السعودية تقود جهود تطوير مفهوم المتاحف وإثراء وظيفتها الثقافية

أصلان: التغير المناخي والصراعات السياسية يهددان ثروة المتاحف العربية

من الجلسات العلمية للمؤتمر الدولي بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في القطاع المتحفي (هيئة المتاحف)
من الجلسات العلمية للمؤتمر الدولي بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في القطاع المتحفي (هيئة المتاحف)
TT

السعودية تقود جهود تطوير مفهوم المتاحف وإثراء وظيفتها الثقافية

من الجلسات العلمية للمؤتمر الدولي بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في القطاع المتحفي (هيئة المتاحف)
من الجلسات العلمية للمؤتمر الدولي بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في القطاع المتحفي (هيئة المتاحف)

في إحدى القاعات الكبرى بمدينة الرياض، يلتئم اجتماع دولي هو الأول من نوعه في المنطقة العربية، لتأسيس حقبة جديدة في دور المتاحف وتطوير وظيفتها الثقافية والإثرائية، وتعزيز رحلتها من داخل الحدود والصناديق المصمتة وخزائن حفظ المقتنيات إلى خارج حدود المباني التي أصبح بعضها رثّاً ومهملاً، والبعض الآخر عرضة لمهددات طبيعية وسياسية، تحيق بثروتها الثقافية ومدخراتها التاريخية الثمينة.

المؤتمر الدولي للتعليم والابتكار في المتاحف الذي انطلق السبت في الرياض، استقطب نخبة من المتخصصين والتربويين في مجال المتاحف من مختلف المؤسسات العلمية والتعليمية الرائدة، للمشاركة في بناء هوية جديدة لمفهوم المتاحف وأدوارها، واستكشاف أفضل الممارسات في مجال تعليم المتاحف، ومناقشة دورها المحوري في تعزيز الإبداع والتعلم وتحديد فرص التعاون الدولي.

وقال البروفسور زكي أصلان، المدير السابق للمركز الإقليمي لحفظ التراث الثقافي في الوطن العربي، إن أهمية المؤتمر تأتي من تنظيمه في فترة مهمة من رحلة تطور مفهوم المتاحف، وتغيير تعريف وظيفتها من قبل منظمة المتاحف الدولية، مشيراً إلى أن التركيز على التعليم والابتكار في النسخة الأولى من هذا التجمع الدولي غير المسبوق، مهم في تطوير عمل المتاحف والانتقال بها من داخل أسوارها إلى خارجها، بعد أن كان دورها تقليدياً كمجرد مكان لحفظ القطع والمقتنيات، يفد إليه الزوار لمجرد الاطلاع عليها، بينما يجري تطويرها اليوم لتصبح المتاحف أكثر حيوية وتفاعلية مع المجتمعات المحلية والزوار الذين يقصدونها من كل دول العالم، وذلك لزيادة تعزيز التبادل الثقافي والاطلاع على التجارب الإنسانية المختلفة.

من الجلسات العلمية للمؤتمر الدولي بمشاركة أكاديميين ومتخصصين في القطاع المتحفي (هيئة المتاحف)

من جهته، قال الدكتور عماد خليل، رئيس اللجنة العلمية في «اليونسكو» لاتفاقية 2001، إن السعودية من خلال هذا المؤتمر النوعي، تقود جهود تطوير الفكر العربي بشأن المتاحف ووظيفتها، من مجرد مكان لوضع المقتنيات كما هو شائع، إلى مؤسسة تعليمية واجتماعية شاملة، تفتح أبوابها للجميع، ويتساوى أمام ثروتها الثقافية كل الأفراد والفئات على اختلاف استعدادهم الثقافي والتعليمي.

وكشف خليل في حديث له مع «الشرق الأوسط» أن المنطقة العربية لم تركز تاريخياً على دور المتحف التعليمي، وأن المؤتمر الذي تستضيفه السعودية يركز على هذا الدور لأول مرة في المنطقة العربية، منوهاً بما قدمته هيئة المتاحف السعودية أثناء المؤتمر، من نماذج لما يمكن أن يكون عليه شكل المتحف في المستقبل، وذلك من خلال الاستخدام المبتكر لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، واستخدامات الهلوغرام، والأفلام التسجيلية ثلاثية الأبعاد، بالإضافة إلى محتوى جلسات المؤتمر التي ناقشت سؤال الوظيفة الحيوية التي يمكن أن يقدمها المتحف للمجتمعات المحلية، مؤكداً أن المنتج المتوقع من هذا المؤتمر غير المسبوق، هو تغيير الفكرة العربية عن المتحف ووظيفته الثقافية والاجتماعية، والانتقال بها من مجرد مؤسسات لحفظ المقتنيات إلى منابر تعليمية ومنصة اجتماعية فاعلة.

البروفسور زكي أصلان خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» (هيئة المتاحف)

مهددات تواجه المتاحف العربية

سألت «الشرق الأوسط» البرفسور زكي أصلان الذي أمضى عقدين من الزمن في مراقبة القطاع الثقافي والمتحفي العربي، من خلال موقعه رئيساً للمركز الإقليمي للتراث الثقافي في الوطن العربي، وهو مركز انبثق من منظمة «اليونسكو»، عن المعوقات التي تحول دون تجديد مفهوم ووظيفة المتحف في العالم العربي، فأجاب بأن هناك حزمة من التحديات تهدد وظيفة ودور المتاحف، وربما تهدد بقاءها.

وأضاف أن التحديات الدولية التي يمرّ بها العالم عموماً، كالتغير المناخي على سبيل المثال، تفرض أسئلة من قبيل «كيف تكون المتاحف صديقة للبيئة؟ وعن تصميم المتاحف على أفكار العمارة الخضراء، والتقليل من استخدام الطاقة، وكيف تسهم المتاحف في الوصول إلى الأجندة الدولية في أهداف التنمية المستدامة؟ وأفكار أخرى متعلقة بالمستقبل والتخطيط له، والاستجابة للتغيرات المحيطة بنا من حول العالم».

وأكد رئيس المركز الإقليمي للتراث الثقافي في الوطن العربي أن مفهوم المتحف يجب أن يُنظر إليه من زاوية أوسع، تشمل الجانب المجتمعي والثقافي والتقني، وأن المتاحف يمكن أن تشكّل مكاناً للحوار والتفاعل مع المجتمعات المحلية، وهنا يأتي دور المتحف في جذب الجمهور للتعلم والحوار، إذ لم تعد المتاحف مجرد صناديق لعرض المقتنيات، بل أصبحت ساحات للحوار والتفاعل الثقافي، والاحتفاء بالثقافة المحلية، مستشهداً بالتنوع الواسع الذي تتمتع به السعودية، وضرورة أن توفر المتاحف فرصة للاحتفاء بالتراث الثقافي غير المادي الذي يعبر عن هوية الأمة وتراثها وتجاربها الإنسانية الفريدة.

ودعا أستاذ الجامعة الأميركية في الشارقة إلى أهمية تعزيز دور المتاحف في حماية الموروث الثقافي، الذي يتعرض للتغير ولمخاطر مختلفة، وبالإضافة إلى التغير المناخي الذي قد يتسبب في كوارث طبيعية تهدد المدخرات الثقافية والتاريخية الثمينة في مناطق مختلفة من العالم، منوهاً بوجود تهديدات أخرى مثل سرقة الآثار والتهريب والحروب والصراعات السياسية، التي تتطلب دعم القطاع المتحفي للقيام بدور أكبر في مواجهة هذه الأنواع من المهددات، ومن ذلك بناء شبكة تعاون مع مراكز الشرطة والجمارك وجهات ضبط الحقوق، لحماية مصادر القطع المتحفية، وضمان تتبعها في حال تعرضت للسرقة والتهريب أو التلاعب، مشيراً إلى أن ذلك ينبغي أن يتم في إطار توسيع الشراكات الدولية، على مستوى بناء القدرات للعاملين والمؤسسات العاملة في هذا القطاع، والاستفادة من دور السعودية وتجربتها في هذا المنظور الدولي الأكبر.

نخبة من المتخصصين والتربويين في مجال المتاحف استقطبهم المؤتمر الدولي الذي انطلق السبت بالرياض (هيئة المتاحف)

واقع القطاع المتحفي العربي

وفي جلسة حول مواءمة المتاحف مع العالم المتغير، قال البروفسور زكي أصلان إن هناك تفاوتاً في واقع القطاع المتحفي بين الدول العربية، مرجعاً السبب في ذلك إلى تفاوت الوعي بتطور مفهوم المتاحف وفي دورها وأدائها، ونوه بأن لهذا النوع من المؤتمرات دوراً مهماً في توسيع أفق العاملين بالقطاع المتحفي وتحفيز مهامهم لصون وحفظ التراث والثقافة العربية.

المؤتمر سلط الضوء على تحديات متحفية وتجارب نوعية من العالم (هيئة المتاحف)

ومضى أصلان إلى القول: «لدينا دول عربية سبقت إلى خطوات نوعية، وأخرى لا تزال تعاني من آثار التغير أو الصراعات السياسية التي ثبطت كثيراً من جهود تطوير وتحسين أداء المتاحف، لكن مفهوم المتحف المجتمعي ودوره التثقيفي جديد؛ ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم أجمع، وبالتالي تجد التفاوت حتى خارج المنطقة، مع أهمية أن يستمر العمل على تطوير أداء المتاحف لتجاري هذه التغيرات في القطاع».

وختم أصلان حديثة قائلاً: «لقد اتضح لنا من خلال هذا المؤتمر ريادة السعودية في هذا القطاع، وبأن الجهود التي قامت بها مؤخراً، تعكس مستوى الالتزام والوعي بقيمة القطاع المتحفي، وخلال عملي في المكتب الإقليمي، تابعت تطور القطاع المتحفي في السعودية، ولمست عن كثب اهتمام السعودية بمواكبة التطور فيه، وأرى اليوم حرصاً على بناء توجهات واستراتيجيات مبتكرة لدى المختصين في المملكة، وهي خطوة نثمنها نموذجاً يمكن الاحتذاء به من قبل دول العالم العربي».


مقالات ذات صلة

السعودية تستهدف 72.3 مليون دولار للمنتجات المحلية

الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي (كافد)

السعودية تستهدف 72.3 مليون دولار للمنتجات المحلية

تتجه هيئة المحتوى المحلي السعودية لإضافة 81 منتجاً جديداً إلى القائمة الإلزامية للمنتجات الوطنية، بما تستفيد منها 77 مصنعاً بإنفاق حكومي يبلغ 72.3 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)

تكاليف البناء في السعودية ترتفع 2.3 % خلال أغسطس

كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، اليوم (الثلاثاء)، عن ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية بنسبة 2.3 في المائة خلال أغسطس (آب) 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص التدخل البشري لا يزال ضرورياً في القرارات الحساسة والقطاعات المنظمة (أدوبي)

خاص التحدي المقبل: كيف نفهم قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل منحهم مزيداً من الصلاحيات؟

تبحث المؤسسات عن توازن بين استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، والمخاطر مع استمرار التدخل البشري، وأهمية الرؤية الكاملة للبيانات.

نسيم رمضان (دنفر - الولايات المتحدة)
الخليج «الدفاع المدني» يؤكد أهمية استقاء المعلومات من القنوات الرسمية والالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة (واس)

السعودية تعلن «زوال الخطر» بعد إنذار مبكر في نجران

أعلن الدفاع المدني السعودي، الثلاثاء، زوال الخطر عن منطقة نجران، بعد وقت قصير من إطلاق إنذار عبر المنصة الوطنية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ، للتحذير من خطر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع التنسيقي لوزراء خارجية مجموعة الدول الثماني العربية والإسلامية في نيويورك (واس)

فيصل بن فرحان يبحث في نيويورك تطورات غزة وخفض التوترات الإقليمية

كثّف وزير الخارجية السعودي اجتماعاته ولقاءاته في نيويورك، وتصدّرت تطورات قطاع غزة والتوترات الإقليمية جدول مباحثاته، إلى جانب تعزيز التعاون مع عدد من الدول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.


قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
TT

قردة مدغشقر تُجيد «السوبرانو» وتُسمِع أغنياتها عبر الغابات

في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)
في مدغشقر... للأوبرا مقاعد بين الأغصان (رويترز)

حين يفتح مغنّي الأوبرا فمه عن آخره لبلوغ نغمة عالية، يُحدث تغييراً خفياً في شكل فمه وحنجرته ليصل صوته إلى مدى أبعد. وتكشف بحوث حديثة عن أنّ أحد أكثر حيوانات مدغشقر غرابةً، وهو قرد الليمور المُغرّد، قد يفعل شيئاً مماثلاً في أعالي أشجار الغابات المطيرة.

في الغابات الداكنة شمال شرقي مدغشقر، حيث تحجب الأشجار الكثيفة التواصل البصري لمسافة تتجاوز بضعة أمتار، تعتمد قرود الليمور المعروفة باسم «الإندري» على أغنياتها الشجية للتواصل. وخلص العلماء إلى أنّ هذه الرئيسيات تفتح أفواهها على نحو أوسع حين تُصدر نغمات أعلى طبقة، وهو نمط يتّسق مع تقنية صوتية تُعرف بـ«ضبط الفورمانت».

وقال الباحث فيليبو كاروغاتي، من جامعة تورينو الإيطالية، المؤلف الرئيسي للدراسة التي نقلتها «رويترز» عن دورية «بلوس كومبيوتيشنال بيولوجي»: «تخيّل شكل فمك وحنجرتك على هيئة أنبوب. حين تفتح فمك على نحو أوسع، يتغيّر شكل ذلك الأنبوب، وهذا بدوره يُغيّر التردّدات التي يتردّد صداها بصورة طبيعية، وهو أشبه بما يحدث حين تُطيل أنبوب آلة موسيقية هوائية أو تُقصّره، فتتغيّر النغمة الصادرة عنها».

ويُعزّز هذا التعديل، الذي تلجأ إليه قرود الإندري عند بلوغ نغمات عالية، قوة أصواتها ومداها، تماماً كما يفعل مغنّو الأوبرا المحترفون.

وتأمل الباحثة كيارا دي غريغوريو، من جامعة وارويك في إنجلترا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن يلفت البحث الأنظار إلى هذه القدرة الصوتية، وإلى الحيوان المهدّد بشدة بالانقراض. فقرد الليمور ليس موجوداً في البرّية إلا في مدغشقر، والإندري هو النوع الوحيد المعروف منه بقدرته على الغناء.

وقالت دي غريغوريو: «بينما قد نظنّ أننا البشر الوحيدون الذين يمتلكون أصوات سوبرانو قادرة على أداء أغنيات بهذا التعقيد، ثمة مغنٍّ استثنائي آخر في الغابة، يُغنّي ويتواصل ويحاول ببساطة البقاء على قيد الحياة».

مزيج بين العويل والصفير

وحلّل الباحثون 83 تسجيلاً مصوّراً لـ19 قرداً من الإندري في البرّية، في غابة «ماروميزاها» ومحميّة «ميتسينجو» بمدغشقر. وتتبّعوا ملامح الوجه إطاراً بإطار، وربطوها بالصوت المتزامن معها، لاختبار ما إذا كان اتساع فتحة الفم يتنبّأ بحدّة النغمة.

وقال كاروغاتي: «لقد فعل ذلك بدرجة كبيرة جداً».

وأوضح أنّ أغنيات الإندري «كثيراً ما تُوصف بأنها مزيج من العويل والصفير، بنغمات طويلة وعالية، تصعد وتهبط، وتبعث الرهبة في النفس، وتكاد تبدو حزينة للأذن البشرية، لكنها في الوقت عينه منظَّمة بدقة، وتُؤدّى في ثنائيات تتشابك فيها عبارات الذكر والأنثى، عوضاً عن أن تتداخل وتتزامن فحسب».

وتؤدي هذه الأغنيات دوراً جوهرياً في علاقة مجموعات الإندري العائلية بمحيطها، وتضطلع بأكثر من وظيفة اجتماعية.

وقال كاروغاتي: «تتمثّل وظيفتها الرئيسية في إعلان الوجود، وكأنها تقول: نحن هنا، عبر بيئة طبيعية لا تستطيع فيها غالباً رؤية جيرانك وسط الغابات الكثيفة. والمثير للاهتمام أنّ هذه الأغنيات المرتبطة بتحديد المجال تميل إلى الإطالة تحديداً حين تلمح المجموعة مجموعة أخرى مجاورة، وكأن الرؤية المباشرة تُعزّز الأغنية».