مهرجان «تورونتو» مجدّداً على الخريطة بعد نكسة

ما الذي حدث قبل فيلم الافتتاح؟

المخرج ديفيد غوردون غرين والممثل بن ستيلر مع البنات المشاركات معه في فيلم «كسّارات البندق» (أ.ب)
المخرج ديفيد غوردون غرين والممثل بن ستيلر مع البنات المشاركات معه في فيلم «كسّارات البندق» (أ.ب)
TT

مهرجان «تورونتو» مجدّداً على الخريطة بعد نكسة

المخرج ديفيد غوردون غرين والممثل بن ستيلر مع البنات المشاركات معه في فيلم «كسّارات البندق» (أ.ب)
المخرج ديفيد غوردون غرين والممثل بن ستيلر مع البنات المشاركات معه في فيلم «كسّارات البندق» (أ.ب)

كما توقّعنا في المقال الأخير المرسَل من مهرجان «ڤينيسيا»، أُهديت جائزة الأسد الذهبي للمخرج بيدرو ألمادوڤار، عن فيلمه الدرامي «الغرفة المجاورة» (The Room Next Door)، هل وجدت لجنة التحكيم أنه يستحقّها لباعه الطويل، أو لحسنات الفيلم المميّز بموضوع مُعالَج بهدوء وبعاطفة إنسانية؟ هذا لا يمكن البتّ فيه، لكن المحتمل أن تكون الجائزة أُسديت إليه للسببَين معاً.

من فيلم إسكندر قبطي «عطلات سعيدة» (مهرجان «ڤينيسيا»)

فيلم إسكندر قبطي «عطلات سعيدة» نال جائزة أفضل سيناريو، الحكاية المؤلَّفة من 5 مقاطع، كلّ منها تروي جانباً من القصّة الواحدة، المضمون هنا غلب الوسيلة؛ كون الفيلم يبحث عن هويّات فلسطينية وإسرائيلية تعيش في حيفا بهويّتين مختلفتين.

مفاجأة

في حين لن يتوجه ألمادوڤار إلى مهرجان تورونتو الذي انطلق في 5 سبتمبر (أيلول) الحالي (قبل يومين من انتهاء دورة «ڤينيسيا» الـ81)، سيُعرض فيلم إسكندر قبطي في المهرجان الكندي جنباً إلى جنب عدد غير قليل من الأفلام التي شهِدت عروضَها العالمية الأولى في المهرجان الإيطالي، بيد أن الغالبية المعروضة في «تورونتو» هي بدورها أفلام تشهد عروضَها الأولى عالمياً، ومن بينها «كسّارات البندق» (Nutcrackers) لديفيد غوردون غرين، (سبق أن عُرض له أفلام سابقة في «ڤينيسيا»)، الذي كان واحداً من 3 أفلام افتتاح في «تورونتو».

بن ستيلر وبنات شقيقته في «كسّارات البندق» (مهرجان تورونتو)

كانت هناك مفاجأة بانتظار هذا الفيلم، حين تقدّمت قبل نحو رُبع ساعة من بدء عرضه، مجموعة شابّة إلى مقدّمة الصالة، وأخذت تصيح: «تحيا فلسطين»، لم يكن بطل الفيلم بن ستيلر قد وصل بعد، ولا المخرج، ففاتهما هذا الاستقبال، لكن رجال أمن الصالة سارعوا بعد نحو 5 دقائق، وقادوا الشبان والشابات الكنديين إلى خارج الصالة بسلام.

فيلم غرين (الذي شُوهِد بعد 36 ساعة من افتتاحه في عرض ثانٍ)، يسير على فورميلا معهودة، لكنه يتوصّل لنوع من التجديد في زوايا المواقف التقليدية. وهو يدور حول رجل أعمال من مدينة شيكاغو اسمه مايكل (ستيلر)، ويضطرّ لترك كل شيء وراءه والتوجه إلى بلدة في ولاية إيوا؛ للإشراف على انتقال أولاد شقيقته الراحلة إلى عهدة عائلة أخرى. يسبق ذلك تقديم شخصية مايكل بوصفه رجلاً منهمكاً أكثر ممّا يجب في عمله ببيع العقارات، لا روابط عائلية أو التزامات، هذا تمهيد لإظهار اتساع الهوّة بين ما هو عليه وبين ما ينتظره في إيوا.

مشاكله تبدأ من حين وصوله، عندما يجد أن عليه دفع فواتير كبيرة متأخرة وأضرار تسبّب الأولاد بها، وما أن هضم هذا الموقف حتى فوجئ بأن العائلة التي رغبت في استقبال الأولاد تراجعت وما عادت تريدهم، الآن صار لزاماً عليه البقاء ريثما يجد حلاً، وهذا لن يكون أمراً سهلاً.

هذا هو الموقف الذي سيحاول المخرج تطويعه في كوميديا من أحداث متوقعة، من البداية ندرك أن الرجل سيحاول جهده السيطرة على ما لا يستطيع السيطرة عليه، لكنه مع الوقت سينتقل من هذا الوضع إلى آخَر بات معه محبّاً لأولاد شقيقته، ما يكشف عن أن هذا الرابط سيتدخل لجعله إنساناً مختلفاً.

الممثلة ماريان جان باتيست ومايك لي مخرج فيلم «حقائق قاسية» (أ.ب)

ممثلة مبدعة

في العروض الأولى شاهدنا الممثلة الرائعة ماريان جان باتيست في «حقائق قاسية» (Hard Truths)، دراما أفضل شأناً من الفيلم السابق، لا عجب في ذلك؛ لأن المخرج ليس سوى البريطاني مايك لي.

ليس أن باتيست تؤدي دوراً ستعشق النساء تقليدها فيه، على العكس هي هنا صورة نموذجية لامرأة متذمّرة لا تثق بأحد، ولا تعفي أحداً من لسانها، عدائية مع المقرَّبين إليها ومع من لا تعرفهم على حدّ سواء، وما احتاج المخرج إليه هو الاعتماد على أداء الممثلة وحده لكي يمنح المشاهد علاقة حب وكره معاً، وباتيست تؤدي الدور وتبعاته وتحوّلاته ببراعتها المعهودة. وكانت ماريان التحقت بأول فيلم حقّقه مايك لي في حياته المهنية، وهو «لحظات قاتمة» (Bleak Moments) قبل 50 عاماً، وظهرت كذلك في عدد من أفلامه اللاحقة، وكانت دوماً لامعة؛ لأنها ممثلة ممتازة صَغُر دورها أو كَبُر.

من «حقائق قاسية» (مهرجان تورونتو)

هذا الفيلم ليس من أفضل أعمال مايك لي، والتوفيق بين معالجته الرقيقة وبين شخصيّته الغاضبة ليس سهلاً، والغالب هو السبب الذي من أجله يغادر المُشاهد الفيلم وهو بين إعجاب وعكسه، وما يساعد المخرج في مهمّته الصّعبة هذه هو توفيره أسباب فهم لبطلته، يمنحها أعذاراً كون الحياة الاجتماعية اللندنية التي تعيشها لم تمنحها خيارات كافية، ناهيك عن سعادة ما، هذا من دون أن يتحوّل الفيلم إلى دراسة اجتماعية، وهذا هو حال كل أفلامه السابقة من النوع نفسه، حيث الشخصيات هي التي تنضح بالأوضاع حتى وإن لم تتحدّث عنها.

مفاتيح البيانو

ما أن يحُطّ المرء في أرجاء مهرجان تورونتو حتى يُدرك الفرق الكبير بين أيّ مهرجان أوروبي وبين هذا المهرجان، فهناك فروقات مهمّة؛ أولها أن تورونتو مدينة حافلة، مثلها مثل أي عاصمة كبيرة، في حين أن كثيراً من المهرجانات الأوروبية تجعلك تعشق أن تكون في عواصمها، وليس في بلدات مترامية على رأس جبل أو بجانب البحر.

كذلك لا يحفل المهرجان بالجوائز، وليس لديه لجنة تحكيم، بل لديه رهط كبير من الأفلام ولتكن أنت الحكم، ومانِح الجائزة التي تريد، لأيّ فيلم أو لأي مخرج أو ممثل أو سيناريست، هذا يمنح الجمهور والنقاد أشياء أخرى للتفكير غير دخول لعبة الاحتمالات، كذلك يمنح المهرجان الحرية في توجيه عروضه في أقسام قليلة ومحدّدة تعمل كما مفاتيح البيانو.

إنه ليس بحاجة إلى سوق للأفلام كما «كان» و«برلين» على الأخص؛ لأنه هو بنفسه مهرجان ما يُعرَض فيه قابلٌ سريعاً للبيع ودخول دهاليز التسويق، وعلى مدى 11 يوماً هناك مئات العروض لأفلام فنية وأخرى جيدة، لكنها موجَّهة للغالبية من المشاهدين.

الفئتان عادةً ما تُقبلان على «تورونتو» طمعاً في أن تجد منفذاً للسوق الأميركية.

هذا لم يَعُد سهلاً كما في السابق، فمنذ عام ولادة وباء «كورونا» تقهقرت سوق الأفلام الفنية، والأجنبية منها على وجه الخصوص، وبعد سنوات التعافي وجدنا أنّ توجّه الجمهور في الولايات المتحدة وكندا (وحول العالم) عمد إلى التهام المتوفر من أفلام (الكوميكس)، ما جعل الأفلام ذات الهموم الاجتماعية أو سواها تتراجع حتى عن النّطاق المحدود لها قبل 2019.

كيف يمكن لمهرجان آخر مواجهة «تورونتو» عندما يعرض هذا الأخير 38 فيلماً ما بين الساعة الثامنة و35 دقيقة والثانية بعد الظهر، ومن ثَمّ مثل هذا العدد في باقي ساعات اليوم، هذا من دون تعداد العروض المعادة.

في الحقيقة واجه المهرجان في العامين السابقين هبوطاً كان لا بدّ له من تجاوزه العام الحالي عبر الإصرار على تميّزه، والسّعي لاستقبال أفلام تجمع بين أنواع وأصناف ومستويات عدّة، فمن يريد سينما الفن لديه الكثير، ومن يريد سينما الترفيه لديه المزيد ما دام أنها ليست ركيكة القوام أو رديئة.

إن تعدُّد العروض ومستوياتها ميزة أخرى في مهرجان يقع في هذه المدينة الحاوية لكل شيء، وبأسعار أرخص من تلك الأوروبية، والصّفوف الطويلة نفسها مع جمهور ضخم ما زال - مثل معظم السنوات السابقة - يمتدّ من باب الدخول إلى جانب المبنى الكبير، ثم يلتف حوله.

أفلام لا تنتهي، وآخرها يُعرض عند منتصف الليل، ولا تنسَ «السينماتِك» الذي يعرض أفلامه الكلاسيكية بحضور «تورونتو» وقبله وبعده، تلك المؤسسة التي تريد أن تجد مَسكناً بالقرب منها لعام أو أكثر.


مقالات ذات صلة

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

يوميات الشرق عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

كرم مهرجان "مالمو للسينما العربية" بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق فيلم الافتتاح «قبلة كهربائية» (ملف «كان»)

مهرجان «كان» يكشف عن دورته الجديدة ويؤكد: السينما للبشر لا للذكاء الاصطناعي

لن يسمح مهرجان «كان» للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» بمحافظة جدة تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

أعلن الفنان المصري، حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي» عن شراكة إعلامية موسعة مع مجموعة «الصين» للإعلام.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من أفلام المهرجان (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

أعلن مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، الأفلام المشارِكة في دورته العاشرة، المقرر إقامتها في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
TT

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)
عبد الله المحيسن خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

كرم مهرجان رمالمو للسينما العربية» بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر ليكون أول مكرم سعودي في تاريخ المهرجان السينمائي العربي الأبرز بالدول الإسكندنافية، وسط حضور عربي بارز واحتفاء بمسيرة المخرج الرائد.

واحتضنت قاعة «رويال» في مدينة مالمو حفل افتتاح المهرجان بحضور رئيسة بلدية مالمو كاترين شيرنفيلدت يامه التي أكدت أن المهرجان أصبح نقطة التقاء للسينما العربية في أوروبا ليس فقط بسبب الاستمرارية ولكن بجودة الأعمال التي يقدمها المهرجان.

وأضافت أن السينما قادرة علي العبور من دون جوازات سفر أو قيود لنقل العديد من التجارب والحقائق، لافتة إلي أننا بحاجة مهمة للحوار والاستماع وهو ما يقوم به المهرجان.

ووصف رئيس المهرجان، محمد قبلاوي، خلال الحفل رائد السينما السعودية بـ«الضيف المميز» الذي تعكس أفلامه واقع الإنسان وتمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، مؤكداً أن السينما ليست مجرد ترفيه بل وسيلة لبناء الفهم وجسور التواصل بين الناس والثقافات.

وأضاف في كلمته أن المهرجان سيقدم أفلاماً مختلفة وأصواتاً جديدة وقصصاً فريدة من العالم العربي معرباً عن أمله بعدم الاكتفاء بالمشاهدة فقط ولكن أيضاً بالتعرف على بعضنا البعض من خلال السينما.

وعرض المهرجان فيلماً قصيراً عن مسيرة المحيسن الفنية واهتمامه بصناعة السينما منذ صغره مع عرض لقطات مختلفة من مسيرته في مواقع التصوير ومن لقاءاته الإعلامية المختلفة.

وخلال كلمته عقب استلام التكريم تحدث المحيسن عن بداياته السينمائية في المملكة بعد دراسته للفن في لندن، مستعيدا ذكريات تأسيس أول ستوديو في المملكة وتقديم فيلمه راغتيال مدينة».

ومن المقرر أن تشهد فعاليات المهرجان «ماستر كلاس» للمخرج السعودي يتحدث فيه عن مسيرته السينمائية الطويلة بالإضافة إلى عرض فيلمه اغتيال مدينة ضمن برنامج الاحتفاء بمشواره الفني الطويل.

رائد السينما السعودية عبد لله المحيسن مع محمد قبلاوي (إدارة المهرجان)

وأكد الناقد المصري محمد عاطف أن تكريم المحيسن في المهرجان «مهم ومستحق باعتباره واحداً من الرواد الذين أسسوا لحضور حقيقي للسينما الخليجية، ولم يكن مجرد صانع أفلام بل مؤسسة سينمائية قائمة بذاتها وعلى مدار سنوات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المحيسن لعب دوراً بارزاً من خلال شركته التي كانت من بين الجهات الأهم في تقديم كلاسيكيات سينمائية، كما أسهمت في إعادة اكتشاف مواهب منها مواهب مصرية عبر تقديم تجارب مغايرة ومختلفة عما كان سائداً»، مشيرًا إلى أن أولى التجارب في الموسيقى التصويرية للموسيقار عمار الشريعي كانت من خلال التعاون بينه وبين المحيسن الأمر الذي يعكس قدرة المخرج السعودي على اكتشاف الطاقات الجديدة.

وأشار إلى أن وصفه بالرائد لا يأتي فقط لكونه من الأوائل، بل لأنه قدم بالفعل تجارب سينمائية مهمة، على غرار فيلم «اغتيال مدينة» الذي يعد من التجارب السينمائية الوثائقية المبكرة التي مزجت بين السينما وفنون التحريك، في خطوة جريئة تعكس ميله الدائم إلى التجريب وتوسيع حدود الشكل السينمائي، على حد تعبيره.

وقبيل حفل الاستقبال الرسمي في مقر بلدية مالمو، شهد المهرجان عرض الفيلم العراقي «مملكة القصب» للمخرج حسن هادي وهو الفيلم الذي وصل للقائمة المختصرة لجوائز «الأوسكار» في نسخته الماضية.

تدور أحداث الفيلم حول فتاة قدَّمت شخصيتها بطلة الفيلم الممثلة العراقية بنين أحمد نايف، البالغة 11 عاماً، والتي حاولت بكلِّ الطرق الممكنة صنع كعكة لعيد ميلاد الرئيس الراحل صدام حسين، بعدما وقع الاختيار عليها لإتمام هذه المهمة، وسط تحدِّيات وظروف قاسية شهدتها تلك المرحلة، من عقوبات أثَّرت في الناس تحت ضغط واقع صعب في العراق.

ويشهد المهرجان هذا العام عرض 39 فيلماً سينمائياً من 14 دولة عربية منها 22 فيلماً طويلاً و17 فيلماً قصيراً، فيما تنطلق، السبت، فعاليات «أيام مالمو لصناعة السينما» التي تشكل منصة لدعم الإنتاجات الجديدة وتعزيز فرص التعاون بين صناع السينما العرب ونظرائهم في أوروبا.


كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».