«مقهى الشابندر» من قلب بغداد إلى الرياض... سفيرُ لقاءات الفنّ والمعرفة

مهرجان «بين ثقافتين» عزَّز محاكاة جوهرة العراق الشهيرة

TT

«مقهى الشابندر» من قلب بغداد إلى الرياض... سفيرُ لقاءات الفنّ والمعرفة

أُنشئ المقهى في بغداد عام 1917 (تصوير: تركي العقيلي)
أُنشئ المقهى في بغداد عام 1917 (تصوير: تركي العقيلي)

بعمره الذي يتجاوز القرن، وشهرته في الآفاق، حضر «مقهى الشابندر» الذي يوصَف برئة بغداد الثقافية، إلى العاصمة السعودية الرياض، ضمن مهرجان «بين ثقافتين» الذي تنظّمه وزارة الثقافة في المملكة بنسخته الثانية، للاحتفاء بعمق العلاقات الثقافية بين البلدين، وتقديم فعاليات تعزّز أواصر التعاون، وتوفّر فرصة لاستكشاف ثراء العلاقة وتبادُل الفنون المشتركة.

وفي محاكاة للمقهى الذي أُنشئ عام 1917، في حين يعود إنشاء مبناه إلى نهاية القرن الـ19؛ حضر على امتداد أيام المهرجان شعراء وأدباء ومثقّفون لإحياء أمسيات أدبية وشعرية وفنّية، استمتع بها الضيوف وروّاد المقهى في الرياض.

ومن نوافذ «مقهى الشابندر»، يطلّ المستمتع بأحاديث السمر والفكر على «شارع المتنبي» في محاكاة للشارع البغدادي الشهير الذي يُجسّد القيمة الثقافية للشاعر أبو الطيب المتنبي في العاصمة العراقية، وتمتدّ على جانبيه أبرز المعالم الثقافية، والأجواء الأدبية الأصيلة عبر متاجر مليئة بالكتب وروح المكان.

أمسيات أدبية وشعرية وفنّية يستمتع بها ضيوف المهرجان (تصوير: تركي العقيلي)

 

يتسامر زوّاره بأحاديث الثقافة والفنّ والشعر والسياسة (تصوير: تركي العقيلي)

ويحتفي المقهى بدوره في إيقاد مشاعل الفكر وإثراء مواسم الثقافة والأدب والمعرفة، من خلال حضوره في ذاكرة العراقيين لعقود؛ ويحتفي بصاحبه محمد الخشالي الذي تسلَّم إدارته عام 1963 بعدما كان مخصّصاً سابقاً لمطبعة الشابندر التي تأسّست عام 1907.

بُني المقهى التاريخي على الطراز المعماري البغدادي الأصيل، ويُعدُّ شاهداً على نمط معماري فريد عرفته العاصمة العراقية في تاريخها. وكان روّاده تاريخياً من كبار موظفي الحكومة، نظراً إلى موقعه المهم في قلب المدينة العتيقة، بالإضافة إلى مختاري بغداد وأجيال من روّاد الثقافة والأدب والفكر العربي.

أمسيات أدبية وشعرية وفنّية يستمتع بها ضيوف المهرجان (تصوير: تركي العقيلي)

 

المقهى جوهرة ثقافية بغدادية (تصوير: تركي العقيلي)

يعود اسم المقهى إلى انتماء أصحابه لعائلة الشابندر؛ وهي عائلة بغدادية قديمة، عُرفت بالغنى والجاه والعمل في التجارة؛ وقد أُطلق على عميد الأسرة، رئيس التجار أو شابندر التجار.

وتشهد جدرانه ومقاعده على تاريخ ارتبط بأحداث بغداد وتحوّلاتها. ويحتوي أرشيفه على صور لوالي بغداد خليل باشا، والملك فيصل الأول، ووزراء في العهد الملكي، إلى جانب أهل الفنّ، منهم الراحلة أم كلثوم.

ويستذكر المتسامرون في «مقهى الشابندر» بالرياض، حكاية الخشالي عندما أعاد إلى المقهى روحه من جديد، بعد الحادثة الإرهابية التي تعرَّض لها عام 2007 في ذروة عصف الصراع الطائفي ببغداد، إذ أودت سيارة مفخَّخة بنحو 68 ضحية، بينهم 4 من أبناء صاحب المقهى وحفيده، لكنّ الخشالي تمكن من إعادة بثّ الروح فيه واستئناف دوره الثقافي وسط شارع المتنبي البغدادي، ولم يبقَ من أثر الحادثة الدموية إلا وصف «مقهى الشهداء» على لوحة الاستقبال.

«شارع المتنبي» في الرياض يُحاكي الشارع البغدادي الشهير في العراق (تصوير: تركي العقيلي)

 

حضر المقهى المعروف برئة بغداد الثقافية إلى العاصمة السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

وظلَّ المقهى التاريخي جوهرة ثقافية بغدادية وواحداً من أشهر الأندية الاجتماعية المهمّة في العاصمة العراقية؛ يتسامر زواره بأحاديث الثقافة والفنّ والشعر والسياسة، ويتردّد عليه عامة الناس والتجار والموظّفون والأدباء.

ويستمرّ مهرجان «بين ثقافتين» الذي أطلقته وزارة الثقافة في الرياض، حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، لإظهار القواسم المشتركة بين الثقافتين السعودية والعراقية عبر أنشطة وفعاليات تُعزّز أواصر التعاون الثقافي بين البلدين، وتوفّر الفرصة لاستكشاف الثقافة العراقية وعلاماتها الإبداعية المميّزة.


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان والشرع يبحثان المستجدات الإقليمية

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقاء سابق مع الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض (واس)

محمد بن سلمان والشرع يبحثان المستجدات الإقليمية

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، مستجدات الأحداث الإقليمية وعدد من القضايا المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث في اتصالات هاتفية التطورات الإقليمية

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في اتصالات هاتفية من نظرائه العراقي والأردني والتركي والإسباني، التطورات الإقليمية، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الفنان السعودي خالد عبد الرحمن في مقدمة الواصلين إلى مقر الحفل (هيئة الترفيه)

روبي ويليامز وكيتي بيري على السجادة الخزامية في الرياض

بدأ نخبة من أكبر نجوم الوطن العربي والعالم التوافد على مقر حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

تتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة.

فاطمة القحطاني (الرياض)
خاص رسم تخيلي لمشروع «دار غلوبال» مع منظمة ترمب في الدرعية بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط) play-circle 03:04

خاص رئيس «دار غلوبال»: السعودية سوق عقارية جاذبة ومن الأكبر في «العشرين»

قال الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال» العقارية، زياد الشعار، إن السوق السعودية تُعد اليوم من أكبر الأسواق العقارية في دول مجموعة العشرين

مساعد الزياني (الرياض)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.