أمل بوشوشة... «شوطٌ كبير» نحو الذات

بطلة «المهرّج» لـ«الشرق الأوسط»: لم يُخيّط أحدٌ مسلسلاً على مقاسي

تخرج أمل بوشوشة من ذلك الصندوق الذي يصوّر الحياة بحجم أصغر (حسابها في «فيسبوك»)
تخرج أمل بوشوشة من ذلك الصندوق الذي يصوّر الحياة بحجم أصغر (حسابها في «فيسبوك»)
TT

أمل بوشوشة... «شوطٌ كبير» نحو الذات

تخرج أمل بوشوشة من ذلك الصندوق الذي يصوّر الحياة بحجم أصغر (حسابها في «فيسبوك»)
تخرج أمل بوشوشة من ذلك الصندوق الذي يصوّر الحياة بحجم أصغر (حسابها في «فيسبوك»)

مِن إدراكها ما تريده بالفعل، ترمق أمل بوشوشة هذه الأيام بنظرة رضا عن النفس. تتوقّف عند ما مرَّ وترى أنه عزَّز تجربة تراكمية تتيح إحساسها بالاكتفاء ولَمْسها النضج المخوِّل اختيار المناسب. تقول إنه ليست مرارة اعترافها بأنّ أحداً لم يُخيِّط مسلسلاً على مقاساتها، أو يكتب خصوصاً من أجلها. كانت أمام عروض تحتمل دائماً القبول أو الرفض. وإن كان لا بدَّ من النظر إلى السنوات الخمس الأخيرة، أو حتى العام الماضي؛ تتأكد الفنانة الجزائرية المقيمة في لبنان من أنها صنعت عصارة خياراتها؛ وخلالها قطعت ما تسمّيه «الشوط الكبير» نحو الذات.

ترمق أمل بوشوشة هذه الأيام بنظرة رضا عن النفس (حسابها في «فيسبوك»)

لكنَّ عدم الحَبْك على المقاس جعلها تكتفي بقراءة دورها والتمعُّن فيه دون سواه من أدوار وسياقات. تُخبر «الشرق الأوسط» أنّ المرحلة السابقة اتّسمت بالتركيز المكثَّف على شخصيتها فقط، لتضمن الإتقان، خصوصاً اللهجة. اليوم تقول: «تختلف الأمور. أصبح المسلسل كُلّاً بالنسبة إليّ. أقرأ تفاصيله وما ينتظر الممثلين. أمنح جميع الأدوار اهتمامي وتركيزي».

ذلك مردُّه إلى نضج يشمل المهنة بعد أن يلفح مناحي الحياة. تتعامل معه على أنه مُسيِّرها نحو المكانة المُشتهاة. وبه تجيد العبور إلى ما يمنحها الاكتفاء ويخوّلها اقتناص الفرصة. ولعلَّ دورها في مسلسل «المهرّج» يصبّ هنا. يُخرجها من مساحتها الآمنة إلى حيث يحلو اللعب بالنار.

دورها في «المهرّج» يُخرجها من مساحتها الآمنة (حسابها في «فيسبوك»)

تُغريها التركيبة، إذ يتجدّد اللقاء مع باسم ياخور في البطولة، هذه المرة أمام كاميرا رشا شربتجي: «أردتُ أن أخرُق. فالشخصية فرضت تجاوزي تحفّظات تمسّكتُ بها في أدوار سابقة، منها مثلاً رفضي التدخين في مشهد. إنه النضج الذي افتتحتُ به الحديث. على الدور أن يصل ببُعده ورسالته. في النهاية، أنا ممثلة. علّمتني المهنة الفصل بين الدور والحياة. إنْ أدّيتُ شخصية قاتلة متسلسلة، فذلك لا يعني أنني أقتل. الخبرة المهنية تتدخَّل لتُبدِّل مفهوم الدور مع العُمر. أنا اليوم غيرُها أمل الممثلة قبل 10 سنوات، خصوصاً أنني لستُ خرّيجة معهد. الحياة تصقل خبرتي لأقود الشخصية».

يشغلها ألا تكرّر دوراً أو تقع في نمط. تعلم أنّ المهنة قد تبدو جاحدة، أسوة بمجالات تتعدَّد؛ ولا تنتظر دائماً ما يُشبع الأعماق. أتاح «المهرّج» مساحة لعبٍ أوسع. منحها إحساساً بالخروج من نفسها؛ ومن ذلك الصندوق الذي يُزجّ المرء به مُصوّراً له الحياة بحجم أصغر. ولمّا رأت في قراءتها للحلقة الأولى ما يُحرِّض على ترقُّب الأحداث، أبدت الموافقة. شعرت أنّ حماسةً أصابتها، ستصيب الجمهور خلال العرض. ذلك كثَّف مسؤولية إيصال الدور كما ينبغي.

تعترف بأنّ أحداً لم يُخيِّط مسلسلاً على مقاساتها (حسابها في «فيسبوك»)

تتطلّع أمل بوشوشة إلى الصداقات في موقع التصوير بوصفها احتمالاً لكسر حواجز من أجل أداء أصدق. باسم ياخور ممَن تراهم شركاء نجاح. ويستهويها ما تقدّمه رشا شربتجي «المُتعِبة»: «تَلاقي اتجاه الشخصية مع اتجاه المُخرج يُحقّق غايتها. فالممثل مهما اجتهد، ثمة ضرورة لإتمام هذا اللقاء. حين يتعلّق الأمر برشا شربتجي، أستطيع القول إنّ النتيجة عادة مضمونة. هي من الصنف المُتعِب من أجل الأفضل. للمسلسل جانب بوليسي، لكنه ليس المُسيطر تماماً. الجانب الإنساني يتحلّى بمجال. على المُخطئ أن يدفع الثمن وفق مبدأ (الكارما) القادر على خلْق البُعد الآخر».

تشعر بأنّ داخلها يستريح بعد نهاية كل عمل. ولا تكترث للكميّة بقدر شعورها بأنّ ما تقدّمه يمنحها جدوى. تقول: «لستُ أعمل آلياً، فأنهي عملاً لأُباشر آخر. هذا اللهاث لا يعنيني. عليَّ الإحساس بما أقدّمه، عوض جَعله ينبع من كونه وظيفة. لستُ أمثّل من أجل جَمْع المال. إننا نعمل تحت ضغط الظرف القاهر؛ نلتقط الأنفاس من المشهد الأول حتى الأخير خشية تطوّرات محلّية أو إقليمية مفاجئة قد تفرض الإرجاء أو الإلغاء. شعوري بالمسؤولية يفرض التروّي وتقبُّل الاستراحة. ثم أقرأ المعروض عليَّ وفق موضوعه، فأوافق أو أعتذر. أحكُم نفسي بتقديم ما يليق بي وبمَن يُشاهد».

ترى أمل بوشوشة أن على الدور أن يصل ببُعده ورسالته (حسابها في «فيسبوك»)

يُخبرها النضج أنّ الرقم واحد، طوال الوقت، كذبة: «قد لا يكون النجاح ساحقاً في كل مرة. وربما يلوح إخفاق ما، فنتراجع. ذلك يحفِّز على انطلاقة أهم، في التمثيل ومهن الحياة».

ويغمرها اكتفاء مردُّه العائلة وما يتحقّق بقناعة. لا بالقوة ولا بالمطاردة غير المتكافئة. تجذب ما هو لها، وتتطلّع إلى الآتي في الوقت المناسب: «في جعبتي كثيرٌ سيخرج في موعده. ضبطُ التوقيت على إيقاع الذات، لا الآخرين، يقلب المعادلات».


مقالات ذات صلة

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

يوميات الشرق تيم حسن... حضور يتجدّد كل رمضان (صفحته في «فيسبوك»)

تيم حسن وسامر البرقاوي و«الصبّاح»: شراكة تتقدَّم المواسم الرمضانية

رسائل «مولانا» تسير بين السطور عبر سخرية خفيفة تبدو في ظاهرها لعباً لغوياً أو مزحة سريعة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

وجد اللبناني في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب) p-circle 02:00

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

عشية حفل «الأوسكار»، عودة بالزمن إلى أبرز الإنجازات العربية في تاريخ جوائز السينما العالمية. وهل يحقق «صوت هند رجب» إنجازاً رابعاً؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)

روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

أدَّت الفنانة المصرية روجينا في المسلسل الرمضاني «حد أقصى» شخصية «صباح»، وهي امرأة تتعرَّض للغدر والخيانة وتلاحقها اتهامات باطلة...

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
TT

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)

توصل باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية إلى نتائج وصفوها بـ«الواعدة»، لعلاج جديد يستهدف الساركوما العظمية، أكثر أنواع سرطان العظام شيوعاً لدى الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يُمثل خطوة مهمة بعد عقود من محدودية الخيارات العلاجية الفعالة ضد هذا المرض، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (BMC Medicine).

والساركوما العظمية هي أكثر سرطانات العظام الأولية انتشاراً، ويصيب غالباً الأطفال والمراهقين خلال فترات النمو السريع. وينشأ هذا السرطان في الخلايا المسؤولة عن تكوين العظام، ويظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق أو الذراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح أسبابه بدقة، فإنه يرتبط بتغيرات جينية في الخلايا، وأحياناً بعوامل وراثية نادرة. ووفق الباحثين، تكمن خطورته في قدرته على الانتشار إلى أعضاء أخرى، خصوصاً الرئتين، ما يجعل علاجه أكثر تعقيداً. ويعتمد العلاج حالياً بشكل رئيسي على مزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي.

ويعتمد العلاج الجديد، المعروف باسم (OSM CAR-T)، على إعادة برمجة الخلايا المناعية لدى المريض لتتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها وتدمرها بدقة.

ورغم نجاح تقنية هذه التقنية في علاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما، فإن فاعليتها ضد الأورام الصلبة مثل الساركوما العظمية كانت محدودة بسبب تعقيد هذه الأورام وتنوع خصائصها.

وتمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه العقبة عبر تصميم خلايا مناعية مُعدّلة تسمى (CAR-T) تستهدف بروتيناً يظهر على سطح خلايا الساركوما العظمية، ما يتيح للخلايا المناعية التعرف على عدة مستقبلات في وقت واحد ومهاجمة الورم بفاعلية أكبر.

وأظهرت التجارب المعملية وعلى النماذج الحيوانية نتائج إيجابية، إذ نجحت الخلايا المناعية المُعدّلة في القضاء على خلايا الساركوما العظمية في جميع العينات التي خضعت للاختبار، وقلصت حجم الأورام بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، وفق الفريق، أظهر هذا النهج قدرة العلاج على استهداف الخلايا السرطانية المنتشرة إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي من أخطر مراحل المرض وأكثرها مقاومة للعلاج.

وقالت الدكتورة ريشمي باراميسواران، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «العلاجات التقليدية للساركوما العظمية، التي تعتمد على الجراحة والعلاج الكيميائي، لم تشهد أي تطور يُذكر منذ أكثر من 40 عاماً».

وأضافت عبر موقع الجامعة، أن النهج الجديد يفتح الباب أمام علاج موجه يستخدم جهاز المناعة لمهاجمة السرطان، مع احتمالية تحقيق نتائج أفضل وآثار جانبية أقل.

وأشارت إلى أنه من المتوقع أن يبدأ اختبار العلاج في تجارب سريرية خلال العامين المقبلين، وإذا أثبت نجاحه لدى البشر، فقد يوفر خياراً علاجياً جديداً يقلل الحاجة إلى الجراحة، ويمنح أملاً أكبر للمرضى، خصوصاً أولئك الذين يعانون من انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.


«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
TT

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

لم تستسلم جوزيان بولس، مديرة «مسرح مونو»، أمام واقع حرب يلفّ لبنان من شماله إلى جنوبه. تحدَّت أصوات الصواريخ والانفجارات، ومشهد تشتُّت اللبنانيين، عبر مقاومة ثقافية وفنية، فدعت هواة المسرح إلى حضور العرض الأول من مسرحية «كذبة بيضا». لبَّى الدعوة جمهورٌ ملأ مقاعد صالة «مونو»، مشدوداً إلى مبادرتها، ومعبِّراً عن امتنانٍ لمساحة ضوءٍ تستحدثها وسط ظلمة حرب قاتمة.

وعلى مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً صاغه الكاتب ألكسندر نجار، وأدَّته على الخشبة مجموعة من الممثلين، من بينهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون، وغيرهم. وجاء العمل ضمن مشهدية بصرية لافتة، تتضمن ديكورات تتقاطع مع زمن الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

تفاصيل حرب السبعينات حضرت على الخشبة (مسرح مونو)

تتمحور قصة العمل حول الشاب العشريني «جينو» (أنطوني توما)، الضائع بين مصيرين: أحدهما مجهول والآخر موجع؛ فإما أن يغادر البلد لإكمال دراسته بعيداً عن وطأة الحرب، وإما أن ينخرط في ميليشيا تقاتل على الأرض.

وتطرح مخرجة العمل، لينا أبيض، الدوامة نفسها التي يعيشها شباب اليوم، مبرزة تأثير قرارات الأهل على أبنائهم، بما يزيد من ضياعهم، ومسلِّطة الضوء على القرارات المصيرية التي كثيراً ما تُفرَض عليهم من عائلاتهم. فيعيش الحضور تجربة مسرحية تتراوح بين الحنين إلى الوطن وفكرة الصمود رغم كل شيء.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول صالة المسرح، حرصت لينا أبيض على إشعار الجمهور بالحقبة التي يدور فيها العمل؛ فكانت أغنيات سبعينات القرن الماضي تصدح في الأرجاء. يخرج صوت كلود فرنسوا تارة، ليلاقيه نجم سبعيني آخر هو جان فرنسوا ميكايل، ما أيقظ مشاعر الحنين لدى الحضور من جيل الحرب، الذين أدركوا أنهم على موعد مع أيامٍ خلت.

موضوع المسرحية يعود إلى سبعينات القرن الماضي، لكنه يقيم مقاربة موضوعية بين ما حدث وما يجري اليوم؛ فالسلام لا يزال مفقوداً في بلد عانى الأمرَّين لأكثر من نصف قرن. وتأخذنا لينا أبيض في رحلة ذكريات تختلط فيها المتعة بالوجع، فتغمر المشاهد بأحاسيس متناقضة.

بالعربية والفرنسية تدور حوارات المسرحية، ناقلةً يوميات عائلة لبنانية تنتمي إلى طبقة رأسمالية؛ فالأب والأم يخططان لمستقبل ابنهما ليتسلَّم إدارة المصنع الذي يملكانه، فيما تحاول العمة تقريب وجهات النظر بينهما وبين الابن الشاب الذي يحلم بأن يصبح مغنياً. وفي نهاية المطاف، يتفق الجميع على أن سفره هو الحل الأفضل، إذ لا يرغبون في أن يقاتل ويعود إليهم في صندوق خشبي.

بطل العمل أنطوني توما أعاد الحضور بأغنياته إلى زمن السبعينات (مسرح مونو)

يوهم «جينو» والديه بأنه غادر إلى آسكوتلندا، لكنه في المقابل يلتحق بالمقاتلين في ثكنة تقع على خطوط التماس في منطقة السوديكو. هناك نتابع إيقاع يوميات المقاتلين وما يتعرضون له من مخاطر، كما نتعرَّف إلى القنَّاص الذي يتلذذ باصطياد الناس في بيوتهم من سكان الحي الغربي لمنطقتهم، وكذلك إلى الممرضة الفرنسية المتطوعة لمساعدة جرحى الحرب.

تستعيد مشاهد «كذبة بيضا» تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، فتعود بنا إلى الألقاب التي كان يحملها المقاتلون لتكون أسماء تمويهية لهم، مثل: «راسبوتين»، و«أسبيرين»، و«العميد»، و«شاكوش»، إضافة إلى «أزنافور»، وهو الاسم الحركي للشاب «جينو».

كما تستحضر لينا أبيض متاريس الرمل، التي كانت تفصل بين شارع وآخر، وانقطاع التيار الكهربائي والأدوية، وتعيد إلى الذاكرة أسلوب التواصل مع المغتربين اللبنانيين عبر رسائل البريد والتسجيلات الصوتية، التي كانت تُرسل إلى بلاد الاغتراب لتشكِّل، آنذاك، صلة التواصل الوحيدة بين المقيمين والمغتربين.

وكما الانفجارات وأزيز الرصاص المنتشر في الأجواء، نستعرض خسائر الحرب البشرية والمادية. ويتردد في الآذان صوت المذيعة في نبأ إخباري: «مكتب التحرير في خبر جديد». كما يستمع الحضور إلى قصة أحد المقاتلين، وكيف خسر ابنه وزوجته في 26 يونيو (حزيران) عام 1975 على خطوط التماس، فقرَّر الانتقام لهما عبر التحاقه بإحدى الميليشيات، حيث صار يملك سلطة منع أي شخص من دخول منزله والدوس على ذكرياته المحروقة.

تضع المسرحية إصبعها على الجرح عندما يتحدث المقاتلون عن الإحباط، وعن عالمٍ نسي لبنان وتركه يواجه مصيره وحيداً من دون أي مساعدة.

يصدح صوت أنطوني توما بأغنيات السبعينات، منها «لا بوهيم» لشارل أزنافور، و«يسترداي» لفرقة البيتلز، و«Je lui dirai des mots bleus» للمغني الفرنسي كريستوف، موقظاً مشاعر مختلطة لدى الحضور، بعدما أعادهم إلى حقبة أليمة محفورة في ذاكرتهم.

«كذبة بيضا» من تأليف ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض (مسرح مونو)

يبقى شريط الذكريات حاضراً طوال العرض، ويستوقف الجمهور مشهد العمة «ريموند» التي نمَّت موهبة «جينو» عندما كانت تشتري له مجلة «Salut les copains»، فتعود بالذاكرة إلى جيلٍ كان يبني أحلامه الفنية على مجلات فرنسية لمواكبة تطورات الساحة الفنية بطريقته الخاصة.

في «كذبة بيضا»، لا يروي ألكسندر نجار قصة الشاب «جينو» فحسب، بل يفتح الباب على حكايات جيلٍ بأكمله تكسَّرت أحلامه، وبقيت جروح الحرب ندوباً في ذاكرته.

حاول نجار أيضاً تلوين القصة بمواقف مضحكة تخفف من وطأة الأحداث، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على إبراز شعب أتعبته الحروب، فبدا منهكاً وضائعاً بين خيارين لا يقلُّ أحدهما قسوة عن الآخر، ليُقنع نفسه في النهاية بأنه بخير، مكتفياً بما يشبه «كذبة بيضاء» لا أكثر.


 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
TT

 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)

يحتفل المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بمصر بـ«اليوم المصري للفنون الشعبية» عبر فعاليات تحتفي بتوثيق كنوز الفنون الشعبية المصرية على منصات المركز، وبث تسجيلات مرئية لهذه الفنون ومنها: «الأغنية الشعبية المصرية، والرقص الشعبي المصري، وفن الموال الشعبي، والفنون الشعبية في سيوة، وعاشق المدّاحين (عبد الرحمن الشافعي)».

وتأتي هذه الاحتفالية التي تواكب 18 مارس (آذار) في إطار جهود وزارة الثقافة لتأكيد الهوية المصرية، وتم اختيار هذا اليوم للاحتفال بـ«اليوم المصري للفن الشعبي» ليواكب ذكرى ميلاد الفنان الراحل محمود رضا الذي أسس مدرسة رائدة في استلهام الفنون الشعبية وقدمها للعالم عبر «فرقة رضا» وفق بيان للمركز القومي للمسرح.

وتمكنت فرقة رضا من ترسيخ حضورها في الفن الشعبي المصري من خلال مجموعة كبيرة من الرقصات والأغاني الشعبية المستوحاة من حياة المصريين في الدلتا والصعيد والساحل والصحراء، وشاركت الفرقة في مجموعة من المهرجانات الفنية خارج مصر، كما شاركت في عدد من الأفلام السينمائية مثل «أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة» و«وا إسلاماه».

ويجسد الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية «قيم الأصالة والتفرد في الثقافة المصرية، ويؤكد أن الفنون الشعبية ليست مجرد تراث محفوظ، بل هي لغة حية تعكس وجدان الأمة وتاريخها المشترك عبر الأجيال. وفق مدير المركز القومي للمسرح المخرج عادل حسان، موضحاً أنه ضمن برنامج الاحتفال باليوم المصري للفن الشعبي، الإعلان عن نتائج مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية، والتي اعتمدها المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح، وتهدف إلى تشجيع البحث العلمي وصون التراث الثقافي. واعتبر حسان هذه المناسبة، وهذا اليوم علامة مضيئة في الذاكرة الوطنية، ورسالة تؤكد أن الفن الشعبي هوية حية تتجدد وإبداع لا ينطفئ.

جانب من استعراضات فرقة رضا (وزارة الثقافة)

وتضم مصر مجموعة من فرق الفنون الشعبية في محافظات مختلفة، بالإضافة إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية، وتبني هذه الفرق استعراضاتها وأغانيها على التراث الشعبي في كل أنحاء مصر عبر بيئاتها المختلفة، ومن الأغاني والاستعراضات المهمة التي اشتهرت بها بعض هذه الفرق «الحجالة» و«المراكبي» و«الأقصر بلدنا» وغيرها من الأعمال.

وسبق أن أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن مشروع لتوثيق تراث فرقة رضا بقيادة سليم سحاب ويشمل المشروع أيضاً إعادة تدوين النوت الموسيقية والبارتيتور لأعمال فرقتي رضا والقومية للفنون الشعبية، وتوزيعها توزيعاً أوركسترالياً حديثاً يوسع من أفقها الصوتي، مع الحفاظ التام على الطابع اللحني والتوزيع الأصلي.

وكان قد تقرر إعادة تسجيل الأغاني والمقطوعات الموسيقية بجودة صوتية عالية وبمرافقة أوركسترا حية، لضمان الحفاظ على الذاكرة السمعية لهذا التراث، إلى جانب تنظيم ورش فنية للعناصر المشاركة تجمع بين الطابع الشعبي والانضباط الأكاديمي، ما يتيح تقديم عروض ترتقي إلى المستوى الدولي.

ومن بين الفنون الشعبية التي يحتفي بها المركز والاحتفالية السنوية باليوم المصري للفنون الشعبية فن الموال الذي برع فيه العديد من المطربين الشعبيين من بينهم محمد عبد المطلب ومحمد طه الملقب بـ«ملك الموال» وحفني أحمد حسن وشفيق جلال ومتقال القناوي.