«دخل الربيع يضحك»... 4 قصص ممتلئة بالحزن لبطلات مغمورات

الفيلم يمثل مصر في المسابقة الرسمية بـ«القاهرة السينمائي»

وصيفات العروس يبتهجن في حفل زفافها بالفيلم (القاهرة السينمائي)
وصيفات العروس يبتهجن في حفل زفافها بالفيلم (القاهرة السينمائي)
TT

«دخل الربيع يضحك»... 4 قصص ممتلئة بالحزن لبطلات مغمورات

وصيفات العروس يبتهجن في حفل زفافها بالفيلم (القاهرة السينمائي)
وصيفات العروس يبتهجن في حفل زفافها بالفيلم (القاهرة السينمائي)

أثار فيلم «دخل الربيع يضحك» الذي يمثّل مصر في المسابقة الدولية بمهرجان «القاهرة السينمائي» في دورته الـ45 من 13 إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، ردوداً واسعة عقب العرض الأول له الذي أقيم، مساء الاثنين، حيث استُقبل بحفاوة كبيرة وسط ضحكات وتصفيق تواصل داخل صالة العرض.

«دخل الربيع يضحك» هو أول الأفلام الطويلة لمخرجته نهى عادل، ويروي 4 قصص قصيرة تنطلق في موسم الربيع، ويتّخذ من رباعية الشاعر الراحل صلاح جاهين «دخل الربيع يضحك لقاني حزين» عنواناً ومنطلقاً لأحداثه.

بطلات الفيلم اللواتي اصطففن على المسرح بوصفهنّ أكبر فريق عمل لفيلم بالمهرجان، اختارتهن المخرجة من غير المحترفات لكنهن تمتعن بـ«تلقائية ومصداقية مدهشة في الأداء»، وفق نقاد.

صورة جماعية لأبطال الفيلم المصري (القاهرة السينمائي)

تقدّم المخرجة 4 حكايات بين الغضب والأحزان والدّموع المخفيّة وسط ضحكات بطلاته الظاهرة خلال فصل الربيع، لكن مع بداية ذبول الأزهار يأتي الخريف ليختتم القصص بشكل غير متوقع.

ترصد الحكايات قصصاً عن النساء، لتكشف عن علاقات تبدأ وردية ضاحكة مفعمة بالثقة والأمل، ومن ثَمّ تنقلب لمعركة مفاجئة بين أطرافها، يكشف فيها كلّ طرف أسرارَ الآخر المخفية، كما في الحكاية الأولى التي تجمع بين أم وابنتها وفي ضيافتهما جارهما المُسن ونجله، وفي الخلفية ينطلق صوت عبد الحليم حافظ في حفل الربيع، وتسود أحاديث ودّية بينهم، وما أن يُعلن الابن عن رغبة والده الكهل في الزواج من الأم، حتى تنطلق الابنة في هجوم حاد عليهم، وتعلو الأصوات، وتتبادل الاتهامات المخزية.

وبينما تحتفل مجموعة من الصديقات بعيد ميلاد إحداهن، تنقلب الحكاية الثانية نتيجة سوء فهم يكشف زيف الصداقة بينهن، ويفضح رأي كل واحدة منهن في الأخرى، وتتحول السعادة إلى حزن، وهكذا تتكرر النهايات الحزينة بصورٍ مختلفة في قصة تجري أحداثها خلال حفل زفاف، ورابعة تدور أحداثها داخل صالون تجميل.

تعتمد كل قصة على التصوير داخل «لوكيشن» واحدٍ، عبر لقطات مقرّبة تكشف كثيراً مما أخفته الوجوه.

ملصق الفيلم (القاهرة السينمائي)

ويرى الناقد رامي المتولي أن الفيلم يواجه خيارات صعبة وتفاصيل كثيرة ركّزت عليها المخرجة بأسلوب خاص بها حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن اللقطات القريبة تكون مصدر اهتمام كبيراً لأنها تتطلب تعبيرات في الوجه.

وعَدّ المتولي لجوء المخرجة للاستعانة بممثلات غير محترفات خياراً مهماً أسهم في خلق حالة تواصل مع الجمهور وفي تصديقه لهنّ، مشيداً بالمستوى الفني للفيلم والسيناريو الذي كتبته المخرجة بإحكام بوصفه فيلماً طويلاً يطرح 4 قصص، وكان لترتيب وضعهم دلالات مهمة، لتؤكد أن الإنسان عندما يتأزم ومهما كانت ثقافته سيتصرف بطريقة أبطالها نفسها.

سيلفي للصديقات قبل تبادل الاتهامات ضمن أحداث الفيلم (القاهرة السينمائي)

واستعانت المخرجة بأغنيات عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وليلى مراد في خلفية مشاهد القصص الأربع، وأهدت لهم الفيلم كما أهدته لسعاد حسني وصلاح جاهين.

وأثبتت نهى عادل مخرجة الفيلم التي سبق أن قدّمت فيلمين قصيرين «مارشيدير»، و«حدث ذات مرة على القهوة» قدرتها على إدارة هذا العدد الكبير من الممثلين غير المحترفين بفيلمها الجديد «دخل الربيع يضحك»، وكشفت في تصريحات صحافية أن هذه القصص ظلت تطاردها منذ عام 2019 .

وأكدت تأثير الربيع العميق على رؤيتها؛ إذ تعدّه موسماً من التناقضات القاسية والحقائق والأسرار الخفية، وأنه كان وراء إلهامها في كتابة الفيلم، مشيرة إلى أنها تُقدّم حكايات فريدة شهدتها، وسمعت ببعضها، وربما كانت جزءاً من نفسها، عبر قصص النساء اللاتي التُقطت من منظور معقّد ومربكٍ.

وصيفات العروس يبتهجن في حفل زفافها بالفيلم (القاهرة السينمائي)

الفيلم من إنتاج المخرجة كوثر يونس وأحمد يوسف، وذكرت يونس عبر تصريحات لها سعيها لتوفير منصة للأصوات النسائية وعدم تهميش أصواتهن في عالم غالباً ما يتجاهلهن، مؤكدة أن الفيلم يُزيل التّوقعات المجتمعية ليكشف عن التعقيدات الخفيّة، متحدياً مفاهيمنا عن السعادة، ويلتقط خيطاً مشتركاً من الضّعف والتناقض يوحدنا جميعاً، متطلّعة لمساهمة الفيلم في خلق مجتمع أكثر تعاطفاً وشمولاً.

وعَدّ الناقد طارق الشناوي الفيلم اختياراً موفقاً من المهرجان في ظل ندرة الأفلام الجيدة، مؤكداً أنه عرضٌ جديرٌ بتمثيل مصر، وقد وصفه بـ«آخر مرحلة في الحداثة» حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بصدد مخرجة قرّرت أن تقدّم الصّعب فنياً، باختيار أبطالها من هواة التمثيل حتى لو كان لبعضهم تجارب مسبقة، لا ينفي كونهم هواة، لذا منحتهن هامشاً مقنناً من العفوية».

صُنّاع الفيلم في لقطة جماعية (القاهرة السينمائي)

ويشير الشناوي إلى أن القصص القصيرة يضمّها عنوان واحد يُعطي خطاً عاماً للمخرجة لتلتزم به، لكنه في النهاية يُعدّ فيلماً طويلاً؛ لأن الحكايات لها عمق واحد، وقد نجحت المخرجة المؤلفة في الحفاظ عليه كما الحفاظ على إطار خاص لكل قصة.

ويلفت الشناوي إلى أن «الفيلم قد يواجه مشكلة عند عرضه حيث اعتاد المشاهد المصري أن يذهب للنجوم الذين يعرفهم، وإذا تغاضى عن ذلك فسينتظر لكل حكاية نهاية محدّدة، وهو ما لا يحققه الفيلم».


مقالات ذات صلة

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن (مهرجان مالمو للسينما العربية)

عبد الله المحيسن: والدي اعترف بي فنياً بعد «اغتيال مدينة»

اختار المخرج عبد الله المحيسن أن يكون محامياً للمجتمع، مدافعاً عن قضايا الإنسان من خلال السينما.

أحمد عدلي (مالمو (السويد) )
يوميات الشرق لقطة لأحد مشاهد فيلم «القصص» (الشركة المنتجة)

منتجون مصريون يتراجعون عن عرض أفلامهم في ظل «الإغلاق المبكر»

بفعل تداعيات قرار «الإغلاق المبكر»؛ تراجع منتجون مصريون عن عرض أفلامهم في صالات العرض في موسم «أعياد الربيع».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق إبراهيم الحساوي يجسد دور الجد في لقطة من فيلم «هوبال» (الشركة المنتجة)

«الفيلم العربي ببرلين» يبرز معاناة مجتمعات عربية في دورته الـ17

تعكس الموضوعات المطروحة الواقع الراهن في المنطقة، بما في ذلك الحروب والتدخلات الإمبريالية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مع حضور قوي للقضية الفلسطينية.

أحمد عدلي (القاهرة)

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.


السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
TT

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)
اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)

من أروقة «بينالي الدرعية» الذي يستنطق التاريخ، إلى منشآت «ديزرت إكس العلا» التي تحاور الطبيعة، ومن صالات العرض في جدة والرياض إلى كبرى المتاحف العالمية؛ يشهد الحراك الفني السعودي قفزات نوعية وضعت الفنان المحلي على خريطة الاهتمام الدولي.

وبينما يحتفي العالم بـ«اليوم العالمي للفن»، في 15 أبريل (نيسان) من كل عام، لتعزيز الوعي بالإبداع والتنوع الثقافي، تشهد السعودية تحولات نوعية في القطاع، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون، وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية، وترسيخ مكانة السعودية منصةً فاعلةً ضمن المشهد الثقافي العالمي.

وقالت دينا أمين في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «اليوم العالمي للفن منصة للاحتفاء بالفنون ودورها الحيوي في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الإبداع في الحياة اليومية».

وأضافت: «يشكِّل هذا اليوم مناسبة للتأمل في أبعاد الفن، بوصفه مساحة للتعبير والتجربة، وعنصراً يسهم في بناء جسور الحوار الثقافي، ويعكس تنوُّع الرؤى والممارسات الفنية».

تقدِّم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي (هيئة الفنون)

آفاق ووعود التجربة السعودية

لم يقتصر تطور المشهد الفني السعودي على مجرد الحضور في المحافل الوطنية والدولية؛ بل بدأ من الجذور، وبوعود تطوير البنية التحتية الثقافية، ومن بينها المجمع الملكي للفنون في مدينة الرياض، وهو الصرح الثقافي المرتقب، ضمن مشروع حديقة الملك سلمان، إضافة إلى دار الأوبرا الملكية في الدرعية، وهي مشروع ثقافي ضخم سيكون مركزاً عالمياً للفنون المسرحية، بتصميم نجدي تقليدي يتسع لـ3500 شخص، مع قاعة رئيسية بألفَي مقعد، ومن المقرر افتتاحها عام 2028.

ومثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في أهم وأبرز المنصات العالمية، واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية للفن في السعودية، ومن ذلك المشاركة في «بينالي فينيسيا» والمعارض المشتركة مع «مركز بومبيدو».

وشهدت السعودية تطوراً في أسواق الفن لديها، ونمو المزادات العالمية (مثل «سوذبيز» و«كريستيز») التي تركز على الفن السعودي الحديث والمعاصر.

التجربة السعودية بدأت من الجذور بوعود تطوير البنية التحتية الثقافية (واس)

وعلى صعيد الفنون التقليدية والتراثية، احتفت السعودية بها قيمةً وفنّاً على حد سواء، وسمَّت عاماً مستقلاً بعام الخط العربي، وآخر بعام الحِرَف اليدوية، وعكست طوال كل عام منها الاعتزاز بهما تراثاً حياً وقيمة فنية عالية.

وكذلك الحال مع الاحتفاء بالفنون الأدائية، التي تضم الموسيقى، والفنون الشعبية، اللذين اختصت هيئتان مستقلتان بتطويرهما وصونهما، وتوسيع دائرة حضورهما عالمياً، إضافة إلى فنون العمارة والتصميم، التي تُوِّجت بميثاق الملك سلمان العمراني، وهو بمثابة أساس استراتيجي للعمران والمستقبل، ومنهجية تصميم تُبرز تاريخ السعودية وثقافتها.

على جانب التمكين والتعليم تسعى السعودية إلى دعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي (واس)

وعلى جانب التمكين والتعليم، يلعب المعهد الملكي للفنون التقليدية و«مسك للفنون» دوراً في صقل المواهب الشابة، قبل أن يُتوَّج هذا المسار بالإعلان عن جامعة الرياض للفنون، التي ستتيح في سبتمبر (أيلول) المقبل التسجيل في تخصصاتها المتعددة التي تدعم صناعة حقبة جديدة في قطاع الفن السعودي.

ويقود كل من: هيئة الفنون البصرية، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وعدد آخر من الهيئات والمؤسسات الثقافية والتراثية، قاطرة تطور المشهد الفني في السعودية.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن الهيئة تواصل من خلال برامجها ومبادراتها دعم وتمكين الممارسات الإبداعية، وتعزيز حضور الفنون في المشهد الثقافي المحلي، بما يسهم في تنمية القطاع الثقافي، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» نحو قطاع ثقافي مزدهر ومؤثر.

وبالتزامن مع هذه المناسبة، تُطلق هيئة الفنون البصرية حملة «ما هو الفن؟» التي تستكشف مفهوم الفن من زوايا متعددة، وتسلِّط الضوء على حضوره في تفاصيل الحياة اليومية، وتدعو إلى توسيع إدراكه، بوصفه تجربة متجددة تتجاوز التعريفات التقليدية.

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

سنوات القفزة النوعية

جاء التطور في قطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي؛ حيث شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة، بوصفها ركيزة للهوية الوطنية، وقطاعاً إنتاجياً فاعلاً في التنمية الشاملة.

وتقدم مؤسسات سعودية مختلفة معارض نوعية، من حيث الأعمال والمشاركات البارزة والوصول العالمي، وعلى رأسها مؤسسة «بينالي الدرعية» التي نظمت نسخاً متعددة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، الذي ضمَّ مئات من الفنانين والفنانات من مختلف دول العالم، وقدَّم طيفاً واسعاً من الوسائط المعاصرة، من الأعمال التركيبية إلى الفيديو والفن المفاهيمي؛ إضافة إلى الأنشطة الفنية والفعاليات النوعية التي تنظمها الهيئة الملكية لمحافظة العلا، لإحياء تاريخ الفن المعاصر، ويشارك فيها نخبة من الفنانين المعاصرين من مختلف مناطق السعودية، وتناولت أعمالهم المفاهيم الشعرية لموضوعاتٍ متنوعة، تشمل الوطن والهوية والانتماء وغيرها، من خلال وسائط متعددة شملت اللوحات والمنحوتات والفيديوهات والتركيبات الفنية.

وبرزت كذلك الفنون المرتبطة بالتقنيات الحديثة، مع تزامن انطلاق مركز الدرعية لفنون المستقبل، الذي تم افتتاح معرضه الأول بعنوان «ينبغي للفن أن يكون اصطناعياً: آفاق الذكاء الاصطناعي في الفنون البصرية».

مثَّل الحضور الدولي للفن السعودي في المنصات العالمية واحداً من مظاهر التحولات الإبداعية في السعودية (هيئة الفنون)

وفي مجال الفنون الضوئية، تُنظِّم مؤسسة «الرياض آرت» فعالية «نور الرياض» التي بلغت نسختها الخامسة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وهي أكبر احتفال للفنون الضوئية في العالم، وشارك في نُسَخها المتعددة فنانون وفنانات محليون ودوليون متخصصون في الفنون الضوئية.

وفي مجال معارض النحت، نظَّمت مؤسسة «الرياض آرت» نُسَخاً متعددة من ملتقى طويق للنحت، وهو تجربة توفر للجميع فرصة عيش رحلة فنية من النحت الحي، من خلال مشاهدة منحوتات مختلفة باستخدام أحجار الغرانيت المحلي من أرض السعودية، وذلك في تأكيد على ارتباط الفن بالبيئة المحلية، ويبدع في نحتها الفنانات والفنانون من دول العالم، مع أبرز فناني النحت من السعودية.

شهدت السعودية دعماً مؤسسياً غير مسبوق للثقافة بوصفها ركيزة للهوية الوطنية (واس)

وحافظت معارض الفنون متعددة الوسائط (تشمل الوسائط الفنية السمعية والبصرية والرقمية المختلطة) على حضورها، مثل معرض صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون في نسخه المتتالية، الذي ينظمه «معهد مسك للفنون» خلال فصل الصيف، ويضم أعمالاً استخدمت وسائط وأساليب تقليدية وحديثة.

كما شهدت السنوات الماضية إدماج الأعمال الفنية في الفضاءات العامة، وذلك في استمرار لتطوير المشهد الحضري والثقافي في الرياض، من خلال برنامج «الرياض آرت» من الهيئة الملكية للرياض، لتصبح هذه الأعمال جزءاً من السرد الثقافي في مدينة الرياض. وتجسد هذه القطع الفنية المعاصرة رحلة لتحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح.


تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
TT

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)
قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من الحكاية التقليدية، لتتقاطع الأسئلة الوجودية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتحول القصص الشخصية إلى مرايا لواقع أوسع، ورغم اختلاف البيئات والخلفيات، فإن المشاريع التي عرضها مخرجوها التقت عند نقطة جوهرية للإنسان الذي يحاول فهم موقعه من التغيرات المحيطة وسط ضغوط الحياة.

وأقيمت النسخة الثانية عشرة من «أيام مالمو لصناعة السينما» ضمن فعاليات الدورة الحالية من المهرجان، وهي المنصة التي تهدف لدعم صناع الأفلام في دول شمال أوروبا، لتعزيز التعاون المشترك بمجال السينما. وعلى مدى 4 أيام جرت مناقشات لتطوير المشاريع السينمائية للأفلام القصيرة والروائية على حد سواء، فيما ضمت المشاريع التي عرضت على لجنة التحكيم 5 أفلام قصيرة و6 مشاريع أفلام روائية طويلة مشتركة الإنتاج بين صناع أفلام عرب وسويديين تم اختيارها من بين 52 طلب مشاركة قدمت من أكثر من 20 دولة.

تنافست الأفلام على منح الدعم التي يقدمها مهرجان مالمو (إدارة المهرجان)

قصص إنسانية متنوعة

في الفيلم السوداني «مكة ليلى» للمخرجة مروة زين، تُستدعى الذاكرة بوصفها مساحة مواجهة مع الذات. البطلة، التي تجد نفسها مجبرة على مغادرة حياتها في المنفى، وتتداخل التجارب الأولى مع القيود الاجتماعية والدينية.

أما الفيلم المصري «عرب المعادي» للمخرجة أيتن أمين، فيبني إيقاعه من داخل الحياة اليومية، حيث يبدو كل شيء عادياً في الظاهر، بينما تتراكم الشكوك تحت السطح، فاختفاء فتاة شابة يتحول إلى شرارة تكشف هشاشة العلاقات داخل الحي، إذ تنتشر الشائعات بسرعة، وتتحول إلى حقيقة بديلة يصدقها الجميع، ومع تصاعد الأحداث، لا يعود السؤال «ماذا حدث؟»، بقدر ما يصبح «من نصدق؟»، في مجتمع يتآكل فيه اليقين لصالح الخوف.

وفي فيلم «في انتظار الجنة» للمخرج المصري محمد صيام، يتخذ السرد مساراً تأملياً، حيث تتراجع الأحداث لصالح الحالة الشعورية، فالشخصيات لا تتحرك بقدر ما تعيش حالة انتظار ممتدة، تتأرجح بين الأمل والانكسار، في واقع لا يمنحها ما تتمناه. أما الفيلم السوداني «عن الحب وقوانين سبتمبر» للمخرج محمد كردفاني، فيأخذ منحى أكثر مباشرة في اشتباكه مع التاريخ، لكن من زاوية إنسانية حميمة، ففي ظل واقع سياسي مشحون، تتشكل العلاقات العاطفية باعتبارها مساحة مقاومة، حيث يحاول الأفراد الحفاظ على إنسانيتهم في مواجهة منظومة قمعية، فالحب بالفيلم ليس مجرد شعور، بل موقف، ومحاولة للتمسك بالحياة.

ويذهب الفيلم الأردني «رقم غير واضح» للمخرج يحيى العبد الله نحو مساحة أكثر تجريداً، حيث يصبح الغموض جزءاً من بنية العالم نفسه، فلا يقدم الفيلم واقعاً يمكن الإمساك به بسهولة، بل يضع شخصياته داخل شبكة من الالتباسات، وتتداخل الحقيقة مع الوهم، وتصبح التفاصيل اليومية محملة بإشارات مقلقة، ليتحول البحث عن اليقين إلى رحلة داخلية، لا تقل تعقيداً عن العالم الخارجي.

أما الفيلم اليمني «المدينة 2008» للمخرج يوسف الصباحي، فيلتقط لحظة دقيقة تسبق التحولات الكبرى، حيث يبدو الواقع مستقراً ظاهرياً، لكنه يحمل في داخله بوادر التصدع، ومن خلال شخصية تبحث عن فرصة جديدة، تتكشف طبقات من الوهم المرتبط بالأمل السريع، سواء في الحب أو الثراء أو الهروب.

شهدت أيام الصناعة حضوراً لافتاً من صناع الأفلام (إدارة المهرجان)

تعزيز للشراكات

وأكد مؤسس ورئيس مهرجان «مالمو» محمد قبلاوي أن إطلاق «أيام الصناعة» جاء من قناعة داخل إدارة المهرجان بضرورة تجاوز فكرة عرض الأفلام فقط، والانتقال إلى موقع أكثر فاعلية في دعم صناعة الأفلام نفسها، فالفكرة انطلقت من الرغبة في أن يكون المهرجان شريكاً حقيقياً في تطوير المشاريع السينمائية، وليس مجرد منصة لعرضها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أيام الصناعة» تطورت مع الوقت لتصبح مساحة متكاملة تجمع بين الدعم المالي والتأهيل المهني وبناء العلاقات، بما يسهم في خلق بيئة حقيقية تساعد على إنتاج أفلام عربية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع.

وقالت مديرة «أيام مالمو لصناعة السينما»، باتول عردات لـ«الشرق الأوسط» إن «نسخة هذا العام جاءت متنوعة في محاولة لتقديم منصة حقيقية تدعم صناع الأفلام وتفتح المجال أمام أصوات وتجارب مختلفة من العالم العربي»، وأضافت أن «البرنامج يقوم على محورين رئيسيين: الأول صندوق الدعم، الذي تم تخصيصه هذا العام لفئتين: الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة؛ والثاني يتمثل في المنتدى، الذي يشمل مجموعة من الندوات والجلسات الحوارية ودراسات الحالة، التي تتيح للمشاركين التعرف على تجارب سابقة لمشاريع انطلقت من المنصة نفسها ونجحت في الوصول إلى الجمهور»، لافتة إلى أن لجنة التحكيم تضم نخبة من المتخصصين في مجالات الإنتاج والتطوير والكتابة، بما يضمن تقييماً متوازناً يجمع بين الرؤية الفنية والخبرة العملية، ويسهم في دعم المشاريع المختارة خلال مراحل تطورها المختلفة.

عاجل انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن