فيلم «باك تو بلاك» يلمّع صورة والد إيمي واينهاوس وزوجها

سيرة مشوّشة عن المغنّية الراحلة تسترجع طريقها المسيّج بالوشوم والآلام

فيلم جديد عن مسيرة الفنانة البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس بعنوان «Back to Black» (أ.ب)
فيلم جديد عن مسيرة الفنانة البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس بعنوان «Back to Black» (أ.ب)
TT

فيلم «باك تو بلاك» يلمّع صورة والد إيمي واينهاوس وزوجها

فيلم جديد عن مسيرة الفنانة البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس بعنوان «Back to Black» (أ.ب)
فيلم جديد عن مسيرة الفنانة البريطانية الراحلة إيمي واينهاوس بعنوان «Back to Black» (أ.ب)

انقضى 13 عاماً على رحيل إيمي واينهاوس الدراماتيكي، لكنّ المغنية البريطانية ما زالت تُلهم صنّاع الفن حول العالم. وها هي تعود في فيلم يمتدّ ساعتَين، ويروي جزءاً من سيرتها متّخذاً من علاقتها العاطفية الهدّامة بزوجها السابق زاويةً أساسية.

كيف لا وقصة حب واينهاوس وبليك فيلدر سيفيل، كانت أحد أهمّ الأسباب التي دفعت بالفنانة الشابة إلى هاوية الإدمان ثم الموت مسمومةً بالكحول في صيف 2011؟

لكنّ فيلم «Back to Black» (باك تو بلاك – العودة إلى الأسوَد) للمخرجة سام تايلور سميث والكاتب مات غرينهالغ (بطولة الممثلة ماريزا أبيلا) يهادن سيفيل، كذلك يفعل مع والد إيمي، ميتش واينهاوس، الذي لعب هو الآخر دوراً سلبياً في حياة ابنته.

تبييض صفحة ميتش وبليك

لا يحكي الفيلم الذي انطلق عرضه في الصالات العالمية قبل أسابيع، كيف أنّ ميتش وقف سداً منيعاً في وجه ذهاب إيمي إلى مركز علاج الإدمان، ولا كيف أنه أرغمها على الجولات الغنائية في وقتٍ لم تكن صحّتها النفسية ولا الجسدية تسمحان بذلك، ولا كيف أنه رماها أمام عدسات التلفزيون وهي في إجازة نقاهة بعيداً عن الصحافة.

يكفي تفحّص كواليس الإنتاج ليَبطل العجب من هكذا تجميل مبالغ فيه. يُصوَّر ميتش على أنه الأب المثاليّ، والعطوف، والسند الأول لابنته، لأنّه ببساطة منحَ موافقته المسبقة على تصوير الفيلم؛ هو الذي كان قد هدّد سابقاً بمنع عرض أي سيرة مصوّرة عن إيمي. وهذا يعني أنّه اطّلع على السيناريو وربما وضع ملاحظاته عليه قبل المباشرة بالتصوير.

الممثلان ماريزا أبيلا وإدي مارسان بشخصيتَي إيمي واينهاوس ووالدها ميتش (أ.ب)

من المعروف أنّ جمهور واينهاوس لطالما كرهَ حبيبها وزوجها، خلال حياتها وبعد وفاتها. حمّلَه ذنب إغراقها في الإدمان على المخدّرات، وكذلك إيلامها في الحب. لكنّ الفيلم يقدّم شخصية بليك على قدرٍ عالٍ من الكاريزما وخفّة الظلّ والبراءة، الأمر الذي لم يُعرف عنه في الحقيقة. يعود الفضل في ذلك إلى الأداء الممتاز للممثل جاك أوكونيل، إضافةً إلى النصّ المكتوب خصيصاً من أجل هذا الهدف.

سبق أن صرّحت المخرجة سميث بأنها لم تكن تريد «شيطنة بليك»، كما أكّدت أن ميتش واينهاوس لم يتقاضَ أي مبلغ مقابل منح موافقته على التصوير. لكنّ ذلك لم يهدّئ امتعاض عشّاق إيمي حول العالم. وقد تكون ردّة الفعل تلك مبرَّرة، فتلميع صورة شخصيتَين محوريّتَين في مسيرة المغنية الراحلة، بدا في غير مكانه. صحيح أنّ «Back to Black» لا يدّعي أنه وثائقيّ، لكنه يُكثر من التضخيم الدراميّ.

جمعت واينهاوس قصة حب عاصفة وهدّامة ببليك فيلدر سيفيل (أ.ب)

مرآة إيمي المحطّمة

إضافةً إلى التلاعب بالوقائع، يُلام الفيلم على هفواتٍ أخرى، من بينها تقديم عبقريّة واينهاوس الموسيقية ومحطات مسيرتها القصيرة إنما الحافلة، بشكلٍ مشظّى. وكأنّ المُشاهد أمام أجزاء مبعثرة من مرآة إيمي المحطّمة. تستعجل سميث في عرض لحظات المجد، وهي كثيرة. عارفو إيمي ومُتابعو رحلتها الموسيقية من كثب سيُلاحظون اختلالاً في التسلسل الزمني وسيتوقون إلى المزيد عن الحفلات، وجلسات التسجيل، والتكريمات العالمية.

البديل عن كل ذلك هنا هو تصويب العدسة على إدمان واينهاوس، وعلى هشاشتها، وعلى العلاقة السامّة التي ربطتها بحبيبها بليك. هذا الخيار ظالم في حقّ موهبة واينهاوس الاستثنائية، التي استشهد فيها كبار الفنانين وكرّستها 6 جوائز «غرامي» موسيقية.

يغفل الفيلم محطّات المجد الموسيقي على حساب تصوير هشاشة واينهاوس الإنسانية وإدمانها الكحول والمخدرات (أ.ب)

ماريزا أبيلا تمثيلاً وغناءً

تُخرج الممثلة ماريزا أبيلا كل ما في جعبتها من موهبة في محاولة لإيفاء واينهاوس حقّها. هي، وإن نجحت في ذلك في معظم الأحيان، يبقى تقمّص شخصية إيمي الفريدة مهمّة مستحيلة. وما يجعل المهمة أكثر استحالةً في الفيلم، الاستغناء عن صوت واينهاوس غناءً واستبدال به صوت الممثلة التي تؤدّي الدور. ليس أداء أبيلا الغنائي سيّئاً وهي تحاول جاهدةً استحضار أسلوب إيمي وطبقاتها، لكن هنا كذلك فإنّ المهمة مستحيلة وغير مُقنعة، إذ لا بديل عن صوت إيمي واينهاوس.

أما تمثيلاً، فيبدو الرهان على أبيلا صائباً، لا سيّما في المشاهد التي تُبرز النواحي الإنسانية في شخصية إيمي وحياتها القصيرة. تُجيد البطلة التنقّل بين شخصية الشابّة المهذّبة الجالسة إلى مائدة بيت الوالد عام 2002، والحفيدة العاشقة لجدّتها ومُلهمتها «نان»، التي تؤدّي دورها ببراعة الممثلة المخضرمة ليسلي مانفيل. تعكس أبيلا كذلك صورة إيمي المتمرّدة في العمل، والعارفة منذ بداية الدرب أنّها ليست مشروعاً تجارياً في عالم الموسيقى.

ثمّ تتحوّل إلى امرأةٍ مصابة بسهم الحب وما خلّفه من دمارٍ شامل سلبَها اتّزانها وصحّتها، ولاحقاً بريقَها الفنّي. ينجح الفيلم هنا في نقل صورة إيمي واينهاوس المجرّدة من هالة النجوميّة؛ الضعيفة أمام المخدّرات والكحول وأمام سطوة مشاعرها تجاه بليك. يحطّمان بعضهما بينما عدساتُ المصوّرين النهِمة تلاحقهما في شوارع لندن. تتّسع مساحة الصدق والتجرّد في هكذا مشاهد، حيث لا تجميل لوهن إيمي وأخطائها وجنونها العنيف.

تؤدّي الممثلة ليسلي مانفيل دور جدّة واينهاوس ومُلهمتها (أ.ب)

ذهبت إلى الموت برِجلَيها

كانت إيمي واينهاوس، كلّما أرادت توثيق لحظة محوريّة أو شخصاً مهماً في حياتها، تذهب إلى رسّام الوشم. دمغت جلدها بأسماء جدّتها ووالدها وحبيبها الأوحد بليك. مشت طريقها على إيقاع الآلام والوشوم. فقدت جدّتها بعد صراع مع المرض، ثم خسرت الرجلَين الأهمّ في حياتها بفِعل الخيبات المتتالية.

بعد أن هجرها بليك وتزوّج ورُزق بالمولود الذي لطالما حلمت به إيمي، وبعد أن انطفأ صوتها الجبّار وضاقَ فكرُها اللمّاح، لم يبقَ أمامها سوى الرحيل. لم تنتحر، لكنها ذهبت إلى الموت برجلَيها.

لا يجسّد الفيلم وفاتها سوى برموز وتلميح، هي التي ستبقى لغزاً فنياً وإنسانياً. ومهما كثُرت الأعمال التي تحاول تشريح حياة إيمي واينهاوس، تبقى هي أفضل من شرح هذا اللغز: «لا أكتب الأغاني لأصير مشهورة بل لأنني لا أعرف ماذا أفعل إن لم أكتب. عليّ أن أحوّل الأشياء السيئة إلى أشياء جيّدة». وليس إرث واينهاوس الموسيقي سوى إثباتٍ لمقولتها تلك.


مقالات ذات صلة

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

الوتر السادس أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

أحمد سعد لـ«الشرق الأوسط»: سأُحدث ثورة في عالم الألبومات

قال الفنان المصري أحمد سعد إنه يركز في الفترة المقبلة على إحداث ثورة في عالم الألبومات الغنائية، بإطلاق عدد من الألبومات والأشكال الغنائية المختلفة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق سيلين ديون تُصدر أغنية جديدة بعد 7 سنوات على آخر ألبوماتها (حساب الفنانة على إكس)

سيلين ديون ترقص فوق الهاوية والقمم وتنتشل جان جاك غولدمان من عُزلته

أغنية جديدة للفنانة الكنَديّة بعنوان «هيّا نرقص»، استعداداً لعودتها الجماهيريّة في الخريف المقبل ضمن مجموعة حفلات في باريس.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عمرو دياب (حسابه على إنستغرام)

الألبومات الغنائية لفرض نفسها في موسم الصيف بمصر

تشهد سوق الأغنية المصرية انتعاشاً لافتاً خلال موسم الصيف المقبل، في ظل استعداد عدد كبير من نجوم الغناء لطرح أعمالهم الغنائية الجديدة.

محمود إبراهيم (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.