«نوبل الطب» لأميركيين اكتشفا طريقة تنظيم نشاط الجينات

فيكتور أمبروس وغاري رافكن عكفا على تطوير مشروعهما منذ عام 1993

العالم الأميركي غاري رافكن (أ.ب)
العالم الأميركي غاري رافكن (أ.ب)
TT

«نوبل الطب» لأميركيين اكتشفا طريقة تنظيم نشاط الجينات

العالم الأميركي غاري رافكن (أ.ب)
العالم الأميركي غاري رافكن (أ.ب)

أعلنت جمعية «نوبل» في معهد كارولينسكا في ستوكهولم بالسويد، الاثنين، فوز العالمين الأميركيين، فيكتور أمبروس، الأستاذ في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس الأميركية، وغاري رافكن، أستاذ علم الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية في بوسطن، بجائزة «نوبل للفسيولوجيا والطب» لعام 2024، لاكتشافهما «آلية تنظيمية حيوية للغاية تستخدم في الخلايا للتحكم في نشاط الجينات».

وأشادت لجنة «نوبل» في مؤتمر الإعلان عن الجائزة، الاثنين، بـ«الاكتشاف الرائد»، واصفة إياه بأنه «كَشف عن بُعدٍ جديدٍ تماماً لتنظيم الجينات».

وكان فيكتور أمبروس وغاري رافكن مهتمَين بكيفية تطوّر أنواع الخلايا المتخصصة داخل أجسام الكائنات الحية، عندما اكتشفا جزيء «آر إن إيه الميكروي» (microRNA)، وهو فئة جديدة من جزيئات «RNA» الصغيرة التي تؤدي دوراً حاسماً في تنظيم الجينات. إذ أثبتت جزئيات «آر إن إيه الميكروي» أنها مهمة بشكل أساسي لكيفية تطوّر أجسام الكائنات الحية وكيفية القيام بوظائفها.

وقد قُوبل هذا الاكتشاف الذي جرى التوصل إليه عام 1993 بـ«صمت مطبق»، واعتقد بعضهم في البداية، أنه غير ذي صلة بالبشر.

ووفق أولي كامبي، أستاذ الغدد الصّماء في معهد كارولينسكا ونائب رئيس لجنة نوبل للطب، فإن «هذا المجال انفجر بعد اكتشاف أهمية الإنجاز العلمي. والآن، تم التعرف على أكثر من عشرات الآلاف من جزيئات (ميكرو آر إن إيه) في كائنات حية مختلفة».

وأوضح: «غالباً ما يتم تنظيم كل جزيئات الرنا الرسول بواسطة العديد من microRNAs المتميزة، مما يخلق نظاماً قوياً لتنظيم الجينات».

فيكتور أمبروس الحائز على نوبل للطب 2024 (أ.ب)

وأضاف ديفيد بيندلبري، رئيس تحليل الأبحاث في معهد كلاريفيت للمعلومات العلمية، أن كثيرين كانوا يتوقعون منذ سنوات حصول أمبروس ورافكن على جائزة نوبل.

ويساعد تنظيم الجينات بواسطة «microRNA» في تطوّر الكائنات الحية المعقدة بشكل متزايد. وإذا حدث خطأ في تنظيم الجينات، فقد يؤدي ذلك إلى الإصابة بالسرطان وأمراض أخرى موجودة لدى البشر والحيوانات الأخرى، مثل فقدان السّمع واضطرابات الهيكل العظمي.

ومن المعروف الآن أن الجينوم البشري يُشفّر أكثر من ألف جزيء «آر إن إيه ميكروي» للقيام بالعديد من المهام داخل الجسم البشري. إذ تتدفق المعلومات الجينية من الحمض النووي إلى الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA)، عبر عملية تسمى النّسخ، ومن ثَمّ إلى الآلية الخلوية لإنتاج البروتينات. وهناك، تتم ترجمة الحمض النووي الريبي الرسول بحيث تُصنّع البروتينات وفقاً للتعليمات الجينية المخزنة في الحمض النووي.

ويمكن تشبيه المعلومات المخزنة داخل كروموسوماتنا بـ«دليل التعليمات» لجميع الخلايا داخل أجسامنا. إذ تحتوي كل خلية على الكروموسومات الحاملة للجينات نفسها، وبالتالي على مجموعة الجينات نفسها، ومجموعة التعليمات ذاتها بالضبط. ومع ذلك، فإن أنواعاً مختلفة من الخلايا مثل خلايا العضلات والأعصاب لها دائماً خصائص مميزة للغاية.

لقطة من الإعلان عن أسماء الفائزين بنوبل في الطب (أ.ب)

تكمن الإجابة في تنظيم الجينات بأنه يسمح لكل خليّة باختيار التعليمات ذات الصلة به فقط. وهذا يضمن نشاط المجموعة الصحيحة فقط من الجينات في كل نوع من الخلايا. وتعبر هذه الخلايا المختلفة عن مجموعات فريدة من البروتينات عن التنظيم الدقيق لنشاط الجينات، بحيث تكون المجموعة الصحيحة فقط من الجينات نشطة في كل نوعٍ معيّن من الخلايا. وهذا يمكن، على سبيل المثال، في خلايا العضلات، وخلايا الأمعاء، وأنواع مختلفة من الخلايا العصبية عبر أداء وظائفها المتخصصة.

وكان يُعتقد لفترة طويلة أن المبادئ الرئيسية لتنظيم الجينات قد حُلّت. ومع ذلك، في عام 1993، نشر العالمان نتائج بحثية غير متوقعة تصف مستوى جديداً من تنظيم الجينات، الذي تبيّن أنه مهم للغاية ومحفوظ في أجسامنا.

أثناء الاتصال بغاري رافكن (أ.ب)

لم يكن أمبروس ورافكن غريبين أحدهما عن الآخر؛ فقد أجرى الثنائي في أواخر ثمانينات القرن العشرين أبحاث ما بعد الدكتوراه في الوقت نفسه في مختبر روبرت هورفيتز، الذي تقاسم جائزة «نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب» في عام 2002.

في مختبر هورفيتز، درسا دودة أسطوانية صغيرة الحجم يبلغ طولها 1 مم، وهي «سي إليجانس». ورغم صغر حجمها، تمتلك كثيراً من أنواع الخلايا المتخصصة مثل الخلايا العصبية والعضلية الموجودة أيضاً في الحيوانات الأكبر حجماً والأكثر تعقيداً، مما يجعلها نموذجاً مفيداً للتحقيق في كيفية تطوّر الأنسجة ونضجها في الكائنات متعددة الخلايا.

لقد نجح الحائزان على الجائزة في تحديد الجينات المتحوّلة وفهم وظيفتها، وتوصلا إلى مبدأ جديد لتنظيم الجينات، بواسطة نوعٍ غير معروف سابقاً من جزيئات «آر إن إيه RNA». ونشرت النتائج في عام 1993 في مقالين في دورية «سيل» (Cell) الشهيرة.

فيكتور أمبروس (أ.ب)

وقد رحب البروفسور فينكي راماكريشنان، الذي تقاسم جائزة نوبل في الكيمياء عام 2009 لعمله في توضيح بنية جهاز صُنع البروتين في الخلية، كثيراً بالخبر. وقال: «هذه جائزة مُستحقّة للغاية وطال انتظارها، إذ تُظهر أن الحمض النووي الريبوزي الصغير يمكنه تنظيم الجينات التي يُعبّر عنها في أنواع مختلفة من الخلايا. لقد فتحت مجالاً جديداً تماماً في علم الأحياء أصبحت له آثار واسعة النطاق».

وقال توماس بيرلمان، الأمين العام لجمعية نوبل، إن «هذا الاكتشاف الرائد قدّم آلية جديدة وغير متوقعة لتنظيم الجينات»، مضيفاً أن «(الميكرو آر إن إيه) مهم لفهمنا للتّطور الجنيني وعلم وظائف الخلايا والأمراض مثل السرطان».

وقالت جونيلا كارلسون هيديستام، أستاذة علم الأحياء في معهد كارولينسكا، للصحافيين: «هناك الكثير من التجارب الجارية، ليس فقط ضد السرطان ولكن أيضاً ضد أمراض أخرى، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والكلى».

في تصريح لـ«إذاعة السويد العامة»، قال رافكن (72 عاماً)، إنه شعر بالصّدمة عندما تلقى اتصالاً من لجنة الجائزة في الساعات الأولى من صباح الاثنين. وتابع: «إنه أمر عظيم. إنه أمر عظيم. إنه زلزال».

وعلق ضاحكاً: «الكلب مرتبكٌ بسبب الظلام في الخارج، في حين نحن نركض مسرعين في أنحاء المنزل».

وأضاف أنه يتطلع إلى مأدبة نوبل في 10 ديسمبر (كانون الأول) في ستوكهولم، حيث سيتسلّم الفائزون جوائزهم من يد ملك السويد كارل السادس عشر غوستاف.

ولكن لجنة نوبل فشلت في الوصول إلى أمبروس، الذي علم بالخبر من مراسل «إذاعة السويد العامة»، الذي اتصل وأطلعه على الخبر.


مقالات ذات صلة

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

علوم اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

اكتشاف جين جديد يمنح أملاً في مواجهة عيوب القلب الخلقية

في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح فهم أمراض القلب الخِلْقية، توصل باحثون من جامعة تارتو بإستونيا إلى اكتشاف جين جديد لم يكن مرتبطاً سابقاً بأي مرض بشري،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك قد يكون العلماء قد فتحوا الباب أمام طريقة جديدة لإعادة برمجة الجهاز المناعي، بحيث يصبح الجسم قادراً على إنتاج أجسام مضادة قوية ونادرة بشكل دائم، والاستجابة بسرعة أكبر عند التعرض للأمراض (رويترز)

دراسة: الجهاز المناعي يمكن إعادة برمجته لإنتاج أجسام مضادة نادرة

ربما يكون الباحثون قد توصلوا إلى طريقة جديدة لجعل الجسم يصنع البروتينات المفيدة بما في ذلك بعض الأجسام المضادة شديدة الفاعلية التي عادة ما يصعب إنتاجها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)

بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

حسمت دراسة أن غازات النساء أشد رائحةً وتركيزاً، مقابل كميات أكبر لدى الرجال، مما يجعل التأثير متعادلاً عملياً، خصوصاً مع اختلاف السلوكيات اليومية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم "ابن سينا" وكيل ذكي يلخص

من يقرأ الطب اليوم... الطبيب أم الخوارزمية؟

في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي

متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

تحوَّل الذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير، من أداة بحثية في مختبرات التكنولوجيا إلى عنصر متزايد الحضور في غرف التشخيص والعيادات الطبية حول العالم.

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.