراً مقصوداً، إذ رأى أن الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت خياله، بينما تشكل الفيلم الحقيقي من خلال معايشة المكان والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في تلك المنطقة، وهو ما جعله يبتعد تدريجياً عن الحادثة الأصلية ليقدم رؤية سينمائية تتناول الإنسان أكثر مما تتناول الجريمة.

وكشف بيرثا أن تصوير الفيلم كان من أصعب التجارب التي خاضها، موضحاً أنه «جرى في منطقة شبه صحراوية شمال المكسيك، حيث واجه فريق العمل ظروفاً مناخية قاسية، تراوحت بين البرودة الشديدة وحرارة الشمس والغبار المستمر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع التصوير، وهو ما فرض تحديات إنتاجية متواصلة طوال فترة التنفيذ».

بدأت فكرة الفيلم من حادثة حقيقية (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «التحديات لم تقتصر على طبيعة المكان، وإنما شملت أيضاً الاعتماد على ممثلين غير محترفين من أبناء المنطقة، إلى جانب التصوير وسط الحيوانات الطبيعية، ومواكبة تغير الفصول، فضلاً عن استخدام خام (35 ملم)، الأمر الذي فرض عدداً محدوداً للغاية من اللقطات، وجعل كل مشهد يحتاج إلى قدر كبير من الدقة قبل التصوير».

وأشار إلى أن فريق العمل لم يتجاوز 10 أشخاص، وهو ما وفّر قدراً من المرونة وساعد الجميع على التفرغ للحظة التصوير نفسها، موضحاً أن الفريق كان ينتظر أحياناً الوقت المناسب للحصول على الضوء الطبيعي المطلوب، بجانب مشاركة الجميع في أكثر من مهمة داخل موقع التصوير، ما خلق حالة من التفاهم والترابط بينهم طوال فترة العمل.

وأرجع بيرثا اختيار شخصية «جوناس» قليلة الكلام لاعتقاد البعض أن الإنسان عاش ملايين السنين قبل ظهور اللغة، واستطاع خلالها التكيف مع العالم وبناء حياته، بينما جاءت اللغة لاحقاً لتسرّع تطور الحضارة والفنون والثقافة، لكنها في الوقت نفسه خلقت مسافة بين الإنسان والواقع، لأن الكلمات لا تنقل الأشياء كما هي، بل تقدم لها صوراً ورموزاً ذهنية.

وأكد المخرج المكسيكي أن السينما تمنحه فرصة لاستعادة هذا الاتصال المباشر بالعالم، «لأنها قادرة على التعبير بالصورة والصوت والإيقاع والمونتاج، دون الحاجة إلى كثير من الحوار، وهو ما دفعني إلى تقليل الكلمات في الفيلم إلى الحد الأدنى، لإفساح المجال أمام المشاعر والإحساس بالمكان، بحيث يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يتلقى شرحاً لها»، وفق تعبيره.

وتحدث بيرثا عن تجربته مع الممثلين غير المحترفين، مؤكداً أنه كان يبحث منذ البداية عن أشخاص ينتمون إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، حتى تبدو الشخصيات جزءاً طبيعياً من المكان، لأن هدفه لم يكن تدريبهم على الأداء التقليدي، وإنما منحهم الحرية الكاملة للتصرف بعفوية، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى تغير بعض المشاهد أثناء التصوير.

وأوضح أنه كان يراقب الطريقة الطبيعية التي يتعامل بها كل ممثل مع الموقف، محاولاً أن يفاجئه الأداء بدلاً من فرض تصور مسبق عليه، ما جعل كثيراً من اللحظات التي ظهرت في الفيلم تبدو كنتيجة لتفاعل الممثلين مع المشهد أكثر من التزامهم الحرفي بما كُتب في السيناريو.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذه العفوية كانت جزءاً أساسياً من رؤيته الإخراجية، لأنها سمحت للفيلم بالاقتراب أكثر من الواقع، ومنحت الشخصيات حضوراً إنسانياً يصعب الوصول إليه من خلال الأداء التقليدي.

وعدّ بيرثا أن «العنف يمثل أحد المحاور الرئيسية في الفيلم»، لكنه لا ينظر إليه باعتباره نتاجاً للظروف الاجتماعية وحدها، أو نتيجة لطبيعة الإنسان فقط، بل يراه سؤالاً مفتوحاً رافق البشرية عبر تاريخها، مشيراً إلى تأثره بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، خصوصاً ما يتعلق بفكرة الانتقام والمعاملة بالمثل.

ولفت المخرج المكسيكي إلى أن التاريخ الإنساني يكشف عجز البشر عن التخلص من العنف، رغم التطور الحضاري الذي حققوه، مشيراً إلى أن امتلاك الإنسان في العصر الحديث وسائل قادرة على تدمير العالم، مثل السلاح النووي، يجعل التفكير في هذه القضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من صراعات متزايدة تقوم على الهيمنة والعدوان.

وحول ترك كثير من مشاهد الفيلم مفتوحة أمام التأويل، أوضح بيرثا أنه لا يؤمن بالأفلام التي تقدم إجابات جاهزة، وإنما يفضل الأعمال التي تستمر في مرافقة المشاهد حتى بعد انتهاء العرض، مشيراً إلى أن الفيلم، بالنسبة له، «يبدأ فعلياً عندما يغادر الجمهور قاعة السينما، لأن لحظة التفكير والتأمل ومحاولة تفسير ما شاهده لا تقل أهمية عن المشاهدة نفسها»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أنه لم يتعمد الغموض من أجل إضفاء طابع فلسفي على العمل، وإنما سعى إلى تقديم تجربة تسمح لكل مشاهد بأن يبني قراءته الخاصة، لافتاً إلى أن أكثر الأفلام التي أثّرت فيه كانت تلك التي تركت لديه أسئلة أكثر مما قدمت له إجابات.


مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)

تجددت وقائع القبض على صناع محتوى بمصر بسبب ارتكاب مخالفات وصفتها بيانات وزارة الداخلية وخبراء بأنها مرتبطة بترويج أفكار «صادمة» تتنافى وقيم المجتمع، بغرض تحقيق أرباح مادية، مع ظهور قضايا في فترات سابقة تنوعت بين ترويج الأفكار التي «تنال من قيم المجتمع»، وفق التوصيف القانوني لها، ونشر صور وفيديوهات تتضمن مقاطع «خارجة»، وصدرت على بعض الحالات أحكام بالحبس.

ورصدت وزارة الداخلية المصرية قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته «فوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية»، وفق بيان وزارة الداخلية.

وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط صانعة المحتوى المقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة وضبط بحوزتها هاتف محمول «بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي»، وفق بيان الوزارة، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

ووصفت الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة «المحاميات المصريات لحقوق المرأة» الدعوات التي تروج لتعدد الأزواج أو غيرها من الأفكار التي تمس النظام العام والأسرة المصرية، بأنها «سلوك يتعارض مع القيم الدستورية والاجتماعية، حال ثبوت مخالفتها للقانون، وقد يرقى إلى صور من التحريض على الإفساد المجتمعي، بما يستوجب تطبيق القانون في إطارٍ من احترام ضمانات المحاكمة العادلة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «مواجهة الجرائم المرتكبة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على العقوبات التقليدية السالبة للحرية، وإنما تتطلب تطوير السياسة العقابية لتشمل تدابير تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية، مثل تمكين القضاء من الأمر بحجب أو إغلاق الحسابات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، أو تقييد استخدامها لفترات محددة، وفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الأجهزة الإلكترونية في الحالات التي يجيزها القانون».

وأكدت أن «المرحلة الحالية تستدعي أيضاً دراسة منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اختصاصات أوسع في مجال الضبطية القضائية، وفق ضوابط قانونية ورقابة قضائية تكفل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات العامة، وإنفاذ القانون والتصدي للجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار».

القبض على بلوغر لنشر فيديوهات بملابس خادشة للحياء في مصر (وزارة الداخلية)

وتنتشر هذه الظاهرة بشكل مطرد، أخيراً؛ إذ نشرت وزارة الداخلية المصرية على صفحاتها بوسائل التواصل نحو 5 حالات توقيف «بلوغرز» في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة، لرصد ارتكابهن مخالفات خادشة للحياء، من بينها قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، أن «اقتصاد المنصات الرقمية القائم على المشاهدات والتفاعل قد يدفع بعض المؤثرين إلى تصعيد المحتوى المثير للجدل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يبقى التحدي أمام الجهات التنظيمية هو تحقيق توازن بين حماية المجتمع، وصون حرية التعبير، وتطبيق القانون على الجميع وفقاً للضوابط والإجراءات القضائية».

وقال فتحي إنه «يجب على صناع المحتوى أن يكون لديهم الوعي والدراية الكافيَين لعدم التعرض لمحتوى جدلي أو خارج إطار القانون المحلي الذي يبث فيه المؤثر محتواه، فما يكون مسموحاً في مجتمع قد لا يكون مسموحاً في غيره».