معرض «أعمال على الورق» أفلام قصيرة بريشة منصور الهبر

يرسمها بلحظتها فتعكس حقيقتها

الأكليريك كما قلم الرصاص و«الميكسد ميديا» يستخدمها الهبر في لوحاته (الشرق الأوسط)
الأكليريك كما قلم الرصاص و«الميكسد ميديا» يستخدمها الهبر في لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

معرض «أعمال على الورق» أفلام قصيرة بريشة منصور الهبر

الأكليريك كما قلم الرصاص و«الميكسد ميديا» يستخدمها الهبر في لوحاته (الشرق الأوسط)
الأكليريك كما قلم الرصاص و«الميكسد ميديا» يستخدمها الهبر في لوحاته (الشرق الأوسط)

واقع زمني محدد يتمثل بلحظة حدوثه ينقله الفنان التشكيلي منصور الهبر على أوراق تؤلف لوحاته. معرضه «أعمال على الورق» في غاليري «أرت أون 56» تطبعه مشهدية طفولية. أوراقه المعلقة بواسطة دبابيس (ملاقط) منمنمة تعكس هذا الشعور عند مشاهدها. فهي تشبه إلى حدّ كبير أولى محاولات رسم عند شخص ما. يخيل لناظرها أنها مجرد خربشات مصنوعة بتقنية الباستيل والفحم والأكليريك و«الميكسد ميديا». فهي بمثابة سلسلة درامية تحمل كل قطعة منها موضوعاً محدداً. المرأة تتقدمها، وزحمة الناس تسودها. الوحدة كما العزلة وتسالي الحياة تلونها. كل لوحة منها تنقل أسلوب الهبر الفني على طريقته. «إنها غير مقيّدة بالمنطق العادي»، يوضح منصور الهبر لـ«الشرق الأوسط». ويتابع: «المنطق العادي لا يصنع الفن، فهو برأيي يجب أن يتجاوز الرؤية العامة العادية».

موضوعات مختلفة يتناولها منصور الهبر في لوحاته (الشرق الأوسط)

حالات مختلفة من مشاعر الحب والغضب والفرح والفكر والاسترخاء وغيرها تبرز في لوحاته. لم يشأ أن يعنونها أو يقيّدها باسم ما. فترك لزائر المعرض مساحة من الحرية كي يسميها. كل ورقة من أوراق معرضه تترجم تصرفاً أو حالة قد يمر بها أي منّا. فنتفرّج عليها كمن يقلّب في دفتر ذكرياته الشخصية.

وجوه كثيرة تبرز فيها مرات، فيما تطل وقفة مع الذات مرات أخرى. ويعلق: «لا أستطيع التفريق بين لوحة وأخرى. جميعها أحبّها رسمتها بشغف الفنان وتعنيني بكل تفصيل فيها. وزّعتها في المعرض معلقة بـ«ملاقط» كمن ينشر غسيله. فهي خلطة مشاعر وأفكار يومية مررت بها. وأهم ما فيها هو صدقها، ولا حاجز زجاجياً بينها وبين ناظرها، فتلامسه من دون استئذان وبسهولة».

الورق الذي يستخدمه منصور الهبر من النوع الصلب والمحمي، بحيث لا يتأثر بعوامل الزمن. وغالبيتها رسمها بقلم الرصاص الذي يسهل التعامل معه كما يقول. «إنه المادة التي ترافقنا منذ نعومة أظافرنا. وأول قلم نمسكه بأناملنا كي نتعلم الكتابة أو الرسم، فيحمل كل الصدق والوضوح كما براعم أفكارنا في طفولتنا».

بعض رسومه نفذها وهو يجلس في مقهى وبينها ما استوحاها من جلسة على الشاطئ. ويقدّم عدداً منها كضيوف يزورونه في منزله. وكذلك كـ«موديل» يرسمه طلاب جامعيون فيرسمهم بدوره، ناقلاً تجاربه الجامعية والحياتية في رسومه يولد هذا التفاعل المباشر بين اللوحة الورق ونظرة مشاهدها. فمنصور الهبر هو أستاذ رسم في جامعة «ألبا»، وله تجارب سابقة في معارض محلية وعالمية. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنها أسلوب تدوين من نوع آخر تقوم على قاعدة الـ(أنا) الداخلية والآخر في المقلب الخارجي. أذهب عنده وأزوره بريشتي. وهؤلاء الناس يبادلونني الزيارات، فيولد هذا المزيج من المشاعر ليؤلف موضوعات لوحاتي».

«أعمال على الورق» في غاليري «أرت أون 56» (الشرق الأوسط)

في حالات الغضب والحزن يركن الهبر إلى ألوان قاتمة كي يعزز هذه المشهدية. «أستخدم الألوان التي تناسب حالة تأمل ساكنة تلبسني. فالألوان عند الرسام هي مرآة بحد ذاتها. تعكس الحالة التي تتحكم بريشته. ولذلك ترينها زاهية فرحة وتنبض بالحياة حيناً، قاتمة وتميل نحو حالة حزن حيناً آخر».

يشبّه منصور الهبر نفسه بالمقاتل المستعد دائماً للانقضاض على ضحيته. «أحمل لوازم الرسم وأدواتي معي أينما حللت، فأكون معها بحالة جهوزية كاملة لترجمة مشهد يلفتني. فما أرسمه ليس تقريراً صحافياً بل مواجهة ساخنة بيني وبين الآخر».

وزّع منصور الهبر لوحاته مجموعات تتصل ببعضها البعض من حيث قالبها الفني، وتنفصل بشكل تام بفعل موضوعاتها. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنها بمثابة أفلام قصيرة تحكي في 5 أو 6 رسمات موضوعاً ما. وكل منها تتميز بألوانها وخطوطها، فتغيب عنها فوضى الألوان لتذهب إلى منحى تلك المختارة بدقة».

تتضمن لوحات الهبر كل شاردة وواردة من حياة أي شخص. فهنا تحضر العائلة التي يغيب عنها الحوار ويحضر مكانه «الموبايل». وهناك نرى أحدهم يمسك بكتاب وثانياً يستلقي تحت أشعة الشمس. الطبيعة والحيوانات الأليفة تحضر في لوحات الهبر أيضاً. كما ضجيج الحياة وأجساد تكسّرت بفعل خيبات الأمل. حالات إنسانية تعكس الانفصال عن الذات أو التعمق فيها. ويذكر في بعضها الفلاح والعامل المجتهد والمرأة الوحيدة.

«أعمال على الورق» الذي يجمع حصاد منصور الهبر منذ عام 2016 لغاية عام 2023 تجربة فنية تسودها طبقات متراكمة. تبتعد عن الخيال لتقارب يوميات فنان في أجندة أفلام قصيرة تقدّم عروضها لأول مرة.


مقالات ذات صلة

«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

يوميات الشرق وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)

«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

هذه البورتريهات ليست صوراً تذكارية بالمعنى الحديث، وإنما ارتبطت بالممارسات الجنائزية المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنانة ياسمينا نيستن بين بورتريهات لا تنتهي عند ملامحها (الشرق الأوسط)

«حرّاس الذاكرة» لياسمينا نيستن: كلُّ وجهٍ يحملُ غيابَه

حتى الأيدي تؤدّي دوراً لا يقلّ أهمية عن الوجوه. تبدو أحياناً أكثر صراحةً من العيون...

فاطمة عبد الله (بيروت)
لمسات الموضة ما يُحسب لغاليانو أنه انسحب بأناقة ولم يحاول الالتفاف على ماضيه أو انتقاد معارضيه (أ.ب)

لماذا أُلغي معرضه في متحف الميتروبوليتان؟

كان من المفترض أن معرض الميتروبوليتان السنوي لعام 2027 لحظة تتويج لجون غاليانو، تضيف فيها آنا وينتور، عرابة الموضة، فصلاً لواحدة من أكثر القصص نجاحاً في تاريخ…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)

خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

يبقى خليل رباح حريصاً على تطوير أسلوبه المفاهيمي ومشروعاته الفنية التي تنهل من الواقع الفجّ، بأبسط أشيائه وأوسعها تداولاً...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأمير هاري يقفز بالمظلة وفاءً لوعد لمحارب في الـ102

الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
TT

الأمير هاري يقفز بالمظلة وفاءً لوعد لمحارب في الـ102

الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)

يستعد دوق ساسكس للقفز بالمظلة في سبتمبر (أيلول) لجمع تبرعات لجمعيات خيرية تعنى بالمحاربين القدامى في كندا، والوفاء بوعد قطعه لمحارب سابق في الحرب العالمية الثانية يبلغ 102 عام.

وحسب موقع «بيبول» تبدو عودة الأمير هاري إلى بريطانيا مختلفة هذه المرة، فواحدة من أولى مشاركاته العامة منذ عودته للإقامة في بلاده ستأخذه إلى السماء، في قفزة بالمظلة تجمع بين المغامرة والعمل الخيري، وتحمل في الوقت نفسه معنى شخصياً بالنسبة إلى دوق ساسكس.

ويستعد هاري، 41 عاماً، لتنفيذ القفزة في وقت لاحق من سبتمبر، إلى جانب عدد من المحاربين القدامى، بهدف جمع الأموال لمؤسسات خيرية عسكرية كندية، والوفاء بوعد قطعه لمحارب سابق في الحرب العالمية الثانية.

وتعود القصة إلى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما زار هاري مركز المحاربين القدامى في مستشفى «صنيبروك» بمدينة تورونتو، والتقى إد مارشال، الذي يبلغ 102 عام. وسرعان ما نشأت علاقة ودية بين الرجلين، جمعتهما تجربة الخدمة العسكرية، إلى جانب اهتمامهما بمواصلة خدمة المجتمع بعد انتهاء حياتهما العسكرية.

وكان مارشال، الذي تلقى تدريباً كجندي مظلات خلال الحرب العالمية الثانية، قد تحدث أمام الأمير بفخر عن قفزة خيرية بالمظلة نفذها احتفالاً بعيد ميلاده المائة قبل عامين.

وبحسب مؤسسة «صنيبروك»، ظلت فكرة القفزة حاضرة في ذهن هاري ومارشال، قبل أن يضعا معاً خطة لتنفيذ قفزة جديدة.

لكن مارشال لن يتمكن من المشاركة هذه المرة، فيما سيمثل حفيده بيلي العائلة إلى جانب دوق ساسكس. ولم يُكشف بعد عن مكان القفزة أو موعدها الدقيق، سوى أنها ستجرى في وقت لاحق من سبتمبر.

وستخصص عائدات القفزة لمؤسسة «صنيبروك»، ومؤسسة «ترو باتريوت لاف» (True Patriot Love Foundation)، اللتين تدعمان المحاربين القدامى وأفراد القوات المسلحة في كندا.


كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الدنماركية كاميل بيلدسو إنّ فكرة فيلمها الوثائقي «إذا جاء الحظ» بدأت من منظّمة «السيرك المتنقّل المصغَّر للأطفال»، التي أسّسها رجل إيراني وامرأة دنماركية اضطرا إلى مغادرة أفغانستان بعد عودة حركة «طالبان» إلى السلطة. وأشارت إلى أنّ مؤسّسَي المنظّمة تواصلا مع الشركة المنتجة للعمل، وأكدا أهمية أن يتولّى أحد رواية ما سيحدث في أفغانستان، فتواصلت الشركة معها، خصوصاً أنها سبق أن قدّمت فيلماً عن سيرك في فلسطين، ممّا جعل المشروع منطقياً في ضوء تجربتها السابقة.

وأضافت كاميل بيلدسو، في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط»، أنها عندما ذهبت إلى أفغانستان للمرّة الأولى أدركت أهمية رواية هذه القصة، مشيرةً إلى أنها وقعت في حبّ البلد والأطفال الذين التقتهم، والذين كانت تنتظرهم، وفق تعبيرها، رحلة صعبة.

أضاءت المخرجة على حياة الأطفال (الشركة المنتجة)

وتدور قصة «إذا جاء الحظ»، الذي عُرض في عدد من المهرجانات، أحدثها مهرجان «لوكارنو السينمائي» في سويسرا، حول «زهراء» و«زلجاي»، اللذَيْن كانا يبلغان 12 عاماً، ويجمعهما حبّ المدرسة والصداقة والسيرك الذي ينتميان إليه في كابل، قبل أن يتباعدا مع دخولهما مرحلة المراهقة.

ومع بلوغ «زهراء» 14 عاماً، تواجه قيوداً مضاعفة على حرّيتها وتعليمها بكونها فتاة، في حين يواجه «زلجاي» ضغوطاً مختلفة عندما يمرض والده، إذ يصبح مطالباً بتحمّل مسؤولية الأسرة والعمل لإعالتها. ومن خلال الطفلَين، يتابع الفيلم كيف يفرض المجتمع أدواراً وضغوطاً مختلفة على الفتيات والفتيان، في حين يظلّ السيرك مساحة نادرة للعب والحرّية والأحلام.

وأوضحت المخرجة الدنماركية أنّ اختيارها تقديم أفغانستان من خلال عيون صغيرَيْن جاء لأنها رأت أنّ الحديث عن حياة النساء في البلاد ومعاناتهن تحت حكم «طالبان»، خصوصاً ارتداء البرقع والبقاء في المنزل، يحظى بحضور أكبر، في حين لا تُروى قصص الأطفال بالقدر نفسه. وأشارت إلى أنها أرادت أن تحكي القصة من منظور الطفل، فلا يصبح الفيلم عملاً عن الحرب أو نسخة أخرى من الصورة التي تظهر بها أفغانستان عادة في وسائل الإعلام، وإنما فيلم عن اللعب والضحك والأمل والألوان والصداقة، وهي أشياء تنتمي إلى حياة الأطفال أياً كان البلد الذي يعيشون فيه.

وأضافت أنها عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة. وأوضحت أنها لم تكن تريد تقديم الأمر على أنه منافسة بين الجنسين لمعرفة مَن يعاني أكثر، وإنما إظهار صعوبة الطريق أمام الطرفَين، مشيرةً إلى أن «الفتيان، خصوصاً، يضطرون إلى العمل في سنّ مبكرة، ويتحمّلون مسؤولية إعالة أسرهم، ويواجهون ضغوطاً هائلة».

وأوضحت بيلدسو أنّ بناء الثقة مع الصغيرَيْن تطلب منها قضاء وقت طويل معهما بعيداً عن التصوير، إذ كانت تلعب معهما وتتشارك معهما الطعام، وتقضي الوقت في الحديث والتعارف من دون تشغيل الكاميرا. وأشارت إلى أن من أهم مبادئها في صناعة الأفلام «التأكد في كلّ مرة من أنّ المشاركين يشعرون بالراحة تجاه التصوير، ولذلك إذا لم يرغب الصغيران في التصوير في يوم معيّن، لم يكن الفريق يصور في ذلك اليوم»، وفق قولها.

وأضافت أنّ «مَنْحهما حقّ الاختيار والسيطرة على توقيت التصوير ساعد على بناء الثقة، لأنهما كانا يعرفان أنها لا تريد تجاوز حدودهما»، مؤكدة أن ذلك بالغ الأهمية في صناعة الأفلام الوثائقية.

وتابعت أنّ العلاقة معهما لم تتوقّف عندما كانت تغادر أفغانستان عائدة إلى الدنمارك، موضحةً أنها ظلّت على اتصال بهما عبر الهاتف خلال مراحل وجودها خارج البلاد، وكانت ترسل إليهما صوراً من حياتها وتحافظ على التواصل معهما، ليعرفا أنها تهتم بهما.

عُرض الفيلم في عدد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

وقالت بيلدسو إنّ العمل في أفغانستان معقّد جداً، خصوصاً وسط القيود التي كانت تتغيّر باستمرار، إذ كانت كل زيارة إلى البلاد تحمل قيوداً جديدة، ما فرض عليها وعلى فريقها التعامل بمرونة والعمل بما هو متاح.

وأوضحت أنهم كانوا يريدون التصوير مدّةً أطول، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، ممّا جعل الفيلم يأخذ شكلاً يُشبه العد التنازلي من عمر 12 عاماً إلى 14 عاماً. ورأت أنّ هذه الظروف أصبحت، بطريقة ما، إحدى نقاط قوة الفيلم، لأن جزءاً من بنيته جاء نتيجة القيود المفروضة على التصوير.

وشدَّدت على حرصها على الابتعاد عن الصور النمطية، موضحةً أن صناع الأفلام الغربيين، عندما يقدّمون أفلاماً عن دول في الشرق الأوسط أو آسيا، يميلون أحياناً إلى تصوير كثير من النساء بالحجاب أو استخدام موسيقى تبدو «غريبة» أو «شرقية» بالنسبة إلى المتلقّي الغربي. وأكدت أنها لم ترغب في إعادة إنتاج هذه الصور، كما لم تكن تريد الإكثار من مشاهد الصلاة، لأنها أيضاً من العناصر التي تتكرّر كثيراً في الأفلام التي تتناول الدول العربية.

وأوضحت أنها أرادت تقديم أفغانستان بطريقة مختلفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وعي دائم بأنها غربية وليست أفغانية، وأنها ترى الأشياء بطريقة مختلفة وتتمتّع بامتيازات لا يتمتع بها الأشخاص الذين تصور حياتهم، معتبرة أنّ هذا الوعي كان ضرورياً في صناعة الفيلم.

وقالت بيلدسو إنّ «تحقيق التوازن بين الأمل والواقع كان من أكثر الأمور التي شغلت الفريق خلال صناعة الفيلم»، موضحةً أن قدرة الأطفال على العثور على السعادة والذهاب إلى السيرك تعكس وجود الأمل في هذا البلد. لكنها كانت حريصة أيضاً على إظهار أنّ «زهراء» ستبقى في المنزل، لأن ذلك هو الواقع الذي تعيشه، مؤكدة أنها لم تكن تريد تقديم صورة غير واقعية عما يحدث، لأن ذلك سيكون، في رأيها، مسيئاً للنساء والفتيات والأطفال في أفغانستان.

ووصفت ردود الفعل على الفيلم بأنها «كانت رائعة»، وقالت إن إحدى الشهادات التي أسعدتها جاءت من امرأة أفغانية-دنماركية تعيش في الدنمارك، وشاهدته خلال عرضه في كوبنهاغن. وأشارت إلى أن المرأة أخبرتها بأن الفيلم كان بمثابة هدية لها، لأنه منحها فرصة لإظهار بلدها لأطفالها الذين لم يسبق لهم الذهاب إلى أفغانستان.


«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
TT

«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)

تحت عنوان «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»، تقيم مصر معرضاً أثرياً مؤقتاً بمتحف آراباسيس في مدينة روما بإيطاليا، من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 حتى 2 مايو (أيار) 2027، لتعاود الوجوه المصرية القديمة، المعروفة ببورتريهات الفيوم، الظهور بإطلالة جديدة في العاصمة الإيطالية.

وأعلن مجلس الوزراء المصري، في بيان، موافقته على إقامة المعرض الدولي، المقرّر أن يضم 40 قطعة أثرية، بناءً على طلب الجهة المنظِّمة، تشمل 36 قطعة من مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة، وقطعتَين من مقتنيات متحف الغردقة، وقطعة من مقتنيات متحف آثار مكتبة الإسكندرية، وأخرى من مقتنيات متحف كوم أوشيم بالفيوم.

وتراهن مصر على المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج للترويج السياحي والتعريف بالحضارة المصرية القديمة. وشهدت هذه المعارض إقبالاً لافتاً خلال المدّة الماضية، من بينها معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في العاصمة البريطانية لندن، الذي استقبل نحو 68 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي.

إحدى لوحات وجوه الفيوم الجنائزية (يوتيوب)

كما استقبل معرض «كنوز الفراعنة» في العاصمة الإيطالية روما نحو 322 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما استقطب معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية»، المُقام في هونغ كونغ، نحو 345 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر الماضي.

ويرى عالم الآثار المصري، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أنّ «بورتريهات الفيوم من أكثر الفنون المصرية القديمة قدرةً على مخاطبة الإنسان المعاصر، لأنها لا تقدم إلينا مجرّد آثار، وإنما وجوه لأشخاص عاشوا في مصر قبل نحو ألفَي عام، ولا تزال عيونهم تنظر إلينا حتى اليوم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هذه البورتريهات أعمال نشأت في مصر خلال العصر الروماني، عند نقطة التقاء التقاليد المصرية القديمة مع الفنون اليونانية والرومانية، ولذلك تحمل داخلها قصة مجتمع مصري متنوّع ومتعدّد الثقافة».

ويرى عبد البصير أنّ «إقامة معرض مؤقت في روما يضم نحو 40 قطعة تمثّل فرصة مهمّة لإعادة تقديم هذه الوجوه المصرية القديمة أمام الجمهور الإيطالي والعالمي من زاوية جديدة. والأهم أنّ مشاركة متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية بقطعتين في هذا المعرض تؤكد قيمة مقتنيات المتحف ودوره في التعريف بالتراث المصري وإتاحته للحوار الثقافي الدولي»، وفق تعبيره.

وتُعدّ بورتريهات الفيوم «أحد أروع ما قدمه الفنّ المصري القديم في العصر الروماني. بدأت هذه اللوحات الجنائزية الفريدة في الظهور مع مطلع القرن الأول الميلادي، لتمثّل تحوّلاً ثورياً في الطقوس المصرية؛ إذ استُبدلت صور واقعية تُوضع فوق وجه المُتوفّى مباشرة بالأقنعة التقليدية، لتكون دليلاً للروح في رحلتها نحو العالم الآخر»، وفق منشور للمتحف المصري.

وجوه مصرية عمرها ألفا عام تطلّ في روما (المتحف المصري)

ويوضح عبد البصير أنّ «هذه البورتريهات تملك خصوصية شديدة؛ فهي ليست صوراً تذكارية بالمعنى الحديث، وإنما ارتبطت بالممارسات الجنائزية المصرية. ومع ذلك، فإنّ واقعيتها الشديدة تجعل المسافة بيننا وبين أصحابها تكاد تختفي. ننظر إلى امرأة أو رجل أو طفل عاش في مصر منذ قرون طويلة، فنشعر للحظة أننا أمام شخص يمكن أن نقابله اليوم».

ويتابع: «من هنا تأتي أهمية المعرض في روما. فهو لا يعيد عرض آثار مصرية قديمة فحسب، بل يطرح مجدداً سؤالاً إنسانياً دائماً: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ ربما كانت الإجابة التي تركها لنا أهل الفيوم بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: يبقى الوجه، وتبقى الذاكرة، ويبقى الفنّ قادراً على أن يمنح الإنسان حياة أخرى».

Your Premium trial has ended