الخط العربي وعالم الدراويش في معرض فني بالقاهرة

يضمّ 30 عملاً تتمتَّع بأجواء روحانية

أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
TT

الخط العربي وعالم الدراويش في معرض فني بالقاهرة

أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)
أعمال تسمح بتواصل الخط العربي مع كل الثقافات (إدارة الغاليري)

حوار تتناغم فيه لوحات الخط العربي وعالم الدراويش، في معرض جماعيٍّ يُنظَّم تحت عنوان «ذكر» في غاليري «سفرخان» بالقاهرة.

تُجسِّد أعمال المعرض أبعاداً روحانية، تتداخل مع التقنيات التشكيلية لتخلق أشكالاً بصرية غيبية، ترنو إلى السَّلام والصفاء، عبر اقتحامها عوالم مغايرة للمألوف، تستمد سماتها الدَّلالية ومعانيها الرمزية، من زخم التُّراث الفني الإسلامي.

وتتكون غالبية المجموعة الفنية في المعرض، الذي يستمر حتى 30 مارس (آذار) الحالي، من أعمال فنان الخط العربي محمد حسن في 3 أساليب تنفيذية متميزة هي: الكلاسيكية، والمُعاد تصورها، والتجريدية.

ويستكملها تصوير الفنانتين رنا شلبي، وكاثرين باخوم للدراويش في أسلوب انطباعي وتقليدي على التوالي؛ حيث تُلتقط ممارسة الذِّكر بعمقٍ في جميع الأعمال التي تتجاوز الثلاثين عملاً.

سحر الشرق وأسراره في لوحة للفنانة كاترين باخوم (إدارة الغاليري)

وتعكس هذه الأعمال من جهةٍ حالة التأمل الدقيق للكون، حتى أنها تُعدّ بمنزلة إحدى مراتب التَّصوف، ومن جهة أخرى يستشعر المتأمل للوحات الإحساس بالتجريد المتمثل في الحالة الصُّوفية، الذي يُشابه إلى حدٍّ بعيد التجريد التشكيلي.

وكأن التقاء الصُّوفية والفن التشكيلي في هذا المعرض يحمل دعوة إلى التَّعمُق في قُدرة الخالق خلال شهر رمضان، إذ تستدعي الأعمال شاعرية الوجدان والبصيرة.

التنوع، من حيث الخط والتقنية والرؤية الفنية للعمل على السواء، هو السِّمة الأساسية للأعمال التي شارك بها الفنان محمد حسن وتبلغ 18 عملاً، ما بين اللوحات والمجسَّمات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن أعمالي مقسَّمة إلى مجموعتين في المعرض، القسم الكلاسيكي أو التقليدي، والقسم الآخر يتمتَّع برؤية تشكيلية مختلفة، والرابط بينهما هو الخط العربي».

عمل مجسَّم للخط العربي للفنان محمد حسن (إدارة الغاليري)

وفي حين تتناول بعض اللوحات نصوصاً قرآنية وأحاديث نبوية وأشعاراً ومأثورات، فإن هناك أعمالاً أخرى تتضمن حروفاً غير منطوقة؛ و«الأمر الذي يسمح بالتواصل الفكري والوجداني مع مختلف الثقافات؛ فكما هو معروف أن الخط العربي يؤثِّر، ويجذب حتى غير الناطقين باللغة العربية، وغير المسلمين»، وفق حسن؛ الذي يتابع: «يكون الأمر أصعب بالنسبة للوحات الحروف غير المنطوقة؛ لأني أستخدم الأكريلك، وهو خامة تجفُّ بسرعة، ومن ثم يستدعي العمل بها سرعة أكبر».

ويوضح أن «الخطَّاط ما لم تكن لديه فكرة حاضرة في ذهنه قبل بدء الرسم، فإن اللوحة لن تخرج في النهاية بالشكل المطلوب».

تتنوَّع كذلك الخطوط التي يستخدمها حسن في أعماله بشكل لافت، وهو ما يبرِّره قائلاً: «إن النص يُنادي خطَّه، وكذلك طبيعة الرؤية التشكيلية أو التكوين»، ويُشير إلى أن «أنواع الخط تزيد عن 120 نوعاً، ولا أفضِّلُ نوعاً أكثر من آخر، فاللوحة نفسها هي التي تفرض خطاً بعينه».

لا يقتصر التَّنوع في أعمال حسن على تعدد أنواع الخط والرؤى فقط، إنما يمتد ليشمل الخامات أيضاً، فالمعرض يضمُّ أعمالاً يقدِّم من خلالها الفنان الخط على الورق والعملات المعدنية والكانفاس والجلد والخشب والرق.

«إلهي ما أحببتك وحدي ولكن أحببتك وحدك»... لوحة للفنان محمد حسن (إدارة الغاليري)

وتتماهى أعمال محمد حسن مع رؤية أوسع يمتلكها التَّصوف تجاه الحرف، باعتباره المبدأ الموحد للكون، وأنه «سلسلة من النقاط المتتابعة التي تشكِّل وحدات للقياس، وتمثل وجود الإله في الكائن الذي يتحرَّك بمشيئته سبحانه وتعالى»، وفق حسن.

لحظات صوفية عميقة يعيشها أيضاً الزائر للمعرض، عند تأمل لوحات الفنانة المصرية رنا شلبي، التي تُصوِّر عالم الدراويش الراقصين، بهالة من الزهد في تركيبة بسيطة.

وترسم رنا، وهي من ممارسي التَّصوف بنفسها، أداءَ السَّماع (الاستماع)، وهو مرتبط بالعبقرية الصُّوفية في القرن الـ13، والفولكلور المحيط بالدراويش الراقصين.

ومن خلال الأعمال يعيش المتلقي رحلة روحانية داخل عوالم الدراويش، خصوصاً مع دورانهم بملابسهم البيضاء الفضفاضة، وتطلُّع نفوسهم إلى السماء، بينما أجسادهم على الأرض في حركات منظَّمة ومنسَّقة، تتحدَّث عنها الفنانة لـ«الشرق الأوسط»، قائلة: «إن الحركة هي الحياة، ومن خلال أعمالي أريد أن يشعر المشاهد بهذه الحركة».

رنا شلبي تخوض رحلة سموٍّ روحي داخل عوالم الدروايش (إدارة الغاليري)

وتستخدم الفنانة قليلاً من الخطوط والألوان؛ فكما أن المتصوِّف لا يعرض الحقائق دفعة واحدة أمام الخلائق، وإنما يخفيها وراء الرُّموز، فإن اللوحات التشكيلية عند رنا شلبي، باعتمادها لكثيرٍ من إشارات التَّصوف في اللون والشكل، تعمد إلى إخفاء بعض المعاني القدسية، لكنها في الوقت نفسه تقدم كثيراً من الزَّخارف التي ترفع من جماليات اللوحات.

من جهة أخرى، تسرد الفنانة كاثرين باخوم في لوحاتها قصصاً من عالم الصُّوفية، وسحر الشرق وأسراره، متَّبعة قواعد كلاسيكية في بناء اللوحة وتكويناتها، متأثرة بزياراتها المتعددة إلى بلاد المغرب العربي؛ حيث بهاء وجمال القصور العربية التاريخية في أرجائه، بزخارفها، وألوانها، التي استلهمتها في أعمالها.

فيُطلُّ الدراويش علينا بثقة في حين تزخر خلفية اللوحات بالزَّخارف، مع احتفاء بالحواف أو الهوامش في محاكاة لعالم التَّصوف؛ حيث يسمح الرقص للدرويش بالانتقال من المركز إلى الهوامش، والتحليق في عالم التأمل.


مقالات ذات صلة

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

يوميات الشرق لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» التي ظهرت في فيلم «الزوجة الثانية» وغيرها من القصص القديمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية» يُقام معرض «فن القاهرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق عمل الفنان محمد السليم (فنون العلا)

«صحراء X العلا 2026» تجمع 11 فناناً رائداً في أعمال ضخمة داخل المشهد الصحراوي

يقدّم المعرض رؤى فنّية تتراوح بين أعمال ذات حضور هادئ وأخرى ذات أثر بصري طاغٍ.

عمر البدوي (العلا)
يوميات الشرق ملامح من البدائية والتراث في لوحاته (إدارة الغاليري)

«ألف وجه ووجه»... معرض قاهري يرصد تناقضات البشر

استكشف الفنانون البورتريهات بوصفها موضوعاً فنياً منذ القدم، من تمثال نصفي روماني إلى بورتريه فيديو معاصر.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».